النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ طواف الوداع إعلاء السنن بالبيت. رواه الإمام الشافعى فى "مسنده" (٧٧). وسنده صحيح، ومحمد فى "الموطأ" (٢٣٤) بهذا السند بعينه. فإن قيل: قد رواه أبو داود والنسائى، وقال المنذرى: والإسناد الذى أخرجه أبو داود والنسائى حسن، وأخرجه الترمذى بإسناد ضعيف، وقال: غريب، كذا فى "عون المعبود" (٢ - ١٥٨). قلنا: ليس عند أبى داود والنسائى ما يوجب طواف الصدر على المعتمر، فقد أخر جاه عن الحارث بن عبد الله بن أوس بلفظ قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض؟ قال: ليكن آخر عهدها بالبيت، قال: فقال الحارث: كذلك أفتانى رسول الله عَّهِ، قال: فقال عمر: أربت عن يديك، سألتنى عن شىء سألت عنه رسول الله عَّه لكيما أخالف؟ اهــ "عون المعبود" (٢- ١٥٧) "ونصب الراية" (١ - ٥١٣). وما فى حديث الحارث هذا من حكم المرأة إذا طافت بالبيت وأفاضت ثم حاضت أن يكون آخر عهدها بالبيت، محمول عند الجمهور على العزيمة، والرخصة لها أن تنفر ولا تنتظر طهرها، وتترك طواف الصدر، كما دلت أحاديث المتن على ذلك. قال محمد فى "المؤطأ" بعد ما أخرج أثر عمر المذكور فى المتن: وبهذا نأخذ، طواف الصدر واجب على الحاج، ومن تركه فعليه دم إلا الحائض والنفساء، فإنها تنفر ولا تطوف إن شاءت (أى إذا اضطرت إلى ذلك، والأولى أن تنفر بعد الطواف. تع) وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا اهـ. وما فى "التعليق الممجد" تحت قوله: "واجب على الحاج" من قوله: وكذا على المعتمر من أهل الآفاق إذا أراد الرجوع اهـ (٢٣٥). فهو خلاف مذهب الحنفية، بل وخلاف مذهب الجمهور، فقد صرح المحقق فى "الفتح": وليس على أهل مكة ومن كان داخل المواقيت، وكذا من اتخذ مكة دارا ثب بدا له الخروج، ليس عليهم طواف الصدر، وكذا فائت الحج؛ لأن العود مستحق عليه، ولأنه صار كالمعتمر، وليس على المعتمر طواف صدر، ذكره فى "التحفة اهـ. (٢ - ٣٩٧). وفى "اللباب" وشرحه للقارى: ولا يجب على المعتمر أى ولو كان آفاقيا اهـ (١٣٦). نعم، قال أبو يوسف رحمه الله: أحب إلى أن يطوف المكى ومن فى معناه طواف الصدر؛ لأنه وضع لختم أفعال الحج (بدليل ما فى أثر عمر رضى الله عنه من قوله: فإن آخر النسك الطواف بالبيت. أخرجه مالك والشافعى، وفيه ما يدل على كون طواف الصدر نسكا، فيجب على تاركه دم لأثر ابن عباس المتقدم فى الأبواب السابقة؛ لكونه من المناسك الواجبة على الحاج)، وهذا المعنى ما ج - ١٠ طواف الوداع ٤ ٢٠٢ ٢٧٩٨٠- أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، وإبراهيم بن ميسرة عن طاوس، قال: جلست إلى ابن عمر، فسمعته يقول: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، فقلت: ما له؟ أما سمع لما سمع أصحابه؟ ثم جلست إليه من العام المقبل فسمعته يقول: زعموا أنه رخص للمرأة الحائض. رواه الشافعى فى "مسنده" (٧٨) أيضا، وسنده صحيح. ٢٧٩٩- عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحيض، ورخص لهن رسول الله عَّه. رواه الترمذى وقال: حسن صحيح (١: ١١٤). ٢٨٠٠- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: حاضت صفية بنت حيى بعد ما أفاضت، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله مَّ ◌ُله، فقال: ((أحابستنا هى؟)) قلت: يا رسول يوجد فى أهل مكة، قاله المحقق فى "الفتح". ولم يقل بوجوبه ولا استحبابه للمعتمر أحد من علماءنا. وفى "رحمة الأمة فى اختلاف الأئمة": وطواف الوداع من واجبات الحج على المشهور عند الفقهاء اهـ (٥٧) فقوله: "من واجبات الحج" دليل على أنه ليس من واجبات العمرة عند أحد من الأئمة، والله تعالى أعلم. وقال العينى فى "العمدة" (٤ - ٧٧٥): ولا يجب على الحائض والنفساء ولا على المعتمر؛ لأن وجوبه عرف نصا فى الحج، فيقتصر عليه، ولا على فائت الحج؛ لأن الواجب عليه العمرة، وليس لها طواف الوداع اهـ. قوله: "أخبرنا ابن عيينة" إلخ، دلالته على الرخصة للحائض فى ترك طواف الوداع ظاهرة. وفيه دلالة أيضا على رجوع ابن عمر عن قول أبيه فى وجوب طواف الصدر على الحائض، وسيأتى لك مزيد تحقيق للمسئلة عنقریب فانتظر. قوله: "عن ابن عمر" إلخ، قلت: دلالة قوله: "من حج البيت" على اختصاص الحاج بهذا الحكم ظاهرة. قوله: "عن عائشة رضى الله عنها" إلخ، دلالته على معنى الباب ظاهرة. قال الحافظ فى "الفتح": قال النووى: طواف الوداع واجب، يلزم بتركه دم على الصحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة لا شىء فى تركه انتهى. والذى رأيته فى "الأوسط" لابن المنذر: أنه واجب للأمر به، إلا أنه لا يجب بتركه شىء اهـ. قال: وقال ابن المنذر: ٢٠٣ طواف الوداع إعلاء السنن الله! إنها قد أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: ((فلتنفر إذن)). متفق عليه، "نيل الأوطار" (٤-٣١٨). قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التى قد أفاضت طواف الوداع، وروينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت، أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة، إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر، قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر وتطوف بالبيت قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر، وزید بن ثابت عن رأى عمر، وبقى عمر فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة. يشير بذلك إلى ما تضمنته أحاديث هذا الباب، وقد روى ابن أبى شيبة من طريق القاسم بن محمد: كان الصحابة يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت إلا عمر، فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت اهـ (٣ - ٤٦٦ و٤٦٧). قلت: أما رجوع ابن عمر فقد مر دليله فى المتن. وأما رجوع زيد بن ثابت فقد رواه البخارى عن عكرمة مجملا، والحافظ فى "الفتح" مفصلا (٤٦٨:٣)، فمن شاء فليراجعه. وقال العینی فی "العمدة": وروى مسلم عن طاوس قال: کنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتى أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له ابن عباس: أما لا نسئل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله مرّظر؟، قال: فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت. وفى رواية البيهقى: أرسل زيد إلى ابن عباس: أنى وجدت الذى قلت كما قلت، فقال ابن عباس: إنى لأعلم قول رسول الله عَّ ◌ُلّه للنساء، ولكن أحببت أن أقول ما فى كتاب الله تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفتهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. فقد قضت التفث، ووفت النذر، وطافت بالبيت، فما بقى؟ اهـ (٤ - ٧٧٤) قلت: وهذا والله هو الفقه، فللّه دره من فقيه آتاه الله تأويل الكتاب، واستجاب فى حقه دعاء نبيه صاحب الآيات وفصل الخطاب. هذا، وقد اجتمع فى طواف الوداع أمره مێ به، ونهيه عن تر که، وفعله الذى هو بيان للمجمل الواجب، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب. قاله الشوكانى فى "النيل" (٤- ٣١٨) قلت: وقد ثبت بأثر عمر كونه من آخر النسك، فهو من المناسك الواجبة على الحاج، ولم يثبت أنه معدّ له. طاف للوداع فى عمرة من عمره، فليس من واجبات العمرة، ولو كان المعتمر آفاقيا. وقد روى ج - ١٠ طواف الوداع ٢٠٤ البخارى عن أنس أن النبى معَّ ◌ّه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به. قال الحافظ فى "الفتح": أى طواف الوداع. اهـ (٣- ٤٧١). وفى رواية عند أبى داود عن عائشة بلفظ: ثم جئته بسحر، فأذن فى أصحابه بالرحيل، فارتحل، فمر بالبيت قبل صلاة الصبح، فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجها إلى المدينة اهـ. (٢ - ١٥٨ مع "عون المعبود"). واستدل بقوله عّ لّ فى صفية حين علم بحيضتها: ((أحابستنا هى؟)) على أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض ممن لم تطف للإفاضة وتعقب باحتمال أن تكون إرادته مد له تأخير الرحيل إكراما لصفية، كما احتبس بالناس على عقد عائشة رضى الله عنهما. وأما الحديث الذى أخرجه البزار من حديث جابر، وأخرجه البيهقى فى "فوائده" من طريق أبى هريرة مرفوعا: أميران وليسا بأميرين: من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم)). فلا دلالة فیه علی الوجوب، (بل یمکن حمله على الندب کما فی قرینه) إن كان صحيحا، فإن فى إسناد كل منهما ضعفا شديدا. وقد ذكر مالك فى "الموطأ" أنه يلزم الجمال أن يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض، وكذا على النفساء. واستشكله ابن المواز بأن فيه تعريضا للفساد كقطع الطريق، وأجاب عياض بأن محل ذلك مع أمن الطريق، كما أن محله أن يكون مع المرأة محرم. اهـ من "فتح البارى" (٣- ٤٧٠). وقد أغرب صاحب "رحمة الأمة" حيث قال: وإذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة لم تنفر حتى تطهر وتطوف، ولا يلزم الجمال حبس الجمل عنها، بل ينفر مع الناس ويركب غيرها مكانها، وعند أبى حنيفة أن الطواف لا يشترط فيها الطهارة، فتطوف وترحل مع الحاج اهـ. (٥٧). وهذا الذى نسبه إلى أبى حنيفة ليس بصحيح؛ فإن الطهارة وإن لم تكن شرطا للطواف عنده، ولكن لا يجوز للحائض والنفساء دخول المسجد للطواف، فكيف يجوز عنده القول بأن تطوف الحائض وترحل مع الحاج؟ وفى "شرح اللباب" عن أبى يوسف فى امرأة ولدت يوم النحر قبل أن تطوف، فأبى الجمال أن يقيم معها: فإن هذا عذر فى نقض الإجارة، ولو ولدت قبل ذلك، وبقى من مدة النفاس كمدة الحيض أو أقل أجبر الجمال على المقام اهـ. (١٩١). مصر» ٢٠٥ طواف الوداع إعلاء السنن هذا هو مذهب الحنفية فى الباب، لا ما حكاه عنهم صاحب "رحمة الأمة" ، والله تعالى اعلم. وكون الطواف داخل المسجد شرط لصحة الطواف، فلو طاف خارج المسجد فمع وجود الحيطان لا يصح إجماعا. وكذا لو كانت منهدمة عند عامة العلماء؛ لأنه طاف بالمسجد لا بالبيت، كذا فى "الغنية" (٥٨). نعم لو طافت وهى حائض للإفاضة صح فعلها مع الإحلال به، ويجبره الدم، وتأثم إن فعلت ذلك فلا عذر وضرورة، وبسط الكلام فى المسئلة ابن القيم فى "أعلام الموقعين" (٢ - ١٩) وقد ورد فى بعض الروايات عند البخارى وغيره قوله عّ لّ لصفية: ((عقرى حلقى إنك لحابستنا)). فقال القرطبى وغيره: شتان بين قوله عَّ ل هذا لصفية، وبين قوله لعائشة لما حاضت معه فى الحج: ((هذا شىء كتبه الله على بنات آدم)). لما يشعر به من الميل لها والحنو عليها بخلاف صفية. قلت: وليس فيه دليل على انضاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها وهى تبكى أسفا على ما فاتها من النسك، فسلاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله، فأبدت المانع، فناسب كلا منها ما خاطبها به فى تلك الحالة، قاله الحافظ فى "الفتح" أيضا. ولله دره ما أدق فهمه لدلالات الكلام، واقتضاءات المقام، فهذه هى البلاغة. وقد أسرف بعض العلماء فى حق الأنبياء، حيث جعلوا كلام بعضهم فوق بعض درجات بمجرد الظن، ولم يتنبهوا لهذه الدقيقة التى نبه عليها الحافظ، أنه قد يختلف الكلام باختلاف المقام، فأبو بكر الصديق ناسب خطابه بأن: ﴿لا تخف ولا تحزن إن الله معنا﴾ بإدخاله فى المعية؛ لأنه كان لا یخاف ولا یحزن لأجل نفسه، بل لرسول الله عێے، وناسب خطاب موسی لقومه ب: ﴿ کلا إن معی ربی سيهدين﴾؛ لخوفهم على أنفسهم لا على رسولهم، بدليل قولهم: ﴿إنا لمدركون﴾. وكذلك ناسب دعاءه عرِّ لأهل الطائف بقوله: ((رب اهد قومى فإنهم لا يعلمون))؛ لكونهم لم يؤذوه إلا بإغلاظ القول له والرمى بالأحجار، وناسب غضب موسى عليه السلام على قارون -لعنة الله عليه- وقوله: "يا أرض خذيه"؛ لكونه قد أراد رمى نبى الله بفاحشة الزنا فى ملأ من قومه، فكان جديرا بأن بخسف به الأرض، أو يسقط عليه كسف من السماء فافهم، ولا تفضل بين أنبياء الله وأولياءه بمجرد الظن التخمين، وأستغفر الله العلى العظيم، وأتوب إليه من كل ذنب، وأسئله السلامة فى كل وقت وحين. ولنقتصر فى باب الفضائل على ما ورد به النص فى الكتاب المبين، أو ج - ١٠ طواف الوداع ٢٠٦ فى أحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، صلاة الله وسلامه عليه وعليهم إلى يوم الدين. هذا وقال ابن قدامة فى "المغنى: ومن كان منزله فى الحرم فهو كالمكى لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريبا منه فظاهر كلام الخرقى أنه لا يخرج حتى يودع البيت، وهذا قول أبى ثور، وقياس قول مالك، ذكره ابن القاسم. وقال أصحاب الرأى فى أهل بستان ابن عامر وأهل المواقيت: إنهم بمنزلة أهل مكة فى طواف الوداع، لأنهم معدودون من حاضرى المسجد الحرام، بدليل سقوط دم المتعة عنهم. ولنا عموم قوله مرّله: ((لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)). ولأنه خارج من مكة، فلزمه التوديع كالبعيد اهـ. (٣ - ٤٨٦). قلت: إن أراد أنه خارج من مكة عرفا، فمن كان منزله فى الحرم بعيدا عن البلد الحرام خارج من مكة أيضا كذلك، وإن أراد أنه خارج منها شرعا، فممنوع؛ لكونه معدودا فی حاضری المسجد الحرام بنص الكتاب، وإذا كان كذلك فلا يدخل تحت عموم قوله عدّ له: ((لا ينفرن أحد)) فإنه لبس بنا فر شرعا، والله تعالى أعلم. قال ابن قدامة: قد ذكرنا أن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه؛ ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف للوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته، وبهذا قال عطاء، ومالك، والثورى، والشافعى، وأبو ثور. وقال أصحاب الرأى: إذا طاف للوداع أو طاف تطوعا بعد ما حل له النفر أجزأه عن طواف الوداع، وإن أقام شهرا أو أكثر؛ لأنه طاف بعد ما حل له النفر، فلم يلزمه إعادته كما لو نفر عقيبه. ولنا قوله مّ له: ((لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)). ولأنه إذا أقام بعده خرج عن أن يكون وادعا فى العادة، فلم يجزه كما لو طافه قبل حل النفر اهـ (٤٨٧:٣). قلت: معنى قوله عّ لّهِ: ((لا ينفرن أحد)) أى من منى إلى وطنه، حتى يكون آخر عهده بالبيت عقيب النفر، وليس معناه لا ينفرن أحد من مكة، ومن ادعى ذلك فعليه البيان. والنفر وإن كان يعم كل خروج سواء كان من منى أو مكة، أو غيرهما، ولكنه خص فى إطلاق الشرع بالخروج من منى؛ بدليل حديث ابن عباس: إذا انتفج النهار من يوم النفر فقد حل الرمى والصدر. سنده حسن. وعن عمر: من قدم ثقله قبل النفر فلا حج له. سنده صحيح كما مر فى الأبواب السالفة. ومن طاف بالبيت بعد نفره من منى فقد صدق عليه أنه لم ينفر حتى كان آخر عهده بالبيت عقيب النفر منها. ثم راجعت "المستدرك" للحاكم فوجدت فيه عن ابن عباس قال: "كان ٢٠٧ طواف الوداع إعلاء السنن الناس ينفرون من منى إلى وجوههم، فأمرهم رسول الله عّ لّ أن يكون آخر عهدهم بالبيت اهـ. صححه الحاكم على شرطهما، وأقره عليه الذهبى (١ - ٤٧٦). وفيه دليل لما قلنا: إن معنى قوله مَّلِّ: ((لا ينفرن أحد)) أى من منى حتى يكون آخر عهده أی نسكه الطواف بالبيت، وليس معناه أن لا ينفر أحد من مكة إلا بطواف، ولو كان قد طاف للصدر بعد النفر من منى فافهم. وأخرج مالك، والشافعى، وابن أبى شيبة، وعبد الرزاق، والبيهقى، عن ابن عمر قال: سمعت عمر بمنى يقول: يا أيها الناس! إن النفر غدا، فلا ينصرف أحد حتى يطوف بالبيت. (أى لا ينصرف من منى). وأخرج ابن أبى شيبة عن عمر، قال: لكن آخر عهدكم بمنى البيت، ولكن آخر عهدكم من البيت الحجر. كذا فى "كنزالعمال" (٣- ٥٠) وفى كل ذلك دليل لما قلنا فتذكر. وأما أنه إذا أقام بعده خرج عن أن يكون وداعا فى العادة، فنعم، ولكن الوداع والمفارقة ليس مذكورا فى النصوص، فيجوز أن يكون معلولا بغيره، وقد ورد فى أثر عمر ابن الخطاب رضى الله عنه عند مالك، والشافعى، ومحمد فى "الموطأ": لا يصدرن أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت، فإن آخر النسك الطواف بالبيت، وإذا كان طواف الصدر آخر النسك فينبغى أن يؤتى به فى زمان المناسك مؤخرا عنها ووقتها إلى يوم النفر الثانى، وليس بعد ذلك وقت لمناسك الحج أصلا، صرح بذلك الجصاص فى "أحكام القرآن" له، ونصه بعد ما ذكر اختلاف أقوال أهل التأويل فى قوله تعالى: "الحج أشهر معلومات" : أنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، أو بعضه: وجائز أن لا يكون ذلك اختلافا فى الحقيقة، وأن يكون مراد من قال وذو الحجة أنه بعضه، لأن الحج لا محالة إنما هو فى بعض الأشهر لا فى جميعها، لأنه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شىء من مناسك الحج. اهـ (١- ٢٩٩). ولا أقل من أن یکون ذلك جائزا، وفعله عند خروجه من مكة أحب وأولى، وقد قلنا به، كما فى "غنية الناسك" عن أبى حنيفة رحمه الله: إذا طاف للصدر ثم أقام إلى العشاء، فأحب إلى أن يعيده، ويطوف طوافا آخر؛ لئلا يكون بين طوافه وسفره حائل. والحاصل أن المستحب فيه أن يقع عند إرادة السفر بعد الفراغ من أفعال الحج، بل من جميع أشغاله، ويعقبه الخروج من غير مكث اهـ (١٠٢) ومن جعل ذلك واجبا فليأت ببرهان عليه. وما ذكره ابن قدامة لا يصلح دليلا للوجوب كما لا يخفى. وفى "العمدة" للعينى: وقال مالك: إنما أمر الناس أن يكون آخر نسكهم الطواف لقوله تعالى ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ ج - ١٠ ٢٠٨ باب يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم ٢٨٠١- عن جابر فى حديثه الطويل: فأفاض إلى البيت. فصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: ((انزعوا بنى عبد المطلب، فلولا أن یغلبکم الناس علی سقایتکم لنزعت معکم»، فناولوه دلوا فشرب منه. رواه مسلم فى "صحيحه" (١- ٤٠٠) وهذا آخره. ٢٨٠٢- عن عائشة رضى الله عنها: أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله عّ لّ كان يحمله. رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب "نيل الأوطار" (٣١٥:٤). وقال: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾. فمحل الشعائر كلها وانقضاءها بالبيت العتيق اهـ (٤- ٧٧٥). قلت: وانقضاء المناسك بالبيت لا يكون إلا إذا كان الطواف به متصلا بها، وعقبيها معا فى أيامها. قال: ومن أخر طواف الوداع وخرج ولم يطفئ إن كان قريبا رجع فطاف، وإن لم يرجع فلا شىء عليه. وقال عطاء، والثورى، وأبو حنيفة، والشافعى فى أظهر قوليه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: إن كان قريبا رجع فطاف، وإن تباعد مضى وأهراق دما، واختلفوا فى حد القرب، فروى: أن عمر رضى الله عنه رد رجلا من مر الظهران لم يكن ودع. (أخرجه سعيد بن منصور كما فى "المغنى" (٤٨٨:٣) ومالك فى "الموطأ" كما فى "جمع الفوائد" (١٨٠) وبين مر الظهران ومكة ثمانية عشر ميلا. وعند أبى حنيفة يرجع ما لم يبلغ المواقيت. ويؤيده أثر عمر المذكور، فإن مر الظهران بعيد عن الحرم جدا. ولكنه دون الميقات) وعند الشافعى يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وعند الثورى يرجع ما لم يخرج من الحرم. اهـ من "عمدة القارى" أيضا (٤ - ٧٧٥). باب يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم قوله: "عن جابر" إلخ، قلت: فيه الشرب من ماء زمزم عند الإفاضة، وسيأتى ما يدل على شربه عند الوداع. قوله: "عن عائشة" إلخ، فيه اعتناء النبى مرّ له وأصحابه بماء زمزم، وحمله إلى البلاد، فلما سن حمله استحب شربه عند الوداع بالأولى؛ لأنه يحرم عن التضلع منه بعد فراقه ورحيله عن ٢٠٩ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم إعلاء السنن ٢٨٠٣- وكتب عَّه إلى سهيل بن عمر: ((وإن وصل كتابى ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسین حتی تبعث إلى بماء من زمزم)). وفیه: أنه بعث له بمزادتین، و کان حينئذ بالمدينة قبل أن يفتح مكة. وهو حديث حسن لشواهده. "المقاصد الحسنة" للسخاوى (١٦٩) قلت: وذكره الحافظ فى التلخيص (٢٢٦:١) وعزاه إلى البيهقى وسكت عنه. ٢٨٠٤- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عَّ ◌َله: ((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام الطعم، وشفاء السقم))، الحديث. رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورواته ثقات، وابن حبان فى "صحيحه". "الترغيب" للمنذرى (٤-٢٠٣) وهو فى صحيح مسلم بلفظ: ((زمزم مباركة أنها طعام طعم، وشفاء سقم)). "نيل الأوطار" (٤-٣١٦). ٢٨٠٥- عن جابر رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((ماء زمزم لما شرب مكة، وفيه رد على من زعم أن فضيلة ماء زمزم ما دام فى مجله، فإذا نقل يتغير وهو شىء لا أصل له، قاله السخاوى فى "المقاصد" قال: وكانت عائشة تحمله. وتخبر أنه مُّ لّه كان يفعله. والله كان يحمله فى الأداوى والقرب، فيصب منه على المرضى ويسقيهم، وكان ابن عباس إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم، وسئل عطاء عن حمله؟ فقال: قد حمله النبى معَ له، والحسن، والحسين رضى الله عنهما اهـ. (١٦٩). ولعن الله فلاسفة المغرب أى أوربا وأطباءها، حيث أوحوا إلى أوليائهم أن ماء زمزم يضر بالصحة، لكون البئر مسقفة لا تصل إليها الشمس ولا الهواء، ونسوا أنها فى الحقيقة عين جارية، وليست كالآبار؛ فإن ماءها لا ينقطع ولا ينسد مجراها، وقد نظروا مرارا فإذا عين تجرى من قبل الحجر الأسود، غلبتهم وأعجزتهم عن نزحها، وماء العين لا يحتاج إلى الشمس ولا الهواء كماء البير، وأيم الله ما أرادوا بهذا القول إلا الطعن على المسلمين فى حبهم له، وجرح قلوبهم بتحقير ما له عظمة فى قلوبهم، وإلا فكون ماء زمزم شفاء مما قد جربته فئام وأقوام لا يحصى عددها، ومعلوم أن مدار النفع والإضرار على التجربة فحسب، فهل عندهم شىء قد جربت نفعه جماعة عظيمة كمثل الجماعة التى جربت ماء زمزم ونفعه وشفاءه؟ كلا لن يجدوا إلى ذلك سبيلا. قوله: عن ابن عباس إلخ. دلالته على فضل ماء زمزم ظاهرة. قوله: "عن جابر" إلخ، قلت: قد صحح المنذری والدمیاطی طریق سويد بن سعيد، عن ابن ج - ١٠ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم ٢١٠ له)). رواه أحمد، وابن ماجه، وابن أبى شيبة، والبيهقى، والحاكم، والدار قطنى، وصححه المنذرى، والدمياطى، وحسنه الحافظ. "نيل الأوطار" (٤-٣١٦) وقال المنذرى فى "الترغيب" (١-٢٠٤): روى أحمد وابن ماجة المرفوع منه عن عبد الله بن المؤمل، أنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فذكره. وهذا إسناد حسن اهـ. وقال الحافظ فى "الفتح" (٣-٣٩٤): رجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل، ذكر العقيلى أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقى من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات، كلاهما عن أبى الزبير عن جابر اهـ. المبارك، عن ابن أبى الموال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر. رواه البيهقى فى "شعب الإيمان"، والخطيب فى "تاريخ بغداد" فى ترجمة عبد الله بن المبارك، وسويد ضعيف جدا، وإن كان مسلم قد أخرج له فى المتابعات، وقد خلط فى هذا الإسناد وأخطأ فيه على بن المبارك. قال الحافظ فى "التلخيص": وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المؤمل، عن أبى الزبير كذلك، رويناه فى فوائد أبى بكر بن المقرى من طريق صحيحة، فجعله سويد عن ابن أبى الموال ابن المنكدر، واغتر الحافظ الدمياطى بظاهر هذا الإسناد، فحکم بأنه علی رسم الصحیح؛ لأن ابن أبى الموال انفرد به البخاری؛ وسوید انفرد به مسلم، وغفل عن أن مسلما إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به فضلا عما خوالف فيه اهــ (١ - ٢٢٢). قلت: هذا هو النقد، وهل لأحد أن يشك بعد ذلك فى أن مدار التصحيح والتضعيف فى هذا الفن إنما هو على ذوق المحدث والمجتهد؟، فلا لوم على مجتهد إن خالف حدیثا صححه واحد من المحدثين أو طائفة منهم، وكذا بالعكس، فافهم ولا تكن من الغافلين. هذا، والحديث بطريق ابن المؤمل حسن، كما صرح به الحافظ نفسه، والمنذرى قبله، والله تعالى أعلم. قال المحقق فى "الفتح" وقد عقد فصلا فى فضل ماء زمزم تكثيرا للفائدة وترغيبا للعابدين: فقد ثبت حسنه من هذا الطريق، فإذا انضم إليه ما قدمناه (من الطرق الكثيرة) حكم بصحته، وما عن سويد عن ابن المبارك فى هذه القصة أنه قال: اللهم إن ابن الموالى حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر، محكوم بانقلابه على سويد فى هذه المرة، بل المعروف فى السند الأول. قال: وعن جماعة من العلماء أنهم شربوه لمقاصد فحصلت، فمنهم صاحب ابن عيينة المتقدم (حيث شربه لسماع مائة حديث ابن عيينة ففاز به)، وعن الشافعى: أنه شربه للرمى، فكان يصيب فى كل ٢١١ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم إعلاء السنن . ٢٨٠٦ - عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عَّ له: ((ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تستشفى به شفاك الله، وإن شربته مستعيذا أعاذك الله، إن شربته ليقطع ظمأك قطعه)). قال: وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم أسألك علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء. أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (١-٤٧٣). وقال: صحيح الإسناد إن سلم من الجارودى (واسمه محمد بن حبيب) وأقره عليه الذهبى. قال الحافظ فى "الفتح" (٣-٣٩٤): رجاله موثقون، إلا أنه قد اختلف فى عشرة تسعة، وشربه الحاكم لحسن التصنيف وبغير ذلك، فكان أحسن أهل عصره تصنيفا. قال شيخنا قاضى القضاة شهاب الدين العسقلانى الشافعى (هو الحافظ ابن حجر صاحب "فتح البارى"): ولا يحصى كم شربه من الأئمة لأمور نالوها، قال: وأنا شربته فى بداية طلب الحديث أن يرزقنى الله تعالى حالة الذهبى فى حفظ الحديث، ثم حججت بعد مدة تقرب من عشرین سنة وأنا أجد من نفسى المزيد على تلك الرتبة، فسألت رتبة أعلى منها، وأرجو الله أن أنال ذلك منه اهـ. قال المحقق: والعبد الضعيف يرجو الله سبحانه شربه للاستقامة والوفاة على حقيقة الإسلام معها اهـ. (٢ - ٤٠٠). قال العبد الضعيف مؤلف "الإعلاء": وقد شربت ماء زمزم فى أول حجتى لأمور من الدين والدنيا نلت أكثرها، ثم شربته فى الحجة الثانية لأمور كذلك فزت بكثير منها، ثم فى الثالثة لأمور أرجو الله سبحانه أن أنالها، وقد كانت بلسانى لكنة شديدة، كانت تعوقنى عن إلقاء الدرس فى المدارس، وعن الخطبة على المنابر، فلم أصدر من أول حجتى بعد الشرب من زمزم لزوالها إلا وأنا أجد من نفسى القدرة على الدرس والخطابة، ثم جعلت مدرسا بمظاهر علوم بسهار نبور بعد شهرين من رجوعى إلى الوطن، فدرست فيها مدة تنيف على سبع سنين، فرضى بدرسى جماعة الطلبة عموما، وناظم المدرسة سيدى مولانا الخليل قدس سره خصوصا، وقد رزقنى الله بفضله وكرمه قدرة تامة على الخطابة والوعظ والتذكير، وقبولا فى قلوب السامعين، ولله الحمد حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. قوله: "عن ابن عباس" وقوله: "عن عثمان الأسود" إلخ، دلالتهما على فضل ماء زمزم وعلى أداب شربه ظاهرة. وقوله: "لا يتضلعون" أى لا يرتوون من ماء زمزم قال فى "القاموس": تضلع امتلأ شبعا أوربا حتى بلغ الماء أضلاعه اهـ. وقوله: "هزمة جبريل" أى حفرته؛ لأنه ضربها برجله فتبع الماء (كما هو فى حديث ابن عباس عند البخارى، وفيه دليل على كون زمزم عينا معينا ج - ١٠ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم ٢١٢ ت وصله وإرساله، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه اهـ. وقال المحقق فى "الفتح (٢-٣٩٩): قيل: قد سلم منه فإنه صدوق، قاله الخطيب فى "تاريخه". وقال الحافظ المنذرى: لكن الراوى عنه محمد بن هشام المروزى لا أعرفه. وقال الحافظ ابن حجر: محمد بن هشام ثقة اهـ. فقد ثبت صحة هذا الحديث إلا ما قيل: إن الجارودى تفرد عن ابن عيينة بوصله، والعبرة فى تعارض الوصل والوقف للواصل بعد كونه ثقة، لا للأحفظ ولا غيره، مع تصحيح نفس ابن عيينة للحديث فى ضمن حكاية حكاها الدينورى فذكرها اهـ. ورواه الدار قطنى (٢٨٤:١) بزيادة: وهى هزمة جبرئيل وسقيا الله إسماعيل. ٢٨٠٧- عن عثمان بن الأسود، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: من أين جئت؟ فقال: شربت من زمزم، فقال له ابن عباس: أ شربت منها كما ينبغى؟ قال: وكيف ذاك يا أبا عباس؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثا، وتضلع منها، فإذا فرغت منها فاحمد الله؛ فإن رسول الله عَ لّه قال: ((آية بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم)). أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (١-٤٧٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين إن كان عثمان سمع من ابن عباس اهـ. وأقره عليه الذهبى، وقال: لا والله ما لحقه، توفى عام خمسين ومائة، وأكبر مشيخته سعيد بن جبير اهـ قلت: رواه الدار قطنى (١-٢٨٤) من طريق عثمان بن الأسود: حدثنى عبد الله ابن أبى مليكة، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فذكره، وابن أبى مليكة قد سمع من ابن عباس وعائشة رضى الله عنهم ونظرائهما. ورواه ابن ماجة (٢٢٦) عن عثمان بن الأسود، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر، قال: كنت عند ابن عباس فذكره اهـ. والعجب من الحاكم والذهبى كيف خفى عليهما ذلك كله. لا بثرا محفورة كما زعمه أطباء أوربا). وقوله: "سقيا الله إسماعيل" أى أظهره الله ليسقى به إسماعيل فى أول الأمر. "نيل الأوطار" (٤ - ٣١٧). ولله دره من ذبيح على اسم الله، فما أبركه وأطيبه، وما أكثر خيره وأدوم أثره وبره، وهكذا سنة الله فى أولياءه الذين أفنوا أنفسهم فى ذاته، وأسلموا وجوههم لله، لا تنمحى آثارهم، ولا تنكسف أنوارهم، ولا تنقضى عجائبهم وأسرارهم. ٢١٣ وابتلاء يتلوومية) وله به و، باب يشون أسمعتمد ٢٨٠٨- عن ابن عباس: أن رسول الله عَّه جاء إلى السقاية فاستسقى، قال العباس: يا فضل! اذهب إلى أمك فأت رسول الله عَ ليه بشراب من عندها، فقال: (أسقنى). فشرب، ثم أتى زمزم وهم يستقون ويعملون فيها، فقال: ((اعملوا فإنكم على عمل صالح)). ثم قال: ((لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل))، يعنى على عاتقه، وأشار إلى عاتقه. رواه البخارى. "نيل الأوطار" (٤-٢١٦). ٢٨٠٩- عن السائب رضى الله عنه، أنه كان يقول: اشربوا من سقاية العباس، فإنه من السنة. رواه الطبرانى فى "الكبير"، وفى إسناده رجل لم يسم، وبقيته ثقات. "الترغيب والترهيب" للمنذرى (١-٢٠٤). قوله: عن ابن عباس وقوله: عن السائب إلخ، قلت: أثر السائب وإن كان فيه رجل لم يسم ولكنه قد تأيد بحديث ابن عباس عند البخارى، ففيه أنه مَ ◌ّل شرب من سقاية العباس، ولم يرض بما يؤتى به من البيت، ولذلك استحب علمائنا للمودع أن يأتى زمزم فيشرب من مائها، ويفرغ باقى الدلو على جسده ووجهه ورأسه إن تيسر أو يصبه فى البئر. كذا فى غنية الناسك (١٠٣). واستحب علمائنا أن يشرب ماء زمزم قائما، ويشير إليه ما فى حديث ابن عباس: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم)). والتضلع لا يتأتى إلا قائما، وأخرج البخارى عن الشعبى، أن ابن عباس رضى الله عنهما حدثه، قال: سقيت رسول الله مَّ ◌ُلّه من زمزم، فشرب وهو قائم. قال الحافظ: قال ابن بطال وغيره: أراد البخارى أن الشرب من زمزم من سنن الحج. وفى "المصنف" عن طاوس، قال: شرب نبيذ السقاية من تمام الحج. (٣ - ٣٩٤). والمراد من نبيذ السقاية سقاية العباس؛ لأنه كان يشترى الزبيب فينبذه فى ماء زمزم ليحلو، فيسقيه الناس كما كان يفعله عبد المطلب. كذا فى "فتح البارى" (٣- ٣٩٢)، وفى "صحيح مسلم" (١- ٤٢٣). وفيه دليل على جواز شرب النبيذ إذا أحلا ولا يكون مسكرا. والله تعالى أعلم. وقال النووى: قال العلماء: ويستحب أن شربه للمغفرة أو للشفاء من مرض ونحو ذلك أن يقول عند شربه: اللهم إنه بلغنى أن رسول الله عَ لّه قال: ((ماء زمزم لما شرب له)) اللهم وإنى أشربه لتغفر لى، ولتفعل لى كذا وكذا، واللهم إنى أشربه مستشفيا به فاشفنى، ونحو هذا، "نزل الأبرار" (٣١٩). قلت: هكذا فعل ابن المبارك رحمه الله كما ذكره صاحب "الحصن الحصين" رحمه الله تعالى. وأخرجه البيهقى والخطيب كما مر. وقال شيخ مشايخنا الشاه عبد الغنى المجددى ٢١٤ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم ٢٨١٠- عن طاوسْ: أن النبى معَّ ◌ُّه أفاض فى نسائه ليلا، فطاف على راحلته يستلم الركن بمحجنه، ويقبل طرف المحجن، ثم أتى زمزم، فقال: ((انزعوا، فلولا أن الدهلوى المدنى فى "إنجاح الحاجة": ولا يحصى كم شربه من الأئمة لأمور نالوها، وبعضهم العطش يوم القيمة، وأولى ما يشرب له تحقيق الإيمان والثبات عليه، وهو أفضل المياه الموجودة حتى الكوثر. (وإن كان ماء الكوثر ألذ وأحلى) كما صح عن السراج البلقيني؛ لأنه غسل به الصدر الشريف، (والقلب الطاهر المطهر النظيف) والنظر إليها والطهور منها يحط الخطايا، وما امتلى جوف أحد من زمزم إلا ملئ علما وبرا، وأفردت فضائلها بالتأليف، كذا ذكره شيخنا عابد السندى فى "حاشية الدر" اهـ. (٢٢٦). وقال صاحب "الهداية": روى أن النبى معَِّ استقى دلو، بنفسه، فشرب منه ثم أفرغ باقى الدلو فى البئر اهـ. قال الزيلعى - وتبعه المحقق فى "الفتح" -: رواه ابن سعد فى " كتاب الطبقات" مرسلا: أخبرنا عبد الوهاب عن ابن جريج عن عطاء: أن النبى معَِّ لما أفاض نزع بالدلو يعنى من زمزم، لم ينزع معه أحد، فشرب ثم أفرغ باقى الدلو فى البئر. وقال: ((لو لا أن يغلبكم الناس على سقایتکم لم ینزع منها أحد غیری)) اهـ. (٣٩٨:٢). قلت: وهذا مرسل صحيح ولا منافاة بينه وبين ما رواه جابر فى حديثه الطويل، وقد يجمع بينهما بأن ما فى هذا كان بعقب طواف الوداع، وهو المراد بقوله: لما أفاض وما فى حديث جابر ونحوه كان عقيب طواف الإفاضة، ولفظه ظاهر فيه، حيث قال: فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، وطوافه للوداع كان ليلا. كما رواه البخارى عن أنس ابن مالك وعائشة رضى الله عنهما، وقد تقدم. وأما ما رواه الأزرقى عن طاوس كما يأتى فى المتن: أنه مرّ أفاض فى نسائه ليلا، وفيه أنه أمر بدلو، فنزع له منها. فهو محمول على أن أزواجه مرّ ◌ُلّ أفضن لطواف الزيارة ليلا، فمضى رسول الله عَّ معهن، وطاف تطوعا، ولم يكن طوافه هذا للإفاضة ولا للوداع، فافهم، ولعلك قد عرفت بما ذكرنا دليل استحباب الشرب من زمزم بعد طواف الوداع كما هو مستحب بعد طواف القدوم، صرح به فى "غنية الناسك" (٥٦ و١٠٣). وينبغى القول باستحبابه بعد طواف الإفاضة أيضا، لثبوته عن جابر عند مسلم، والله تعالى أعلم. قوله: "عن طاوس" إلخ، دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، وقد تقدم آنفا ما يتعلق به. هذا، وقد ازداد ماء زمزم بركة على بركة، ولذة على لذة، وشفاء على شفاء، ونورا على نور، ٢١٥ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم تغلبوا عليها لنزعت))، ثم أمر بدلو، فنزع له منها، فشرب منه ومضمض، ثم مج فى الدلو، فأهريق فى زمزم. رواه الأزرقى فى تاريخ مكة. زيلعى (٥١٣:١) وسنده صحيح. ٢٨١١- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: الملتزم ما بين الركن والباب. أخرجه عبد الرزاق من وجه صحيح، وذكره مالك فى "الموطأ" فى رواية أبى مصعب بلاغا، قال: بلغه عن ابن عباس. "دراية" (٢٠١). ورواه البيهقى فى "الشعب" عن الحاكم بسنده مرفوعًا: ((ما بين الركن والباب ملتزم)). وفى إسناده إبراهيم بن إسماعيل، وهو ابن مجمع ضعيف. "دراية" (٢٠١) قلت: قال ابن عدى: ومع ضعفه يكتب حديثه. "تهذيب" (١-١٠٥). وقال المحقق فى "الفتح" (٢- ٤٠٠): ولمثله حكم المرفوع لعدم استقلال العقل به اهـ. وطهورا على طهور، بمجه معَّم فى دلو قد أهريق فى زمزم، فما أرحمه على أمته وأرأفه بها، حيث لم يرض بحرمان من يأتى بعده عّ لّه من أمته إلى يوم القيامة من فضل سوره وبركة طهوره، فديناه. بآبائنا وأمهاتنا، صلاة الله وسلامه عليه أبد الآبدين، وعلى آله وأصحابه وأحبابه أجمعين. قال ابن قدامة فى "المغنى" (٣ - ٤٩٠): وقال منصور (هو ابن المعتمر): سألت مجاهدا إذا أردت الوداع كيف أصنع؟، قال: تطوف بالبيت سبعا، وتصلى ركعتين خلف المقام، ثم تأتى زمزم فتشرب من ماءها، ثم تأتى الملتزم ما بين الحجر والباب فتستلمه، ثم تدعو، ثم تسئل حاجتك، تم تستلم الحجر . وتنصرف اهـ. وذكر فى "غنية الناسك" عن "البدائع" برواية الكرخى رحمه الله عن أبى حنيفة رحمه الله نحوه، (١٠٣). قوله: "عن ابن عباس فى الملتزم" إلخ، قلت: قال صاحب "الهداية" فى كيفية طواف الوداع: ثم يأتى الملتزم -وهو ما بين الحجر إلى الباب- فيضع صدره ووجهه عليه، ويتشبث بالأستار ساعة، ثم يعود إلى أهله اهــ وأثر ابن عباس حجة فى تعيين الملتزم أنه ما بين الركن والباب. وأيده حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وفيه: أن النبى معَّه كان يفعله، وأما أنه يستحب للمودع فلم أجد فيه نصا إلا ما تقدم عن مجاهد برواية منصور عنه عند ابن قدامة فى "المغنى" وأما ما رواه أحمد وأبو داود كما فى "النيل" (٤- ٣١٤) عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: لما فتح رسول الله مكة انطلقت، فوافقته قد خرج من الكعبة وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله ێ( وسطهم فى إسناده یزید ٢١٦ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم ٢٨١٢- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: طفت مع عبد الله بن عمرو، فلما فرغنا من السبع ركعنا فى دبر الكعبة، فقلت: ألا تتعوذ بالله من النار؟ وقال: أعوذ بالله من النار، قال: ثم مضى فاستلم الركن، ثم قام بين الحجر والباب، فألصق "ابن أبى زياد، ولا يحتج بحديثه وقال الدارقطنى: إنه تفرد به عن مجاهد، ولكن ذكر الذهبى أنه صدوق من ذوى الحفظ. وفى "الخلاصة": أنه كان من الأئمة الكبار، وقد تقدم الكلام فيه فى غير موضع اهـ فلا ينافى أثر ابن عباس فى تعيين الملتزم، فإن ما بين الباب إلى الحطيم هو ما بين الركن والباب، كما ذكره محب الدين الطبرى وغيره، وسمى حطيما لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالأيمان، ويستجاب فيه الدعاء للمظلوم على الظالم، وقل من خلف هنالك كاذبا إلا عجلت له العقوبة (وحطمته)، قاله الشوكانى فى "النيل" أيضا وإن سلم أن المراد بالحطيم ما هو المشهور -أى الموضع الذى فيه الميزاب- فلا دلالة فى الحديث أن هذا هو الملتزم، وغاية ما فيه ثبوت التزام موضع آخر من البيت سوى الملتزم فافهم. فائدة: قال فى "غنية الناسك": وكيفية رجوعه أن يرجع قهقرى وبصره ملاحظ للبيت، متباكيا متحسرا على فراقه، حتى يخرج من أسفل المسجد من باب الخزورة، المعروف بباب الوداع، لكنه يفعله على وجه لا يحصل منه صدم أو وطئ لأحد وقيل: ينصرف ويمشى ويلتفت إلى البيت كالمتحزن على فراقه، قال: ولم يثبت تقبيل العتبة ولا الرجعة للقهقرى من فعله عَ ليه، ولا من فعل الصحابة بعده رضى الله عنهم، وإنما استحسنهما مشايخنا تعظيما للبيت المعظم. قال ابن حجر رحمه الله تعالى: ممن صار إلى القهقرى الزعفرانى والأستاذ الشيخ شهاب الدين السهروردى اهـ. والحائض تقف عند باب المسجد، وتدعو وتمضى (١٠٣). هذا، وقد روينا فى المسلسلات الشاه ولى الله -العمرى الدهلوى حكيم الأمة فى عصره- حديثا مسلسلا بإجابة الدعاء فى الملتزم، أجازنا به وبجميع ما فيها سيدنا الشيخ مولانا الخليل شارح أبى داود قدس الله سره، وبلغه غاية المقصود، والحمد لله أولا وآخرا. به قال ابن قدامة فى "المغنى": ويستحب أن يقف المودع فى الملتزم -وهو ما بين الركن والمباس فيلتزمه، يلصق به صدره ووجهه، ويدعو الله عز وجل، لما روى أبو داود، فذكر ما ذكرناه من الأحاديث فى المتن، ثم ذكر عن أصحابه من الأدعية ما تناسب المقام، ثم قال: والمرأة إذا ٢١٧ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم صدره ويديه وخده إليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله يفعل. رواه ابن ماجه، وفيه المثنى بن صباح قد اضطرب فيه مع ضعفه، فروى عنه عبد الرزاق عند ابن ماجه كما تری، وعیسی ین یونس عند أبى داود عنه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه شعیب، قال: طفت مع عبد الله بن عمرو. ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، كانت حائضا لم تدخل المسجد، ووقفت على بابه فدعت بذلك قال: وقال أحمد: إذا ودع البيت يقوم عند الباب إذا خرج ويدعو، فإذا ولى لا يقف ولا يلتفت وقال مجاهد: إذا كدت تخرج من باب المسجد فالتفت، ثم انظر إلى الكعبة، ثم قل: اللهم لا تجعله آخر العهد اهـ. (٣ - ٤٩٢). فائدة: فى دخول البيت فيه حديث أسامة بن زيد، قال: دخلت مع رسول الله ێ۔، فجلس، فحمد الله وأثنى عليه، وكبر وهلل، ثم قام إلى ما بين يديه من البيت، فوضع سدره عليه وحده ويديه، ثم هلل وكبر ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها، ثم خرج فأقبل على القبلة وهو على الباب، فقال: ((هذه القبلة، هذه القبلة)) مرتين أو ثلاثا رواه أحمد والنسائى، ورجاله رجال الصحيح، وأصله فى "صحيح مسلم" بلفظ: أن النبى معَّ لم يصل فى البيت، ولكنه كبر فى نواحيه. وكذا هو عند البخارى عن ابن عباس: أنه معَّ دخل البيت فكبر فى نواحيه، ولم يصل فیه. وقد روى ابن عمر عن بلال: أن رسول الله م ◌ُّ صلى فيه أخرجه الشيخان، و کذلك روی ابن عمر عن أسامة إثبات صلاته فيها عند أحمد وغيره، فتعارضت الرواية فيه عن أسامة وأما ابن عباس فلم يكن مع النبى معَّةٍ يومئذ، وإنما أسند نفيه تارة لأسامة، وتارة لأخيه الفضل، مع أنه لم يثبت أن الفصل كان معهم إلا فى رواية شاذة، فيحتمل أن يكون تلقاه عن أسامة، فإنه كان معه كما تقدم، فتترجح رواية بلال من جهة أنه مثبت وغيره نافٍ، ومن جهة أنه لم يختلف عليه فى الإثبات. واختلف على من نفى، أو يجمع بينهما بما قال المهلب شارح البخارى: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين، صلى فى أحدهما، ولم يصل فى الأخرى. وقال ابن حبان: الأشبه عندى فى الجمع أن يجعل الخبران فى وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة فى الفتح صلى فيها، على ما رواه ابن عمر عن بلال، ويجعل نفى ابن عباس الصلاة فى الكعبة فى حجة التى حج فيها. لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال، وإلى أسامة أيضا فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض، وهذا جمع حسن، لكن ٢١٨ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم قال: طاف جدى محمد بن عبد الله مع أبيه عبد الله، فلما كان سابعها قال محمد لعبد الله، فذكره. وابن جريج أوثق من المثنى، ورواية ابن جريج تؤيد من قال فيه عن أبيه عن تعقبه النووى(١) بأنه لا خلاف فى أنه مَّ دخل فى يوم الفتح، لا فى حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقى فى كتاب مكة عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم: أنه مرّ إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج فلم يدخلها، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣٧٦). قلت: والأحسن فى الجمع أن يقال: إنه مَّ دخل الكعبة عام الفتح مرتين، لم يصل فى الأولى، لما كان فى البيت من الأصنام والصور، فأمر بإزالتها فى الأولى، وصلى فيها فى الأخرى وقد أزيلت، يؤيده ما رواه الدار قطنى عن ابن عمر، قال: دخل النبى عَّ البيت ثم خرج وبلال خلفه، فقلت لبلال: هل صلى؟ قال: لا، فلما كان الغد دخل، فسألت بلالا هل صلى؟ قال: نعم، صلى ركعتين الحديث. قال السهيلى: إسناده حسن كذا فى "نصب الراية" (١ - ٣٧٣). وقد ورد عن عائشة رضى الله عنها ما يدل على دخوله مَّ الكعبة فى حجته أيضا، قالت: خرج رسول الله مرّ ◌ُّه من عندى، وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع إلى وهو حزين، فقلت له، فقال: ((إنى دخلت الكعبة ووددت أنى لم أكن فعلت، إنى أخاف أن أكون أنعبت أمتى من بعدى)). رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذى، وأخرجه أيضا وصححه ابن خزيمة. والحاكم، ففيه دليل على أنه مَّ دخل الكعبة فى غير عام الفتح. لأن عائشة رضى الله عنها لم تكن معه فیه. إنما كانت معه فى غيره، وقد تقرر فى حديث ابن أبى أوفى المتفق عليه أنه مّ لّ. لم يدخل البيت فى عمرته. فتعین أن یکون دخله فى الحج، وبذلك جزم البيهقى، وهذا الحديث يرد على من جزم من أهل العلم أنه ◌ِّ لم يدخل إلا فى عام الفتح. وقد أجاب البعض (هو الحافظ ابن حجر فى "الفتح" ٣- ٣٧٤) عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون عّم قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح، وهو بعيد جدا. وفيه أيضا دليل على أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج؛ (لقوله عُ له: ((ووددت أنى لم أكن فعلت))) وهو مذهب الجمهور، وحكى القرطبى عن بعض العلماء أن دخولها من المناسك، (١) قد تسامح الحافظ فى نقله كلام النووى فى هذا المقام. ولفظه فى شرحه لصحيح مسلم تحت قوله: قدم رسول الله مَ آي يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة الحديث: فيه دليل على أن هذا المذكور فى أحاديث الباب من دخوله مث ◌ّ الكعبة وصلاته فيها كان .. يوم الفتح، وهذا لا خلاف فيه، ولم يكن يوم حجة الوداع اهـ. (١- ٤٢٨). فليس فيه ما يدل على الإجماع على أنه لم يدخل الكعبة فى حجته، كما يشعر به كلام الحافظ فافهم. ٢١٩ يستحب أن يشرب المودع من ماء زمزم ويلتزم الملتزم جده. دراية (٢٠١). قلت: وقد جود المحقق فى الفتح (٢: ٤٠٠) سند عبد الرزاق عن ابن جريج اهـ. وهو سند صحيح عند من يصحح رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن دخولها مستحب، ويدل على ذلك ما أخرج ابن خزيمة والبيهقى من حديث ابن عباس: من دخل البيت دخل فى جنة، وخرج مغفورا له. وفى إسناده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف، قاله الشوكانى فى "النيل" (٤ - ٣١٤). قلت: بل هو حسن الحديث كما تقدم آنفا فى حديث: ((ماء زمزم لما شرب له)). وروى ابن أبى شيبة من قول ابن عباس: إن دخول البيت ليس من الحج فى شىء. ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣- ٣٧٣)، وسكت عنه، فهو صحيح أو حسن عنده. قال الحافظ: ومحل استحباب دخول الكعبة مالم يؤذ أحدا بدخوله اهـ. قلت: ولم يكن دخوله بأجرة أيضا، وإلا فلا يستحب، ولا يؤجر فاعله، وقد تعذر اليوم دخوله على الناس بدون إعطاء شىء للحاجب، فإلى الله المشتكى، وقد تيسر لى والحمد لله على ذلك دخوله مرتين بلا شىء وبلا زحمة، وهذا من فضل ربى، فله الشكر والثناء الحسن الجميل. فائدة: فى أدب دخول الكعبة. أخرج الحاكم عن عائشة رضى الله عنها، أنها كانت تقول: عجبا للمرأ المسلم إذا دخل الكعبة حتى يرفع بصره قبل السقف، يدع ذلك إجلالا لله وإعظاما، دخل رسول الله عَّ الكعبة، ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها. وقال: صحيح على شرطهما، وأقره عليه الذهبى فى تلخيصه "للمستدرك" (١ - ٤٧٩). قال العينى فى "العمدة": ويستحب للداخل أن لا يرفع بصره إلى السقف، فذكر الحديث. وقال: قال أبو حاتم: حديث منكر اهـ. (٤ - ٦١٢). فائدة: أخرج الحاكم عن زاذان، قال: مرض ابن عباس مرضا شديدا، فدعا ولده فجمعهم، فقال: سمعت رسول الله مرّه يقول: ((من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إلى مكة كتب الله له بكل خطوة سبع مأة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم. قيل: وما حسنات الحرم؟، قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة، وقال: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبى وقال: ليس بصحيح، أخشى أن يكون كذبا، وعيسى (بن سوادة) قال أبو حاتم: منكر الحديث. اهـ (١- ٤٦١) وفى "اللسان": ٢٢٠ ج - ١٠ باب السعى بين الصفا والمروة لا يكرر فمن سعى فى طواف القدوم لا يسعى فى الإفاضة ولا فى الوداع ٢٨١٣- عن جابر رضى الله عنه، قال: لم يطف النبى عّ لّه ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا. وفى رواية: إلا طوافا واحدا طوافه الأول. رواه مسلم. (١-٤١٤). عيسى بن سوادة النخعى، عن الزهرى، وعنه زنيج، وعمرو بن رافع، وأهل الرأى، قال يحيى بن معين: كذاب رأيته قال أبو حاتم: منكر الحديث ضعيف. روى عن إسماعيل بن أبى خالد، عن زاذان، عن ابن عباس حديثا منكرا اهـ. (٣٩٦:٤). قلت؛ وهو هذا الحديث الذى صححه الحاكم، والعجب منه كيف يجترئ على تصحيح مثله، ولا يبالى، ولما كان بعض الأحباب من العلماء قد اغتروا بتصحيح الحاكم، وذكروا هذا الحديث فى فضائل الحج غير مرة وأبت التنبيه على ضعف إسناده ألزم وأوجب، وقد تقدم فى المقدمة أن تصحيح الحاكم لا يعتبر به ما لم يقره عليه أحد من أهل الفن، فكل ما فى "مستدر كه صحيح إلا ما تعقب، فتذكر. فائدة: فى "قرة العيون": هل يجوز لبنى شيبة أخذ الأجرة بفتح باب الكعبة؟ قال الطبرى: لا خلاف بين الأئمة فى تحريم ذلك، وأنه من أشنع البدع، وأقبح الفواحش، وأما ما يتصدق به عليهم على وجه البر بلا شرط فلهم أخذ ذلك. قال فى "رد المحتار": وقد صرحوا بأن ما حرم أخذه حرم دفعه إلا لضرورة، ولا ضرورة هنا؛ لأن دخول البيت ليس من مناسك الحج اهـ. من "غنية الناسك" (٧٤). باب السعى بين الصفا والمروة لا يكرر فمن سعى فى طواف القدوم لا يسعى فى الإفاضة ولا فى الوداع قوله: "عن جابر" إلخ، قلت: فيه دلالة على أن السعى فى الحج والعمرة لا يكرر، بل يقتصر منه على مرة واحدة، ويكره تكراره؛ لأنه بدعة. قال فى "الهداية": فإن كان قد سعى بين الصفا والمروة عقيب طواف القدوم لم يرمل فى هذا الطواف، (أى طواف الإفاضة) وإن كان لم يقدم