النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
القران أفضل من التمتع والإفراد
ج - ١٠
٢٨٤٧- أبو حنيفة، عن حماد، عن طاوس، أنه قال: لو حججت ألف حجة
لم أدع أن أقرن بين الحج والعمرة، حتى إنا لندعوه الحج الأكبر، ونرى أن حج من لم
يقرن ليس بكامل. أخرجه محمد فى "الآثار" (٥٠)، و"جامع مسانيد الإمام"
(١-٥١٧).
منهما، سواء كان معه هدى أو لم يكن، ودل ذلك على خطأ تلك اللفظة. قلت: (كلا. فإنه لا
ضير فى أن يكون لعدم تخلله علتان، وليس من ترك ذكر شىء حجة على من ذكره) والحديث
الأول يقتضى القران، وقد أيده ما أخرجه ابن حبان فى "صحيحه" من حديث النزال بن سبرة: ثنا
على بن أبى طالب: أن رسول الله عَّ خرج من المدينة حاجا. وخرجت أنا من اليمن، قلت: لبيك
إهلالا كإهلال النبى معَّه، فقال النبى عرّ ◌ُله: ((فإنى أهللت بالعمرة والحج جميعا)). والحديث الثانى
ينفى الإفراد؛ لأن الهدى لا يمنع المفرد من الإحلال، فانتفى كونه عليه السلام مفردا، فالحديث
حجة على من اختار الإفراد (ومنهم الشافعى رحمه الله تعالى والبيهقى).
قال: ثم ذكر البيهقى حديث ابن عمر فى التمتع، وفيه: ثم لم يحلل من شىء حرم
سنة حتى قضى حجه وهديه ثم ذكره عن عائشة مثله. ثم قال: وحيث لم يتحلل من إحرامه
حتى فرغ من حجه. ففيه دلالة على أنه لم يكن متمتعا قلت: هذا لا يرد على فقهاء الكوفة
فعندهم المتمتع إذا أهدى لا يتحلل حتى يفرغ من حجه. وهذا الحديث أيضا ينفى كونه مفردا؛
لأن الهدى لا يمنع المفرد من الإحلال، فهو حجة على البيهقى وفى "الاستذكار": لا يصح عندنا
أن يكون (عَّه) متمتعا إلا بتمتع قران؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أنه عليه السلام لم يحل
من عمرته. وأقام محرما من أجل هديه إلى يوم النحر، وهذا حكم القارن لا المتمتع أهـ.
(أى عند المالكية والشافعية، فاندفع النظر الذى رآه صاحب "الجوهر النقى" فى كلام أبى عمر
فافهم ١ :٣٣٣).
قوله: "أبو حنيفة" إلخ، دلالته على كون القران أفضل وجوه الإحرام ظاهرة. وقوله: (خـ
إنا لندعوه الحج الأكبر)» دليل على أن أفضلية القران على غيره من التمتع والإفراد كان معروفا
مشهورا فى عصر التابعين رضى الله عنهم، ولا يمكن أن يكون ذلك معروفا عندهم إلا لسماعهم
فصله من الصحابة رضى الله عنهم، وفيه دلالة على أفضلية القران صريحة بينة. والله تعالى أعلم.

٢٦٢
إعلاء السنن إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
باب إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
وأما فسخ الحج إلى العمرة فكان خاصا بأصحاب رسول الله عَ ليه
٢٨٤٨ - عن أبى نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى
عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يدى دار الحديث، تمتعنا مع
رسول الله عَّ له، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وأن القرآن
قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن
أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة. وفى رواية: فافصلوا حجكم من
عمرتكم؛ فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم. رواه مسلم (٣-٣٥٨).
٢٨٤٩- عن عمر رضى الله عنه، أنه قال: إن أتم لحجكم وعمرتكم أن تنشئوا
لكل منهما سفرا. وعن ابن مسعود نحوه، أخرجه ابن أبى شيبة وغيره. "فتح
البارى" (٣-٢٧٦). قلت: وقد صرح الحافظ بكونه ثابتا عن عمر رضى الله عنه.
٢٨٥٠- عن عائشة رضى الله عنها فى عمرتها: أن النبى عّ لّه قال لها: ((إنما
أجرك فى عمرتك على قدر نفقتك)). أخرجه الشيخان. وفى لفظ للبخارى: ((على قدر
باب إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
وأما فسخ الحج إلى العمرة فكان خاصا بأصحاب رسول الله عَ ليه
قوله: "عن أبى نضرة" إلخ، قلت: المتعة التى اختلف فيها ابن عباس وابن الزبير هى المتعة
بمعنى فسخ الحج إلى العمرة، كما سنبينه إن شاء الله تعالى، وقد كان أمر النبى ماێ۔ بها أصحابه فى
حجة الوداع، ولم يكن أمرا عاما، بل خاصا بهذه السنة، كما علمه الأجلة من أصحابه مثل: عمر
رضى الله عنه وغيره، وقد نهى عنها عمر، وكان يضرب عليها كما سيأتى. وقوله: ((افصلوا
حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم" دليل على ما قلنا: إن إفراد الحج والعمرة
بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع.
قوله: عن "عمر" إلخ. دلالته على ما قلنا: إن إنشاء السفر بهما على حدة أفضل، ظاهرة.
قوله: "عن عائشة" إلخ، قلت: ولا يخفى أن فى إنشاء السفر للحج والعمرة على حدة زيادة
نفقة ونصب، فكان الإفراد أفضل. قال النووى: ظاهر الحديث أن الثواب والفضل فى العبادة يكثر

٢٦٣
ج - ١٠ ، إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
نفقتك أو نصبك)) وللحاكم: ((على قدر نصبك ونفقتك)). "فتح البارى" (٣-٣٩٦).
بكثرة النصب والنفقة. وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطرد، فقد يكون بعض العبادة أخف من
بعض، وهو أكثر فضلا وثوابا بالنسبة إلى الزمان، كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان
غيرها، وبالنسبة للمكان، كصلاة ركعتين فى المسجد الحرام بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعتها فى
غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة المالية والبدنية، كصلاة الفريضة إلى أكثر من عدد ركعاتها أو
أطول من قراءتها، ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من
التطوع، أشار إلى ذلك ابن عبد السلام فى "القواعد"، قال: وقد كانت الصلاة قرة عين النبى
سَّهِ، وهى شاقة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقتها مساوية لصلاته مطلقا، والله أعلم.
كذا فى "فتح البارى" (٣ - ٣٩٦). وهذا مما أفاده شيخنا حكيم الأمة غير مرة، وقد ظفرت بما
يؤيده ولله الحمد.
قال محمد فى "الموطأ": يعتمر الرجل ويرجع إلى أهله، ثم يحج ويرجع إلى أهله، فيكون
ذلك فى سفرين أفضل من القران، ولكن القران أفضل من الحج مفردا والعمرة من مكة، ومن
التمتع والحج من مكة؛ لأنه إذا قرن كانت عمرته وحجته من بلده، وإذا تمتع كانت حجته مكية،
وإذا أفرد بالحج كانت عمرته مكية، فالقران أفضل، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله والعامة من
فقهائنا اهــ (١٩٥).
وقال الحافظ فى "الفتح": أما التمتع فالمعروف أنه الاعتمار فى أشهر الحج، ثم التحلل من
تلك العمرة، والإهلال بالحج فى تلك السنة، قال الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما
استيسر من الهدى﴾ ويطلق التمتع فى عرف السلف على القران أيضا. قال ابن عبد البر: لا خلاف
بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ أنه الاعتمار(١) فى أشهر
الحج قبل الحج. قال: ومن التمتع أيضا القران(٢)، لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده.
ومن التمتع أيضا فتح الحج إلى العمرة انتهى وأما القران فصورته الإهلال بالحج والعمرة معا وهذا
لا خلاف فى جوازه، أو الإهلال(٣) بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه، وهذا مختلف فيه.
(١) أعم من أن يقع التحلل من العمرة أم لا.
(٢) قال ابن القيم فى شرح حديث سعد: تمتع رسول الله عَّ له وتمتعنا معه: مراده بالتمتع هنا بالعمرة إلى الحج أحد نوعيه، وهو
التمتع بالقران؛ فإنه لغة القرآن، والصحابة الذين شهدوا التنزيل والتأويل شهدوا بذلك، ثم أيده بأحاديث (زاد المعاد ١- ١٨٤).
(٣) هذا أيضا يجوز عندنا إذا أدخل عليها الحج قبل الإتيان بأكثر أشواط طوافه للعمرة.

٢٦٤
إعلاء السنن إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
وأما الإفراد فالإهلال بالحج وحده فى أشهره عند الجمع، وفى غير أشهره عند من يجيزه،
والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء، وأما فسخ الحج فالإحرام بالحج ثم يتحلل منه بعمل
عمرة، فيصير متمتعاً. وفى جوازه اختلاف آخر اهـ. (٣- ٢٧١).
إذا علمت هذا فلا يذهب عليك أن المتعة التى نهى عنها عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى
الحج هى المتعة بمعنى فسخ الحج إلى العمرة، بقرينة قرله: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء.
ففيه دلالة صريحة على أنه أراد بالمتعة ما كان جوازه مختصا بالنبى معيّة، وأصحابه، وليست إلا
المتعة بمعنى الفسخ؛ فإن المتعة بدون الفسخ جائزة بنص الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فمن تمتع
بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾. وقد صح عن عمر القول بجوازها فقد ذكر الأثرم عنه
فى "سننه" من غير وجه أنه قال: لو حججت لتمتعت ثم لو حججت لتمتعت. وذكر عبد الرزاق
فى "مصنفه" عن سالم بن عبد الله، أنه سئل عن نهى عمر عن متعة الحج؟ قال: لا أبعد كتاب الله
تعالى؟ وذكر عن نافع: أن رجلا قال له: أنهى عمر عن متعة الحج؟ قال: لا وذكر عن ابن عباس:
أنه قال هذا الذى يزعمون أنه نهى عن المتعة يعنى عمر سمعته يقول: لو اعتمرت ثم حججت
لتمتعت. كذا فى "زاد المعاد" (١- ٢١٢).
وفهم منه العلامة الحافظ أبو محمد بن حزم أن عمر رضى الله عنه رجع إلى القول بالتمتع
بعد النهى عنه، ذكره ابن القيم، وليس بصحيح؛ لما عرفت من إطلاق المتعة على معان عديدة، فالتى
نهى هو عنها غير التى قال بجوازها، فلا يصح دعوى الرجوع ما لم يثبت عنه القول بجواز فسخ
الحج إلى العمرة، ودون إثباته خرط الفتاد قال الحافظ فى "الفتح": وقال عياض: الظاهر أنه أى عمر
نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها كما رواه مسلم، بناء على معتقده أن الفسخ كان
خاصا بتلك السنة، ويمكن أن يتمسك من يقول بأنه إنما نهى عن الفسخ بقوله فى الحديث الذى
أشرنا إليه قريبا من مسلم: إن الله يحل لرسوله ما شاء. والله أعلم اهـ. (١ - ٢٧٠).
قلت: وهو الذى فتحنا به الباب، وزعم بعضهم كالنووى وغيره أنه نهى عن المتعة المعروفة
التى هى الاعتمار فى أشهر الحج. من عامه، وتمسكوا بحديث أبى موسى الأشعرى عند مسلم قال:
قدمت على رسول الله عَّ ◌ُّه، فقال: ((بم أهللت)؟ قلت: أهللت بإهلال النبى معَّ له، قال: ((هل سقت
من هدى))؟ قلت: لا، قال: فطف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أحل فطف بالبيت والصفا والمروة)).

٢٦٥
ج - ١٠
إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
ثم أتيت امرأة قومى، فمشطنى وغسلت رأسى، فكنت أفتى الناس بذلك (أى بفسخ الحج إلى
العمرة) فى إمارة أبى بكر وإمارة عمر، فإنى لقائم بالوسم إذ جاءنى رجل فقال: إنك لا تدرى ما
أحدث أمير المؤمنين فى شأن النسك؟ فقلت: أيها الناس! من كنا أفتيناه بشىء فليتئد، فهذا أمير
المؤمنين قادم عليكم. فيه فائتموا فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذى أحدثت فى شأن
النسك؟ قال: أن نأخذ بكتاب الله، فإن الله قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. وأن نأخذ بسنة نبينا،
فإن النبى عَّه لم يحل حتى نحر الهدى وفى رواية: فقال عمر: قد علمت أن النبى معَّه قد فعله
وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن فى الأراك ثم يروحون فى الحج تقطر رؤوسهم
أهـ. (٣ - ٣٧٧).
قالوا: فقوله: فعله النبى معَّهِ وأصحابه (أى أمر به، لأنه عَّه لم يفسخ حجه إلى العمرة
قط، كما تظافرت به الأحاديث) ولكن كرهت إلخ، يدل على أنه كان ينكر التمتع المعروف قلنا:
إنه أطلق الكراهة وأراد التحريم، وكثيرا ما يطلق ذلك، ولم يكن ليمنع بالرأى ما جوزه النبى عد ◌ّ.
وإنما تمسك لحرمة الفسخ بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ ورأى أن ما أمر به النبى عد ◌ّه
أصحابه رضى الله عنهم إنما كان لعلة، وقد ارتفعت، وقوله: "ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن
فى الأراك" ليس بعلة للنهى عن الفسخ. بل العلة إنما هى فى قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾
إلخ، وذكر الكراهة إنما هو لتأيد النص بكونه موافقا للقياس.
وبالجملة فقول عمر: "إن الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء وأن القرآن قد نزل منازله، وأتموا
الحج والعمرة لله كما أمركم الله" صريح فى أنه كان ينهى عن الفسخ دون المتعة المعروفة، فإن
المنافى للإتمام المأمور به فى قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ إنما هى المتعة بمعنى الفسخ، دون
المتعة بمعنى الاعتمار فى أشهر الحج ثم الحج من عامه، فليس فيها إبطال الحج قبل الإتيان بأفعاله،
بل فيها إتمام العمرة أو لا، وإتمام الحج ثانيا، وقد أجازها عمر رضى الله عنه كما تقدم.
واغتر العلامة ابن القيم بما فى حديث أبى موسى من قوله: "يا أمير المؤمنين! ما هذا الذى
أحدثت فى شأن النسك"، فادعى أن هذا انفاق من أبى موسى وعمر على أن منع الفسخ إلى المتعة
والإحرام بها ابتداء إنما هو رأى منه أحدثه فى النسك، ليس عن رسول الله عَّ له، وإن استدل له بما
استدل اهـ من "زاد المعاد" (١-٢١٥).

٢٦٦
إعلاء السنن إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
٢٨٥١- عن سليم بن الأسود: أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة:
لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله عّ لّه. رواه أبو داود.
٢٨٥٢- ولمسلم والنسائى وابن ماجه عن إبراهيم التيمى، عن أبيه، عن أبى ذر،
قال: كانت المتعة فى الحج لأصحاب محمد عَ لَه خاصة. "نيل الأوطار" (٤-٢١٤).
قلت: لفظ الإحداث لا يختص بالقول بالرأى، قد يطلق بمعنى الإظهار، وههنا كذلك، فإن
عمر رضى الله عنه قد أظهر من الفسخ مختصا بأصحاب رسول الله عَّ ◌ُلّه فى تلك السنة ما كان
خافيا على أبى موسى، كما يشعر به قوله: إن الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وأن القرآن قد نزل
منازله إلخ، فإنه صريح فى كون الفسخ مما أحل الله لرسوله: ولا يحل لغيره العمل ولا الأمر به، ألا
ترى أن جابرا يقول فى المتعين كليهما: فعلناهما مع رسول الله ◌َِّ، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد
لها؟ رواه مسلم. فهل تقول: بأن عمر نهى عن متعة النساء برأى منه أحدثه فى النكاح ليس عن
رسول الله عَّه؟ ولست أظنك قائلا، فما معنى قول جابر هذا؟ وهل معناه إلا أنه أظهر من النهى
عن متعة النساء ما كان قد خفى على مثل جابر رضى الله عنه، فعلى مثل ذلك يلزم حمل قول أبى
موسى: ما هذا الذى أحدثت فى شأن النسك؟ فافهم.
قوله: "عن سليم بن الأسود" إلخ، قلت: قد تواترت الروايات بذلك عن أبى ذر رضى الله
عنه، روى عبد الله بن الزبير الحميدى: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن المرفع، عن أبى ذر:
أنه قال: كان فسخ الحج من رسول الله عَّ لنا خاصة. وقال وكيع: حدثنا موسى بن عبيدة،
حدثنا يعقوب بن زيد، عن أبى ذر، قال: لم يكن لأحد بعدنا أن يجعل حجة فى عمرة، إنها كانت
رخصة لنا أصحاب محمد عَّهِ. وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا سلمة بن الفضل،
حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأسدى، عن يزيد بن شريك، قلنا لأبى ذر: كيف
تمتع رسول الله مَّه وأنتم معه؟ فقال: ما أنتم وذاك؟ إنما ذاك شىء رخص لنا فيه يعنى المتعة. وقال
البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر،
عن أبى بكر التيمى، عن أبيه، والحارث بن سويد، قالا: قال أبو ذر فى الحج والمتعة: رخصة
أعطاناها رسول الله عَ لّه. اهـ من "زاد المعاد" (١-٢١٣).
وفيه دلالة صريحة على أن فسخ الحج إلى العمرة كان مختصا بأصحاب النبی مێے، رخص
لهم فيه، ليس ذلك لغيرهم. وفيه دلالة على ما قدمنا أن المتعة التى قد رخص فيها رسول الله عَ ليه

٢٦٧
ج - ١٠ إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
٢٨٥٣- عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال، عن أبيه، قال:
قلت: يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: ((لنا خاصة)). رواه
لأصحابه دون غيرهم هى المتعة بمعنى فسخ الحج إلى العمرة، فإن أبا ذر يقول مرة: المتعة، ويطلقها،
ويفسرها أخرى بفسخ الحج إلى العمرة. وأما المتعة المعروفة فلم يقل باختصاص الأصحاب أحد،
كما ستعرفه إن شاء الله تعالى وأجاب عنه ابن القيم رحمه الله فى "زاد المعاد" بأن هذه الآثار بين
باطل لا يصح عن من نسب إليه البتة، وبين صحيح عن قائل غير معصوم، لا يعارض به نصوص
المعصوم أما الأول فإن المرفع ليس ممن يقوم بروايته حجة، فضلا أن يقدم على النصوص الصحيحة
الغير المدفوعة، وقد قال أحمد بن حنبل وقد عورض بحديثه: ومن المرفع الأسدى؟ وقد روى
أبو ذر عن رسول الله ج عَّ الأمر بفسخ الحج إلى العمرة وغاية ما نقل عنه إن صح أن ذلك
مختص بالصحابة، فهو رأيه، وقد قال ابن عباس وأبو موسى الأشعرى: إن ذلك عام للأمة اهـ
(٢١٣:١).
قلت: أما قول أحمد بن حنبل: ومن المرفع الأسدى؟ فغايته أنه لم يعرفه، وليس من لم يعرف
حجة على من قد عرف، ومرفع هذا هو مرفع بن عبد الله بن صیفی بن رباح بن الربيع التيمى
احنظلی الأسدی الکوفی، روی عن جدہ رباح، وعم أبیه حنظلة بن الربيع، وأبی ذر، وابن عباس.
وعنه أبنه عمر، وأبو الزناد. ويحيى بن سعيد الأنصارى، وموسى بن عقبة، ويونس بن أبى إسحاق،
· ذكره ابن حبان فى الثقات. قال الحافظ: وقال بن حزم عقب حديثه عن أبى ذر فى الحج: وحديثه
عن جده فى الجهاد مجهول وهو من إطلاقاته المردودة، كذا فى "تهذيب التهذيب" (١٠- ٨٨).
وكيف يكون مجهولا من روى عنه خمسة من الثقات، ولم يتفرد بما رواه؟ بل قد تابعه على ذلك
سلیم بن الأسود عند أبى داود، ویزید بن شريك التیمی عند مسلم، ويعقوب بن زيد عند و کیع،
وعبد الرحمن الأسدى، والحارث بن سويد عند البزار، كلهم عن أبى ذر بنحوه. وقد أودع مسلم
هذا الحديث فى "صحيحه"، فناهيك به صحة، وأما قوله: إن غاية ما نقل عنه إن صح أن ذلك
مختص بالصحابة، فهو رأيه، وهو معارض برأى ابن عباس، وأبى موسى الأشعرى، وسلمت
النصوص الصريحة. فسیأتیك جوابه فانتظر.
قوله: "عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن" إلخ، قلت: دلالته على أن فسخ الحج كان مختصا
بالصحابة من قول المعصوم ظاهرة، وقد بذل العلامة ابن القيم جهده فى رد هذا الحديث، واجتراً.

٢٦٨
إعلاء السنن إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القرآن والتمتع
الخمسة إلا الترمذى، وقال الحافظ: الحارث بن بلال من ثقات التابعين أهـ "نيل
الأوطار" (٤-٢١٤).
جرأة شديدة فى تعليظه، وتكلم فيه لأجل بلال بن الحارث، وقد أودعه أبو داود فى "ستنه"،
والنسائى فى "مجتباه"، وسكتا عنه، وصرح الحافظ بأن بلال بن الحارث هذا من ثقات التابعين
كما ذكر: فى "النيل". وقد ثبت فى الأصول أن من لم يعرف ليس بحجة على من عرف، فقول
ابن القيم: نحن نشهد بالله إن حديث بلال ابن الحارث هذا لا يصح عن رسول الله عليه رد عليه،
وليس يمينه هذه إلا مجازفة وجرأة، وأيم الله لو قال أحد منا معشر الحنفية بمثل ما قال، ورد حديثا
أخرجه أصحاب السنن وسكت عنه أبو داود والنسائى، لصاخ الذين يسمون أنفسهم بأهل الحديث
من بلادنا بأجمعهم. ورمونا عن حلق، وأخذوا فى ذم الرأى وأهله، وطعنونا بكل سوء، وقالوا:
هؤلاء معشر الحنفية، يردون حديث رسول الله عَ ليه برأيهم، ويقسمون بالله على أنه غلط. وإذا
فعل ذلك مثل ابن القيم وابن تيمية وغيرهما لم يذمه أحد، ولم يردوا عليه، وأغمضوا عنه. وهل
هذا إلا تحامل محض؟
وبعد ذلك فلنذكر دلائله التى اعتمد عليها؛ ليعلم الناظرون أنه بار فى يمينه أم حانث؟
وهيهات أن يمطر غيم يبرق ويرعد فمنها: ما رواه الشيخان عن ابن عباس: قدم النبى معَ ◌ّه
وأصحابه صبحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، وروى مثل ذلك جابر، وعائشة،
وحفصة أما المؤمنين وغيرهم، رضى الله عنهم. وهذا كما ترى لا حجة له فيه؛ فإنا لا ننكر كون
النبى عرّ ◌ُلِّ أمر من لم يكن معه هدى من أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، فلا يجدى ابن القيم ذكر
هذه الأحاديث وتطويل الكلام بها شيئا، فإذا نقول: قد كان ذلك كله، ولكنه كان مختصا
بالصحابة فى هذه السنة، ولم يذكر ابن القيم ما يرد ذلك علينا غير حديث سراقة بن مالك
المدلجى، أنه قال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: "للأبد". وهو أيضا مما لا يفيده أصلا،
ولا حجة له فيه؛ لأن سراقة لم يسأله عن الفسخ صراحة كما سأله عنه بلال بن الحارث، وإنما سأله
إشارة، فيحتمل أن يكون سأله عن فسخ الحج إلى العمرة، أو عن القران بين الحج والعمرة، أو
الاعتمار فى أشهر الحج الذى كان يعده أهل الجاهلية من أفجر الفجور، كما رواه الشيخان عن ابن
عباس، فذهب ابن القيم إلى الأول، وحمله على السؤال عن الفسخ بلا حجة وبرهان، وذهبنا إلى
أحد الاحتمالین الأخیرین، وعندنا على ما نقول دليل.

٢٦٩
ج - ١٠ إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
أما أولا فقد روى النسائي وابن ماجة عن طاوس، عن سراقة بن جعشم، قال: يا رسول الله!
أ رأيت عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: ((لا، بل للأبد، دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة)).
قال المنذرى: هو حديث حسن، كذا فى "نصب الرأية" (٥٢٢:١). فهذا كما ترى فيه تصريح
بأن سؤال سراقة إنما كان عن العمرة فى أشهر الحج لا عن الفسخ، نعم ورد فى حديث جابر
الطويل عند مسلم: أنه مرّ ◌ُّ لما طاف وسعى بين الصفا والمروة قال: ((إنى لو استقبلت من أمرى ما
استدبرت لم أسق الهدى، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها
عمرة))، فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله؟ ألعامنا هذا؟ فشبك رسول الله عد اله
أصابعه واحدة فى أخرى، وقال: ((دخلت العمرة فى الحج مرتين بل لأبد أبد)). الحديث (٣٦٤:٣).
فأخذ منه ابن القيم ومن وافقه من أهل الظاهر أن سؤال سراقة كان عن الفسخ، لكونه
مقرونا بقوله معرّ له: ((فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة)) وهذا كما ترى لا
حجة فيه أصلا، فإن کون هذا السؤال مقرونا بأمر الفسخ فى سياق واحد لا يستلزم كونه مقرونا
به فى الوقع، كيف؟ وقد ورد فى رواية حبيب المعلم، عن عطاء، عن جابر عند البخارى، وفى
رواية ابن جريج، عن عطاء، عن جابر عند مسلم: أن عائشة رضى الله عنها حاضت فنسكت
المناسك كلها غير أنها لم تطف، قال: فلما طهرت وطافت قالت: يا رسول الله! أ تنطلقون بعمرة
وحجة، وانطلق بحجة؟ فأمر عبد الرحمن بن أبى بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد
الحج فى ذى الحجة، وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقى النبى عّ لّه بالعقبة وهو يرميها، فقال: أ
لكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: (لا، بل للأبد)). "فتح البارى" (٣٩٤:٣). وهذا فيه بيان
المكان الذى سأل فيه سراقة، وليس مقرونا بأمر الفسخ، بل هو مقرون بقصة اعتمار عائشة فى ذى
الحجة بعد الحج، وليس حاصله إلا السؤال عن الاعتمار فى أشهر الحج الذى كان أهل الجاهلية
يعدونه من أفجر الفجور كما تقدم.
وأيضا فالسياق الذى تشبث به ابن القيم من حديث جابر الطويل قد ورد فيه: أن رسول الله
مَّهِ شبك أصابعه واحدة فى الأخرى. والتشبيك بين الأصابع يرجح أنه يغنى القران، ولا معنى
للتشبك على تقدير إرادة الفسخ، فإن الحج والعمرة لا يجتمعان فيه، بل يفترقان. وأيضا قوله عد له:
(دخلت العمرة فى الحج)) يرجح إرادة القرآن لهذه الوجه بعينه؛ فإن دخول شىء فى شىء يستدعى
اجتماعهما معا، وفى صورة الفسخ يبطل الحج بأفعال العمرة، ويحرم للحج ثانيا فافهم؛ فإن حديث

٢٧٠
إعلاء السنن إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
سراقة الذى زعمه ابن القيم من الجبال الراسيات التى لا تزعزعها الرياح، قد رأيت أنه يحتمل
وجوها عدیدة، والراجح منها یضرہ ولا ینفعه، فصار استدلاله به کثیبا مھیلا، تسفيه الریاح يمينا
وشمالا، فئلّه در بلال بن الحارث المزنى رضى الله عنه، حيث أجرى الله على لسانه أن يسأل رسول
اللّه عَّ عن فسخ الحج صريحاً: هل هو لنا خاصة أم للناس عامة؟ فأجاب بأن ذلك لنا خاصة ولم
يسأله عنه إشارة بلفظ يحتمل وجوها عديدة، كما فعله سراقة بن مالك رضى الله عنه.
فأنشدك الله يا ابن القيم - رحمك الله- هل عندك حديث صريح عن رسول الله عَ ليه بلفظ:
أن فسخ الحج كائن لأبد الأبد؟ وظنى أن دون ذلك مفاوز تنقطع فيها أعناق المطى، ولن تجد إلى
ذلك سبيلا، وليس عندك إلا قول ابن عباس وحده، ولكن قوله فى متعة الحج إنما هو كقوله فى
متعة النساء، لا يوافقه فيه أحد من الصحابة، وقد صرح جابر رضى الله عنه: بأن المتعتين فعلنا هما
مع رسولُ الله ◌َّ، ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما. كما ذكرناه فى المتن. وأبو موسى
الأُشعری کان یفتی بفسخ الحج أو لا، ثم نزع عنه حین فارض عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى
نهيه عن ذلك، واتفقا كما نقدم ذكره.
وأما عمران بن حصين فلم يثبت عنه صريحا أنه كان يقول بجواز الفسخ، وإنما ورد عنه فى
رواية أنه قال: تمتع نبى الله عَّه، وتمتعنا معه، ونزلت آية المتعة فى كتاب الله يعنى متعة الحج، ثم ثم
تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله مرّل حتى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء.
رواه مسلم (٣٨٢:٣). فحمل ابن القيم ومن وافقه ما فيه من لفظ المتعة على فسخ الحج، وهيهات
أن يكون عمر أن بن حصين أراده؛ لأنه يقول تمتع نبى الله مر ◌ّه، وقد اتفقت الروايات عن رسول
الله ،وبيّ أنه لم يفسخ حجه إلى العمرة قط، بل كان قارنا كما تقدم.
والحق الذى لا يصح غيره أن عمران بن حصين أراد بالمتعة القران. ودليله ما رواه حميد بن
هلال عن مطرف، قال: قال لى عمران بن حصين: إن رسول الله عّ لّه جمع بين حجة وعمرة، ثم
لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن. وما رواه قتادة عن مطرف، قال: بعث إلى عمران بن
حصين فى مرضه الذى توفى فيه، وقال: أعلم أن نبى الله مرَ ◌ّ قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم
ينزل فيها كتاب، ولم ينه عنها نبى الله مَّهِ، قال رجل(١) فيها برأيه ما شاء. أخرجه مسلم أيضا
(١) أراد بهذا القائل عمر رضى الله عنه، كما ورد التصريح به فى رواية محمد بن حاتم عند مسلم.

٢٧١
ج - ١٠ إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
٢٨٥٤- عن إبراهيم التيمى، عن أبيه، قال: قال أبو ذر: لا تصلح المتعتان إلا لنا
خاصة، يعنى متعة النساء، ومتعة الحج. رواه مسلم (٣- ٣٨٠ مع شرحه "إكمال
المعلم ).
(٣: ٣٨١-٣٨٢). وفيه بيان لمعنى المتعة التى كان عمران يجيزها، وهو الجمع بين الحج والعمرة،
وقد تقدم أن عمر رضى الله عنه لم ينه عن هذه المتعة، وإنما كان ينهى عن فسخ الحج إلى العمرة،
هذا هو الذى اشتهر عن عمر أى النهى عن الفسخ، كما قاله الأبى فى "شرح مسلم" (٣: ٣٨١).
ولعل عمران بلغه أن عمر رضى الله عنه ينهى عن المتعة، فحمله على النهى عن القران بين الحج
والعمرة، ولم يتبين مراده، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن إبراهيم التيمى" وقوله: "عن أبى نضرة" إلخ، قلت: دلالتهما على كون المتعتين
خاصتين بأصحاب النبى معَّ ظاهرة، ولا يجوز حملهما على أنه من رأى أبى ذر وعمر رضى
الله عنهما؛ فإن الخصوصيات لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الأصل فى الشرائع العموم، فقول أبى ذر:
لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، ونهى عمر عنهما محمول على السماع حتما، ولو حملنا قولهما
فى متعة الحج على الرأى؛ لكون ابن عباس رضى الله عنه يفتى بخلافه ويناظر عليه طول عمره، لزم
حمل قولهما فى متعة النساء على الرأى؛ أيضا؛ فإن ابن عباس كان يفتى بجوازهما معاً، ولم يقل به
أحد من العلماء إلا شرذمة قليلة من الشيعة - لا بارك الله فيها- بل صرح الجمهور بأن قول أبى ذر
وعمر فى متعة النساء محمول على السماع حتما، فكذلك قولهما فى متعة الحج، ومن ادعى الفرق
بينهما فليأت علیه ببرهان.
وكيف يظن بعمر رضى الله عنه أن ينهى عن متعة الحج برأيه، ولم ينه عن الرمل مع كونه
مخصوصا بالصحابة فى ما يظهر من قوله عّ لّ؟ فقد روى الشيخان عن ابن عباس، قال: قدم
رسول الله عَّه وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، قال المشركون: إنه يقدم غدا عليكم قوم
قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلى الحجر، فأمرهم النبى عّ لّ أن يرملوا ثلاثة
أشواط، ويمشوا ما بين الركنين؛ ليرى المشركون جلدهم وأخرج البخارى عن ابن عمر عن عمر،
قال: ما لنا وللرمل؟ إنما كنا رأينا به المشركين وقد أهلكم الله، ثم قال: شىء صنعه رسول الله معد له
فلا نحب أن نتركه. وأخرج أبو داود عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر يقول: أ فيم
الرمل وكشف المناكب؟ وقد أعز الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك فلا ندع شيئا كما

٢٧٢
إعلاء السنن إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
٢٨٥٥- عن أبى نضرة، قال: كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آت فقال: ابن
عباس وابن الزبير اختلفا فى المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله عَ ليه، ثم نهانا
عنهما عمر، فلم نعد لهما. رواه مسلم (٣٩٧:٣).
بفعله على عهد رسول الله عَ له اهـ من "نصب الراية" (٤٨٩:١).
فهل يجوز لأحد يؤمن بالله ورسوله، ويعرف منزلة عمر بن الخطاب، ومعرفته بالنبى وحبه
له، أن يقول: إنه نهى عن متعة الحج. وجعلها خاصة بأصحاب النبى معَ ◌ّه بمجرد رأيه من غير سابقة
فيها من النبى معٍَّ كلا، والله لا يظن به ذلك أبدا، ولو كان مخصصا أمرا برأيه لنهى عن الرمل
الذى لا يظهر للعمل به بعد النبى عّ لّه علة.
فما قاله ابن القيم فى "زاد المعاد": ونحن نشهد الله علينا إنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضا
علينا فسخه إلى عمرة، تفاديا من غضب رسول الله عَّ فيه، وأتباعا لأمره، فو الله ما نسخ هذا فى ،"
حياته ولا بعده، ولا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله سبحانه على لسان سراقة أن
يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجاب بأن ذلك كائن لأبد الأبد اهـ (٢١٠:١). ليس إلا مجازفة،
وتزيينا للقول بكلمات بديعة عظيمة، ليرهب بها من لا علم له بالحديث وفقهه، ولا معرفة له
بالأصول، فنحن نشهد بالله أن جابرا رضى الله عنه أعرف بحديث سراقة وقصة عائشة من ألوف
مثل ابن القيم وابن تيمية وغيرهما من العلماء. ومع ذلك هو يقول فى المتعتين كليهما: فعلنا هما
مع رسول الله مرّة، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.
فأنشدك الله يا ابن القيم، أ أنت أشد تفاديا من غضب رسول الله عَ ليه، وأكثر أتباعا لأمره
من جابر؟ حيث ينتهى هو عن الفسخ ينهى عمر، وأنت لا تنتهى عنه، ونقول: نشهد الله علينا لو
أحرمنا بالحج لرأينا فرضا علينا فسخه إلى عمرة. فهل تظن أن جابرا كان يطيع عمر رضى الله أشد
مما كان يطيع الله ورسوله. حيث انتهى عما نهاه عنه. ولم يخف من غضب رسول الله مثل تخافه
أنت؟ كلا، لا أظنك قائلا بذلك أبدا، فأيش هذه المجازفة فى الكلام، وتغليظ الأيمان فى غير محلها؟
فاعلم أن جابرا لم ينته عن المتعتين بعد ما فعلهما مع رسول الله عّ لّه إلا لعلمه بأن نهى عمر عنهما
لم يكن بمجرد رأيه، بل بما عنده من علم من رسول الله عَّ أنه خص أصحابه بهما دون غيرهم،
وكفى بحديث بلال بن الحارث المزنى تأييدا لعمر رضى الله عنه، وطعن ابن القيم فيه ورده له جرأة
شديدة، أما أولا فلأن رواته كلهم ثقات، وحارث بن بلال المزنى الذى طعن فيه ابن القيم من ثقات
ہے

٢٧٣
ج - ١٠ إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
٢٨٥٦- وعنه، عن أبيه، عن أبى ذر فى متعة الحج: ليست لكم، ولستم منها فى
شئ، إنما كانت رخصة لنا أصحاب رسول الله عَ ليه. رواه النسائى بسند صحيح. "زاد
المعاد" (١-٢١٣).
٢٨٥٧- وعنه، عن أبيه، قال: سئل عثمان عن متعة الحج؟ فقال: كانت لنا ليست
لكم. رواه أبو داود بسند صحيح. "زاد المعاد" (١-٢١٣).
التابعين كما تقدم. وأما ثانيًا فلأن قول أبى ذر يكون المتعة بمعنى الفسخ خاصة بأصحاب
النبى معَِّ، وكذا قول عثمان رضى الله عنه بمثله، ونهى عمر عن الفسخ، وإذ عان جابر وأبى
موسى الأشعرى لنهيه، مما يدل على أن لحديث بلال أصلا وإلا لم يجز لأحد أن ينهى عما جوزه
رسول الله عَّ، أو يجعله خاصا بالصحابة بمجرد الرأى.
قوله: "وعنه عن أبيه عن أبى ذر" وقوله: "وعنه عن أبيه قال: مثل عثمان" إلخ، دلالتهما
على كون الفسخ خاصا بالصحابة ظاهرة؛ لما تقدم من تفسير أبى ذر للمتعة بالفسخ، وسؤال بلال
ابن الحارث رسول الله عّ لّه عنه بهذا اللفظ، فلا يجوز تفسيرها بالمتعة المعروفة لعدم القائل بكونها
خاصة بالصحابة كيف؟ وقد روى ابن عباس: تمتع رسول الله مَ ◌ّه وأبو بكر حتى مات، وعمر
وعثمان كذلك، وأول من نهى عنه معاوية رواه أحمد فى "مسنده" والترمذى وقال: حديث
حسن. كذا فى "زاد المعاد" (٢١٩:١). وقد تقرر أن رسول الله عَ ليه لم يتمتع بالفسخ، بل تمتع
قارنا، وكذا أبو بكر، وعمر، وعثمان، لم يتمتعوا بالفسخ بعد النبى عدّ قط، ومن ادعى فليأت
بدليل واضح، ولا يجديه لفظ: تمتعوا؛ لما قدمنا من إطلاقه على معان عديدة، فمحال أن يقول
عثمان: كانت المتعة لنا ليست لكم، ثم يتمتع بعد رسول الله عدّ له.
فالحق ما قلنا: إن التى كانت خاصة بالصحابة فى تلك السنة هى المتعة بمعنى الفسخ. والتى
فعلها عمر وعثمان هى المعروفة بمعنى الاعتمار فى أشهر الحج بغیر الفسخ، وقد روی حماد بن
سلمة، عن قيس، عن طاؤس: عن ابن عباس، عن عمر: لو اعتمرت فى سنة مرتين ثم حججت
لفعلت فى حجتى عمرة "زاد المعاد" (٢٢٠:١) فقوله: "لفعلت فى حجتى عمرة" يدل بصراحته
على ما قلنا: إن عمر رضى الله عنه وكذا عثمان لم ينهيا عن المتعة المعروفة بمعنى القران والاعتمار
فى أشهر الحج، وإنما كانا ينهيان عن الفسخ فحسب. وقد حمل ابن القيم قول عمر: "لو حججت
لتمتعت" على المتعة بمعنى الفسخ. وهيهات أن يكون عمر أرادها أو أجازها، فقد اشتهر عنه النهى

٢٧٤
إعلاء السنن إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
٢٨٥٨- عن محمد بن نوفل: أن رجلا من أهل العراق قال له: سل لى عروة بن
الزبير عن رجل أهل بالحج فإذا طاف بالبيت أ يحل أم لا؟ قال: فسألته؟ فقال: لا يحل
من أهل بالحج إلا بالحج، فذكر الحديث وفيه: قد حج رسول الله مرّ له، فأخبرتنى عائشة
أن أول شئ بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم حج أبو بكر، فكان أول
شئ بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان، فرأيته
عن ذلك، وأنه كان يضرب عليها، وكذلك نهى عثمان ومعاوية عنها، ولم ينهيا عن القران
ولا عن المتعة المعروفة، نعم كانا يريان إفراد الحج عن العمرة بإنشاء السفرين لهما أفضل(١) من
جمعهما فى سفر واحد، ولهما سابقة فى ذلك عن عمر رضي الله عنه، بل عن النبى معَّ له كما
ذكرناه فى المتن. ويمكن أن يكون معاوية لما رأى فتيا ابن عباس قد تشغبت بالناس: إن من جاء مهلا
بالحج فإن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أو أبى. رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن
أبى الشعثاء، عنه. كما فى "زاد المعاد" (٢١٢:١)، عزم على الناس أن يبهلوا (٢) بالحج مفردین،
ولا يجمعوا العمرة معه، لا قرانا ولا تمتعا، سدا للذريعة؛ ليبين للناس صحة الحج إفرادا من غير
عمرة خلاف ما يقوله ابن عباس، ولم يكن معاوية متفردا فى الإنكار عليه، بل أنكرها الناس عليه
کلھم کما سیأتی.
قوله: "عن محمد بن نوفل إلخ" هكذا فى "زاد المعاد"، وفى مسلم. محمد بن عبد
الرحمن، وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل المشهور بيتيم عروة؛ لأن أباه كان أوصى إليه، ثقة
ثبت من رجال الجماعة، كما فى "تهذيب التهذيب" (٣٠٧:٩). وقول عروة: "لا يحل من أهل
بالحج إلا بالحج" فيه رد على من قال بفسخ الحج إلى العمرة، وإكثار عروة من الاحتجاجات يعمل
الخلفاء والمهاجرين والأنصار وغيرهم يشبه أن يكون احتجاجا بالإجماع، وتكذيبه لمن قال: المحرم
بالحج إذا طاف بالبيت حل، دليل على استقرار العمل واتفاق المسلمين على أن من أهل بالحج
لا يحل إلا بالحج، ولا يجوز له فسخه إلى العمرة، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعى. قال
النووى: وجمهور العلماء من السلف والخلف قالوا: إن فسخ الحج إلى العمرة كان مختصا
(١) وهذا هو محمل ما رواه الشيخان من خلاف على رضى الله عنهما فى المتعة، وإهلال على بالعمرة والحج معا، فإن هذا الخلاف
لم يكن فى الجواز ... بل فى الفضيلة، وأهل على بهما كيلا يظن الناس أن نهى عثمان محمول على كراهة القران والمتعة المعروفة.
(٢) ولذلك قال ابن عباس أن أول من نهى عن المتعة معاوية ١٢ ظ.

٢٧٥
ج - ١٠ إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
أول شئ بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم
حججت مع أبى الزبير بن العوام، فكان أول شئ بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن
عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت
فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها بعمرة. فهذا ابن عمر عندهم أ فلا يسألونه؟ ولا أحد
ممن مضى ما كانوا يبدأون بشئ حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا
يحلون، وقد رأيت أمى وخالتى حين تقدمان لا تبدآن بشئ أول من الطواف بالبيت،
بالصحابة فى تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به فى تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه
الجاهلية من تحريم العمرة فى أشهر الحج. وقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: يجوز فسخ الحج إلى
العمرة لكل أحد. كذا فى "نيل الأوطار" (٢٠٨:٤).
قلت: ولا متمسك لهم فى شىء من الأحاديث فإن تمسكوا بالأحاديث الواردة فى حجة
الوداع فليقولوا بوجوب الفسخ، فإن مفادها الوجوب؛ لكونه مآ أمرهم به، وعزم عليهم،
وغضب من ترددهم فيه كما مر. وإن تمسكوا بقول ابن عباس فمذهبه وجوب الفسخ أيضا كما
قاله ابن القيم، وقد أنكره عليه الناس قاطبة روى مسلم عن أبى حسان عن الأعرج قال: قال رجل
من الهجيم لابن عباس: ما هذه الفتيا التى قد تشغفت أو تشغبت بالناس: أن من طاف بالبيت فقد
حل؟ فقال: سنة نبيكم وإن رغمتم. وفى رواية له: قيل لابن عباس: إن هذا الأمر قد تشفع بالناس:
من طاف بالبيت فقد حل الطواف عمرة، قال: سنة نبيكم وإن رغمتم وعن عطاء قال: كان ابن
عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل. قلت (القائل ابن جريج) لعطاء: من أين
يقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ (قلت: ولا حجة له فى الآية؛
لأن المراد محل نحر الهدى، أى لا ينحر إلا فى الحرم، وإن حملناها على محل الهدى والمهدى
جميعا لزم حل مسائق الهدى بطواف البيت أيضا، وهو خلاف ما تواتر عن النبى معَّ له: أنه طاف
بالبيت أول ما قدم مكة، ثم مكث حراما ولم يحل حتى نحر الهدى بمنى) قال: قلت: فإن ذلك
بعد المعروف (أى الوقوف بعرفة) فقال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعروف وقبله، و كان يأخذ
ذلك من النبى عّ لله حين أمرهم أن يحلوا فى حجة الوداع اهـ (٣٩٤:٣ و٣٩٦).
قلت: ولا حجة له فى ذلك؛ لأن الذى أمرهم به فيها إنما هو فسخ الحج إلى العمرة،
لا التحلل من الحج بطواف البيت مطقا سواء كان للقدوم أو نحوه فافهم. وأخرج عبد الرزاق عن

٢٧٦
إعلاء السنن إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
تطوفان به، ثم لا تحلان. رواه مسلم فى "صحيحه". "زاد المعاد" واللفظ له والبخارى.
(١-٢١٦).
معمر، عن قعادة، عن أبى العشاء، عن ابن عباس، قال: من جاء مهلا بالحج فإن الطواف بالبيت
يصيره إلى عمرة، شاء أو أبى. قلت: إن الناس ينكرون ذلك عليك، قال: هى سنة نبيهم وإن
رغموا. "زاد المعاد" (٢١٢:١) ومفاد ذلك فى الظاهر وجوب فسخ الحج إلى العمرة دائما، ولم
يقل به أحد من العلماء، لا أحمد ولا أهل الظاهر بيد ابن القيم؛ فإنه تفرد من بين الأمة بتقليد ابن
عباس فى الوجوب كما فى "زاد المعاد" ونصه: كان شيخنا قدس الله روحه يقول: إن الصحابة
كانوا فرض عليهم الفسخ لأمر رسول الله مرّ له لهم به، وحتمه عليهم، وغضبه عند ما توقفوا فى
المبادرة إلى امتثاله، وأما الجواز والاستحباب فللأمة إلى يوم القيامة، لكن أبى ذلك البحر ابن عباس،
وجعل الوجوب للأمة إلى يوم القيامة، وأن فرضا على كل مفرد وقارن لم يسق الهدى أن يحل ولا
بد، بل قد حل وإن لم يشاءوا، أنا إلى قوله أميل منى إلى قول شيخنا اهـ (٢١٤:١).
وهذا ديدنه وديدن شيخه من قبل، يأخذان بما تركه الجمهور، ويعرفان ما أنكره السواد
الأعظم، يقلدان الشواذ من الأقوال، ويردان لها ما صح من الأحاديث، ويؤولانها على غير
محالها، كما فعلا فى مسألة الطلقات الثلث فى مجلس واحد ونحوها من المسائل، فهذه مسألة
فسخ الحج إلى العمرة، لم يقل بوجوبه غير ابن عباس، وأنكره عليه أهل عصره من الصحابة
والتابعين، ولأجل ذلك لم يذهب إليه أحد من العلماء، ولكن ابن القيم يقويه ويؤيده، ويشهد الله
عليه أنه فرض على الأمة، ولا يبالى ما يترتب عليه من كون الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين
وسائر المسلمين كأنهم تركوا فرضا من فرائض الله تعالى، واتخذوه وراءهم ظهريا، وهل هذا إلا
تحكم بارد؟ وهذا عروة بن الزبير ينكر هذا القول، ويكثر بخلافه من الاحتجاجات بعمل الخلفاء
والمهاجرين والأنصار، ويبين اتفاقهم على أن من أهل بالحج لا يحل إلا بالحج، ويناظر ابن عباس
كما رواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، قال: قال عروة: ألا تقى الله ترخص فى المتعة (أى
الحج) فقال ابن عباس: سل أمك يا عريبه، فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا، فقال ابن
عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله مګّـ، وتحدثونا عن
أبى بكر وعمر، فقال عروة: إنهما أعلم بسنة رسول الله مَّ ◌ُله، وأتبع لها منك. "زاد المعاد".

٢٧٧
ج - ١٠
إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
٢٨٥٩- عن وبرة، قال: كنت جالسة عند ابن عمر، فجاءه رجل، فقال: أ يصلح
بى أن أطوف بالبيت قبل أن آتى الموقف؟ فقال: نعم، فقال: فإن ابن عباس يقول:
لا تطف بالبيت حتى تأتى الموقف، فقال ابن عمر: فقد حج رسول الله عَ ◌ّه، فطاف
قلت: ولا حجة لابن عباس فى قول أسماء بنت أبى بكر أم عروة؛ فإنها لم ترو إلا ما رواه
غيرها من الصحابة: أن رسول الله مَّ له أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. وأما أنه كان حكما عاما
للناس كلهم، أو خاصا بهؤلاء الركب الذين كانوا فى حجة الوداع، فهى لا تنطق فى ذلك
بحرف. وأما ما أجاب به أبو محمد بن جزم عروة كما نقله ابن القيم فى "زاد المعاد" بقوله: نحن
نقول لعروة: ابن عباس أعلم بسنة رسول الله مرّ له وبأبى بكر وعمر منك وخير منك، وأولى بهم
ثلاثتهم. فهذا إنما كان يستقيم إذا لم يخالف ابن عباس غير عروة، وأما إذا خالفه مثل ابن عمر،
وعبد الله بن الزبير، ومعاوية وغيرهم، فلا يصح القول بأن ابن عباس أعلم بسنة رسول الله عرّ له
وأتبع لها منهم أجمعين، لا سيما وقد اشتهر من مذهب عمر أنه كان ينهى عن الفسخ، ويضرب
الناس عليها، وكذا عثمان، وجعله خاصا بأصحاب النبى مّ، فمن قال بجوازه أو وجوبه بعد
ذلك فكأنه يدعى كونه أعلم بسنة رسول الله عَ ليه. وأتبع لها منهما، فعروة لم يلزم ابن عباس بعلمه
ومعرفته، بل بما تواتر وعرفه الناس من مذهب أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم، ولأجل
ذلك سكت ابن عباس، ولم يقل: أنا أعلم بأبى بكر وعمر منك فافهم.
قوله: "عن وبرة" إلخ، قلت: وإنما قال ابن عباس: لا تطف بالبيت حتى تأتى الموقف، بناء
على قوله: إن من طاف بالبيت حاجا أو غير حاج فقد حل، فإن أراد المحرم بالحج أن يبقى محرما
لزمه أن لا يطوف بالبيت قبل وقوفه بعرفة. وفيه دليل على أنه لم يكن يرى فسخ الحج إلى العمرة
واجبا، بل الحاج عنده بالخيار بين أمرين: إما أن يطوف بالبيت قبل الوقوف فيحل ويحرم بالحج
ثانيا، وإما أن لا يطوف ويبقى محرما إلى أن يقف بعرفة، وهذا مما لم يقل به أحد من الصحابة،
وأنكروه عليه، منهم ابن عمر رضى الله تعالى عنهما، وبهذا ظهر ضعف ما عزاه ابن القيم إلى ابن
عباس رضى الله عنهما من القول بوجوب الفسخ، بناء على ما رواه أبو الشعثاء عنه أنه قال: من
جاء مهلا بالحج فإن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أو أبى فإنه لا دلالة فيه على وجوب
التحلل بالطواف، بل غاية ما فيه أنه كان يرى الطواف بالبيت محللا، ولذا كان يمنع من لم يرد
التحلل قبل الوقوف عن الطواف قبله. فأعظم الله عزاءنا فيك يا ابن القيم، حيث لم يبق بيديك

٢٧٨
إعلاء السنن إفراد الحج والعمرة بإنشاء السفر لهما على حدة أفضل من القران والتمتع
بالبيت قبل أن يأتى الموقف، فبقول رسول الله عّ لّه أحق أن تأخذ، أو بقول ابن عباس إن
كنت صادقا؟ رواه مسلم فى "صحيحه" (٣ -٣٨٦ مع شرحه).
دليل تعتمد عليه، ولا ملجأ تلتجئ إليه، وظنى أنك قد خشت فى يمينك التى أشهدت الله عليها،
فعفا الله عنا وعنك، وهدانا الصراط المستقيم بير كتك آمين.
فإن قيل: كيف صح إلزام ابن عمر لابن عباس بطواف رسول الله عربية قبل أن يأتى الموقف؟
وقد كان رسول الله عَ لّه سائق الهدى، وسائقه لا يحل بالطواف قبل الوقوف، بل بنحر هديه
بمنى. قلنا: إن الطواف بالبيت محلل عند ابن عباس مطلقا، ولم يثبت عنه تقييده بمن لم يسق
الهدى فى رواية أصلا، ومن ادعى فعليه البيان. ورحم الله ابن القيم حيث يدعى تقليد هذا البحر،
ويقيد قوله بما لم يقيده به، وهكذا يفعل من ترك السواد الأعظم واتبع الشواذ من الأقوال.
وقد اختلفت الروايات فى كيفية الفسخ، فأكثرها يفيد أنه مرّ ◌ُلّه قال للناس عامة: ((من كان
منكم أهدى فإنه لا يحل من شىء حرم منه حتى يقضى حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت
وبين الصفا والمروة، فليقصر وليحل، ثم ليهل بالحج)). وظاهره عموم هذا الأمر للمفردين والقارنين
والمعتمرين جميعا. وروى مسلم فى "صحيحه" من حديث الزهرى عن عروة، عن عائشة رضى
الله عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله مَّ له عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل
بالحج، حتى قدمنا مكة، فقال رسول الله عَّ ◌ُله: ((من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم
بعمرة وأهدی فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فلیتم حجه)). وذكر باقى الحدیث. وروى
فى "صحيحه" أيضا من حديث مالك، عن أبى الأسود عن عروة، عنها: خرجنا مع رسول الله
عَّ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، فأما
من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر.
وروى ابن أبى شيبة: حدثنا محمد بن بشير العبدى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، حدثنى يحيى
ابن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله عَّه للحج على ثلاثة
أنواع: فمنا من أهل بعمرة وحجة، ومنا من أهل بحج مفرد، ومنا من أهل بعمرة مفردة، فمن كان
أهل بحج وعمرة معا لم يحل من شىء مما حرم منه حتى يقضى مناسك الحج، ومن أهل بحج مفرد
لم يحل من شىء حرم منه حتى يقضى مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة فطاف بالبيت
وبالصفا والمروة، حل مما حرم منه حتى يستقبل حجا. كذا فى "زاد المعاد" (٢١٦:١).

٢٧٩
ج - ١٠
باب يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
٢٨٦٠- عن على رضى الله عنه: أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف طوافين،
الث. أخرجه النسائی فی مسند على،
وسعى سعيين، وحدث: أن. من المه صّالله
ورواته مو ثقـ
٢٨٦١- عن حماد بن عبد الرحمن الأنصارى، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية،
قال: طفت مع أبى وقد جمع الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين،
وحدثنى: أن عليا رضى الله عنه فعل ذاك، وحدثه: أن رسول الله عّ لّه فعل ذلك.
أخرجه النسائى فى "سننه الكبرى"، وسنده حسن. "فتح القدير" (٢-٤١٥).
وقد أشكل الجمع بين هذه الروايات على القائلين بالفسخ، فأخذوا ببعضها، وردوا بعضها،
أو تجشموا فى تأويلها، ونحن نقول: إذا اختلفت الروايات فى أمر الفسخ ثبوتا وبقاء لزم المصير إلى
أقوال الصحابة وعمل الأجلة منهم، فرأينا عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه كان ينهى عنه،
ويضرب الناس عليه، وكذا نهى عنه عثمان، وجعله خاصا بأصحاب النبى مّ، وكذلك أبو ذر،
وأيدهم حديث بلال المزنى مرفوعا، ورأينا أبا موسى الأشعرى وجابرا رضى الله عنهما قد وافقا
عمر، ولم يختلفا عليه، وأنكر الناس على ابن عباس فى فتياه التى تشغبت بالناس كما مر، ورأينا
أمر الفسخ على خلاف القياس؛ فإن الأصل فى الأعمال إتمامها دون إبطالها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا
تبطلوا أعمالكم﴾. فلزمنا القول بقصر الفسخ على مورده، لا يجوز تعديته إلى غيره، كما قال عمر
رضى الله تعالى عنه: إن الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وأن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج
والعمرة لله كما أمركم الله. وقد بسطت الكلام فى هذا المقام؛ لكونه من مزال الأقدام، ومعتركات
الأفهام، وظنى أن تائيد الجمهور فى هذه المسألة مما قد تفردت به، ولله الحمد، فإن أكثر العلماء لم
يجيبوا عن دلائل ابن القيم بما يشفى الغليل، ويميز الصحيح عن العليل، والحمد لله أزلا وآخرا،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبى وعلى آله وأصحابه دائما متواترا.
باب يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
قوله: "عن على" إلخ: قلت: دلالته على الباب ظاهرة. قوله: "عن حماد بن عبد الرحمن"
إلخ، قلت: وحماد هذا وإن ضعفه الأزدى فقد ذكره ابن حبان فى الثقات، كما فى "التهذيب"
(١٨:٣)، فلا ينزل حديثه عن الحسن كما فى "فتح القدير" (٤١٥:٢).

٢٨٠
يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين
إعلاء السنن
٢٨٦٢- أخبرنا أبو حنيفة، ثنا منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعى، عن أبى
نصر السلمى، عن على بن أبى طالب، قال: إذا أهللت بالحج والعمرة فطف لهما
طوافين، واسع لهما سعيين بالصفا والمروة. قال منصور: فلقيت مجاهدا وهو يفتى
بطواف واحد لمن قرن، فحدثته بهذا الحديث، فقال: لو كنت سمعته لم أفت إلا
بطوافين، وأما بعده فلا أفتى إلا بهما. أخرجه محمد فى "الآثار" (٥٠). وفى "فتح
القدير" (٤١٦:٢): لا شبهة فى هذا السند اهـ. وقد رواه الدار قطنى فى "سننه" أيضا،
وقد احتج به مجاهد، وترك به قوله الأول، وهو إمام مجتهد، فأخذه به تصحيح له كما
قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ، قلت: أعله الحافظ فى "الدراية" بأن قال: فى سنده راو
مجهول. (٢٠٤). ولعله أراد به أبا نصر السلمى، ولكن ذكره ابن خلفون فى الثقات، وسمى أباه
عمروا، وذكره فى شيوخه ابن عمر، وفى الرواة عنه ابنه، ومالك بن الحارث، وإبراهيم النخعى،
کذا فی "کشف الأستار" (١٣٢)، " وتعجيل المنفعة" (٥٢٣). فکیف یکون مجهولا وقد روى
عنه ثلاثة؟، والمجهول لا يوثق، فمن وثقه فقد عرفه وإن جهله غيره. وأيضا فقد احتج بحديثه
منصور بن المعتمر على مجاهد، ونبهه به على خطأه فى الفتوى، وأذعن مجاهد له، ومثل هذا
لا یکون مجهولا قط، فيكفينا معرفة منصور ومجاهد به، ولا يضرنا جهل غيرهما إياه، وناهيك
بقول محمد بن الحسن الإمام المجتهد فى "موطأه": ثبت ذلك بما جاء عن على بن أبى طالب أنه
أمر القارن بطوافين وسعيين، وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا اهـ (١٩٥).
واستدلال المجتهد بحديث تصحيح له، كيف؟ وقد تابع أبا نصر هذا عبد الرحمن بن أذينة،
فروی عن علی مثله.
وقال الحافظ فى "الفتح": ومما يضعف ما روى عن على من ذلك أن أمثل طرقه رواية عبد
الرحمن بن أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحج أن يدخل عليه العمرة،
وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، والذين احتجوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة
على الحج اهـ. فقد اعترف بكون رواية عبد الرحمن بن أذينة أمثل الطريق عن على، وأما تضعيفه
إياها بالعلة التى ذكرها فليس من وظيفة المحدث كما لا يخفى، على أن الحنفية قائلون بامتناح
إدخال العمرة على الحج أيضا إذا شرع فى شىء من أعمال الحج، وهو محمل الأثر عندهم، وأما
قبل الشروع فى أعماله فلا؛ لما ثبت عن النبى معَّ له أنه أحرم بالحج أولا، فلما بلغ العقيق قال: ((لبيك