النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
رمى الجمار وآدابه
: إعلاء السنن
٢٧٧٢٤- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: أفاض رسول الله عّ لّه من آخر يوم
حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالى أيام التشريق، يرمى الجمرة إذا
زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى،
وعند الثانية، فيطيل القيام، ويتضرع، ويرمى الثالثة لا يقف عندها. رواه أحمد، وأبو
داود، وأخرجه أيضا ابن حبان، والحاكم. "نيل الأوطار" (٤-٣٠٧) وقال المنذرى فى
مختصره: حديث حسن. وقال الحاكم فى المستدرك: حديث صحيح على شرط
مسلم. "زيلعى" (٥١٠:١).
شيئا، وإن أراق دما أحب إلى، لأن النبى عّ لّه فعله فيكون نسكا اهـ. (٣- ٤٧٧).
قوله: "عن عائشة" إلخ، دلالته على ما دل عليه حديث ابن عمر قبله ظاهرة. وفيه أيضا
مكثه عَّ ليالى أيام التشريق بمنى، ومبيته بها، وظاهر لفظ "الهداية" يشعر بوجوبه عندنا إلا أنه لا
يجب على تاركه شىء، كما يجب على من ترك رمى الجمار؛ لأنه وجب ليسهل عليه الرمى فى
أيامه، فلم يكن من أفعال الحج، فتركه لا يوجب الجابر إلا أنهيكره اهـ. (٢- ٣٩٥ مع "الفتح")
ونص أبن الهمام على كونه سنة يلزم بتركه الإساءة على ما يفيده لفظ "الكافى" فذكره. ويمكن
الجمع بين القولين بأن المراد بالسنة هى المؤكدة، وهى كالواجب، والمراد بالإساءة والكراهة فى
تركه الكراهة تحريما، كما يشعر به إطلاق الكراهة، والمراد بمطلقها كراهة التحريم غالبا، كما هو
معروف فى الفقه، والله تعالى أعلم.
قال ابن قدامة فى "المغنى": السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى؛ لما روى ابن عمر
وقالت عائشة، فذكر حديث المتن، وظاهر كلام الخرقى أن المبيت بمنى ليالى منى واجب، وهو
إحدى الروايتين عن أحمد. وقال ابن عباس: لا يبيتن أحد من وراء العقبة من منى ليلا. وهو قول
عروة، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو قول
مالك، والشافعى. والثانية: ليس بواجب، وروى ذلك عن الحسن، وروى عن ابن عباس: إذا رميت
الجمرة فبت حيث شئت. ولأنه قد حل من حجه، فلم يجب عليه المبيت بموضع معين كليلة
الحصبة، والرواية الأولى (دليلها) أن ابن عمر روى أن رسول الله معد له رخص للعباس بن عبد
المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، متفق عليه وتخصيص العباس بالرخصة لعذره
دليل على أنه لا رخصة لغيره. وعن ابن عباس قال لم يرخص النبى عد ◌ّ لأحد يبيت بمكة إلا

ج - ١٠
رمى الجمار وآدابه
١٨٢
٢٧٧٣- عن ابن عمر: أن رسول الله عَّ له رخص لرعاء الإبل أن يرموا بالليل.
رواه البزار. وفى سنده مسلم بن خالد الزنجى شيخ الشافعى رحمه الله، ضعفه قوم،
ووثقه آخرون. "زيلعى" (١- ٥١١). وقال الحافظ فى"التلخيص الحبير" (١-٢١٩):
رواه البزار بإسناد حسن، والحاكم، والبيهقى اهـ.
العباس من أجل سقايته. رواه ابن ماجة. وروى الأثرم عن ابن عمر. قال: لا يبيتن أحد من الحاج إلا
بمنى، وكان يبعث رجاه لا يدعون أحدا ببيت وراء العقبة. ولأن النبى معَّ فعله نسكا وقال:
«خذوا عنى مناسککم)) اهـ. (٣ - ٤٧٣ و ٤٧٤).
قلت: وحديث الإذن للعباس فى ترك المبيت بمنى استدل به فى"الكافى" على عدم وجوبه،
حيث قال: ولو كان واجبا لما رخص فى تركها لأجل السقاية (كما لا يرخص فى ترك الوقوف
بمز دلفة وترك رمى الجمار بمنى لأجلها)، واستدل به ابن الجوزى للشافعى على الوجوب قال: ولو
لا أنه واجب لما احتاج إلى إذن وليس بشىء؛ إذ مخالفة السنة عندهم كان مجانبا جدا، خصوصا
إذا انضم إليه الانفراد عن جميع الناس مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك أنه عليه السلام
كان يبيت بمنى. من "فتح القدير" ملخصا (٢- ٣٩٥). وما كانت الصحابة يعتزلون عن مرافقته
عَ بُّ إلا باستيذان منه، كما هو معلوم من عادتهم، فلا دلالة فى هذا الاستيذان على وجوب المبيت
بمنى، بل غاية ما فيه وجوب هذا الاستيذان فحسب؛ بقوله تعالى: ﴿وإذا كانوا معه على أمر جامع
لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾.
وأما قول ابن قدامة: وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره. ففيه
أن تخصيصه إنما حصلت لاستيدانه وحده، ولا يلزم منه عدم الإذن لغيره لو استأذنه لعذر. وأيضا
ـه عَّ للعباس فى ترك المبيت بمنى، وعدم إذنه له ترك الرمى، دليل على أن الرمى أشد لزوما من
المبيت، وهذا هو الذى نقول به: إن الرمى واجب، والمبيت بمنى سنة مؤكدة، يكره تركه من غير
عذر معتد به. وأما قوله: إنه مدبٍّ فعله نسكا. فممنوع، بل فعله ذريعة لنسك، وهو الرمى؛ بدليل
ما قلنا، فافهم.
قوله:"عن ابن عمر برواية البزار" إلخ، قال الحافظ فى"الفتح": وفى الحديث دليل على
وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج، لأن التعبير بالرخصة يقتضى أن مقابلها عزيمة، قاله فى
حديث ابن عمر: رخص النبى معَّ للعباس أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته اهـ (٤٦٢:٣).

١٨٣
إعلاء السنن
رمي الجمار وادابه
٢٧٧٤ - عن ابن عمر أيضا: أن العباس رضى الله عنهم استأذن رسول الله عَ ل
أن يبيت بمكة ليالى متى لأجل سقايه فأذن له. متفق عليه التلخيص الحبير (٢١٩:١).
٢٧٧٥- عن ابن عباس رضى الله عنهما: إذا انتفج النهار من يوم النفر فقد حل
الرمى والصدر. رواه البيهقى، وإسناده ضعيف، والانتفاج بالجيم الارتفاع. " دراية
قلت: كونه رخصة وكون مقابلها عزيمة لا يدل على كون العزيمة واجبة، بل يحتمل أن
تكون سنة مؤكدة، فكم من عزائم لا تقول الأئمة بوجوبها، كسجود التلاوة فى القرآن؛ فإن غير
سجدة ص من العزائم عند الشافعية، ولم تقل بوجوبها فتذكر. وإتمام الصلاة فى السفر عزيمة
عندهم، وليس بواجب اتفاقا، والصيام فى السفر لمن لا يشق عليه عزيمة، وليس بواجب اتفاقا،
والله تعالى أعلم.
قلت: وقوله: أن يرموا ليلا أراد به الليلة المقبلة لا المتقدمة عليه؛ فإن الرمى إنما يجب إذا
زالت الشمس من أيام التشريق، فيجوز للرعاء تأخيره إلى الليل الآتى، ولا يجوز تقديمه عن الوقت؛
لأن الليلة التى تلى اليوم هى تابعة له، حكمها حكمه، وليس حكمها حكم اليوم الذى بعده، ألا
ترى أنه لو ترك الرمى فى اليوم الأول رماه فى الليلة المقبلة، ولم يكن موخرا له عن وقته؟؛ لأن النبى
عَّ رخص للرعاة أن يرموا ليلا، فكان حكم الليلة حكم اليوم الذى قبلها لا الذى بعدها. "أحكام
القرآن" للجصاص (١ - ٣١٧). وهذا مجمع عليه لا نعلم فيه خلافا، ودلالة الحديث على عدم
وجوب المبيت بمنى ظاهرة بالتقرير الذى مر ذكره عن الكافى"؛ فإنه لو كان واجبا لما رخص فى
تركه للرعاء كما لم يرخص لهم فى ترك الوقوف بمزدلفة، ولا فى ترك رمى الجمار رأسا لهذا
العذر، ففيه دليل ما قاله صاحب الهداية": إن المبيت إنما وجب ليسهل عليه الرمى فى أيامه، لا
لأنه نسك من مناسك الحج. فلا يجب بتركه جابر إلا أنه يكره بلا عذر. وفيه أيضا أن الليل وقت
لرمى الجمار فى سائر أيام منى غير اليوم الرابع؛ لكونه يوم النفر حتما، فلو أخر الرمى فى يوم النحر
وفى يومين بعده إلى الليل بلا عذر أجزأه وأساء، ولا كراهة فيه لعذر. هذا، ودلالة حديث ابن عمر
بعده فى استيذان العباس لترك المبيت بمنى لسقايته على عدم وجوب المبيت بنها بالتقرير المذكور
ظاهرة أيضا، وقد استوفینا الكلام فیه فتذ کر.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قال فى"غنية الناسك": والوقت المسنون فى اليومين من الزوال
·"إلى غروب الشمس، ومن الغروب إلى طلوع الفجر وقت مكروه، وإذا طلع الفجر فقد فات وقت
الأداء عند الإمام، (لأن رمى كل يوم فى ذلك اليوم واجب عنده خلافا لهما)، وبقى وقت القضاء

ج - ١٠
رمى الجمار وآدابه
١٨٤
(١٩٩). فى سنده طلحة بن عمرو، ضعفه البيهقى. "نصب الراية (١-٥١٠). وقال
السيوطى: روى له ابن ماجة وضعفوه، إلا أنه لم يتهم بكذب، وقال أبو حاتم: مكى
ليس بقوى، لين الحديث. وروى ابن عدى بإسناد صحيح عن عبد الرزاق، عن معمر،
قصة اجتماع شعبة، ومعمر، وسفيان، وابن جريج به، فأملى عليهم أربعة آلاف حديث
عن ظهر قلب، ما أخطأ إلا فى موضعين، لم يكن الخطأ منه، ولا منهم، وإنما الخطأ من
فوق. "كشف الأحوال فى نقد الرجال" (٥٥). ومثله فى "الميزان" (١-٤٧٩). وفيه
أيضا: قال آدم بن موسى: سمعت خ (يعنى البخارى) يقول: طلحة بن عمرو لين عندهم
اهـ. قلت: فهو من حفاظ الحديث، ولم يتهم بكذب، فالحديث حسن على أصلنا.
٢٧٧٦- عن عمر أنه قال: من أدركه المساء فى اليوم الثانى فليقم إلى الغد حتى
ينفر مع الناس. رواه ابن المنذر، وجعله ثابتا عنه. "المغني" (٣-٤٨٩).
إلى آخر أيام التشريق، فلو أخره عن وقت أدائه فعليه القضاء والجزاء، وبفوت وقت القضاء بغروب
الشمس من اليوم الرابع. وأما وقت الجواز فى اليوم الرابع فمن الفجر إلى الغروب، إلا أن ما قبل
الزوال وقت مكروه، وما بعده مسنون، وبغروب الشمس من هذا اليوم يفوت وقت الأداء والقضاء
اتفاقا، فليس لرمى هذا اليوم وقت القضاء بخلاف ما قبله اهـ (٩٧).
وفى "المغنى" لابن قدامة: ولا يرمى فى أيام التشريق بعد الزوال؛ فإن رمى قبل الزوال أعاد،
نص عليه، وروى ذلك عن ابن عمر، وبه قال مالك، والثورى، والشافعى، وأصحاب الرأى، عن
الحسن، وعطاء، إلا أن إسحاق وأصحاب الرأى رخصوا فى الرمى يوم النفر قبل الزوال، ولا ينفر
إلا بعد الزوال، وعن أحمد مثله، ورخص عكرمة فى ذلك أيضا. وقال طاؤس: يرمى قبل الزوال
وينفر قبله اه، (٣- ٤٧٦). قلت: وتبين بعسل إسحاق، وعكرمة، وطلوس، وفتواهم بالأثر الذى
رواه طلحة بن عمرو عن ابن عباس أن له أصلا، فقد علمت أن موافقة فتاوى العلماء بحديث دليل
على صحته أو حسنه، كما ذكرناه فى مقدمة الكتاب.
قوله: "عن عمر" إلخ) فيه دلالة على ما ذهب إليه أبو حنيفة والجمهور: أنه من أقام ولم.
ينفر فى اليوم الثانى من أيام التشريق - وهو يوم النفر الأول - حتى غزبت الشمس، يكره له أن ينفر
حتى يرمى فى الرابع (من أيام الرمى وهو الثالث من أيام التشريق)، ثم عند أبى حنيفة رحمه الله.
يسقط الرمى بنفره قبل طلوع فجر الرابع، فلو نفر من الليل قبل طلوعه لا شىء عليه فى الظاهر عن

١٨٥
رمى الجمار وآدابه
إعلاء السنن
٢٧٧٧٠٠- عن عبد الرحمن بن يعمر: أن ناس من أهل نجد أتوا رسول الله عَ ليه
وهو بعرفة فسألوه؟ فأمر مناديا ينادى، فنادى: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع
الفجر فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا
الإمام وقد أساء. وعنه: أنه ليس له أن ينفر بعد الغروب، فإن نفر لزمه دم، وعليه الأئمة الثلاثة، ولو
نفر بعد طلوع الفجر قبل الرمى يلزمه الدم اتفاقا، فإن لم ينفر حتى طلع الفجر من اليوم الرابع
وجب عليه الرمى فى يومه ذلك بلا خلاف، فيرمى الجمار الثلاث بعد الزوال كما مر، فإن رمی
قبل الزوال فى هذا اليوم صح عند أبى حنيفة رحمه الله مع الكراهة، وهو قول عكرمة، وطاوس،
وإسحاق بن راهويه كذا فى "غنية الناسك" (٦٨).
وفى "أحكام القرآن" للرازى: وإذا أقام حتى يصبح من اليوم الثالث (من أيام التشريق وهو
الرابع من أيام الرمى) لزمه الرمى بلا خلاف، وهذا مما يستدل به على صحة قول أبى حنيفة فى
تجويزه رمى اليوم الثالث قبل الزوال، إذ قد صار وقتا للزوم الرمى، ويستحيل أن يكون وقتا بوجوبه
ثم لا يصح فعله فيه اهـ. (١- ٣١٧). قلت: فقد تأيد أثر ابن عباس الذى فى سنده طلحة بن عمرو
بالقياس الصحيح أيضا، كما تأيد بأقوال أجلة من العلماء، وهو دليل على أن له أصلا. فتذكر
وتبصر؛ فإن الحنفية لا يحتجون بالضعاف إلا إذا تبين قوتها بدلائل شرعية اعتبرها المحدثون
والفقهاء رحمهم الله تعالی.
قوله: عن عبد الرحمن بن يعمر إلخ. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له بعد ما ذكر
الحديث: واتفق العلماء على أن قوله عز ◌ٍّ هذا بيان لمراد الآية فى قوله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام
معدودات﴾ ولا خلاف فيه بين أهل العلم أن المعدودات أيام التشريق، وقد روى ذلك عن على،
وعمر، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم، إلا شىء رواء ابن أبى ليلى عن المنهال عن زر عن على
قال: المعدودات يوم النحر ويومان بعده، اذبح فى أيها شئت وقد قيل: إن هذا وهم، والصحيح عن
على أنه قال ذلك فى المعلومات، وظاهر الآية ينفى ذلك أيضا؛ لأنه قال: ﴿فمن تعجل فى يومين فلا.
إثم عليه﴾. وذلك لا يتعلق بالنحر، وإنما يتعلق برمى الجمار المفعول فى أيام التشريق، وقد روى عن
ابن عباس بإسناد صحيح: أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق، وهو قول الجمهور من
التابعين، منهم الحسن، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، وإبراهيم فى آخرين منهم. وقد روى عن أبى
حنيفة وأبى يوسف ومحمد: أن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق.

١٨٦
ج - ١٠
رمى الجمار وآدابه
إثم عليه. رواه الخمسة، وابن حبان، والحاكم. "نيل الأوطار" (٤-٢٨٤)، واللفظ
التر مذى (١- ١٨٠)، قال: وقال سفيان بن عيينة: هذا أجود حديث رواه سفيان
ولم يختلف أهل العلم أن أيام منى ثلاثة بعد يوم النحر، وإن للحاج أن يتعجل فى اليوم
الثانى منها إذا رمى الجمار وينفر، وأن له أن يتأخر إلى اليوم الثالث حتى يرمى الجمار فيه ثم ينفر.
واختلف فيمن لم ينفر حتى غابت الشمس من اليوم الثانى. فروى عن عمر. وابن عمر، وجابر بن
زيد، والحسن، وإبراهيم أنه إذا غابت الشمس من اليوم الثانى قبل أن ينفر فلا ينفر حتى يرمى
الجمار وقال أصحابنا: لا ينبغى له أن ينفر حتى يرمى حمار اليوم الثالث، ولا يلزمه ذلك إلا أن
يصبح بمنى، فحينئذ يلزمه رمى اليوم الثالث. ولا يجوز تركه (قلت: والصحيح من مذهب الحنفية
أنه يلزمه الإقامة، إذا غربت الشمس من اليوم الثانى وهو بمنى، ويكوه له النفر ولكن لا يلزمه الدم
إلا بالنفر بعد طلوع الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق). قال: ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أن
من أقام بمنى إلى اليوم الثالث أنه لا يجوز له النفر حتى يرمى أهـ. (١ - ٣١٦ و٣١٧).
وإذا علمت ذلك فقد تبين لك أن قوله عربيّ: ((أيام منى ثلاثة)) المراد به أيام التشريق بعد يوم
النحر، ولو كان يوم النحر معدودا منها لاقتضى مطلق هذا القول لمن نفر فى اليوم الثانى من أيام
النحر (وهو الحادى عشر من ذى الحجة يقال له يوم القر) أن ذلك جائز، ولا خلاف فى أن ذلك
ليس له، فتبين أنه غير معدود فيها، لا قرآنا، ولا سنة وهذا منتهى بديع. ووجه كون يوم النحر
خارجا عن أيام منى غير معدود منها أن يوم النحر قد استحق أوله الوقوف بالمشعر الحرام. ومنه
تكون الإفاضة إلى منى (واستحق آخره الإفاضة إلى البيت للطواف، كما ثبت بالسنة وهو
الأفضل)، فصار ذلك يوم الإفاضة، وبعد ذلك كله قال الله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام
معدودات﴾. قاله ابن العربى فى "أحكام القرآن" له (١ - ٦٠).
وفيه أيضا: لا خلاف فى أن المخاطب به هو الحاج. خوطب بالتكبير عند رمي الجمار، وأما
غير الحاج فهل يدخل فيه أم لا؟ وهل هو خطاب للحاج بغير تكبير عند الرمى؟ فنقول: أجمع
فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم على أن المراد به التكبير لكل أحد،
وخصوصا فى أوقات الصلاة، فيكبر عند انقضاء كل صلاة تكبيرا ظاهرا فى هذه الأيام، لكن
اختلفوا فى ذلك على أربعة أقوال، فذكرها، ثم قال: والتحقيق أن التحديد بثلاثة أيام ظاهر، وأن
تعينها ظاهر أيضا بالرمى، وأن سائر أهل الآفاق تبع للحاج فيها اهـ.

١٨٧
رمى الجمار وآدابه
إعلاء السنن
الثورى، وقال وكيع: هذا الحديث أم المناسك آهـ. وقد تقدم حديث ابن عباس مرفوعًا:
((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس))، فلا نعيده.
قلت: وقد عرفت قيام الإجماع على عدم وجوب التكبير على الحاج عند الرمى بالجمار،
صرح به الحافظ فى "الفتح" (٤٦٤:٣)، ونصه: وفيه التكبير عند رمي الجمار، وأجمعوا على أن
من لم يكبر فلا شيء عليه اهـ. فقوله مَّه: ((أيام منى ثلاثة)) محمول على إيجاب الرمى فيها
إجماعا، وعلى إيجاب المبيت بمنى أيضا عند من يقول بوجوبه. ويمكن الاعتذار عمن لا يقول
بوجوبه إلى بسنيته بأن اليوم اسم للنهار، فلا يدل إلا على وجوب النسك الذى تعلق به، وهو
الرمى، والمبيت إنما يتعلق بالليل، فلا دلالة فيه على وجوبه، وهذا كما قالوا فى عدم جواز النفر بعد
غروب الشمس فى اليوم الثانى من أيام التشريق، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن تعجل
فى يومين فلا إثم عليه﴾. وقالوا: اليوم اسم للنهار، فمن أدركه الليل فما تعجل فى يومين. قاله
ابن قدامة فى "المغنى" (٤٧٩:٣).
هذا فى حق الحاج، وأما غيره فالواجب فى حقه التكبير بعد الصلوات؛ لعجزه عن الرمى،
وإنما وجب عليه التكبير من غداة يوم عرفة - وهو خارج من أيام منى- لأن وجوبه عليه لأجل
التشبه بالحاج، والحج عرفة، فيجب عليه الإحرام بالحج، والذكر بالتلبية فى يوم عرفة حتما، وإن
كان الأفضل له أن يحرم به ويلبى قبله، وقد أجمع المشاهير من الصحابة والتابعين على التكبير من
غداة عرفة بعد الصلوات، كما تقدم فى أبواب العيدين فتذكر والله تعالى أعلم.
قال ابن قدامة فى"المغنى": إن الرمى فى اليوم الثانى كالرمى فى اليوم الأول (من أيام منى
بعد يوم النحر) فى وقته وصفته وهيئته، ولا نعلم فيه خلافا، فإن أحب التعجيل فى يومين خرج قبل
العروب. وأجمع أهل العلم على أن من أراد الخروج من منى شاخصا عن الحرم غير مقيم بمكة، أن
ينفر بعد الزوال فى اليوم الثانى من أيام التشريق، والمذهب جواز النفير فى النفر الأول لكل أحد،
وهو قول عامة العلماء؛ لقول الله تعالى: ((فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه)). قال عطاء: هى للناس
عامة. وروى أبو داود وابن ماجة عن عبد الرحمان بن يعمر، فذكر حديث المتن، فمن أحب
التعجيل فى النفر الأول خرج قبل غروب الشمس، فإن غربت قبل خروجه من منى لم ينفر، سواء
.. كان ارتحل أو كان مقيماً فى منزله، لم يجز له الخروج، هذا قول عمر، وجابر بن زيد، وعطاء،
وطاوس، ومجاهد، وأبان بن عثمان، ومالك، والثورى، والشافعى، وإسحاق، وابن المنذر. وقال

ج - ١٠
رمى الجمار وآدابه
١٨٨
أبو حنيفة: له أن ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث، لأنه لم يدخل اليوم الآخر، فجاز له النفر كما
قبل الغروب. ولنا قوله تعالى: ((فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه)) واليوم اسم للنهار، فمن أدركه
الليل فما تعجل فى يومين، وثبت عن عمر، فذكر أثر المتن، وما قاسوا عليه لا يشبه ما نحن فيه، فإنه
تعجل فى يومين أهـ (٣ - ٤٧٩).
قلت: وقد عرفت أن أبا حنيفة رحمه الله لم يقل بجواز النفر إذا غربت الشمس فى يوم النفر
الأول وهو بمنى، وإنما قال بسقوط الكفارة إذا نفر قبل طلوع فجر اليوم الثالث، ولا يخفى أن أثر
عمر ساكت عن ذكر الكفارة، وكذا قوله تعالى: ﴿فمن تعجل فى يومين﴾ إنما يدل على جواز
التعجيل فى اليومين، ولا دلالة فيه علي عدم جوازه إذا تأخر عن اليومين قليلا، ولا على إيجاب
الكفارة عليه حينئذ، وقد ثبت بالإجماع أن ليالى أيام الحج تابعة للأيام المتقدمة عليها لا
المتأخرة عنها. ألا ترى أن من فاته الرمى فى اليوم الثانى من أيام التشريق له أن يرميها فى الليلة التى
تليه، ولا شىء عليه؟ فلما كانت هذه الليلة وقتا لرمى اليوم الثانى فمن نفر فيها قبل طلوع فجر
اليوم الثالث فقد تعجل فى اليومين، فثبت بذلك صحة القياس الذى رده ابن قدامة فافهم،
والله تعالى أعلم.
هذا ولقد تقدم حديث ابن عباس مرفوعا: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس))، وفى
رواية: "حتى تكونوا مصبحين"، فدل على أول وقت الرمى فى يوم النحر أنه لا بجوز قبل طلوع
الشمس، ويجزئ بعد طلوع الفجر، وقد مر الكلام فيه مستوفى. وأما آخر وقته فإلى ما قبل طلوع
الفجر من الغد، بدليل ما روى عن ابن عمر مرفوعا: رخص لرعاء الإبل أن يرموا بالليل. وكذا رمى
كل يوم من أيام منى بتأدى بالرمى فى الليل، لكن مع الإساءة بلا عذر، وبلا كراهة بعذر؛ لأن
حديث عبد الرحمن بن يعمر: ((من جاء عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج))،
وحديث عروة بن مضرس نحوه، وحديث ابن عمر فى الرخصة لرعاء الإبل أن يرموا بالليل، دلت
على كون الليالى المقبلة تابعة للأيام المتقدمة عليها فى أيام الحج، كما تقدمت الإشارة إلى
ذلك. وأما الليلة الآتية بعد اليوم الرابع - وهو يوم النفر الثانى - فليست بتابعة لهذا اليوم؛ للزوم
النفر من منى فيه حتما، فإن أخر رميه إلى الليل فقد فاته الرمى، ولم يبق له وقت، لا أداء ولا قضاء،
ولزمه دم اتفاقا.

١٨٩
إعلاء السنن
باب يرمى جمرة العقبة يوم النحر راكبا
وفى سائر الأيام يرمى الجمار كلها ماشيا هو الأفضل
عَّة يرمى على راحلته يوم النحر، ويقول:
٢٧٧٨ - عن جابر، قال: رأيت النبى معَّ له
قال فى "المغنى": فإن أخره أى الرمى عن أيام التشريق فعليه دم، لأنه ترك نسكا واجبا،
فيجب عليه دم، لقول ابن عباس: من ترك نسكا أو نسيه فليهرق لذلك دما. ولأن آخر وقت الرمى
آخر أيام التشريق، فمتى خرجت قبل رميه فات وقته، واستقر عليه للفداء الواجب فى ترك الرمى،
هذا قول أكثر أهل العلم، وعن عطاء فيمن رمى جمرة العقبة، وخرج إلى أهله (ثم عاد) فى
ليلة أربع عشرة، ثم رمى قبل طلوع الفجر: أجزأه، فإن لم يوم فعليه دم. والأول أولى؛ لأن محل
الرمى النهار، فيخرج وقت الرمى بخروج النهار اهـ. (٣- ٤٨٠).
باب يرمى جمرة العقبة يوم النحر راكبا
وفى سائر الأيام يرمى الجمار كلها ماشيا هو الأفضل
قوله: "عن جابر" إلخ، قال الترمذى وقد أخرج أولا حديث ابن عباس: إن النبى معَّ ◌ُله رمى
الجمرة يوم النحر راكبا. وحسنه: العمل عليه عند بعض أهل العلم، واختار بعضهم أن يمشى إلى
الجمار، ووجه الحديث عندنا أنه ركب فى بعض الأيام ليقتدى به فى فعله، (وليسألوه عن
مناسكهم) ثم أخرج عن ابن عمر: أن النبى معَُّّ كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا.
وصححه، وقال: كلا الحديثين مستعمل عند أهل العلم. وقال بعضهم: يركب يوم النحر، ويمشى
فى الأيام التى بعده، وكان من قال هذا إنما أراد اتباع النبى ◌ّ ◌ُّ فى فعله؛ لأنه إنما روى عن النبى
◌ّ له أنه ركب يوم النحر حيث ذهب يرمى الجمار، ولا يرمى يوم النحر إلا جمرة العقبة اهـ
ملخصا (١- ١٠٩).
وقال ابن قدامة فى "المغنى" (٣- ٤٤٩): ويرميها أى جمرة العقبة راجلا أو راكبا كيفما
شاء؛ لأن النبى عّ لّه رماها زاكبا. رواه جابر، وابن عمر، وأم أبى الأحوص وغيرهم، ثم قال بعد
ذكر حديث ابن عمر من طريق أحمد ما نصه: وفى هذا بيان للتفريق بين هذه الجمرة وغيرها،
ولأن رمى هذه الجمرة مما يستحب البداية به فى هذا اليوم عند قدومه، ولا يسن عندها وقوف، ولو
سن له المشى إليها لشغله النزول عن البداية بها والتعجيل إليها، بخلاف سائرها اهـ.

١٩٠
ج - ١٠.
رمى الجمار وآدابه
(لتأخذوا مناسكم، فإنى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه)). رواه مسلم. المغنى
لابن قدامة (٣-٤٤٩)
وقال العينى فى "العمدة": قال ابن عبد البر: فى وقوف النبى معَّه على ناقته مع ما روى
عن جابر وغيره دلالة لما أستحبه جماعة، منهم الشافعى، ومالك، قالوا: رمى جمرة العقبة راكبا،
قال مالك: وفى غير يوم النحر ماشيا. وعن أبى حنيفة: يرميها كلها ماشيا أو راكبا. وقال ابن
المنذر: ثبت أن النبى معَّهِ رمى الجمرة يوم النحر راكبا. وقال ابن حزم: يرميها كلها راكبا. قلت:
يرد هذا ما رواه الترمذى مصححا عن ابن عمر، وقد أجمع العلماء على جواز الأمرين معا،
واختلفوا فى الأفضل من ذلك، فذهب أحمد وإسحاق إلى استحباب الرمى ماشيا (قلت: وإليه
يشير كلام محمد فى الموطأ)، وروى البيهقى بإسناده إلى جابر بن عبد الله: أنه كان يكره أن
يركب إلى شىء من الجمار إلا من ضرورة، وذهب مالك إلى استحباب المشى فى رمى أيام
التشريق؛ وأما جمرة العقبة يوم النحر فيرميها على حسب حاله كيف كان. وقال القاضى عياض:
لیس من سنة الرمی الركوب له ولا الترجل، ولکن یرمی الرجل على هيئته التی یکون حينئذ عليها
من ركوب أو مشى، ولا ينزل إن كان راكبا لرمى، ولا يركب إن كان ماشيا. وأما الأيام بعدها
فيرمى ماشيا؛ لأن الناس نازلون منازلهم بمنى، فيمشون للرمى ولا يركبون؛ لأنه خروج عن
التواضع حينئذ، هذا مذهب مالك انتهى.
وحکی النووی فی شرح مسلم عن الشافعی وموافقیه: أنه يستحب لمن وصل منی راكبا
أن يرمى جمرة العقبة يوم النحر راكبا، ولو رماها ماشيا جاز، وأما من وصلها ماشيا فيرميها ماشياً،
قال: وهذا فى يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق فالسنة أن يرمى فيهما جميعا:
الجمرات ماشيا، وفى اليوم الثالث يرمى راكبا، وقال أصحابنا الحنفية: كل رمى كرمى الجمرتين
-الأولى والوسطى - فى الأيام الثلاثة يرمى ماشيا، وإن لم يكن بعده رمى، کرمى جمرة العقبة فى
الأيام كلها فيرمى راكبا، هذا هو الفضيلة، وأما الجواز فثابت كيف ما كان اهـ ملخصاً (٤ - ٥٤).
قلت: قد اختلف الروايات فى المسئلة عن أئمتنا، كما فى "شرح اللباب" للقارى، والذى
ذكره العينى هو مختار كثير من المشايخ، كصاحب "الهداية"،" والكافى"، والبدائع وغيرهم،
وأطلق فى الظهيرية استحباب المشى إلى الجمار، وذكر فى "الكبير" أن هذا هو المروى من فعله
عَّ أيضا فى غير جمرة العقبة يوم النحر، فإنه رماها راكبا، وسائر ذلك ماشيا، كما فى" شرح

١٩١
إعلاء السنن
رمى الجمار وآدابه
٢٧٧٩- عن نافع: كان ابن عمر یرمى جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان
لا يأتى سائرها بعد ذلك إلا ماشيا ذاهبا وراجعا، وزعم أن النبى عَ لام كان لا يأتيها إلا
ماشيا ذاهبا وراجعا. رواه أحمد فى "مسنده". "المغنى" أيضا (٣-٤٤٩). ورواه
الترمذى أخصر منه وصححه، وأخرجه أبو داود عنه بلفظ: أنه كان يأتى الجمار فى
الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيا ذاهبا وراجعا، ويخبر أن النبى عّ لّه كان يفعل ذلك.
"نيل الأوطار" (٤-٣٠٧). قلت: وسكت عنه أبو داود، وقال المنذرى: فى إسناده عبد
الله بن عمر بن حفص العمرى، وفيه مقال، وقد أخرج له مسلم مقرونا بأخيه عبيد الله.
"عون المعبود" (٢-١٤٦) قلت: فالحديث حسن.
٢٧٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه قال: إن الناس
كانوا إذا رموا الجمار مشوا ذاهبين وراجعين، وأول من ركب معاوية. أخرجه محمد فى
"الموطأ" (٢٢٨)، وسنده صحيح، وقال: المشى أفضل، ومن ركب فلا بأس بذلك.
اللباب للقارى أيضا (٢٩). وما ذكره فى الكبير هو الراجح عندى، لموافقته لأثر ابن عمر
المفسر عند أحمد وأبي داود، كما هو مذكور فى المتن، والله تعالى أعلم.
بقى أن رميه عَّ بجمرة العقبة يوم النحر راكبا هل كان لأن رميها راكبا أفضل؟، أو لأنه
وصل بمنى راكيا ولم ينزل لعدم الحاجة إلى النزول؟، أو لكى يعرفه الناس ويرونه ظاهرا، ويتيسر
لهم الوصول إليه للسؤال عن مناسكهم؟ احتمالات، والظاهر الثانى كما فهمه الشافعى رحمه الله
تعالى، والأوفق بالاتباع أن يرمى يوم النحر راكبا، وفى سائر الأيام ماشيا؛ لأنه مرّ فعل ذلك، وإن
لم نقلم وجهه معينا، والأصلح للعوام أن يرموا فى يوم النحر وغيره من الأيام مشاة على الأقدام،
لأنهم إن رموا راكبين فى الزحام لا يكادون يسلمون من إيذاء المترجلين من الضعفاء، كما هو
مشاهد من حال أبناء الزمان، والله المستعان.
قوله:"عن نافع" إلخ، دلالة الحديث على معنى الباب ظاهرة، وهو الراجح عندى؛ لكونه
أوفق بالاتباع، وفيه دلالة على أنه معمّر استكمل الأيام الثلاثة بمنى، قاله الطبرى، وبه صرح ابن
حزم فى صفة حجة عدّ، كذا فى"شرح اللباب" للقارى (١٣١). أى أنه عد ◌ّ لم يتعجل فى
يومين، بل تأخر إلى اليوم الثالث فافهم.
قوله: أخبرنا مالك" إلخ، الظاهر من قوله:" إذا رموا الجمار" أنهم كانوا يمشون لرمى

١٩٢
ج - ١٠
٢٧٨١- وأخرج ابن أبى شيبة بإسناد صحيح: أن ابن عمر كان يمشى إلى الجمار
مقبلا ومدبرا.
٢٧٨٢- وعن جابر: أنه كان لا يركب إلا من ضرورة. كذا فى
"فتح البارى (٣- ٤٦٦).
باب أن المبيت بمنى فى ليالى أيام التشريق سنة
ویکره تعجیل ثقله من منی قبل النفر
٢٧٨٣- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: أفاض رسول الله عَّ ◌ُلّه من آخر يوم
حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالى أيام التشريق. الحديث. رواه
أحمد، وأبو داود، وصححه ابن حبان، والحاكم، وحسنه المنذرى، وقد تقدم
فى الباب المتقدم.
الجمار بعد يوم النحر، وأول من ركب فيها معاوية رضى الله عنه، وإلا فالركوب يوم النحر عند
جمرة العقبة ثابت عن رسول الله عَ ر عند البخارى ومسلم وغيرهما، كما هو ظاهر من أحاديث
المتن، وعلى هذا فيحمل قول محمد: "المشى أفضل" على الرمى بعد يوم النحر، والله أعلم.
لطيفة: حكى عن إبراهيم بن الجراح قال: دخلت على أبى يوسف رحمه الله فى مرضه
الذى توفى فيه، ففتح عينيه، وقال: الرمى راكبا أفضل أو ماشيا؟، فقلت: ما شيئا، فقال: أخطأت،
فقلت: راكبا، فقال: أخطأت، ثم قال: كل رمى بعده وقوف فالرمى ماشيا أفضل، وما ليس بعده
وقوف فالرمى راكبا أفضل، فقمت من عنده، فما انتهت إلى باب الدار حتى سمعت الصراخ
بموته، فتعجبت من حرصه على العلم فى مثل تلك الحالة اهـ من "فتح القدير" (٢- ٣٩٥).
قلت: أولئك هم أولياء الله حقا، فبحب الله وذكره تطمئن القلوب، وتنكشف الكروب، وتتجلى
على المرأ أنوار الغيوب.
باب أن المبيت بمنى فى ليالى أيام التشريق سنة
ویکره تعجیل ثقله من منی قبل النفر
قوله: "عن عائشة" إلخ، قلت: دلالته على مبيت رسول الله عّ لهبمنى ليالى أيام التشريق
ظاهرة، وقد استوفينا الكلام فى المسئلة فى الباب السابق فليراجع.

١٩٣
المبيت بمنى فى ليالى أيام التشريق سنة
إعلاء السنن
٢٧٨٤- عن عبد الرحمن بن فروخ: أنه سأل ابن عمر رضى الله عنهما: إننا
نتتابع بأموال الناس، فيأتى أحدنا مكة، فيبيت على المال، فقال: أما رسول الله فبات بمنى
وظل. أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذرى. "عون المعبود" (١٤٤:٢). وقد تقدم
حديث ابن عمر: أرسول الله عَّ أذن للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى لأجل سقايته.
٢٧٨٥- عن ابن عمر: أن عمر رضى الله عنهما كان ينهى أن يبيت أحد من وراء
العقبة، وكان يأمرهم أن يدخلوا منى. أخرجه ابن أبى شيبة بسند صحيح. دراية (٢٠٠).
٢٧٨٦- وأخرج عن ابن عمر: أنه كره أن ينام أحد أيام منى بمكة. (وفى سنده
حجاج هو ابن أرطاة وهو حسن الحديث).
٢٧٨٧- وعن ابن عباس: أنه قال: لا يبيتن أحد من وراء العقبة ليلا بمنى أيام
التشريق. (وفى سنده ليث هو ابن أبى سليم وهو حسن الحديث أيضا كما مر غير مرة)
"نصب الراية" (١-٥١٢).
قوله: "عن عبد الرحمن بن فروخ" إلخ، قلت: هو مولى عمر بن الخطاب، ذكره ابن حبان
فى الثقات كما فى "التهذيب"، والظاهر من جواب ابن عمر رضى الله عنهما أنه لم يرض بترك
المبيت بمنى لأجل حفاظة الأموال، إما لكون الرخصة فى ذلك عنده خاصة بأهل السقاية والرعاء،
أو لعلمه بعدم احتياج الأموال بمكة إلى حافظ؛ لكون البيوت مقفلة، وخلو مكة عن السارقين إذ
ذاك؛ لقيام الناس كلهم بمنى، وكون القرن من خير القرون. أو أراد أن رسول الله عَ ليه. كان يقيم
بمنى ليله ونهاره، وأما غيره فمنهم من كان يبيت بمكة لضرورة، كحفظ المال، وسقاية الحاج،
وهذا كقولك: أما أنا فلم أفعل ذلك، ففيه تعريض بفعل غيره، وإذا جاء الاحتمال فلا يتم
الاستدلال به على عدم جواز ترك المبيت لحفظ الأموال إذا خيف عليها الضياع فافهم. ودلالته
علی مبيت النبی مێ بمنى فى ليالى منى ظاهرة.
قوله: "عن ابن عمر إلخ"، قلت: فيه دلالة على دخول العقبة وجمرتها فى منى، وهى
شعب طوله نحو ميلين، وعرضه يسير، والجبال المحيطة بها ما أقبل منها عالية فهو من منى، وما أدبر
منها فليس من منى، وحد منى وادى محسر وجمرة العقبة، وليست الجمرة ولا العقبة من منى، بل.
منى تنتهى إليهما - قال الأزرقى: وذرع مابين جمرة العقبة ومحسر سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع.
وعن عطاء: حد منى رأس العقبة مما يلى منى إلى محسر، خلافا للمحب الطبرى رحمه الله تعالى،
٠

ج - ١٠
المبيت بمنى فى ليالى أيام التشريق سنة
١٩٤
٢٧٨٨- أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبى بكر، أن أباه أخبره، أن أبا البداح بن
عاصم بن عدى أخبره عن أبيه عاصم بن عدى، عن رسول الله عَّ ◌ُله: أنه رخص لرعاء
الإبل فى البيتوتة، يرمون يوم النحر، ثم يرمون من الغد أو من بعد الغد ليومين، ثم
يرمون يوم النفر. أخرجه محمد فى "الموطأ" (٢٢٨). وأبو داود، والترمذى، والنسائى،
وابن ماجه. وقال الترمذى: حسن صحيح. "عون المعبود" (٢-١٤٨).
حيث قال: العقبة كلها من منى، وكذا الجمرة، وعليه المالكية، بقول عمر بن الخطاب رضى الله
عنه: لا يبيتن أحد من الحجاج ليالى منى وراء العقبة. كذا فى "غنية الناسك" (٩٠) ودلالة الأثر
على لزوم المبيت بمنى فى لياليها ظاهرة. وقد تقدم أن ظاهر لفظ "الهداية" يشعر بوجوبها عندنا،
والمنصوص فى كتب الحنفية كونه سنة، وعلله صاحب "الهداية" بأن عمر رضى الله عنه كان
يؤدب على ترك المقام بها، ولا يخفى أنه لا يؤدب على المكروه تنزيها، قاله الطحطاوى فى حاشية
"مراقى الفلاح" (٤٢٤)، فترك المقام بها مكروه تحريما، ومقابله إما واجب. أو سنة مؤكدة فافهم.
قوله: "أخبرنا مالك" إلخ، دلالته على جواز ترك المبيت بمنى لضرورة ظاهرة. وهذا حديث
مفسر لما روى ابن عمر مجملا: أن النبى معَّه رخص للرعاء أن يرموا ليلا. فاحتج به الشافعى
رحمه الله على جواز رمى الجمرة ذات العقبة بعد نصف الليل من ليلة النحر، وأوله الحنفية على
الليلة الثانية والثالثة؛ لما عرف أن وقت رمى كل يوم إذا دخل من النهار امتد إلى آخر الليلة التى تتلو
ذلك النهار، فالليالى فى الرمى تابعة للأيام السابقة لا اللاحقة؛ بدليل إدراك الوقوف بعرفة بالوقوف
فى ليلة النحر قبل الفجر؛ وبدليل حديث ابن عباس مرفوعا: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)).
كذا فى "فتح القدير" بمعناه (٢ - ٣٩٤).
ويؤيد هذا التأويل ما رواه مالك من حديث أبى البداح، ففيه أن الرعاء إنما رخص لهم فى
التأخير دون التعجيل، وقال مالك رحمه الله فى "الموطأ": تفسير الحديث الذى رخص فيه رسول
الله عَّه لرعاء الإبل فى رمى الجمار فيما نرى -والله أعلم- أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى
اليوم الذى يلى يوم النحر زموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذى مضى، ثم
يرمون ليومهم ذلك؛ لأنه لا يقضى أحد شيئا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان
القضاء بعد ذلك. وفى رواية عند أحمد من طريق عبد الرزاق، عن مالك، بلفظ: أرخص رسول

١٫٩٥
یکره تعجیل ثقله من منی قبل النفر
إعلاء السنن
٢٧٨٩- حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن عمارة، قال: قال عمر: من
قدم ثقله من منى ليلة ينفر فلا حج له. أخرجه ابن أبى شيبة. "زيلعى" (٥١٢:١).
الله عَ لّه لرعاء الإبل فى البيتوتة، أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمى يومين بعد يوم النحر،
فيرمونه فى أحدهما. وأصرح منه رواية ابن جريج، عن محمد بن أبي بكر، بلفظ: أرخص للرعاء
أن يتعاقبوا، فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يوما، ثم يرموا الغد، أى فى الغد ليومين. ذكره السيد
الشيخ رحمه الله تعالى فى "بذل المجهود" (٣ - ١٨٠).
قلت: ولفظ أحمد الأول أخرجه الترمذى والنسائى أيضا. وأخرج أبو داود والترمذى عن
أبى البداح، عن أبيه: أن النبى معَِّ رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما. "عون المعبود" (٢-
١٤٨)، أى ثم يرمون ليومين للماضى قضاء وللحاضر أداء، فلا يصح حمل حديث ابن عمر:
"رخص لرعاء الإبل أن يرموا ليلا" على الليلة السابقة أصلا. فإن قيل: قد رواه الدار قطنى عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنه معَّه رخص للرعاء أن يرموا ليلا، وأية ساعة شاؤوا من
النهار. وهو بعمومه يقتضى جواز التعجيل والتأخير سواء قلنا فى إسناده أبو عمرو ضعيف، قاله
الحافظ فى "الدراية" (١٩٩). وإن سلمنا فالمراد التعميم فى ساعات الليل والنهار المتأخرين دون
المتقدمين؛ بدليل ما أسلفنا وقال القارى عن الطيبى: ولم يجوز الشافعى ومالك أن يقدموا الرمى فى
الغد اهـ وهو كذلك عند أئمتنا. "بذل المجهود" (٣- ١٨٠)، فلما لم يعمل الشافعى بعمومه فى
النهار فأنی له أن يحتج به على تقديم الرمی فی الليل؟ فافهم، فإنه نفیس.
هذا، وقال محمد فى "الموطأ": من جمع رمى يومين فى يوم من علة أو من غير علة فلا
كفارة عليه إلا أنه يكره له أن يدع ذلك من غير علة حتى الغد، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا ترك
ذلك حتى الغد (أی من غیر علة) فعلیه دم، (لأن رمی كل يوم فى ذلك اليوم واجب عنده خلافا
لهما. "التعليق الممجد" اهـ. وفى "شرح اللباب" للقارى: والحاصل أن الرمى موقت عند أبى
حنيفة، وعندهما ليس بموقت، فإذا أخر رمى يوم إلى يوم آخر فعنده يجب القضاء مع الدم،
وعندهما يجب القضاء لا غير؛ لأن الأيام كلها وقت لها، وأما إذا خرج وقتها فوجب دم أيضا
عندهما لترك الرمى، وهو قول أكثر العلماء والأصح عند الشافعية ولو ترك رمى الأيام كلها فعليه
دم واحد (اتفاقا)، ولو ترك شيئا من الواجبات بعذر لا شىء عليه على ما فى "البدائع"، وكذا
الكرمانى اهـ (١٩٦). قلت: ودلالة الأثر على جواز تأخير الرمى وترك المبيت بمنى بعذر ظاهرة.
قوله: "حدثنا ابن إدريس، وقوله: حدثنا وكيع" إلخ، قلت: دلالة الأثرين على كراهة تقديم

١٩٦
ج - ١٠
٢٧٩٠- حدثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن عمر بن شرحبيل،
عن عمر، قال: من قدم ثقله قبل النفر فلا حج له. أخر فقه ابن أبى شيبة أيضا. "زيلعى"
قلت: وهذا سند صحيح، وعمر بن شرحبيل من خيار عباد الله، احتج به الشيخان
وغيرهما، كان من أفاضل أصحاب عبد الله. "تهذيب" (٨-٤٧). والأثر الأول منقطع
بین عمارة -وهو ابن عمیر التیمی کوفی ثقة- وبین عمر؛ فإنه لم یر عمر ورأى ابن عمر
وروى عنه. كذا فى "التهذيب" أيضا. (٧-٤٢١).
باب أن النزول بالمحصب يوم النفر سنة ويستحب أن يصلى به الظهر
والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل
٢٧٩١- عن ابن عمر: أن النبی مپێے، وابا بکر، وعمر، کانوا یتزلون الإبطح،
رواه مسلم (١ - ٤٢٢).
الثقل وهو المتاع والخدم، من منى قبل النفر ظاهرة. وقول عمر: فلا حج له، معناه لا حج له كاملا؛
لكونه قد أتى بأمر مكروه، وصرح الطحطاوى فى حاشية "مراقى الفلاح" فى شرح قوله: وكره
تقديم ثقله إلى مكة إذ ذاك: بأن ظاهر كلامهم أن كراهة التقديم تحريمية؛ لأن عمر أدب عليه، ولا
يؤدب على المكروه تنزيها، ذكره السيد، وقال قبله بسطر: هذا إذا أمن فى إبقائه فى منى وإلا فلا
کرامة أی فی تقدمه ١ هـ. (٤٢٤).
باب أن النزول بالمحصب يوم النفر سنة ويستحب أن يصلى به الظهر
والعصر والمغرب والعشاء ویبیث به بعض الليل
قوله: "عن ابن عمر إلىّ قوله: عن أبى هريرة" إلخ، قلت: دلالته على نزول النبى معَ له
والخلفاء بعده بالمحصب ظاهرة. ودل حديث أبى هريرة. أنه مَِّ نزله قصدا؛ ليرى لطيف صنع الله
به، وليتذكر فيه نعمته سبحانه عليه عند مقايسة نزوله به الآن إلى حاله قبل ذلك، أعنى حال
انحصاره من الكفار فى ذات الله تعالى، وهذا أمر يرجع إلى معنى العبادة. ثم هذه النعمة التى
شملته عليه الصلاة والسلام من النصر والاقتدار على إقامة التوحيد، وتقرير قواعد الوضع الإلهى
الذى دعا الله تعالى إليه عباده لينتفعوا به فى دنياهم ومعادهم، لا شك أنها النعمة العظمى على
أمته؛ لأنهم مظاهر المقصود من ذلك المؤزر المنصور، صلاة الله وسلامه عليه ما هبت القبول

١٩٧
النزول بالمحصب يوم النفر من منى
إعلاء السنن
٢٧٩٢- عن نافع: أن ابن عمر كان يرى التحصيب سنة، وكان يصلى الظهر يوم
النفر بالحصبة. قال نافع: قد حصب رسول الله عّ لّه والخلفاء بعده. رواه مسلم
(١-٤٢٢).
٢٧٩٣ - عن أبى هريرة، قال: قال لنا رسول الله عَّ له ونحن بمنى: «نحن نازلون
غدا بخيف بنى كنانة، حيث تقاسموا على الكفر)). وذلك أن قريشا وبنى كنانة حالفت
على بنى هاشم وبنى المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول
الله عَ ظُلّهِ، يعنى بالمحصب. رواه مسلم (١-٤٢٣). والبخارى. "دراية" (٢٠٠).
والدبور، فكل واحد منهم جدير بتفكرها والشكر التام عليها؛ لأنها عليه أيضا، فكان سنة فى
حقهم؛ لأن معنى العبادة فى ذلك يتحقق فى حقهم أيضا، وعن هذا حصب الخلفاء الراشدون،
کما قاله نافع وابن عمر رضى الله عنهم.
وأما ما روى البخارى وغيره عن عائشة رضى الله عنها، قالت: إنما كان منزلا ينزله النبى
عَِّ ليكون أسمح لخروجه، تعنى بالإبطح، ولفظ مسلم: نزول الإبطح ليس مبسنة، إنما نزله،
الحديث. وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: ليس التحصيب بشىء، إنما هو منزل النبى معَ له.
فالمراد أنه ليس(١) من المناسك، فلا يلزم بتركه شىء، ومن قال: إنه سنة، أراد دخوله فى عموم
التأسى بأفعاله معَّه فيما فعله تعبدا لا إتفاقا، ولم يرد الإلزام بذلك. قال النووي فى "شرح مسلم":
مذهب الشافعى، ومالك، والجمهور، استحبابه اقتداء برسول الله عليه والخلفاء الراشدين وغيرهم،
وأجمعوا على أن من تركه لا شىء عليه ويستحب أن يصلى به الظهر، والعصر، والمغرب،
والعشاء، ويبيت به بعض الليل أو كله اقتداء برسول الله عَ لّ اهـ. (١- ٤٢٢).
قال فى "الهداية": وإذا نفر إلى مكة نزل بالمحصب، وهو الإبطح، وهو اسم موضع قد نزل
(١): وقد أغرب الأقطع فى شرحه، حيث قال: إن رسول الله عَ ل أخبر أنه ينزل المحصب لمخالفتهم أى الكفار، فإنهم اجتمعوا
المعصية، ونحن نجتمع فيه للطاعة، وما فعله مَ ◌ٍّ فى المناسك على وجه المخالفة فهو نسك،، كما نفر غن عرفة بعد غروب
الشمس اهـ. كذا فى "الكفاية" مع "فتح القدير" (٢-٣٩٧). قلت: ليس كل ما فعله فى المناسك لمخالفة الكفار نسكا على
الإطلاق، بل كل ما فعله لمخالفتهم فى أمر المناسك فهو نسك، كما نفر من عرفة بعد الغروب لخالفة الكفار فيما أحدثوه فى
المناسك، وتخالفهم على بنى هاشم فى الإبطح ما كان منهم على وجه النسك بإدخالهم ذلك فى أمور الحج، بل على وجه
قطيعة والتدبير للحرب، فلو جعلنا مخالفة مثل ذلك نسكا لزمناعد الأذان والجماعة وغيرهما من النسك أيضا، لما فيهمن
٥١،
إعلان التوحيد بإزاء ما كانوا يفعلونه من إعلان الشرك والكفر فافهم.
:٠

ج - ١٠
النزول بالمحصب يوم النفر من منى
١٩٨
٢٧٩٤- عن قتادة، عن أنس: أن النبى عّ لّه صلى الظهر، والعصر، والمغرب،
والعشاء، ورقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به. أخرجه البخارى :.
"زيلعى" (١-٥١٢)، "وفتح البارى" (٣ - ٤٧٠).
٢٧٩٥- عن نافع: أن ابن عمر رضى الله عنهما كان يصلى بها يعنى المحصب
الظهر والعصر، أحسبه قال: والمغرب. قال خالد: لا أشك فى العشاء، ويهجع هجعة،
به رسول الله عَّ، وكان نزوله قصدا هو الأصح، حتى يكون النزول به سنة، على ما روى أنه
سَ لّه قال لأصحابه: ((إنا نازلون غدا بالخيف خيف بنى كنانة، حيث تقاسم المشركون فيه على
شركهم)). يشير إلى عهدهم على هجران بنى هاشم، فعرفنا أنه نزل به إراءة للمشركين" لطيف
صنع الله تعالى به، فصار سنة كالرمل فى الطواف اهـ. قلت: وفى قوله: "إراءة للمشركين"
مسامحة، فإنه لم يكن بمكة مشرك عام حجة الوداع. نبه عليه المحقق فى "الفتح" (٢ - ٣٩٧).
والأولى أن يقال: نزل به عملا بقول الله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾، وإراءة للمسلمين
الذى كان لهم علم بالحال الأول، ليتقوى إيمانهم بذلك، ويزداد الذين آمنوا من بعدهم إيمانا
باستحضار نصر الله وتأثيده لرسوله حين نزولهم بهذا المكان.
وقال الحافظ فى "الفتح" (٣- ٣٧١): لكن لما نزله النبى معَّ ◌ُّه كان النزول به مستحبا؛
اتباعا لتقريره على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده، اهـ. قلت: وقد أخرج الجماعة عن أسامة ابن زيد
مرفوعا مثل ما رواه أبو هريرة، قال: ((نحن نازلون بخيف بنى كنانة حيث تقاسمت قريش على
الكفر)) يعنى المحصب. كما فى "فتح القدير" (٢- ٣٩٦).
قلت: وقد من الله تعالى على هذا العبد الضعيف بتوفيقه لأداء هذه السنة ببركة سيدى
الشيخ مولانا خليل أحمد المهاجر، مصنف "بذل المجهود" -تغمده الله تعالى برحمته، وبلغه غاية
المقصود- فنزلت بالمحصب معه، وصلیت به العصر فى أول حجتی، ثم لم أقدر عليه فى حجتين
بعدها؛ لما كان معى من النساء والصبيان، وكن قد أخرن طواف الإفاضة إلى النفر الأول، فعجلت
بهن إلى مكة؛ لكى يفرغن من طوافهن فى النهار قبل غروب الشمس من آخر اليوم النحر، والله هو
الموفق والمعين. هذا، وقصة تحالف قريش على بنى هاشم وبنى المطلب مشهورة فى السير، فمن شاء
فليراجعها.
قوله: "عن قتادة وقوله: (عن نافع" إلخ، دلالته على استحباب أن يصلى بالمحصب الظهر
٠

١٩٩
إعلاء السنن
ويذكر ذلك عن النبى عدّ له. رواه البخارى، وأخرجه الإسماعيلى بطريق سفيان بن
عيينة بغير شك فى المغرب، وكذا هو عند أبى داود. "فتح البارى" (٣-٤٧٢).
باب وجوب طواف الوداع على أهل الآفاق
ورخص للحائض والنفساء فی تر که
٢٧٩٦- عن ابن عباس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه
خفف عن المرأة الحائض. رواه الشيخان، وفى لفظ لمسلم: قال: كان الناس ينصرفون فى
کل و جه، فقال رسول الله مګ: ((لا ينفرن أحد کم حتی یکون آخر عهده بالبيت)) اهـ
"زيلعى" (١-٥١٢).
والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل ظاهرة. قال فى "غنية الناسك" (١٠١): وإذا فرغ
من الرمى يوم النفر الأول أو الثانى (بعد الزوال) وأراد النفر توجه إلى مكة قبل أن يصلى الظهر.
وإذا وصل المحصب وهو الإبطح فالسنة أن ينزل به ولو ساعة ويدعو، أو يقف على راحلته كذلك
ويدعو، وبهذا يحصل أصل السنة، وأما الكمال فهو أن يصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء،
ويهجع هجمة، ثم يدخل مكة، هكذا فعل رسول الله عَظّه، فلو تركه أصلا يكون مسيئا.
والمحصب هو فناء مكة، وحده ما بين الجبلين المتصلين بالمقابر إلى الجبال المقابلة لذلك، مصعدا فى
الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى منى مرتفعا عن بطن الوادى، وليست المقبرة من المحصب، كذا فى
"الفتح". والجبلين أحدهما على يسار الهابط إلى المقابر من ثنية الكداء، والثانى على يمينه، وهذا
حده عرضا، وأما حده طولا فمن باب مكة إلى جبل العيرة بقرب السبيل الذى يقال له: سبيل
الست، بطريق منى على يمين الذاهب إلى منى، والمقبرة مستثنى من عرض المخصب، وتمامه فى
"الكبير" اهـ. قال الحافظ فى "الفتح": وأما قوله فى الحديث: إنه صلى الظهر بالمحصب. فلا ينافى
أنه مرّ ◌ُلِّ لم يرم إلا بعد الزوال؛ لأنه رمى، فنفر، فنزل بالمحصب فصلى الظهر به اهـ (٣: ٤٧١).
وقال محمد فی "الموطأ": هذا أی نزول المخصب حسن، ومن تر که فلا شىء علیه، وهو قول أبى
حنيفة رحمه الله. (٢٣٥).
باب وجوب طواف الوداع على أهل الآفاق
ورخص للحائض والنفساء فى تركه
قوله: عن ابن عباس إلخ. قلتٍ: قوله: أمر الناس على صيغة المجهول وأصل الكلام أمر النبى

ج - ١٠
طواف الوداع
٢٠٠
٢٧٩٧- أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر رضى الله تعالى عنهم،
قال: لا يصدرن أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت، فإن آخر النسك الطواف
◌َّه الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، والمراد بالناس أهل الآفاق، لا أهل مكة ومن فى حكمهم
من أهل الحرم والمواقيت، بدليل قوله عند مسلم: كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول
الله ◌َّه ((لا ينصرفن أحد)) الحديث. فالمأمور بطواف الوداع إنما هؤلاء المتصرفون كما لا يخفى.
قال ابن قدامة فى "المغنى": وجملة ذلك أن من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها،
أو الخروج منها، فإن أقام بها فلا وداع عليه؛ لأن الوداع من المفارق لا من الملازم، سواء نوى
الإقامة قبل النفر أو بعده، وبهذا قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة بعد أن حل له
النفر لم يسقط عنه الطواف ولا يصح (هذا القول)، لأنه غير مفارق، فلا يلزمه وداع كمن
نواها قبل حل النفر، وإنما قال النبى معٍَّ ((لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)) وهذا
لیس ینافر اهـ (٤٨٥:٣).
قلت: سلمنا أنه غير مفارق، ولا نسلم أنه ليس بنافر؛ فإن من حل له النفر فهو نافر حكما
وشرعا، كالحائض إذا طهرت قبل العشر حسب العادة ولم تغتسل، ومضى عليها وقت صلاة
كاملة، وحلت لها الصلاة، فهى مصلية حكما، حتى جاز لزوجها قربانها قبل الاغتسال، فكذا
ههنا من حل له النفر فهو نافر شرعا، فلا يجوز له ترك طواف الوداع لو نوى الإقامة بمكة بعده،
ومعنى الوداع والمفارقة ليس مذكورا فى النصوص. فيجوز أن يكون معلولا بغيره مما لم نقف
عليه، وهذا عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وقال أبو يوسف: يسقط عنه طواف الصدر فى
الحالين. سواء نوى الإقامة قبل أن يحل النفر الأول أو بعده، إلا إذا كان شرع فيه، كذا فى
"فتح القدير" (٣٩٨:٢).
قوله: "أخبرنا مالك" إلخ، قلت: قوله: لا "يصدرن أحد من الحاج" دليل على اختصاصه
بهذا الطواف، فلا يجب على المعتمر، وفى إيجابه على المعتمر حديث ضعيف، رواه الترمذى عن
الحارث بن عبد الله بن أوس، قال: سمعت النبى مَّهِ: ((من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر
عهده بالبيت))، فقال له عمر: خروت من يديك، سمعت هذا من رسول الله مَّه ولم تخبرنا به؟
قال الترمذى: حديث الحارث بن عبد الله بن أوس حديث غريب، وقد خولف الحجاج (هو ابن
أرطاة) فى بعض هذا الإسناد اهـ (١١٤:١).