النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
مسائل شتى من أفعال الحج
إعلاء السنن
٢٨٣٣- روى ابن أبي شيبة فى "مصنفه" بأسانيد جيدة عن عائشة وابن عباس
رضى الله عنهم: إن شئت فاشعر، وإن شئت فلا. "عمدة القارئ" (٤-٧١٢). وقال
التفاوت فى الأجر، ولا يستلزم أنه فى الشرع خصوص الجزور اهـ ملخصا (٢ - ٤٠٨). قلت:
وهذا هو ما استحسنه شيخنا، وثمرة الخلاف أنه إذا طلب الشارع من المكلف بدنة خرج عن
العهدة بالبقرة عندنا، كما يخرج بالجزور، وعند الشافعى رحمه الله لا يخرج إلا بالجزور. ذكره
المحقق فى "الفتح" أيضا.
قوله: "روى ابن أبى شيبة" إلخ، قال الحافظ فى "الفتح" فى باب إشعار البدن، وقد ذكر
البخارى حديث عروة عن المسور معلقا: قلد النبى عّ لّ الهدى وأشعره وأحرم بالعمرة اهـ، ما
نصه: وفيه مشروعية الإشعار، وهو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم، ثم يسلته، فيكون ذلك
علامة على كونه هديا، وبذلك قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاوى فى اختلاف
العلماء كراهته عن أبى حنيفة، وذهب غيره إلى استحبابه للاتباع، حتى صاحباه أبو يوسف
ومحمد، فقالا: هو حسن. قال: وقال مالك: يختص الإشعار بمن لها سنام. قال الطحاوى: ثبت
عن عائشة وابن عباس التخيير فى الإشعار وتركه، فدل على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه؛
لثبوت فعله عن النبى عديدة ..
وقال الخطابي: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود، بل هو باب آخر، كالكى،
وشق أذن الحيوان ليصير علامة، وغير ذلك من الوسم، وكالختان، والحجامة، وشفقة الإنسان على
المال عادة. فلا يخشى ما توهموه من سريان الجرح حتى يفضى إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو
الملحوظ يقيده الذى كرهه، كأن يقول: الإشعار الذى يفضى بالجرح إلى السراية حتى تهلك
البدنة مكروه، فكان قريبا، وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبى حنيفة فى إطلاقه كراهة الإشعار.
وانتصر له الطحاوى فى "المعانى" فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يفعل على
وجه يخاف منه هلاك البدن كسراية الجرح، لا سيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سد الباب عن
العامة؛ لأنهم لا يراعو الحد فى ذلك، وأما من كان عارفا بالسنة فى ذلك فلا وفى هذا تعقب
على الخطابى حيث قال: لا أعلم أحدا كره الإشعار إلا أبا حنيفة. (وأنه لم يكره أصله وإنما كره
إشعار العامة من أهل زمانه).
وروى عن إبراهيم النخعى أيضا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذى، وقال: سمعت أبا

٢٤٢
ج - ١٠
مسائل شتى من أفعال الحج
مصر
الطحاوى: ثبت عن عائشة وابن عباس التخيير بين الإشعار وتركه، فدل على أنه لبس
بنسك. قاله الحافظ فى "الفتح" (٣-٤٣٤).
السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال له رجل: روى عن إبراهيم النخعى أنه قال: الإشعار مثلة.
فقال له وكيع: أقول لك: أشعر رسول الله عَ ليه، وتقول: قال إبراهيم، ما أحقك بأن تحبس انتهى.
وفيه تعقب على ابن حزم فى زعمه أنه ليس لأبى حنيفة فى ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم فى هذا
الموضع، ويتعين الرجوع إلى ما قاله الطحاوى، فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه اهـ (٤٣٥:٣).
قال الحافظ: اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر فى ذلك بالإبل إلا سعيد بن المسيب، واتفقوا على
أن الغنم لا تشعر لضعفها، ولكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار اهـ. (٣: ٤٣٥).
وقال العينى فى "العمدة" بعد ما ذكر قول ابن حزم وتشنيعه على أبى حنيقة رحمه الله ما
نصه: قلت: هذا سفاهة وقلة حياء؛ لأن الطحاوى الذى هو أعلم الناس بمذاهب العلماء ولا سيما
بمذهب أبى حنيفة لم يكره أصل الإشعار، ولا كونه سنة، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه
هلاكها لسراية الجرح، لا سيما فى حر الحجاز مع الطعن بسنان أو الشفرة، فأراد سد الباب على
العامة؛ لأنهم لا يراعون الحد فى ذلك، وأما من وقف على الحد فقطع الجلد دون اللحم فلا يكره.
وذكر الكرمانى صاحب "المناسك" عنه استحسانا، قال: وهو الأصح، لا سيما إذا كان بمبضع
ونحوه، فيصير كالفصد والحجامة. والجواب عما نقله الترمذى عن وكيع، وعما قاله الخطابى،
وعن قول كل من يتعقب على أبى حنيفة بمثل هذا، يحصل مما قاله الطحاوى. وقد رأيت كل ما
ذكروه فيه أريحية العصبية، والحط على من لا يجوز الخط عليه، وحاشا من أهل الإنصاف أن
يصدر منهم ما لا يليق ذكره فى حق الأئمة الأجلاء، وهذا ابن عباس وعائشة رضى الله عنهم قد
خيرا صاحب الهدى فى الإشعار وتركه على ما ذكرناه عن قريب، وهذا يشعر منهما أنهما كانا لا
يريان الإشعار سنة ولا مستحبا اهـ ملخصا. (٤ - ٧١٢).
قلت: ويؤيد ما حكاه الكرمانى عن أبى حنيفة رحمه الله أنه استحسن الإشعار قول محمد
فى "المؤطا" بعد ما ذكر أحاديث تقليد البدن وإشعارها: قال محمد: وبهذا نأخذ، التقليد أفضل
من الإشعار، والإشعار حسن اهـ. (١٩٧). وقال صاحب "الهداية": وقيل: إنما كره إيثاره على
التقليد اهـ، أى لأن له ذكرا فى الكتاب فى قوله تعالى: ﴿لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا
الهدى ولا القلائد﴾. وقوله سبحانه: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام

٢٤٣
مسائل شتى من أفعال الحج
إعلاء السنن
٢٨٣٤- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: كنت أفتل القلائد للنبى عليه،
فيقلد الغنم ويقيم فى أهله حلالا. أخرجه البخارى. "فتح البارى" (٣-٤٣٧).
والهدى والقلائد﴾. ولا ذكر للإشعار فى الكتاب، ولم يرد الأمر به فى السنة، وغاية ما ثبت بها
فعله، وهو يحتمل الوجوه، منها ما ذكره صاحب "الهداية": أن إشعار النبى مّ له كان لصيانة
الهدی؛ لأن المشر کین لا يمتنعون عن تعرضه إلا به.
فإن قيل: هذا إنما يتم فى إشعار عام الحديبية وهو مفرد بالعمرة، لا فى إشعاره هدايا حجة
الوداع، حيث لا يوجد هناك أى بمكة مشرك. قلنا: أراد تعرضهم للطريق حال السفر؛ لتسامعهم
بمال لسيد المسلمين صلاة الله وسلامه. عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وما أجليت اليهود
والنصارى والمشركون عن جزيرة العرب إلا فى خلافة عمر رضى الله عنه، كما هو معروف عند
أهل السير فافهم. وبالجملة فلا شك فى كون التقليد أفضل من الإشعار بدليل ما قلنا، فكره أبو
حنيفة إيثاره عن التقليد، ولم يكره أصل الإشعار. قال الطحاوى: وكيف يكره ذلك مع ما اشتهر
فيه من الآثار، وإنما كره إشعار أهل زمانه " كفاية" (٢- ٤٢٦ مع "الفتح").
وأما ما قاله الخطابى: ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيده الذى كرهه به. كأن يقول: الإشعار
الذى يفضى إلى هلاك البدنة مكروه إلخ، فكلام لا يصدر مثله عن منصف قد برئ عن العصبية؛
فإن تقييد المطلق وتخصيص العام بقرائن معلومة لم يزل من دأب الفقهاء وأصحاب المذاهب
قاطبة، والشافعية حظ وافر فى هذا الباب، لا يزالون يقيدون ما أطلق إمامهم وإمامنا السيد
الشافعى رضى الله عنه، كما لا يخفى على من طالع كتبهم ومارس فقههم، والله تعالى أعلم. وإن
سلمنا أن أبا حنيفة كره أصل الإشعار؛ لظنه أنه مثلة، وأنها أى المثلة منهى عنها، وإذا وقع التعارض
بین کون الشیء سنة وبین کونه مثلة فالترجيح للمحرم فنقول: لعله كان قد قال ذلك أولا ثم رجع
عنه، بدليل أن محمدا ذكر فى "الموطأ" استحسانه مطلقا، ولم يذكر فيه خلافا. ومن عادته ذكر
: اختلاف أبى حنيفة وأبى يوسفي فى موضع الخلاف فافهم. ولم يزل من دأب المجتهدين رجوعهم
عن أشياء قالوا بها أولا، فهذا السيد الشافعى رحمه الله لم يوجد مسئلة إلا وله فيها قولان: قديم
وجديد، فانصف، ولا تعجل فى الطعن على الأئمة المجتهدين، أركان الإسلام، وأعمدة الدين.
قوله: "عن عائشة" إلخ)) قال صاحب "الهداية": وتقليد الشاه غير معتاد، وليس بسنة.
فأورد الحافظ عليه فى "الدراية" بقوله: أما كونه غير معتاد فمسلم، وأما كونه غير سنة فمردود،
:

ج - ١٠
مسائل شتى من أفعال الحج
٢٤٤
ففى "الصحيحين" عن عائشة قالت: أهدى رسول الله عّ لّ مرة غنما فقلدها اهـ (٢٠٣). قلت:
يالله العجب، وهل يثبت السنية بفعله عّ لّ مرة؟ وقد صرح فقهاءنا بأن السنة ما واظب عليه النبى
سَطَّه، أو خلفاءه الراشدون، أو ورد فى قوله معّ له ما يفيد طلبه مؤكدا، كما مر تحقيق ذلك منا فى
أبواب الصلاة وسننها، وإذا لم يكن هذا ولا ذاك فلا يثبت بمجرد فعله معَ ◌ّه غير الإباحة أو
الاستحباب، وقد اعترف الحافظ بكون تقليد الشاة غير معتاد، فثبت انتفاء المواظبة عليه كذلك، لم
يرد فى الكتاب والسنة ما يفيد طلب تقليدها، فصح ما قاله صاحب "الهداية": إنه ليس بسنة أيضا
وإن اصطلح الحافظ على أن السنة ما ثبت بفعله مرّ له ولو مرة، فلا مشاحة فى الاصطلاح، ولكن لا
يصح به الرد على صاحب "الهداية" فافهم.
وأيضا فإنه لم يرد نفى سنيته مطلقا. بل أراد أنه ليس بسنة فى هدايا الإحرام. ولم يثبت ذلك
بحديث عائشة أصلا. والذى ثبت به إنما هو تقليد الغنم حال كونه معلّ مقيما فى أهله حلالا،
كما هو مصرح به فى حديث المتن، ومن ادعى: أنه عّلّ قلد الغنم فى حجته، أو أحد من خلفائه
قلدها وساقها وهو محرم، فليأت ببرهان عليه.
قال العلامة العينى فى "العمدة": واحتج الشافعى بهذا الحديث أى حديث إبراهيم، عن
الأسود، عن عائشة، قالت: أهدى رسول الله عَّ ◌ُله مرة غنما. على أن الغنم تقلد، وبه قال أحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، وابن حبيب وقال مالك، وأبو حنيفة: لا تقلد وقال أبو عمر: احتج من لم يره
بأن الشارع إنما حج حجة واحدة لم يهد فيها غنما، وأنكروا حديث الأسود الذى فى البخارى فى
تقليد الغنم، قالوا: هو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة. وقال بعضهم (هو الحافظ ابن حجر فى
"الفتح" ٣- ٤٣٧): ما أدرى ما وجه الحجة فيه؛ لأن حديث الباب دل على أنه أرسلها وأقام،
فكان ذلك قبل حجته قطعا، فلا تعارض بين الفعل والترك؛ لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ
الجواز، ثم من الذى صرح من الصحابة بأنه لم يكن فى هداياه فى حجته غنم؟ حتى يسوغ
الاحتجاج بذلك انتهى.
قلت: الهدى الذى أرسل به النبى معَّ من الغنم ليس من هدى الإحرام، (وهو محل
النزاع، لا مطلق الهدى من الغنم) ولهذا أقام حلالا بعد إرساله، ولم ينقل أنه أهدى غنما فى
· إحرام، (وعدم النقل يكفى لنفى السنية وإن لم يكف لنفى الجواز) وقوله: "فلا تعارض بين الفعل

٢٤٥
مسائل شتی من أفعال الحج
إعلاء السنن
باب إبدال الھدی
٢٨٣٥- عن سالم، عن أبيه، قال: أهدى عمر بن الخطاب بختيا، فأعطى بها
ثلاث مائة دينار، فأتى النبى عَّه، فقال: يا رسول الله! إنى أهديت بختيا، فأعطيت بها
ثلاث مائة دينار، فأبيعها واشترى بثمنها بدنا؟ قال: ((لا، انحرها إياها)). رواه أحمد،
وأبو داود، والبخارى فى "تاريخه"، وابن حبان، وابن خزيمة فى "صحيحيهما". "نيل
الأوطار" (٤-٣٢٩).
والترك" كلام واهـ. فمن الذى ادعى التعارض بينهما؟ والتعارض تقابل الحجتين، وههنا الفعل لم
يوجد، فكيف يتصور التعارض حتى يحتاج إلى دفعه؟ قوله: "ثم من الذى صرح من الصحابة"
إلخ يرد بأن يقال: من الذى صرح منهم بأنهم كان فى هداياه فى حجته غنم؟ (أى ونسى الحافظ
أن الدليل على المدعى لا على المانع، فمن ادعى أن تقليد الغنم فى هدايا الإحرام سنة فليأت بدلیل،
وليس على المانع أن يقيم دليلا على منعه فافهم.
وقال هذا القائل أيضا: والحنفية فى الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدى. قلت: هذا
افتراء عليهم، ففى أى موضع قالت الحنفية: إن الغنم ليست من الهدى؟، بل كتبهم مشحونة بأن
الهدى اسم لما يبهدى إلى الحرم ليتقرب به، قالوا: وأدناه شاة؛ يقول ابن عباس: ما استيسر من
الهدى شاة. (أخرجه البخارى) وعن هذا قالوا: الهدى إبل، وبقر، وغنم، ذكورها وإنائها، حتى
قالوا: هذا بالإجماع، وإنما مذهبهم أن التقليد فى البدنة، والغنم ليست من البدنة، فلا تقلد لعدم
التعارف بتقليدها، ولو كان تقليدها سنة لما تركوها، قالوا فى الحديث المذكور: تفرد به الأسود،
ولم يذكره غيره على ما ذكرنا (والتفرد بما يعم به البلوى يستلزم الشذوذ عندنا) حتى قال صاحب
"المبسوط": إنه أثر شاذ. على أنا نقول: إنهم ما منعوا الجواز، وإنما قالوا: بأن التقليد فى الغنم ليس
بسنة. (والثابت بالحديث هو الأول دون الثانى) (٤ - ٧١٩)
باب إبدال الهدى
قوله: عن سالم إلخ، قال الشوكانى فى "النيل" بعد ما شنع على من جوز إبدال الهدى
المعين ما نصه: نعم إن صح ما ادعاه صاحب "ضوء النهار" من الإجماع على جواز إبدال الأدون
بأفضل كان حجة عند من يرى حجية الإجماع على جواز مجرد الإبدال بأفضل، ولكنه ينبغى أن

ج - ١٠
٢٤٦
أبواب وجوه الإحرام
باب كون القران أفضل من التمتع والإفراد
وبيان أنه مٍَّ كان قارنا فى حجته
٢٨٣٦- عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله عَّه وهو بوادى العقيق
يقول: ((أتانى الليلة آت من ربى، فقال: صل فى هذا الوادى المبارك، وقل: عمرة فى
يبحث عن صحة ذلك، فإن الشافعى وبعض الحنفية قد احتجوا بالحديث على المنع من مطلق
التصرف، ولو كان للإبدال بأفضل، كما حكاه صاحب "البحر" اهـ. (٣٣٠:٤). وفى
"المغنى" لابن قدامة: وإذا أوجب هديا فله إبداله بخير منه، نص على ذلك أحمد، وهو اختيار أكثر
الأصحاب ومذهب أبى حنيفة، وقال أبو الخطاب: یزول ملکه عنه، وليس له بيعه ولا إبداله،
وهو قول مالك، والشافعى اهـ. (٥٢٢:٣).
قلت: لم يجوز الحنفية إبدال الهدى مطلقا، بل فصلوا بين هدى التطوع فلم يجوزوا إبداله،
وبين الهدى الواجب فجوزوا إبداله مع كونه خلاف الأولى، فالهدى الذى أهداه عمر رضى الله
عنه إن كان تطوعا فالنهى محمول على حقيقته، وإن كان واجبا عليه فهو محمول على خلاف
الأولى والأفضل. قال ابن الهمام فى "فتح القدير": فإن اشترى بدنة لمتعة مثلا ثم اشترك فيها سنة
بعد ما أوجبها لنفسه خاصة لا يسعه ذلك؛ لأنه لما أوجبها صار الكل واجبا عليه، وقدر ما يجزئ
فى هدى المتعة كان واجبا عليه، وما زاد على ذلك وجب بإيجابه، وليس له أن يبيع شيئا مما أوجبه
هديا، فإن فعل فعليه أن يتصدق بالثمن اهـ. (٣ - ٨٤).
باب کون القران أفضل من التمتع والإفراد
وبيان أنه عێ کان قارنا فى حجته
قوله: "عن عمر بن الخطاب" إلخ، وفى "الجوهر النقى": ثم ذكر البيهقى حديث على بن
المبارك، عن يحيى بن أبی کثیر، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر، حدیث: أتانی جبريل، وفى
آخره: "وقل: عمرة فى حجة)) ثم قال: كذا قال ابن المبارك عن يحيى، وخالفه الأوزاعى فى أكثر
الروايات عنه، فقال: وقال: "عمرة فى حجة". ثم أخرجه كذلك من الوليد بن مسلم، وبشر بن
مطسون

٢٤٧
إعلاء السنن القران أفضل من التمتع والإفراد
حجة). رواه أحمد، والبخارى، وابن ماجه، وأبو داود. وفى رواية للبخارى: ((وقل:
بكر عن الأوزاعى، ثم قال: وكذا قاله شعيب بن إسحاق، ومسكين بن بكير، عن الأوزاعى،
فيكون ذلك إذنا فى إدخال العمرة على الحج، لا أمر النبى عليه السلام بذلك فى نفسه قلت:
أخرجه البخارى فى الحج من حديث بشر بن بكر، والوليد بن مسلم، وفى كتاب المزارعة من
حديث شعيب بن إسحاق، كلهم عن الأوزاعى، وقيل: "عمرة فى حجة". وأخرجه كذلك أبو
داود من حديث محمد بن مصعب، والوليد بن مسلم، كلهم عن الأوزاعى. ورواه أحمد فى
"مسنده" كذلك عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعى، وهذا أولى من رواية من قال: وقال:
"عمرة" لأن الملك لا يلبى وإنما يعلم التلبية اهـ. (١ - ٣٣٢).
وفى "نيل الأوطار": واعلم أنه قد اختلف فى حجه ◌ّ هل كان قرانا أو تمتعا أو إفرادا؟
وقد اختلفت الأحاديث فى ذلك. فروى أنه حج قرانا من جهة جماعة من الصحابة. منهم ابن عشر
عند الشيخين. وعنه عند مسلم، وعائشة عندهما أيضا. وعنها عند أبى داود، وعنها عند مالك فى
"الموطأ"، وجابر عند الترمذى، وابن عباس عند أبى داود، وعمر بن الخطاب عند البخارى
وسيأتى، والبراء بن عازب عند أبى داود وسيأتى، وعلى عند النهائى، وعنه عند الشيخين وسيأتى،
وعمران بن حصين عند مسلم، وأبو قتادة عند الدار قطنى، قال ابن القيم: وله طرق صحيحة.
وسراقة بن مالك عند أحمد وسيأتى، ورجال إسناده ثقات، وأبو طلحة الأنصارى عند أحمد وابن
ماجة، وفى إسناده الحجاج بن أرطاة (ولا ينزل حديثه عن الحسن، صرح به ابن القيم ههنا،
وذكرناه غير مرة) والهرماس بن زياد الباهلى عند أحمد أيضاً، وابن أبى أوفى عند البزار بإسناد
صحيح، وأبو سعيد عند البزار، وجابر بن عبد الله عند أحمد، وفيه الحجاج بن أرطاة، وأم سلمة
عنده أيضا، وحفصة عند الشيخين، وسعد بن أبى وقاص عند النسائی والترمذى وصححه، وأنس .
عند الشیخین وسیأتی.
وأما حجه إفرادا فروى عن عائشة كما فى حديث الباب. وعنها عند البخارى كما سيأتى،
وعن ابن عمر عند أحمد ومسلم كما سيأتى أيضا. وابن عباس عند مسلم، وتجابر، عند ابن ماجة،
وعنه عند مسلم. وأما حجه تمتعا فروى عن عائشة وابن عمر عند الشيخين وسيأتى، وعلى وعثمان
عند مسلم، كما فى الباب، وابن عباس عند أحمد والترمذى كما فى الباب أيضا، وسعد ابن
وقاص كما سيأتى.

ج - ١٠
القران أفضل من التمتع والإفراد
٢٤٨
عمرة وحجة)). كذا فى "نيل الأوطار" (٤-١٩٦)، وزاد فى لفظ: يعنى ذا الحليفة.
"زيلعي" (١-٥١٨).
وقد اختلفت الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث، فمن أهل العلم من
جمع بين الروايات، ومنهم من صار إلى التعارض فرجح نوعا. وأجاب عن الأحاديث القاضية بما
يخالفه، وهى جوابات طويلة أكثرها متعسفة، وأورد كل منهم لما اختاره مرجحات، أقواها وأولاها
مرجحات القرآن فإنه لا يقاومها شىء من مرجحات غيره، منها أن أحاديثه مشتملة على زيادة على
من روى الإفراد وغيره، والزيادة مقبولة إذا خرجت من مخرج صحيح، فكيف إذا ثبتت من طرق
كثيرة عن جمع من الصحابة؟ ومنها: أن من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه فى ذل؛ لأنهم
جميعا روى عنهم أنه ◌ّ حج قرانا، ومنها: أن روايات القران لا تحتمل التأويل، بخلاف روايات
الإفراد والتمتع فإنها تحتمله كما تقدم. (وحاصله أن التمتع عند الصحابة يتناول القران، فتحمل
عليه رواية من روى أنه حج تمتعا، وكل من روى الإفراد قد روى أنه حج مَّ له تمتعا وقرانا، فيتعين
الحمل على القران، قاله ابن تيمية). ومنها: أن رواة القران أكثر كما تقدم، ومنها: أن فيهم من
أخبر عن سماعه لفظا صريحا، وفيهم من أخبر عن إخباره مَِّ بأنه فعل ذلك، وفيهم من أخبر
عن أمر ربه بذلك، ومنها أنه النسك الذى أمر به كل من ساق الهدى فلم يكن ليأمرهم به، إذا
ساقوا الهدى ثم يسوق هو الهدى ويخالفه، وقد ذكر صاحب "الهدى" مرجحات غير هذه
ولكنها مرجحات باعتبار أفضلية القران على التمتع والإفراد، لا باعتبار أنه عّ لّ حج قرانا. وهو
بحث آخر اهـ (٤ - ١٩٢).
قلت: والمراد بصاحب "الهدى" العلامة ابن القيم، فإنه ذكر فى "زاد المعاد" له ترجيح
كونه عّ لّه قد حج قارنا بما لا مزيد عليه، قال: وإنما قلنا: إنه أحرم قارنا لبضعة وعشرين حديثا
صحيحة صريحة فى ذلك، ثم سردها فى عدة أوراق وقال: فحصل الترجيح لرواية من روى
القران لوجوه عشرة -أكثرها ما ذكره الشوكانى - ومنها: أن رواة الإفراد أربعة: عائشة، وابن
عمر، وجابر، وابن عباس، والأربعة رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من
عداهم للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه
ولا اختلفت، كالبراء، وأنس، وعمر ابن الخطاب، وعمران بن حصين، وحفصة، ومن معهم ممن
تقدم. ومنها: أنه النسك الذى أمر به من ربه، فلم يكن ليعدل عنه، ومنها: أنه النسك الذى أمر به

٢٤٩
القران أفضل من التمتع والإفراد
إعلاء السنن
آله وأهل بيته واختاره لهم، ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار لنفسه وقال: وثمه ترجيح حادى
عشر، وهو قوله: ((دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة))، وهذا يقتضى أنها قد صارت جزأ منه،
أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينها وبينه، وإنما يكون مع الحج كما يكون الداخل فى
الشیء معه اهـ (١٩٣:١).
هذا، ودلالة حديث عمر بن الخطاب الذى بدأنا به الباب على كونه مَّ لّه أمر بالقران بين
الحج والعمرة فى وادى العقيق -المراد به ذو الحليفة كما فى رواية- لكونها جزأ منه ظاهرة، فثبت
أنه أهل بهما جميعا من الميقات قبل الشروع فى أعمال الحج، وهذا هو القران بعينه.
وأورد عليه العلامة الشوكانى فى "النيل" بما نصه: وظاهر حديث عمر هذا أن حجه مرّ له
القرآن كان بأمر من الله، فكيف يقول معّ له: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لجعلتها عمرة)).
فينظر(١) فى هذا. فإن أجيب بأنه إنما قال ذلك تطييبا لخواطر أصحابه، فقد تقدم أنه تغریر لا يليق
نسبة مثله إلى الشارع اهـ. (٤ - ١٩٧). وحاصل ما تقدم منه أن القائل بأن التمتع أفضل استدل بما
اتفق عليه من حديث جابر: أنه عّ قال: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى
ولجعلتها عمرة)). قالوا: ورسول الله عَّه لا يتمنى إلا الأفضل. وأما ما قيل: من أنه عَّه إنما قال
ذلك تطييبا لقلوب أصحابه، لحزنهم على قوات موافقته، ففاسد؛ لأن المقام مقام تشريع للعباد، وهو
لا يجوز عليه عّه أن يخبر بما يدل على أن ما فعلوه من التمتع أفضل مما استمر عليه من القران،
والأمر على خلاف ذلك، وهل هذا إلا تغرير يتعالى عنه مقام النبوة اهـ (١٩٣:٤).
وهذه مغالطة عظيمة صدرت من عدم التأمل، وقلة إمعان النظر فى كلام النبوة، فإن قوله
معرّ ◌ُله: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة))، لا يدل على أنه تمنى
كونه غير قارن خلاف ما أمر به من ربه، بل غاية ما فيه تمنى كونه لم يسق الهدى؛ ليجوز له فسخ
الحج إلى العمرة مثل ما جاز ذلك لأصحابه الذين لم يسوقوا الهدى بأمر من سبحانه إذ ذاك.
وبالجملة فقد أمر الله سبحانه فى هذه الحجة بأمرين: الأول: بأن يجمع بين الحج والعمرة،
(١) حاصل النظر: أن القران إن کان بأمر الله سبحانه فکیف تمنی مګ خلافه، وحاصل الجواب أنه مێ لم یتمن عدم كونه قارنا.
وإنما تمنى كونه قارنا غير سائق الهدى؛ ليجوز له فسخ القران الذى أمره الله به أولا إلى العمرة الذى أمره الله به ثانيا من كان
لم يسق الهدى من المفردين والقارنين، فانهدم أساس الإشكال والحمد لله العلى المتعال.

ج - ١٠
القران أفضل من التمتع والإفراد
٢٥٠
وهذا أفضل من الإهلال بالحج، أو بالعمرة وحدها، دل عليه حديث عمر. والثانى: بأن يفسخ من
لم يسق الهدى منهم حجه إلى العمرة، ويحل الحل كله، ويبقى من كان ساق الهدى منهم على
إحرامه حتى يحل من حجه يوم النحر، دل عليه حديث جابر المتفق عليه وغيره من الأحاديث فلما
أمر النبى معَّ من لم يسق الهدى من أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، تعاظم ذلك على أصحابه،
وضاقت به صدورهم كما فى حديث جابر، ذكره فى "النيل" (٤ - ٢٠٧). قال: ((يا أيها الناس!
أحلوا، فلو لا الهدى معى فعلت كما فعلتم)). ونحن لا ننكر كون فسخ الحج والقران إلى العمرة
أفضل إذ ذاك لمن لم يسق الهدى، كيف؟ وقد أمرهم به النبى معَّ ◌ُّه وعزم عليهم، بل نقول: بأن
فضيلة هذا الفسخ كانت خاصة بهذا السنة لإظهار مخالفة الجاهلية، قاله الإمام السنوسى شارح
"مسلم" (٣٤٩:٣)، وسيأتى دليله إن شاء الله تعالى.
وأما فضيلة الجمع بين الحج والعمرة عند الإحرام فعامة للأبد، فلو تأمل الشوكانى كلام
النبوة، وفهم منه مثل ما فهمنا، لم يشكل عليه شىء، ولم يقل بما قال من لزوم التغرير وغيره.
والعجب منه كيف يقول: إن التمسك بحديث جابر: أن النبى ◌ّ قال: ((لو استقبلت من أمری ما
استدبرت)) الحديث متعين، ولا ينبغى أن يلتفت إلى غيره من المرجحات، فإنها فى مقابلته ضائعة؟
وقد اعترف قبل ذلك بأن من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه فى ذلك؛ لأنهم جميعا روى عنهم
أنّهُ عَِّ حج قرانا، وقد صرح ابن القيم أن عائشة، وابن عمر وجابر، وابن عباس الأربعة كلهم
رووا القران أيضا كما رووا الإفراد، فإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب
الرواية عنه ولا اختلفت، كالبراء، وأنس، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وحفصة، ومن
معهم ممن تقدم فهل يجوز لأحد مارس الحديث أن يرجح حديث جابر المضطرب فيه على أحاديث
هؤلاء مع صراحتها وصحتها وخلوها عن الاضطراب والاختلاف؟ وهل هذا إلا تحامل قد اضطر
الشوكانى إليه؛ لكون مذهبه أفضلية التمتع على ما سواه؟.
وأيضا فمن أين أخذ أنه معَّه تمنى كونه متمتعا غير قارن؟ فإن قوله: ((لو استقبلت من أمرى
ما استدبرت ما سقت الهدى)) ليس بصريح فى التمنى، بل يحتمل أن يكون قاله ضجرا عن تردد
بعض الصحابة فى امتثال ما أمرهم به وزجرا لهم، يدل على ذلك رواية عائشة رضى الله عنها عند
مسلم، قالت: قدم رسول الله عَّ ◌ُلِّ لأربع مضبن من ذى الحجة أو خمس، فدخل على وهو
غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله؟ دخله الله النار، قال: ((أو ما شعرت أنى أمرت الناس

٢٥١
القران أفضل من التمتع والإفراد
إعلاء السنن
بأمر فإذا هم يترددون؟ ولو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى معى حتى أشتريه
ثم أحل كما حلوا)) (٣٥٣:٣ مع الشرح)، أى لو استقبلت من ترددهم فى امتثال أمرى ما رأيته
آخرا ما سقت الهدى، ووافقتهم فى الإحلال؛ ليتمثلوا أمرى من غير تردد. وعلى هذا فلا دلالة فيه
أنه تمنى كونه تمتع ولم يسق الهدى رضاء من نفسه، حتى يستدل به على أفضلية التمتع من القران،
بل إنما قاله ضجرا عن ترددهم.
وإن سلم أنه تمنى ذلك فمن أين أخذ أن ما يتمنى به يكون أفضل مطلقا، بل قد ينتقل عن
الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب، فلا يلزم من قوله: ((لو استقبلت من
أمرى)) إلخ أن الذى فعله مفضول مرجوح، بل إنما قاله لأن الصحابة شق عليهم أن يحلوا من
إحرامهم مع بقائه هو محرما، وكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به مع انشراح وقبول ومحبة،
كما قال لعائشة: "لو لا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين" فهذا
ترك ما هو الأولى لأجل الموافقة والتأليف، فصار هذا هو الأولى فى هذه الحال، فلذلك تمنيه للمتعة
بلا هدى، ويكون الله سبحانه قد جمع له بين الأمرين: أحدهما بفعله له، والثانى بتمنيه ووداده
له، فأعطاه أجر ما فعله، وأجر ما نواه من الموافقة وتمناه، وكيف يكون نسك يتخلله التحلل ولم
يسق فيه الهدى أفضل من نسك لم يتخلله تحلل وقد ساق فيه مائة بدنة؟ وكيف يكون نسك
أفضل فى حقه من نسك اختاره الله له، وأتاه الوحى من ربه؟ كذا قال العلامة ابن القيم فى "زاد
المعاد" له (١- ١٩٦) فافهم. فإن حديث عمر الذى بدأنا به الباب صحيح صريح فى أنه عند لي.
كان قارنا فى حجه، أمره به آت من ربه، والنظر الذى نظره الشوكانى فيه ساقط برمته، والله
تعالى أعلم.
وقال شيخنا حكيم الأمة دام مجده وعلاه: وإن سلمنا أنه معَّ تمنى عدم كونه قارنا، فلا
منافاة بينه وبين كونه مأمورا بالقرأن من ربه؛ لاحتمال كونه مأمورا به بشرط عدم المشقة عليه فى
ذلك، فلما رأى تردد أصحابه فيما أمرهم به من فسخ الحج إلى العمرة. وشق ذلك عليه. قال: لو
استقبلت من أمرى ما استدبرت من تردد أصحابى وعلمت أن ذلك يشق على ما سقت الهدى
ولجعلتها عمرة. وهذا كما ترى لا يدل على أفضلية التمتع، بل فيه دلالة على أفضلية القران
صريحة فافهم.

ج - ١٠
القران أفضل من التمتع والإفراد
٢٥٢
فائدة:
قال العلامة الأبى المالكى شارح "مسلم" إن بعض الملاحدة طعن باختلاف الرواة فى صفة
حجه عَّه من الإفراد والتمتع والقران فى الوثوق بنقل الصحابة، قال: لأن القضية واحدة،
واختلفوا فى نقلها اختلافا متضادا، وذلك يؤدى إلى الخلف فى خبرهم. وعدم الوثوق بنقلهم. وقد
أكثر الناس من الكلام على هذه الأحاديث، فمن مطيل، ومقتصر. ومقتصد، فمن تكلم فى ذلك
الطحاوى الحنفى، والطبرى، وبعدهما محمد بن أبى صفرة، وأخوه المهلب، وابن المرابط، وابن
القصار، والحافظ أبو عمر (ابن عبد البر) وغيرهم. وأوسعهم فى ذلك نفسا الطحاوى، فإنه تكلم
فى ذلك فى نيف على ألف ورقة، والمتحصل من جواباتهم ثلاثة. الأول: أن الكذب إنما يدخل
فيما طريقه النقل، لا فى النظر والاستدلال، والنبى عرٍّ لم يقل لهم: فعلت كذا، واختلفوا فى
النقل عنه، وإنما استدلوا على معتقده بما ظهر من فعله؛ والاستدلال يقع فيه الغلط. الثانى: أنه يصح
أن يكون أمر بعض أصحابه بالإفراد، وبعضهم بالقرآن، وبعضهم بالتمتع: ليدل على جواز الجميع،
إذا لو أمر بواحد لم يجز غير، ولم يحج معّ لِّ غير هذه الحجة، فأضاف النقلة ذلك إلى فعله، كما
يقال: رجم النبى معَِّ ما عزا، وقطع الأمير اللص، والنبى معَّه إنما أمر، وكذلك الأمير. الثالث: أنه
يصح أن يكون قارنا إلا أنه قرن بين زمان إحرامه بالعمرة وزمن إحرامه بالحج، فسمعت طائفة قوله
الأول: ((لبيك اللهم بعمرة)). فقالت: كان معتمرا (متمتعا) وسمعت طائفة قوله الثانى: ((لبيك اللهم
بحج))، فقالت: كان مفردا، وسمعت طائفة القولين، فقالت: كان قارنا اهـ. (٣ - ٣٤٤).
قلت: وأولاها وأسهلها وأشبهها بسياق الحديث هو الثالث، وإليه جنح شيخ وقته خاتمة
المحدثين سيدنا الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى قدس الله سره فى درسه للترمذى وغيره، كما فى
"الكوكب الدرى"، ونصه: ثم ما وقع بين الرواة من الاختلاف فى كون حجته عليه السلام إفرادا
أو قرانا أو تمتعا إنما سبب ذلك ما خالف النبى معَّ يه فى ألفاظ تلبيته، فقال تارة: ((لبيك بحجة)).
فسمعها قوم، وقال تارة: ((لبيك بحجة وعمرة))، فسمعها قوم، وقال مرة: ((لبيك بعمرة))؛ وسمعها
قوم، فقال كل منهم بكون حجته حسب ما سمعها فى تلبيته عرّ ◌ُله، ولا يجب على القارن أن
يجمع العمرة وكليهما فى التلبية فى كل وقت، بل عليه أن ينوى الحجة قبل الشروع فى أفعال
العمرة، أو إتيان أكثرها، ويجوز له الاقتصار على ذكر الحج أو العمرة فى تلبيته بعد ما جمعهما

٢٥٣
القران أفضل من التمتع والإفراد
إعلاء السنن
٢٨٣٧- عن أم سلمة: سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((أهلوا يا آل محمد بعمرة
فى حجة)). أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار". "زيلعى" (١-٥١٨)، وابن حبان فى
"صحيحه". "كنز العمال"، وأخرجه الإمام أحمد بسند جيد عنها، قاله العينى فى
"العمدة" (٤-٥٣٧).
فيها مرة، أو أدخل الحج على العمرة قبل الفراغ عن أكثر أفعالها، فيحتمل أنه كان نوى العمرة
أو لا فقال: ((لبيك بعمرة))، ثم بدا له أن يدخل عليها الحج أيضا قبل الشروع فيها، فقال:
(لبيك بحجة))، وقد كان ناويا للعمرة من قبل، فلم يحتج إلا إلى ذكر الحج فحسب اهـ
مختصرا بمعناه (٢٧٥:١).
قوله: "عن أم سلمة" إلخ، قلت: دلالته على أفضلية القران مما سواه ظاهرة؛ لكونه عّ لّه أمر
به أهله وآله، ولا يختار لهم إلا الأشق الأفضل، وقد عد ابن القيم هذا الحديث فى بضعة وعشرين
حديثا التى حكم لها بالصحة. قال الحافظ: والذى تجتمع به الروايات أنه عرّ له كان قارنا بمعنى أنه
أدخل العمرة على الحج بعد أن أهل به مفردا، لأنه أول ما أحرم بالحج والعمرة معا، وقد تقدم
حديث عمر مرفوعا: ((وقل: عمرة فى حجة)). وحديث أنس: ثم أهل بحج وعمرة. ولمسلم من
حديث عمران بن حصين: جمع بين حج وعمرة. ولأبى داود والنسائى من حديث البراء مرفوعا:
((إنى سقت الهدى وقرنت))، وللنسائى من حديث على مثله، ولأحمد من حديث سراقة: أن النبى
عَّه قرن فى حجة الوداع. وله من حديث أبى طلحة: جمع بين الحج والعمرة. وللدار قطنى من
حديث أبى سعيد وأبى أوفى ثلاثتهم مرفوعا مثله اهـ. (٣ - ٢٧٥). قلت: وسكت الحافظ عنها
كلها، فهى صحيحة أو حسنة على أصله، وقد عدها الحافظ ابن القيم فى الأحاديث التى حكم لها
بالصحة، وأما ما قاله من أن معنى كونه سّلّه قارنا أنه أدخل العمرة على الحج بعد أن أهل به مفردا.
فلا يضرنا؛ فإنه لا يجب للقران عندنا أن يهل بهما جميعا. بل القران أن يجمع بينهما عند
الإحرام، أو قبل الشروع فى أفعال العمرة أو الإتيان أكثرها كما تقدم. وههنا كذلك؛ فإنه عّ لّ أتاه
آت من ربه فى وادى العقيق بأن يقول: "عمرة فى حجة"، وذلك قبل وصوله مكة بكثير، فقد
أدخل العمرة على الحج قبل الشروع فى أعمالها، فكان قارنا حتما.
قال الحافظ: ويترجح رواية من روى القران بأمور، فذكرها إلى أن قال: وبأنه لم يقع فى
شىء من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال: أفردت ولا تمتعت، بل صح عنه أنه قال: "قرنت".

ج - ١٠
القران أفضل من التمتع والإفراد
٢٥٤
٢٨٣٨- عن سراقة بن مالك، قال: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((دخلت
العمرة فى الحج إلى يوم القيامة)). قال: وقرن النبى معَّ فى حجة الوداع. رواه الإمام
أحمد، وإسناده ثقات. "زاد المعاد" (١-١٨٤).
٢٨٣٩- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله عَ ليه، فقال:
((من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل،
ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل)، الحديث متفق عليه. "نيل الأوطار" (١٨٩:٤).
وبأن من جاء عنه التمتع لما وصفه وصفه بصورة القران؛ لأنهم اتفقوا على أنه لم يحل من عمرة
حتى أتم عمل جميع الحج، وهذه إحدى صور القران، فإن رواية القران جاءت عن بضعة عشر
صحابيا بأسانيد جياد، بخلاف روايتى الإفراد والتمتع، وهذا يقتضى رفع الشك عن ذلك، والمصير
إلى أنه كان قارنا، ومقتضى ذلك أن يكون القرآن أفضل من الإفراد ومن التمتع، وهو قول جماعة
من الصحابة والتابعين، وبه قال الثورى، وأبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه، واختاره من الشافعية
المزنى، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزى، ومن المتأخرين تقى الدين السبكى، وبحث مع النووى
فى اختياره أنه مٍَّ كان قارنا وأن الإفراد مع ذلك أضل، مستندا إلى أنه معَّ اختار الإفراد أولا.
ثم أُدخل عليه العمرة بيانا لجواز الاعتمار فى أشهر الحج؛ لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر
الفجور، وتعقب بأن البيان قد سبق منه مَِّ فى عمره الثلاث، فإنه أحرم بكل منها فى ذى القعدة،
ولو كان أراد باعتماره مع حجه بيان الجواز فقط -مع أن الأفضل خلافه- لاكتفى فى ذلك بأمره
أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة اهـ ملخصا. (٣- ٢٧٧).
قلت: ويتعقب أيضا بأن رسول الله عَّ إنما أدخل العمرة على الحج بأمر من ربه حين أتاه
جبريل فى وادى العقيق، وقال: صل فى هذا الوادى المبارك وقل: ((أدخل العمرة فى حجة)) كما مر
فى حديث عمر رضى الله عنه، فلم يكن ذلك لبيان الجواز، بل امتثالا لأمر الله تعالى، نعم أمره
لأصحابه بفسخ الحج إلى العمرة كان لبيان جواز الاعتمار فى أشهر الحج، كما ذكرناه قبل، والله
تعالى أعلم.
قوله: "عن سراقة بن مالك" إلخ، دلالته على كونه عَ ◌ّ حج قارنا ظاهرة.
قوله: "عن عائشة" إلخ، دلالته على جواز الصور الثلاث من القران والتمتع والإفراد ظاهرة،
والحديث حجة على من كره واحدا منها. وأما ما روى عن أميرى المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب .

٢٥٥
القران أفضل من التمتع والإفراد
إعلاء السنن
٢٨٤٠- ويزاد فى الباب ما سيأتى فى الباب الذى بعده عن على رضى الله عنه:
أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف طوافين، وسعى سعيين، وحدث: أن رسول الله عَ لّ
فعل ذلك. أخرجه النسائى فى مسند على، ورواته موثقون، "دراية" (٢٠٤).
٢٨٤١- عن مجاهد: سئل ابن عمر كم اعتمر رسول الله عَ ليه؟ فقال: مرتين،
فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله عَ ل اعتمر ثلاثا سوى التى قرن بحجته.
رواه أبو داود وإسناده صحيح جليل على شرط البخارى. "الجوهر النقى" (١-٣٣١).
٢٨٤٢- عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله عَ ليه حج ثلاث حجج: حجتين قبل
أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر معها عمرة. رواه الترمذى وغيره.
٢٨٤٣- عن ابن عباس، قال: اعتمر رسول الله عَّ له أربع عمر: عمرة الحديبية،
والثانية حين تواطؤوا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التى قرنبها مع
حجته. رواه أبو داود. ذكر الأحاديث الثلاث الحافظ ابن القيم فى "زاد المعاد"
(١-١٨٣) وحكم لها بالصحة.
٢٨٤٤- عن بكر بن عبد الله المزنى، عن أنس، قال: سمعت رسول الله عێ۔ یلبی
وعثمان بن عفان من النهى عن المتعة، فمرادهما النهى عن فسخ الحج إلى العمرة، أو أنهما كان
يريان إتيانهما فى سفرين إفرادا أفضل من جمعهما فى سفر واحد، والنهى محمول على التنزيه،
وسيأتى بيانه لك إن شاء الله مفصلا فانتظر.
قوله: "عن مجاهد، وعن جابر، وعن ابن عباس" إلخ، قلت: دلالتها على أنه مَ ◌ّه قرن
العمرة بحجته ظاهرة.
قوله: "عن بكر بن عبد الله المزنى" إلخ، دلالته على أنه كان قارنا، وأنه أهل بالعمرة والحج
معا ظاهرة. قال الحافظ فى "الفتح": وأجاب البيهقى عن هذه الأحاديث وغيرها نصرة لمن قال:
إنه مرٍّ كان مفردا، فذكرها، ثم قال: ولا يخفى ما فى هذه الأجوبة من التعسف اهـ (٢٧٦:٣).
قلت: لم يزد الحافظ على قوله: "ولا يخفى ما فى هذه الأجوبة من التعسف"، وقد بين
صاحب "الجوهر النقى" تعسفه مفصلاً. فلنذكره تنشيطا للطالبين؛ ليتبين به تحامل البيهقى رحمه
الله على الحنفية، قال: وذكر فيه أن ابن عمر أنكر على أنس رواية القران، وقال: إن أنسا كان
يدخل على النساء وهن مکشفات الرؤوس. (یعنی أنه کان صبیا).
٠

ج - ١٠
القران أفضل من التمتع والإفراد
٢٥٦
بالحج والعمرة جميعا. قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبى بالحج وحده.
فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما يعدوننا إلا (١) صبيانا، سمعت رسول.
الله عَّه يقول: ((لبيك عمرة وحجا)). أخرجه الشيخان. "زاد المعاد" (١-١٨٥).
قلت: أنكر ابن حزم أن يكون ابن عمر قال هذا، وقال: كيف يجوز أن يقول هذا وهو
لا يزيد على أنس إلا عاما واحدا، لأن أنسا لما قدم النبى معَّ ◌ُلّ المدينة كان عمره عشر سنين، وخدم
النبى عشرا، فكان عمره يوم مات النبى مرّه عشرين سنة. وعمر ابن عمر عند ذلك أحد وعشرون
سنة؛ لأنه عرض يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة، وكان الخندق فى الرابعة، والباقى بعد ذلك
ست سنين، فإذا أضيفت إلى خمس عشرة، صار الكل إحدى وعشرين، فذلك عمر ابن عمر عند
موت النبى معَّهِ، وكيف يقال: إن أنسا كان يدخل عليهن عام حجة الوداع وهن مكشفات
الرؤوس؟ وأنس أول من حجبه النبى مَّه قبل ذلك بأربع سنين. ثم أوضح ابن حزم ذلك وبسط،
فمن أراد ذلك فلينظره فى حجة الوداع له. على أن ابن عمر أيضا روى القران، ذكره ابن حزم،
وعنه أنه اختاره، وفى "الصحيح" أنه قال: أشهدكم أنى قد أوجبت الحج مع العمرة. وفى
"الموطأ": مالك، عن صدقة بن يسار: أن رجلا من أهل اليمن قال لابن عمر: إنى قدمت بعمرة،
فقال: لو كنت معك لأمرتك أن تقرن إلى آخره، (قلت: أخرجه أيضا محمد فى "الموطأ": فقال:
أخبرنا مالك، حدثنا صدقة بن يسار، قال: سمعت عبد الله بن عمر ودخلنا عليه قبل يوم التروية
بيومين أو ثلاثة، ودخل عليه الناس يسألونه، فدخل عليه رجل من أهل اليمن ثائر الرأس، فقال:
يا أبا عبد الرحمن! إنى ضفرت رأسى، وأحرمت بعمرة مفردة، فما ذا ترى؟ قال ابن عمر: لو كنت
معك حين أحرمت لأمرتك أن تهل بهما جميعا، فإذا قدمت طفت بالبيت وبالصفا والمروة، وكنت
على إحرامك، لا تحل من شىء حتى تحل منهما جميعا يوم النحر، وتنحر هديك، (وليحيى: فقال
اليمانى: قد كان ذلك) وقال له ابن عمر: خذ ما تطاير من شعرك واهد. الحديث (١٩٤).
ثم ذكر البيهقى حديث وهيب، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن أنس رضى الله عنه: أهل
عليه السلام بحج وعمرة وأهل الناس بهما. الحديث؛ ثم قال: ورواه حماد بن زيد، عن أيوب
يعنى أبى قلابة، فأضاف ذلك إلى غير النبى معَّه، ثم أسند البيهقى: ذلك ولفظه: قال أنس:
(١) قال ابن القيم: وبين أنس وابن عمر فى السن سنة أو سنة وشىء.

17
إعلاء السنن
القران أفضل من التمتع والإفراد
٢٥٧
تابع بكرا عن أنس فى قوله: أهل بحج وعمرة معا. أبو قلابة عند الشيخين،
ويحيى بن أبى إسحاق، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد عند مسلم، ويحيى بن سعيد
الأنصارى عند أبى يوسف القاضى. وأبو أسماء، والحسن البصرى عند النسائى. وزيد
ابن أسلم مولى عمر بن الخطاب، وسليمان التيمى، وأبو قدامة عند البزار. ومصعب بن
سليم، وثابت البنانى عند وكيع. وأبو قزعة عند الخشنى. وقتادة عن أنس عند البخارى:
اعتمر رسول الله عَّ أربع عمر، فذكرها، قال: وعمرة مع حجته. وعن أبى قلابة
وسمعتهم يصرخون بهما جميعا: الحج والعمرة، ثم قال البيهقى: قال سليمان يعنى ابن حرب:
سمع أبو قلابة هذا من أنس وهو فقيه. وروى حميد ويحيى بن أبى إسحاق، عن أنس: سمعت
النبى معَّه يلبى بعمرة وحج. قال: ولم يحفظا، إنما الصحيح ما قال أبو قلابة: إنه عليه السلام أفرد.
وقد جمع بعض أصحاب النبى عدّ بين الحج والعمرة، فإنما سمع أنس أولئك الذين جمعوا بينهما
هذا الكلام أو نحوه. قال البيهقى: وقد رواه جماعة عن أنس كما رواه يحيى بن أبى إسحاق،
ورواه وهيب عن أيوب، فالاشتباه وقع لأنس لا لمن دونه. ويحتمل أن يكون سمعه مرّ له يعلم غيره
كيف يهل بالقران، لا لأنه يهل بهما عن نفسه، والله أعلم.
قلت: قول أنس رضي الله عنه: "يصرخون بهما" يندرج فيه النبى معَّه وأصحابه، كما
صرح به فى الرواية الأولى، وفى هذا جمع بين الروايتين، فقول البيهقى: "أضاف ذلك إلى غير
النبى معَّهُ" دعوى مخالفة للظاهر، وإثبات للتخالف بين الروايتين بلا ضرورة. وقول سليمان: "لم
يحفظا" قول لا دليل عليه، بل حفظا وتابعهما على ذلك جماعة كما ذكره البيهقى، وذكر ابن
حزم فى حجة الوداع هذا الحديث من عدة طرق، ثم قال: فهؤلاء ستة عشر من الثقات، كلهم
متفقون عن أنس على أن لفظ النبى معَّ ◌ُلّه كان إهلالا بحجة وعمرة معا انتهى. وعلى تقدير التنافى
بين الروايتين فرواية هؤلاء الجماعة أولى. ولم يرو أبو قلابة الإفراد أصلا فيما علمنا، فضلا أن يكون
ذلك هو الصحيح كما زعم سليمان، بل الذى فى الصحيح أنه روى القران كما تقدم. وقد صرح
هؤلاء الجماعة عن أنس أنه سمع ذلك النبى معَّه، فانتفى قول سليمان: إنما سمعه من بعض
أصحابه، وقول البيهقى: الاشتباه وقع لأنس" جرأة على صاحب رسول الله عَّ ◌ُلّه، وتغليظ له
بلا دليل، وقوله: "ويحتمل أن يكون سمعه يعلم غيره" رد للحديث الصحيح بمجرد احتمال بعيد
يمكن أن يقال مثله فى رواية من روى: أنه مرّ ◌ُّ أفرد أو تمتع. وكيف يصح ذلك مع قوله: سمعته

1
ج - ١٠
القرآن أفضل من التمتع والإفراد
٢٥٨
وحميد بن هلال مثله عند عبد الرزاق، فهؤلاء ستة عشر نفسا من الثقات، كلهم
عَّ الِ كان إهلالا بحج وعمرة معا، قاله الحافظ ابن
متفقون عن أنس أن لفظ النبى عد ◌ّم.
القيم فى "زاد المعاد" (١٨٦:١).
عليه السلام يلبى بعمرة وحج؟.
وحكى ابن حزم عن الشافعى: أن جابرا كان أحسن الصحابة اقتصاصا للحديث فى حجة
الوداع، وجعل ذلك ترجيحا لروايته، ثم رد عليه ابن حزم بما ملخصه أنه وإن كان كذلك فقد
وصف نفسه أنه کان فی کثرة زحام بقوله: نظرت إلى مد بصری بین یدیه من راکب وماش،
وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره ذلك، وعائشة حينئذ فى هودجها مع النساء، وأنس فى ذلك
اليوم كما أخبر رديف أبى طلحة إلى جنب النبى معَّهِ، يرى أن رجله يمس غرز النبى معَّ لّه، فمن
أولى بحفظ كلامه؟ من كان أقرب إليه ولصيقه ليس بينه وبين أحد؟ أو من كان على بعد منه
وفی زحام شدید؟
ثم ذكر البيهقى حديث أنس: اعتمر عليه السلام أربع عمر إلى آخره، ثم قال: وقد روى
عن غير أنس، وفى ثبوته نظر؛ ثم أخرجه من طريق أبى داود، عن أبى إسحاق، عن مجاهد: سئل
ابن عمر الحديث. وفيه: أن عائشة قالت: اعتمر عليه السلام ثلاثا سوى التى قرنها فى حجة
الوداع. ثم قال: الرواية الثابتة عن مجاهد عن منصور لیس فيها هذا. قلت: إسناد حديث أبى داود
صحيح جليل على شرط البخارى، وليس من ترك ذكر شىء حجة على من ذكره قال البيهقى:
. وقد روى عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب وئيس بمحفوظ، ثم أخرجه من حديث مالك بن
هارون، عن زكريا بن أبى زائدة، عن أبى إسحاق. قلت: أخرجه أبو عمر فى "التمهيد" من
حدیث أحمد بن حنبل، عن يزيد بن هارون بسنده، وهذا سند صحيح.
قال البيهقى: وقد روى من حديث جابر، وليس بصحيح، ثم أخرجه وحكى عن الترمذى،
أنه سأل عنه البخارى؟ فقال. خطأ. قلت: أخرجه شيخ البيهقى(١) والحاكم فى "مستدركه"، وقال
صحيح على شرط مسلم، وذكره الترمذى، وحكى عن البخارى أنه لم يعرفه. قال: ورأيته لا بعده
محفوظا (أى ولم يقل صريحا: إنه خطأ). ثم رواه البيهقى من وجه آخر، وفى سنده داود بن عبد
الرحمن العطار. فحكى عن البخارى أنه قال فيه: صدوق ربما يهم فى الشىء. قلت: هذا الحديث
(١) الظاهر أن لفظة الواو ههنا زيادة من الكاتب، فإن شيخ البيهقى هو الحاكم.

٢٥٩
القران أفضل من التمتع والإفراد
إعلاء السنن
٢٨٤٥- عن ابن عمر، عن حفصة رضى الله عنها زوج النبى عّ لّه، أنها قالت:
يا رسول الله! ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: ((إنى لبدت
رأسى، وقلدت هديى، فلا أحل حتى أنحر)). رواه البخارى (٣-٢٧٨ مع "الفتح").
ووقع فى رواية عبيد الله بن عمر عند الشيخين: ((فلا أحل(١) من الحج)). كذا فى "فتح
البارى" (٣-٢٧٥).
أيضا أخرجه أبو داود بسند صحيح، وأخرجه الحاكم فى "مستدركه" وقال: صحيح الإسناد،
وداود هذا ثقة أخرج له فى "الصحيحين"، وبقية الكتب الستة، وما رأيت أحدا ذكر هذا الكلام
الذى حكاه البيهقى عن البخارى، ولا ذكره البخارى فى "تأريخه"، وذكره ابن حبان فى كتابه
فى الثقات، وقال: كان متقنا من فقهاء أهل الكوفة ومحدثيهم، فظهر بهذا أن الحدیث ثابت عن
غير أنس ولا نظر فيه، وفى مسند الشافعى عن عطاء: أنه عليه السلام سعى فى عمره كلهن الأربع
بالبيت والصفا والمروة.
وقال ابن الأثير فى "شرح البخارى": الذى صح وتعاضدت به الأحاديث أنه عليه السلام
أحرم بأربع عمر: الأولى: عام الحديبية سنة ست، الثانى: عمرة القضاء سنة سبع، الثالثة: عمرة
الجعرانة سنة ثمان، الرابعة: التی مع حجته سنة عشر. وفى الاستذكار: وقد روى بمثل ما قال ابن
شهاب: إن عمره كلها كانت فى ذى القعدة إلا عمرته التى كانت مع حجته، آثار مرفوعة من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره اهـ (٣٣١:١). ولله دره فقد شفى واشتفى، وأفاد وأجاد.
قوله: "عن ابن عمر عن حفصة" إلخ، قال الحافظ فى "الفتح": وقال بعض العلماء ليس لمن
قال: كان مفردا، عن هذا الحديث انفصال؛ لأنه إن قال به استشكل عليه كونه علل عدم التحلل
بسوق الهدى، لأن عدم التحلل لا يمتنع(٢) على من كان قارنا عنده. وأجاب بعض المالكية
والشافعية عن ذلك بأن السبب فى عدم تحلله من العمرة كونه أدخلها على الحج، وهو مشكل
(١) قال الحافظ: فلا حجة فيه لمن تمسك بأنه عَّه كان متمتعا كما سيأتى؛ لأن قول حفصة: ولم تحل من عمرتك. وقوله هو!
((حتى أحل من الحج، ظاهر فى أنه كان قارنًا اهـ.
(٢) قلت: لعل الكاتب قد وقع منه السهو فى هذا المقام، وحق العبارة أن تكون هكذا: لأن التحلل لا يمتنع على من كان مفردا
عنده وإن ساق الهدى. قال فى "الجوهر النقى": الحديث بنفى الإفراد؛ لأن الهدى لا يمنع المفرد من الإحلال، فانتفى كونه
عليه السلام مفردا. فالحديث حجة على من قال بالإفراد. اهـ (١- ٣٣٣).

٢٦٠
ج - ١٠
القران أفضل من التمتع والإفراد
٢٨٤٦- ولفظ أحمد عن أنس: ((ولكن سقت الهدى، وقرنت بين الحج
والعمرة)). "نيل الأوطار" (١٩٦:٤).
عليه؛ لأنه يقول: إن حجه كان مفردا. وجنح الأصيلى وغيره (كالبيهقى) إلى توهم مالك فى قوله
ولم تحل أنت من عمرتك، وأنه لم يقله أحد فى حديث حفصة غيره، وتعقبه ابن عبد البر على
تقدير تسليم انفراده بأنها زيادة حافظ فيجب قبولها، على أنه لم ينفرد، فقد تابعه أيوب وعبيد الله
بن عمر، وهما مع ذلك حفاظ أصحاب نافع انتهى. ورواية عبيد الله بن عمر مسلم، ووقع فى
رواية عبيد الله عند الشيخين: ((فلا أحل حتى أحل من الحج)). ولا تنافى هذه رواية مالك؛ لأن
القارن لا يحل من العمرة ولا من الحج حتى ينحر، فلا حجة فيه لمن تمسك بأنه عّ لّ كان متمتعا
كما سيأتى؛ لأن قول حفصة: ولم تحل من عمرتك، وقوله هو: "حتى أحل من الحج" ظاهر فى أنه
كان قارنا. وأجاب من قال: كان مفردا، عن قولها: ولم تحل من عمرتك. بأجوبة، فذكرها ثم قال:
ولا يخفى ما فى بعض هذه التأويلات من التعسف اهـ. (٣ - ٢٧٥).
قلت: بل لا يخلو كلها من التعسف، قال النووى فى "شرح مسلم": هذا الحديث دليل
للمذهب الصحيح المختار الذى قدمناه واضحا بدلائله فى الأبواب السابقة مرات، أنه عليه السلام
كان قارنا فى حجة الوداع، فقولها: من عمرتك، أى العمرة المضمومة إلى الحج، وقد تأوله من
يقول بالإفراد تأويلات ضعيفة، ثم ذكر بعضها، ثم قال: وكل ذلك ضعيف، والصحيح ما سبق.
وقال الخطابى فى "المعالم": وهذا الحديث سيبين لك أنه قد كانت هناك عمرة، ولكنه أدخل عليها
حجة، فصار بذلك قارنا. وقال (أبو عمر) فى "الاستذكار": الأولى بذوى الإنصاف أن لا يشكوا
فى حديث حفصة، أنه دال على أنه عليه السلام كان قارنا، مع ما يشهد له من حديث أنس وغيره،
ثم ذكر أبو عمر قوله عليه السلام: ((سقت الهدى وقرنت))، ثم قال: وليس هو يوجد عن النبى
مَّه من وجه صحيح إخبار عن نفسه أنه أفرد، ولا أنه تمتع، وإنما يوجد عن إضافة ذلك إليه فيما
يحتمل التأويل، وهذا اللفظ (أى قوله: ((سقت الهدى وقرنت))) يرفع الإشكال، ويدفع الاحتمال.
"الجوهر النقى" (١- ٣٣٢).
وفيه أيضا: ثم ذكر البيهقى حديث قدوم على من طريق البراء، وفيه: ((قد سقت الهدى
وقرنت)). ثم ذکره من طریق أنس وفیه: ((إلا أن معی الهدى لأحللت)) ثم قال: و فيه وفى حديث
جابر جعل العلة فى امتناعه من التحلل كون الهدى معه. والقارن لا يحل من إحرامه حتى يحل