النص المفهرس
صفحات 101-120
٠١
ج - ١٠
خطبة الإمام فى أيام الحج
٢٦٨٣- عن ابن عمر رضى الله عنهما: كان رسول الله عبد الله إذا كان قبل التروية
بيوم خطب الناس، فأخبرهم بمناسكهم. رواه الحاكم والبيهقى. "التلخيص الحمير"
(١-٢١٥). ولم يتعقبه الحافظ بشئ، فهو صحيح أو حسن، وصححه الذهبى
فى تلخيصه "للمستدرك" (١-١٤٦).
٢٦٨٤- عن جعفر بن محمد بن على، عن أبيه، عن جابر: أنه عَّ خطب
بعرفات خطبتين. رواه الشافعى والبيهقى بمعناه، قال البيهقى: تفرد به إبراهيم.
"التلخيص" (١-٢١٥).
وفيهما حجة على زفر رحمه الله تعالى حيث قال: بأن أول خطب الحج فى يوم التروية. نعم!
حديث جابر يؤيده فى خطبة يوم النحر، ولكنه ضعيف، وقد مر الكلام فيه مستوفى، والله أعلم.
قوله: "عن جعفر بن محمد" إلخ، فيه دلالة على أن يخطب الإمام بعرفات خطبتين مثل
الجمعة، وفى سنده إبراهيم بن أبى يحيى، وهو مكشوف الحال، ولكن وثقه الشافعى، وبرأه من
الكذب، ووافقه الإصبهانى وغيره كما قد مر غير مرة. وقد ذكرت الحديث فى المتن بمعناه
مختصرا، ولفظه فى التلخيص: أنه معّ راح إلى الموقف (١) فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن
بلال، ثم أخذ النبى معَّ: فى الخطبة الثانية، ففرغ من الخيفة وبلال من الأذان، ثم أقام بلال، فصلى
الظهر، ثم أقام، فصلى العصر. وفى حديث جابر الطويل الذى أخرجه مسلم ما دل على أنه خطب
ثم أذن بلال، ليس فيه ذكر أخذ النبى معَّه فى الخطبة الثانية. قال المحب الطبرى: وذكر الملا فى
سيرته: أن النبى معَّ لما فرغ من خطبته أذن بلال، وسكت النبى معَّ لّه، فلما فرغ بلال من الأذان
تكلم بكلمات، ثم أناخ راحلته، وأقام بلال الصلاة اهـ ملخصاً (٢١٥).
وفى "البدائع": فإذا زالت الشمس صعد الإمام المنبر، فأذن الموذنون والإمام على المنبر، فإذا
فرغوا من الأذان قام الإمام، وخطب خطيتين. وعن أبى يوسف ثلاث روايات: روى عنه مثل قول
أبى حنيفة ومحمد، وروى عنه أنه يؤذن المؤذن والإمام فى الفسطاط، ثم يخرج بعد فراغ المؤذن،
فيصعد المنبر ويخطب، وروى الطحاوى عنه فى باب خطب الحج. أن الإمام يبدأ بالخطبة قبل
(١): وفى رواية مسلم: أن الخطبة كانت ببطن الوادي. وحديث مسلم أصح ("التلخيص") قلت: والمراد ببطن الوادي مسجد نمرة
على ما أحسب.
١٠٢
خطبة الإمام فى أيام الحج
إعلاء السنن
٢٦٨٥- عن سراء بنت نبهان، قالت: خطبنا النبى عّ لّه يوم الرؤس. فقال: أى
يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أ ليس أوسط أيام التشريق؟. رواه أبو داود
(٣-١٨٤ مع "البذل") وسكت عنه.
٢٦٨٦- وروى مثله عن رجلين من بنى بكر، قال: رأينا رسول الله عّ لّه يخطب
بين أوسط أيام التشريق، وهى خطبة رسول الله عّ لّه التى خطب بمنى اهـ. وسكت عنه.
٢٦٨٧- وقال ابن حزم: وخطب الناس أيضا يعنى سيدنا رسول الله عَ ليه يوم
الأحد ثانى يوم النحر وهو يوم الرؤوس اهـ. "عمدة القارئ" (٤-٧٥٨).
الأذان، فإذا مضى صدر من خطبته أذن المؤذنون، ثم يتم خطبته بعد الأذان اهـ (٢- ١٥١) قلت:
رواية الطحاوى عنه ناظرة إلى حديث إبراهيم بن أبى يحيى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن
جابر، كما هو ظاهر. وأبو يوسف أتبع القوم اللأثر.
وفى "البدائع" أيضا: ثم هذه الخطبة ليست بفريضة، حتى أو جمع بين الظهر والعصر
فصلاهما من غير خطبة أجزأه، بخلاف خطبة الجمعة؛ لأنه لا تجوز الجمعة بدونها، والفرق أن هذه
الخطبة لتعليم المناسك لا لجواز الجمع، وفرضية خطبة الجمعة لقصر الصلاة، وقيامها مقام البعض
على ما قالت عائشة: إنما قصرت الجمعة لمكان الخطبة اهـ (٢- ١٥١) قلت: وبه قال مالك،
- وأحمد، والشافعى، على ما أحفظه ولا أستحضر موقعه من الكتاب. وفى "عمدة القارى" عن
النووى فى خطب الحج: أنها كلها إفراد إلا التى يوم عرفات فإنها خطبتان اهـ (٤ - ٧٥٨).
قال الحافظ فى "الفتح": قال ابن التبن: أطلق أصحابنا العراقيون أن الإمام لا يخطب يوم
عرفة، وقال المدنيون والمغاربة: يخطب، وهو قول الجمهور، ويحمل قول العراقين على معنى أنه
ليس لما يأتى به من الخطبة تعلق بالصلاة كخطبة الجمعة، وكأنهم أخذوه من قول مالك: كل صلاة
· يخطب لها بجهر فيها بالقراءة. فقيل له: فعرفة يخطب فيها ولا يجهر بالقراءة؟ فقال: إنما تلك
للتعليم اهـ: (٣- ٤١١).
قوله: "عن سراء بنت نبهان" إلخ قلت: دلالته على خطبة الحادى عشر من ذى الحجة
ظاهرة وهو المذهب عندنا كما مر عن "الهداية".
٠٣
ج - ١٠
باب الخروج إلى منى بعد صلاة الفجر من يوم التروية
، والإقامة بمنی حتى يصلى بها خمس صلوات
٢٦٨٨- عن جابر فى حديثه الطويل قال: لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى،
فأهلوا بالحج، وركب رسول الله عّ لّه، فصل بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء،
والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار
تنبيه:
ذهب مالك فى خطبة عرفات إلى أنها بعد الصلاة، وحجته حديث أبى داود عن ابن عمر،
وقال فيه: فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقق على الموقف من عرفة. قال
عبد الحق: وفى حديث جابر الطويل: أنه خطب قبل الصلاة، وهو المشهور الذى عمل به
الأئمة والمسلمون، وأعل هو وابن القطان حديث ابن عمر بابن إسحاق، كذا فى "فتح
القدير" (٣- ٣٧٠) قال الحافظ فى "الدراية" (١٩٣): وابن إسحاق لا يحتج بما ينفرد
به من الأحكام فضلا عما إذا خالفه من هو أثبت منه واللهير أعلم.
باب الخروج إلى منى بعد صلاة الفجر من يوم التروية
والإقامة بمنی حتی یصلی بها خمس صلوات
قلت: هكذا فى "الهداية": أنه إذا صلى الفجر يوم التروية بمكة خرج إلى منى. وفى " فتح
القدير": إن ظاهر هذا التركيب إعقاب صلاة الفجر بالخروج إلى منى، وهو خلاف السنة، ولم
يبين فى "المبسوط" خصوص وقت الخروج، واستحب فى "المحيط" كونه بعد الزوال، وليس
بشىء. وقال المرغينانى: بعد طلوع الشمس، وهو الصحيح؛ لما عن ابن عمر رضى الله عنهما: أنه
عليه الصلاة والسلام صلى الفجر بمكة يوم التروية، فلما طلعت الشمس راح إلى منى. فصلى بها
الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح يوم عرفة اهـ. (٢ - ٣٦٨) وحديث ابن عمر بهذا
اللفظ لم أقف عليه فيما عندى من الكتب، ولم يعزه المحقق إلى من خرجه، فمن ظفر به فليلحقه
بهذا المقام.
قوله: "عن جابر" إلخ، قال المحقق: ظاهره يؤيد قول "المحيط": أن يخرج إلى منى بعد
الزوال، فإنه لا يقال فى التخاطب لما بعد طلوع الشمس: جئتك قبل صلاة الظهر، ولا لما قبل الأذاق
١٠٤
الخروج إلى منى والإقامة بها حتى يصلى خمس صلوات
إعلاء السنن
رسول الله عّ لّه، ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع
فى الجاهلية، فأجاز رسول الله عّ لّه حتى أتى عرفة. الحديث مختصر، رواه مسلم.
"نيل" (٤-٢٨١).
٢٦٨٩- عن ابن عمر: أنه كان يحب إذا استطاع أن يصلى الظهر بمنى من يوم
التروية، وذلك أن النبى معَّ ◌ُّ صلى الظهر بمنى. رواه أحمد، وأخرجه أيضا فى "الموطأ"
موقوفا على ابن عمر. "نيل" (٤-٢٨٠).
٢٦٩٠- ثبت أنه معَّ خرج من مكة لضحى من يوم التروية، وغدا إلى عرفات
يوم عرفة بعد الطلوع .. أخرجه البخارى، ومسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائى،
وأحمد، والحاكم، وابن خزيمة وغيرهم. "التعليق الممجد" (٢٢٥).
ودخول الوقت، وإنما يقال إذا ذاك: قبل الظهر أو أذان الظهر، فإنما يقال ذلك عرفا لما بعد الوقت
قبل الصلاة. كذا فى "فتح القدير" (٢ - ٣٦٨) وفيه نظر ظاهر؛ فإن ذلك إنما يستقيم إذا كان لفظ
جابر: أنه عّ لِّ توجه إلى منى قبل صلاة الظهر. وليس كانت، بل لفظه: أنه لما كان يوم التروية
توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وفى لفظ له عند مسلم: فأهللنا من الإبطح. "نيل" (٤- ٢٧٧).
وهذا يعم التوجه إلى منى قبل الزوال وبعده سواء. قال المحقق: لكن حديث ابن عمر صريح،
فيقضى به على المحتمل اهـ. وفيه ما فيه فتذكر.
قوله: "ثبت أنه عَّم" إلخ، قلت: العهدة فيه على صاحب"التعليق الممجد"، ولم أجده
بلفظ الضحى مع التنفير عنه، فإن ثبت فهو دليل صريح للقول الصحيح الذى قال به المرغينانى.
وفى "زاد المعاد" لابن القيم: فلما كان يوم الخميس ضحى توجه عَ ◌ّ بمن معه من المسلمين إلى
منى اهـ. (٢٢٨:١) ذكره جازما به، وهو يؤيد صاحب التعليق. وقد أجمع الأئمة على استحباب
أن يخرج إلى منى فى وقت يدرك صلاة الظهر فيه، فيصليبها بمنى، ثم يقيم بها ليلة عرفة إلى أن
يخرج منها وقد صلى بها الصلوات الخمس، فيغدو إلى عرفات بعد طلوع الشمس من يوم عرفة.
قال الحافظ فى "الفتح": وفى الحديث أن السنة أن يصلى الحاج الظهر يوم التروية بمنى،
وهو قول الجمهور، وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس قال: إذا زاغت الشمس فليرح إلى منى.
قال ابن المنذر فى حديث ابن الزبير: إن من السنة أن يصلى الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء
ج - ١٠
١٠٥
باب الغدو إلى عرفات بعد طلوع الشمس من يوم عرفة والخطبة بها
بعد الزوال قبل الصلاة وجمع الصلاتين بها فى وقت الظهر بأذان وإقامتين
٢٦٩١- عن جابر فى حديث طويل: وركب رسول الله عَّ ◌ُّه إلى منى، فصلى
بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس،
وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله عَّه، ولا تشك قريش إلا أنه
واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية، فأجاز رسول الله مّ لآه،
والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار، قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من
نخلف عن منى ليلة التاسع شيئا. ثم روى عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل
الليل وذهب ثلثة. قال ابن المنذر: والخروج إلى منى فى كل وقت مباح، إلا أن الحسن وعطاء قالا:
لا بأس أن يتقدم الحاج إلى منى قبل يوم التروية بيوم أو يومين. وكرهه مالك، وكره الإقامة بمكة
يوم التروية حتى يمسى إلا أن أدركه وقت الجمعة (أى إذا زالت الشمس وهو بمكة) فعليه أن
يصليها قبل أن يخرج اهـ. (٣ - ٤٠٧) قلت: وقولنا فيه كمثل قول مالك كما لا يخفى على من
راجع "فتح القدير"، "وعمدة القارى"، والله تعالى أعلم.
قال محمد فى "الموطأ" بعد ما أخرج عن ابن عمر: أنه كان يصلى الظهر بمنى، ثم يغدو إذا
طلعت الشمس إلى عرفة: هكذا السنة، فإن عجل أو تأخر فلا بأس إن شاء الله تعالى، وهو قول
أبى حنيفة رحمه الله اهـ. (٢٢٥) وقوله: "لا بأس" يدل على الإباحة المطلقة، ولا ينفى الكراهة
مطلقا؛ فإن مخالفة السنة لا تخلو عن كراهة ما فافهم. وكلام ابن قدامة فى "المغنى" فيما إذا
صادف يوم التروية يوم جمعة يدل على أن السنة الخروج إلى منى قبل الزوال. (٤٢٤:٣) والله أعلم.
باب الغدو إلى عرفات بعد طلوع الشمس من يوم عرفة والخطبة بها
بعد الزوال قبل الصلاة وجمع الصلاتين بها فى وقت الظهر بأذان وإقامتين
قوله: "عن جابر وعن عبد الله بن الزبير" إلخ، قلت: دلالتهما على أجزاء الباب كلها
ظاهرة. وما فى حديث عبد الله بن الزبير من استثناء الطيب، فسيأتى تحقيقه إنشاء الله تعالى فانتظر.
وذهب مالك إلى أن خطبة عرفات بعد الصلاة، وقد فرغنا من الجواب عن دلائله فيما مضى فى
باب خطبة الإمام فى أيام الحج، فليراجع، وقال أيضا: يؤذن لكل صلاة، وفى حديث جابر أنه عدّ له
١٠٦
أعمال يوم عرفة
إعلاء السنن
حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر
بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادى، فخطب الناس، وقال: ((إن دماء كم وأموالكم
حرام كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا)). إلى أن قال: ((وقد تركت
فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عنى فما أنتم
قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى
السماء وينكبها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد)» ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام،
فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله عدّ له
حتى أتى الموقف اهـ. مختصرا، رواه مسلم. قال ابن قدامة فى المغنى (٤١٩:٣): هو
حدیث جامع صحیح. رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
٢٦٩٢- عن عبد الله بن الزبير، قال: من سنة الحج أن يصلى الإمام الظهر،
والعصر، والمغرب، والعشاء الآخرة، والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة فیقیل حيث قضى
له، حتى إذا زالت الشمس خطب الناس، ثم صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم وقف
بعرفات حتى تغيب الشمس، ثم يفيض فيصلى بالمزدلفة، أو حيث قضى الله، ثم يقف
بجمع حتى يسفر، ويدفع قبل طلوع الشمس، فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شئ
حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت. رواه الحاكم فى "مستدركه"
(١-٤٦١). وصححه على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى.
لم يؤذن إلا للأولى، واتباع ما فى السنة أولى، وهو مع ذلك موافق للقياس كما فى سائر المجموعات
والفوائت، كذا فى "المغنى" (٣- ٤٢٥).
فائدة: محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا صليت يوم عرفة فى
رحلك فصل كل واحدة من الصلاتين لوقتها، وترتحل من منزلك حتى تفرغ من الصلاة. قال
محمد: وبهذا كان يأخذ أبو حنيفة، فأما فى قولنا فإنه يصليها فى رحله كما يصليها مع الإمام،
يجمعهما جميعا بأذان وإقامتين؛ لأن العصر إنما قدمت للوقوف، وكذلك بلغنا عن عائشة أم
المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعن عطاء بن أبى رباح، وعن مجاهد اهـ (٥٢).
قلت: أثر ابن عمر علقه البخارى، ووصله إبراهيم الحزلى فى "المناسك" له: حدثنا
الحوضى، عن همام، أن نافعا حدثه: أن ابن عمر كان إذا لم يدرك الإمام يوم عرفة جمع بين الظهر
ج - ١٠
١٠٧
باب التوجه إلى الموقف بعد الجمع بين الصلاتين وأن الحج عرفة
فمن فاته الوقوف بها فاته الحج ووقته من زوال الشمس
إلى طلوع الفجر من ليلة النحر
٢٦٩٣- عن جابر رضى الله عنه فى الحديث الطويل: ثم أقام فصلى العصر،
ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله عّ لّه حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته
والعصر فى منزله. وبهذا قال الجمهور، وخالفهم فى ذلك النخعى، والثورى، وأبو حنيفة، فقالوا:
يختص الجمع بمن صلى مع الإمام، وخالف أبا حنيفة فى ذلك صاحباه والطحاوى، ومن أقوى
الأدلة لهم -أى للجمهور - صنيع ابن عمر هذا، وقد روى حديث جمع النبى معَّ له بين الصلاتين،
وكان مع ذلك يجمع وحده، فدل على أنه عرف أن الجمع لا يختص بالإمام، ومن قواعدهم أن
الصحابى إذا خالف ما روى دل على أن مخالفه أرجح تحسينًا للظن به، فينبغى أن يقال هذا هنا.
قاله الحافظ فى الفتح (٤١٠:٣).
ولأبى حنيفة أن المحافظة على الوقت فرض بالنصوص، فلا يجوز تركه إلا فيما ورد به
الشرع، وهو الجمع بالجماعة مع الإمام "هداية" (١- ٣٧١). وما أورد عليه الحافظ من أن الراوى
إذا خالف ما رواه کان مخالفه أرجح عندهم، فليس بوارد، فإن ذلك فیما إذا كان الراوى منفردا
بما رواه ثم خالفه، وجمع النبی مطلّه بين الصلاتین بعرفة لم ینفرد ابن عمر بروايته، بل رواه جمع
من الصحابة عظيم، فلا يقدح فيه مخالفة ابن عمر إياه لفعله. قال الشيخ: ويمكن أن يحمل فعل ابن
عمر على الجمع بينهما صورة لا حقيقة؛ فإن الفعل يحتمل الوجوه، بخلاف جمع النبى معَ ◌ّه
بينهما. فقد تواترت الروايات بكونه فى وقت الظهر بعد زوال الشمس معا تواترا بينا انتفى به
احتمال كونه جمع صورة، ولم يتواتر عن ابن عمر جمعه بينهما فى منزله مثل ذلك، فلا يترك به
العمل بالنص القطعى هناك اهـ.
باب التوجه إلى الموقف بعد الجمع بين الصلاتين وأن الحج عرفة
فمن فاته الوقوف بها فاته الحج ووقته من زوال الشمس
إلى طلوع الفجر من ليلة النحر
قوله: "عن جابر" إلخ، دلالته على معنى الباب ظاهرة. قال النووى فى شرحه: وأجمعوا
على أن أصل الوقوف ركن لا يصح الحج إلا به، وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم
١٠٨
الوقوف بعرفة
إعلاء السنن
القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشأة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل
واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. الحديث، رواه
مسلم كما مر (١-٣٩٨).
عرفة وطلوع الفجر الثانى يوم النحر، فمن حصل بعرفات فى جزء من هذا الزمان صح وقوفه،
ومن فاته ذلك فاته الحج، هذا مذهب الشافعى وجماهير العلماء، وقال مالك: لا يصح الوقوف فى
النهار منفردا بل لا بد من الليل بعده، فإن اقتصر على الليل كفاه، وإن اقتصر على النهار لم يصح
وقوفه. وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة اهـ. والله تعالى أعلم (١ - ٣٩٨).
ودليل الجمهور ما سيأتى فى حديث عروة بن مضرس من قوله: عدّ ◌ُلّهِ: ((وقد جاء عرفة قبل
ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضی تفته)، فحكم بصحة حجه وإتمامه وقوفه فی إحدى
الوقتين من ليل أو نهار. وأيضا فقد نقلت الأمة وقوف النبى معَّ نهارا إلى يومنا هذا، وأنه دفع
منها عند سقوط القرص، وهذا يدل على أن وقت الوقوف هو النهار، ووقت الغروب هو وقت
الدفع، فاستحال أن يكون وقت الدفع هو وقت الفرض، ووقت الوقوف لا يكون وقتا للفرض.
وأيضا لما قيل: يوم عرفة، ونقلت هذه التسمية عن النبى عّ لّ. فى أخبار كثيرة، دل على أن النهار
وقت الفرض فيه، وأن الوقوف ليلا إنما يفعله من وقف فائتا أهـ من "أحكام القرآن" للرازى ملخصا
(١- ٣١٢). ويقال بمثل هذا فى جواب أحمد: إن الأمة نقلت وقوفه عَّ ◌ُله بعد زوال الشمس،
وتسمية هذا اليوم بيوم عرفة لا يستلزم أن يكون جميع النهار وقتا للوقوف بها، ألا ترى أن تسمية
يوم الأضحى لا يستلزم جواز الأضحية بعد الفجر قبل صلاة العيد؟ فافهم.
قال ابن قدامة فى "المغنى": لا نعلم خلافا بين أهل العلم فى أن آخر الوقت طلوع فجر يوم
النحر، وأما أوله فمن طلوع الفجر يوم عرفة، فمن أدرك عرفة فى شىء من هذا الوقت وهو عاقل
فقد تم حجه، وقال مالك والشافعى (وأبو حنيفة): أول وقته زوال الشمس من يوم عرفة، واختاره
أبو حفص العكبرى (من الحنابلة) وحمل عليه كلام الخرقى، وحكى ابن عبد البر ذلك إجماعا،
وظاهر كلام الخرقى ما قلناه، فإنه قال: ولو وقف بعرفة نهارا ودفع قبل الإمام فعليه دم. ولنا قول
النبى معَ: ((وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفته)) (فقوله: "نهاراً"
يعم النهار كله، وهو من طلوع الفجر) ولأنه من يوم عرفة، فكان وقتا للوقوف كبعد الزوال، وترك
الوقوف لا يمنع كونه وقتا للوقوف، وإنما وقفوا فى وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا جميع وقت
ج - ١٠
١٠٩
٢٦٩٤- عن عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت رسول الله عَ لّه وهو واقف
بعرفات، وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله! كيف الحج؟ فقال: ((الحج عرفة،
من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه)). وفى رواية لأبى داود: ((من
أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج)). رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن
حبان، والحاكم، (وقال: صحيح الإسناد) والدار قطنى، والبيهقى. "التلخيص الحبير".
باب بيان الموقف بعرفة والمزدلفة
٢٦٩٥- عن ابن عباس مرفوعًا وقال حين وقف بعرفة: ((هذا الموقف، وكل عرفة
الوقوف اهـ ملخصاً. (٣ - ٤٣٤).
ولا يخفى أن قوله عّ لّه: ((وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا)) لا يدل على أن جميع
النهار وقت للوقوف إلا احتمالا، ويدفع هذا الاحتمال وقوفه مَّه بعد زوال الشمس، ونزوله قبل
ذلك بنمرة التى قد اختلفت العلماء فى كونه داخلة فى عرفة أو خارجة عنها كما سيأتى، ولو كان
جميع النهار وقتا للوقوف لم ينزل بنمرة، بل نزل بعرفات، ولم يترك الوقوف بها بعد القدرة عليه،
ولذلك أجمع العلماء على أن وقت الوقوف من بعد زوال الشمس ويمكن حمل كلام الخرق عليه،
وأما أن أول وقته من طلوع الفجر يوم عرفة لا نعلم من قال به من السلف، وليس كلام الخرقى
بصريح فيه أيضا، فلا يترك المجمع عليه المتيقن بقول فرد من العلماء محتمل، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عبد الرحمن بن يعمر" إلخ، دلالته على الجزء الثانى ظاهرة. والأصل فيه قوله
تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ والمراد الإفاضة من عرفات، بدليل قوله: ﴿فإذا أفضتم
من عرفات) الآية، وفرض الإفاضة منها يوجب فرض الوقوف بها بالأولى، وقد أجمعت الأمة
على كونه فرضا أصليا فى الحج كما مر، وفيه دلالة على آخر وقت الوقوف أيضا أنه إلى طلوع
الفجر من ليلة النحر، والله أعلم.
باب بيان الموقف بعرفة والمزدلفة
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قلت: دلالته على الباب ظاهرة. وفيه عن جبير بن مطعم رضى
الله عنه عن النبى عّ لّه بلفظ: ((كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا
عن محسر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح)). رواه أحمد فى "مسنده" من طريق
١١٠
بيان الموقف بعرفة والمزدلفة
إعلاء السنن
موقف)). وقال حين وقف على قزح: ((هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف)). رواه الحاكم
فى "المستدرك" (١-٤٧٤). وصححه على شرط مسلم، وأقره عليه الذهبى. ورواه
الطبرانى بلفظ: ((عرفة كلها موقف؛ وارفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف،
وارفعوا عن بطن محسر)). "زيلعى" (١-٤٩٨).
سليمان بن موسى، عن جبير قال ابن كثير: وهو منقطع؛ فإن سليمان بن موسى الأشدق لم يدرك
جبير بن مطعم. ورواه ابن حبان فى "صحيحه" عن سيمان بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبى
حسین، عن جبير بن مطعم فذكره، و کذلك رواه الترمذى عن سلیمان عن عبد الرحمن بن حسین
به بلفظ أحمد سواء قال البزار: رواه سويد بن عبد العزيز، فقال فيه عن نافع بن جبير، عن أبيه،
وهو رجل ليس بالحافظ، ولا يحتج به إذا انفرد بحديث، وحديث ابن أبى حسين هو الصواب، مع
أن ابن أبى حسين لم يلق جبير بن مطعم، وإنما ذكرنا هذا الحديث لأنا لا نحفظ عن رسول الله فى
كل أيام التشريق ذبح إلا فى هذا الحديث، فلذلك ذكرناه وبينا العلة فيه. انتهى ملخصا من "نصب
الراية" (١ - ٤٩٨).
قلت: ولذا لم أدرج حديث جبير بن مطعم فى المتن وإن كان سياقه أتم وفى "غنية الناسك"
فى شرائط صحة الوقوف: الثانى المكان، وهو عرفات إلا مسجد نمرة؛ للخلاف القوى بين
أصحابنا، وكذا بين غيرهم فى كونها من عرفات. قال الإمام الشافعى رحمه الله تعالى: ليس من
عرفات وادى عرنة، ولا نمرة، ولا المسجد الذى يصلى فيه الإمام، بل هذه المواضع خارج عرفات
على طرفها الغربى. ثم قالوا: وبين هذا المسجد وجبل الرحمة قدر ميل، وجميع تلك الأرض يصح
الوقوف فيه، وأما مسجد نمرة فلا يتأدى بالوقوف فيه ما ثبت فرضيته بنص قطعى، وهو الوقوف
بعرفة احتياطا، كما قالوا فى استقبال الحطيم بل أولى اهـ. (٨٤) وقال أيضا: ثم على القول بخروج
نمرة ومسجدها من عرفة لا بد أن ينزل أولا بنمرة، فإنه لو نزل بعرفات احتاج أن يسير إلى المسجد
قبل الزوال لا بعده، وإلا يتحقق الوقوف ثم ينقطع لخروجه إلى المسجد، وامتداد الوقوف إلى
غروب الشمس واجب، فنزول نمرة أسلم على القولين بخلاف نزول عرفات مع أن فيه خرج
الذهاب والإياب، والله سبحانه وتعالى أعلم. (٨٠).
قلت: ومعنى وجوب امتداد الوقوف إلى غروب الشمس أن لا يدفع من عرفات قبله بعد
الجمع بين الصلاتين، ودخوله فى الموقف بعده، وأما الخروج منها إلى المسجد للجمع بين الصلاتين
بنية العود إليها بعده فليس من الدفع والانقطاع فى شىء، ولا يخفى أنه مّ لّ وإن كان قد نزل
١١١
ج - ١٠
بيان الموقف بعرفة والمزدلفة
٢٦٩٦- وأخرج الحاكم الجملة الأخيرة عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: ((ارفعوا عن
بنمرة ولكن أصحابه -وهم أكثر من مائة ألف- لم ينزلوا كلهم بنمرة، بل نزلوا بعرفات، ثم
خرجوا منبها بعد زوال الشمس إلى المسجد للجمع بين الصلاتين، ثم عادوا إليها للوقوف، هذا هو
الظاهر من حالهم؛ فإن نمرة لا يسع مائة ألف كما لا يخفى، وفى القول بانقطاع الوقوف
للخروج إلى المسجد حرج عظيم وهو مدفوع بالنص، فعل القول بخروج نمرة ومسجدها عن
عرفات يكون الذهاب بعد زوال الشمس إلى المسجد للجمع بين الصلاتين كخروج المعتكف عن
معتكفه لصلاة الجمعة اتفاقا، أو للغسل المسنون على قول، ولا يفوت به واجب الوقوف إلى
الغروب بعد تحققه فافهم.
قال فى "شرح اللباب": إذا دخل عرفة نزل بها مع الناس حيث شاء، والأفضل أن يقف
بقرب جبل الرحمة، وهذا لا ينافى ما ذكره ابن الهمام من أن السنة أن ينزل الإمام بنمرة، ولا مد
أوضحه رشيد الدين بقوله: ينبغى أن لا يدخلها حتى ينزل بنمرة قريبا من المسجد إلى زوال
الشمس. فإن ما ذكره بالنسبة إلى الإمام لا بالإضافة إلى الخاص والعام، فإذا نزل بعرفات يمكث
فيها، أى لا يخرج عنها بحيث يفوت جزء من أوقات وقوفها، ويشتغل بالدعاء، والصلاة على
النبى معَّهِ، والذكر، والتلبية، إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت اغتسل أو توضأ، والغسل أفضل،
فإذا اغتسل وزالت الشمس سار إلى مسجد نمرة، وهو فى أواخر عرفة بقربها. بل قيل: إن بعضه
منها، لكن الأولى حينئذ أن يسير إليه قبل الزوال؛ ليدرك أوله أى أول الوقوف بعد وصوله، وإلا
فیلزمه أنه بعد تحقق وقوفه جمع بین صلاتیه والسنة بخلافه اهـ. (٩٩ و ١٠٠).
فهذا كما ترى مع تسليمه خروج المسجد عن عرفة لم يقل بانقطاع الوقوف بعد تحققه
للذهاب إلى مسجد نمرة، وإنما قال بلزوم الجمع بين صلاتيه بعد تحقق الوقوف، ولذا قال بأولوية
الذهاب إلى المسجد قبل الزوال، ولم يحكم بوجوبه، والله تعالى أعلم.
وفى "البدائع": فیخرج إلى عرفات بالسكينة بعد طلوع الشمس، فإذا انتهى إليها نزل بها
حيث أحب إلا فى بطن عرنة، ويغتسل يوم عرفة، فإذا زالت الشمس صعد الإمام المنبر، فذكر
صفة الجمع بين الصلاتين إلى أن قال: فإذا فرغ من الصلاة راح إلى الموقف عقيب الصلاة، وراح
الناس معه، فيقف إلى غروب الشمس، فإذا غربت دفع الإمام والناس، ولا يدفع أحد قبل غروب
الشمس؛ لما مر أن الوقوف إلى غروب الشمس واجب اهـ. (٢- ١٠٣ و١٠٤).
١١٢
بيان الموقف بعرفة والمزدلفة
إعلاء السنن
بطن عرنة، وارفعوا عن بطن محسر)). وصححه على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبى
فى "تلخيصه" (١-٤٦٢).
فهذا كما ترى قد خير النازل بعرفة أن ينزل بها قبل الزوال حيث أحب، ثم يأمره بالجمع
بين الصلاتين فى مسجد نمرة بعد زوال الشمس، ثم بالرواح إلى الموقف، ومد الوقوف إلى
الغروب، فثبت به أن النزول خارج عرفة قبل الزوال ليس بواجب، ولا الخروج منها بعد الزوال
إلى مسجد نمرة لأجل الصلاة بقاطع للوقوف، نعم! لا شك فى كون النزول بنمرة قبل الزوال سنة
فهو أولى، كما صرح به شارح "الباب"، والله تعالى أعلم بالصواب.
تتمة فى حدود عرفات
الحد الأول ينتهى إلى جادة طريق الشرق. والثانى إلى حافات الجبل الذى وراء أرض
عرفات. والثالث إلى البساتين التى تلى قرية عرفات، وهى إلى يسار مستقبل الكعبة إذا وقف
بعرفات. والرابع ينتهى إلى وادى عرنة، وعلى مسغرجات عرفة جبال وجوهها المقبلة من عرفات،
ولو غلطوا فى المكان بأن وقفوا فى غير أرض عرفات لم يصح حجهم اهـ. من "غنية الناسك"
(٨٤). وفيه أيضا، وعرنة واد بحذاء عرفات، مما يلى مكة ممتد يمينا وشمالا، ليست من عرفة ولا
من الحرم، بل حد فاصل بينهما، وهى بين العلمين الذين هما حد عرفة، والعلمين الذين هما حد
الحرم على منتهى المازمين مارة بغربى من مسجد عرفة، حتى قيل: إن الجدار الغربى من مسجد
عرفة لو سقط سقط فى بطن عرنة.
قال الناطفى فى "الروضة": وعرنة ليست من عرفة، وعرنة وعرفة ليستأمن الحرم، وقيل:
من عرفة، وإليه مال فى "البدائع"، ولذا قال: إنه يكره الوقوف فيها للنهى، وفى المشهور لا يصح
الوقوف فيه اهـ. بتقديم وتأخير يسير (٨٢).
وفى "مجمع البحار" (٢- ٣٩٧): نمرة جبل عليه أنصاب الحرم بعرفات اهـ. والله تعالى
أعلم. وحد مزدلفة ما بين مازمى عرفة وقرنى محسر يمينا وشمالا، ويدخل فيه جميع تلك الشعاب
والجبال الداخلة فى الحد المذكور، وليس المازمان ولا وادى محسر من المزدلفة، ووادى محسر
مسيل بين مزدلفة ومنى، ليس من واحد منها، قال الأزرقى: وهو خمس مائة ذراع وخمس
وأربعون ذراعا. كذا فى "البحر" "غنية الناسك" (٨٩).
8
ج - ١٠
١١٣
باب الد عاء بعرفات والاجتهاد فیه
٢٦٩٧- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبى عّ لّه قال: ((خير
الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله، وحده لا
شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير)). أخرجه الترمذى وقال: حسن
غريب، وأخرجه أيضا من حديثه أحمد بإسناد رجاله ثقات، ولفظه: كان أكثر دعاء
رسول الله يوم عرفة: ((لا إله إلا الله إلخ)). "نزل الأبرار" (٣١٦).
فائدة:
قال ابن قدامة فى "المغنى": ولا يشترط للوقوف طهارة، ولا ستارة، ولا استقبال، ولا نية،
لا نعلم فى ذلك خلافا. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الوقوف
بعرفة غير طاهر يندرك للحج ولا شىء عليه، وفى قول النبى عّ لّ لعائشة: ((افعلى ما يفعله الحاج
غير أن لا تطوفى بالبيت)) دليل على أن الوقوف بعرفات على غير طهارة جائز، ووقفت عائشة
رضى الله عنها بها حائضا، ويستحب أن يكون طاهرا اهـ. قلت: ولم يعتد ابن قدامة بخلاف أبى
ثور فى النية، فقال: لا يكون واقفا إلا بإرادة، كما فى "المغنى" (٤٣٤:٣)؛ لإجماع من تقدمه على
خلافه، فهو محجوج به، وقوله مّ ◌ُّه: ((إنما الأعمال بالنيات))، إنما يقتضى وجود النية فى ابتداء
العمل، ومن خرج من بيته لحج البيت وأحرم به فقد وجدت منه النية، فلا يجب تجديدها لكل
ركن من أركانه، ألا ترى أن المصلى إذا أحرم بالصلاة ثم أتى ببعض الأركان نائما صحت صلاته،
فكذا ههنا، ولم ينتبه العلامة رشيد رضا محشى المغنى بهذه الدقيقة، فقال: وما رأيت فى المذاهب
الأربعة أغرب من هذه المسألة، أى صحة الوقوف بعرفة بلا نية، ولم يدر أن النية قد وجدت عند
الإحرام، فلا يجب تجديدها للأركان، ومن وقف بمكان غير عالم به يعد واقفا عرفا ولغة، والفرض
إنما هو الوقوف بأى حالة كان، نائما أو يقظان، عالما به أو جاهلا، أو مغمى عليه فافهم.
باب الدعاء بعرفات والاجتهاد فيه
قوله: "عن عمرو بن شعيب وعن على" إلخ، دلالتهما على الباب ظاهرة. قال الإمام النووى
فى "الأذكار"، فيستحب الإكثار من هذا الذكر والدعاء، ويجتهد فى ذلك، فهذا اليوم أفضل أيام
السنة للدعاء، وهو معظم الحج ومقصوده، والمعول عليه، فينبغى أن يستفرغ الإنسان وسعه فى
١١٤
الدعاء بعرفات والاجتهاد فيه
إعلاء السنن
٢٦٩٨- وأخرجه مالك فى "الموطأ" من حديث طلحة بن عبيد الله بن کربز
مرسلا بلفظ: ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله
إلا الله وحده لا شريك له)) الحديث. التخليص الحبير (٢١٥:١).
٢٦٩٩- عن على، قال: أكثر ما دعا به رسول الله عَّ له عشية عرفة فى الموقف:
((اللهم لك الحمد کالذی تقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتی ونسكى ومحياى
ومماتى، وإليك مآبي، ولك رب تراثى، اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة
الصدر، وشتات الأمر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما تجيئ به الريح)). رواه الترمذى
وقال: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوى. وابن خزيمة فى "صحيحه"،
والمحاملى فى "الدعاء"، والبيهقى. "كنز العمال" (٣-٣٨).
الذكر والدعاء وفى قراءة القرآن، وأن يدعو بأنواع الأدعية، يأتى بأنواع الأذكار ويدعو، ويذكر
فى كل مكان، ويدعو منفردا ومع جماعة، ويدعو لنفسه ولوا لديه وأقاربه ومشائخه وأصحابه
وأصدقائه وأحبابه، وسائر من أحسن إليه، وجميع المسلمين، وليحذر كل الحذر من التقصير فيه،
فإن هذا اليوم لا يمكن تدار كه، بخلاف غيره انتهى وقد استشكل بأن هذا الذكر أى قوله: لا إله
الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير. ليس فيه دعاء. إنما هو
توحيد وثناء. قيل: وقد سئل عن ذلك الحافظ سفيان بن عيينة؟ فأجاب بقول الشاعر:
حياءك أن شيمتك الحياء
أأذكر حاجتى أم قد كفانى
كفاه من تعرضه الثناء
إذا أثنى عليك المرأ يوما
"نزل الأبرار" (٣١٦).
قلت: ومن أجمع الكتب المختصرة للدعوات المأثورة كتاب "الحزب الأعظم والورد
الأفخم" للقارى، ﴿وقربات عند الله وصلوات الرسول﴾ لحكيم الأمة أشرف العلماء التهانوى
-أطال الله بقاءه - فمن أتى بدعواته وأذكاره فقد جاء لكل خير. وقد قرأت هذا الكتاب الشريف
فى عرفات بتمامه يوم عرفة، ولله الحمد، وله الشكر والثناء الحسن، وأرجو الله سبحانه أن يرزقنى
الحج، والوقوف بعرفة، وطواف بيته العتيق، وزيارة رسوله الكريم. والنزول بمدينته معَ له مرة بعد
ج - ١٠
الدعاء بعرفات والاجتهاد فيه
١١٥
٢٧٠٠- عن ابن عباس: أن النبى معَّ ◌ُلّه كان يدعو يوم عرفة مادًا يديه كالمستطعم
المسكين. رواه البزار، والطبرانى، وابن عدى، من طريق ابن عباس، عن الفضل بن
عباس. وفيه حسن بن عبد الله ضعيف. "دراية" (١٩٤). وقال ابن عدى: هو ممن
يكتب حديثه، فإنى لم أجد له حديثا منكرا جاوز المقدار. "نصب الراية" (١-٤٩٩).
٢٧٠١- وأخرج ابن أبى شيبة، وأحمد بن منيع فى "مسنده" عن أبى
سعيد، قال: إن رسول الله عَّه وقف بعرفة، فجعل يدعو هكذا، وجعل ظهر
کفیه مما یلی صدره.
مرة، وكرة بعد كرة ولله در القائل:
ونحن من طرب إلى ذكراها
دار الحبيب أحق أن تهواها
يا ابن الكرام عليك أن تغشاها
وعلى الجفون إذا هممت بزورة
وقد أنشأت فى شوال من هذه السنة قصيدة مدحت بها سيدى وحبيبى بأبى وأمى رسول
الله عَ ليه، وأرسلتها على يد بعض المخلصين من أصدقائى؛ لينشدها بين يديه عند قبره الكريم عدّ له.
فإنى إليها دائما لفقير
فياليته يرنو إلى بنظرة
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قلت: وحاصل ما ذكرناه من الكلام فى سند الحديث أنه حسن
على قواعدنا، لا سيما وله طرق عديدة، ودلالته على الاجتهاد فى الدعاء فى الموقف ظاهرة.
وأخرج ابن ماجة عن عباس بن مرداس: أن النبى معَِّ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: بأنى
قد غفرت لهم ما خلا المظالم، قال: رب إن شئت أعطيت المظلوم الجنة، وغفرت للظالم، فلم يجبه
عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل. وفيه كنانة بن عباس بن مرداس،
ضعفه ابن حبان وغيره، "دراية" (١٩٤) وقال المنذرى فى "الترغيب والترهيب" له: رواه
البيهقى، ثم قال: وهذا الحديث له شواهد كثيرة، قد ذكرناها فى كتاب البعث، فإن صح بشواهده
ففیه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ انتهى.
قال المنذرى: وروى ابن المبارك، عن سفيان الثورى، عن الزبير بن عدى، عن أنس بن
مالك، قال: وقف النبى معَّ ◌ُّه بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال: يا بلال! أنصت لى
الناس، فقام بلال، أنصتوا لرسول الله عَ ليه، فأنصت الناس، فقال: ((معاشر الناس! أتانى جبرئيل
١١٦
الدعاء بعرفات والاجتهاد فيه
إعلاء السنن
٢٧٠٢- وفى لفظ لابن منيع عن ابن عباس: قال: لقد رؤى رسول الله عَ ليه
عشية عرفة رافعا يديه يرى ما تحت إبطيه. "كنز العمال" (٣-٣١٧) و"نزل الأبرار"
(٣١٨).
٢٧٠٣- ولأبى داود فى مراسيله (١٨) وسكت عنه عن سليمان بن موسى قال:
لم يحفظ عن رسول الله عَّه أنه رفع يديه الرفع كله إلا فى ثلاثة مواطن: الاستسقاء،
والاستنصار، وعشية عرفة. ثم کان بعد رفع دون رفع اهـ.
آنفا فأقرأنى من ربى السلام، وقال: إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم
التبعات"، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: ((هذا لكم ولمن أتى من
بعدكم إلى يوم القيامة)). فقال عمر بن الخطاب: كثر خير الله وطاب اهـ. (٢٠٠).
قلت: هذا سند صحيح؛ فإن زبير ابن عدى الهمدانى من رجال الجماعة ثقة، روى عن أنس
ابن مالك، وأبى وائل، وإبراهيم النخعى وغيرهم. كذا فى "التهذيب" (٣-٣١٧).
وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((ما من مسلم يقف
عشية عرفة بالموقف، فيستقبل القبلة بوجهه ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله
الحمد يحيى ويميت وهو على كل شىء قدير، مائة مرة، ثم يقرأ أم الكتاب مائة مرة، ثم يقول:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، مائة مرة، ثم يسبح الله مائة
مرة، فيقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يقرأ قل
هو الله أحد مائة مرة، ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم
وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وعلينا معهم، مائة مرة، إلا قال الله تعالى: يا ملائكتى! ما جزاء
عبدی هذا سبحنى وهللنى وكبرنى وعظمنى ومجدنى ونسبنى وعرفنى وأثنى على وصلى على
نبيى؟ اشهدوا يا ملائكتى!، إنى قد غفرت له وشفعته فى نفسه، ولو شاء أن يشفع فى أهل الموقف
لشفعته)). رواه البيهقى، وابن النجار، والديلمی.
قال البيهقى: هذا متن غريب، وليس فى إسناده من نسب إلى الوضع. "كنز العمال"
(٣- ١٥) وأخرجه المنذرى فى "ترغيبه" (٢٠٢) مصدرا بعن، وهو علامة القبول عنده،
والله تعالى أعلم.
١١٧
ج - ١٠
باب لا يقطع الحاج التلبية حتى يرمى جمرة العقبة
٢٧٠٤- عن الفضل بن عباس: أن رسول الله عّ لّه لم يزل يلبى حتى رمى جمرة
العقبة. أخرجه الأئمة الستة فى كتبهم، وزاد فيه ابن ماجه: فلما رماها قطع التلبية.
"زيلعى" (١- ٥٠٠).
باب لا يقطع الحاج التلبية حتى يرمى جمرة العقبة
قوله: "عن الفضل بن عباس" إلخ، قال الحافظ فى "الفتح": وفى هذا الحديث أن التلبية
تستمر إلى رمى الجمرة يوم النحر، وبعدها يشرع الحاج فى التحلل. وروى ابن المنذر بإسناد
صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: التلبية شعار الحج، فإن كنت حاجا فلب حتى بدأ حلك،
وبدأ حلك أن ترمى جمرة العقبة. وروى سعيد بن منصور من طريق ابن عباس، قال: حججت مع
عمر إحدى عشرة حجة، وكان يلبى حتى يرمى الجمرة. وباستمرارها قال الشافعى: وأبو حنيفة،
والثورى، وأحمد، وإسحاق، وأتباعهم. وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو
مذهب ابن عمر، ولكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة. وقالت طائفة: يقطعها إذا
راح إلى الموقف. رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبى
وقاص، وعلى، وبه قال مالك، وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعى، والليث وقد
روى الطحاوى بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد قال: حججت مع عبد الله، فلما أفاض إلى
جمع جعل يلبى، فقال رجل: أعرابى هذا؟ فقال عبد الله: أنسى للناس أم ضلوا وأشار الطحاوى إلى
أن كل من روى عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها، لا على أنها لا تشرع.
قال الحافظ: واختلفوا أيضا هل يقطع التلبية مع رمى أول حصاة أو عند تمام الرمى، فذهب
إلى الأول الجمهور، وإلى الثانى أحمد، وبعض أصحاب الشافعى. ويدل لهم ما روى ابن خزيمة من
طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن على بن الحسين، عن ابن عباس، عن الفضل، قال: أفضت مع
النبى مَّ ◌ُّ من عرفات، فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية
مع آخر حصاة قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم فى الروايات الأخرى، وأن المراد
بقوله: "حتى رمى جمرة العقبة" أى أتم رميها اهـ. (٣ - ٤٢٦).
قلت: وكيف يكون هذا دليلا على بقاء التلبية إلى آخر حصاة؟ وفيه تصريح بأنه عّ لّه كان
يكبر مع كل حصاة، وليس فيه أنه كان يلبى أو كان يخلط التكبير بالتلبية، وإذا كان كذلك فقد
قطع التلبية بأول حصاة رماها. وقوله: "ثم قطع التلبية مع آخر حصاة" شاذ، لم نجد له ذكرا إلا فى
هذا الأثر، والذى رواه الجمهور عن ابن عباس، عن الفضل: أنه مێے لم یزل یلبى حتى رمى، أو لم
١١٨
إعلاء السنن
٢٧٠٥- ولفظ الصحيحين من حديث ابن عباس: إن أسامة بن زيد كان ردف
النبى عَّه من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل إلى منى، وكلاهما قال: لم يزل النبى
مَّ له يلبى حتى رمى جمرة العقبة، وفى رواية: حتى بلغ الجمرة، وفى رواية النسائى:
فلم يزل يلبى حتى رمى، فلما رمى قطع التلبية. "التلخيص الحبير" (١-٢١٨).
٢٧٠٦- وعند أبى داود عن ابن مسعود: رمقت النبى عَّه فلم يزل يلبى حتى
رمى جمرة العقبة بأول حصاة. دراية. وسكت عنه الحافظ ولم يعله بشىء.
باب الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس ومن أفاض قبله فعلیه دم
٢٧٠٧- عن جابر رضى الله عنه فى حديثه الطويل: فلم يزل واقفا حتى غربت
الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. الحديث رواه مسلم وقد مر.
٢٧٠٨- عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: وقف رسول الله عّ لّه بعرفة،
يزل يلبى حتى بلغ الجمرة، كما ذكرناه فى المتن. وروى الطحاوى وعبد الرزاق وابن جرير
وصححه عن عكرمة، قال: دفعت مع الحسين بن على من المزدلفة، فلم أزل أسمعه يقول: لبيك
اللهم لبيك، حتى انتهى إلى الجمرة، فقلت له: ما هذا الإهلال يا أبا عبد الله؟ قال: سمعت أبى على
بن أبى طالب يهل حتى انتهى إلى الجمرة، وحدثنى: أن رسول الله عَ ظله أهل حتى انتهى إليها.
قال: فرجعت إلى ابن عباس فأخبرته بقول حسين فقال: صدق قال: وأخبرنى أخى الفضل بن
عباس وكان رديف رسول الله عَّه أنه لم يزل يلبى حتى انتهى إلى الجمرة كذا فى كنز
العمال (٢٩:٣) وإذا رمى الجمرة بأول حصاة فقد انتهى إليها كما هو ظاهر فهذا ما رواه الحسن بن
على عن أبيه موافقا لما رواه غيره فهو أولى مما رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن الحسين.
هذا، وقد روى ابن جرير عن عمرو بن میمون، قال: حججت مع عمر فکان یلبی حتى
رمى الجمرة من بطن الوادى، ويقطع التلبية عند أول حصاة، كما فى "كنز العمال" (٢٩:٣)
أيضًا. وروى البيهقى من حديث شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبى وائل، عن عبد الله، قال:
رمقت النبى ◌ّ ◌ُّه، فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة (وهذا إسناد حسن)، وما فى
طريق ابن خزيمة: ((يكبر مع كل حصاة)) يدل على أنه قطع التلبية مع أول حصاة، وهذا ظاهر لا
يخفى، كذا فى "عمدة القارئ" (٢٩٧:٤) ملخصًا.
باب الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس ومن أفاض قبله فعلیه دم
قوله: عن جابر وعلى إلخ، قلت: قد تواترت الروايات عن النبى عّ لّر أنه أفاض بعد غروب
١١٩
ج - ١٠
بيان وقت الإفاضة من عرفات
فقال: ((هذه عرفة، وهو الموقف، وعرفة كلها موقف))، ثم أفاض حين غربت الشمس.
الحدیث، رواه الترمذى (١-١١٤) وقال: حسن صحيح، ومثله عن ابن الزبير وقد تقدم.
٢٧٠٩ - عن المسور بن مخرمة، قال: خطبنا رسول الله عَّ ◌ُله بعرفات، ثم قال:
((أما بعد، فإن أهل الشرك کانوا یدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمس على رؤوس
الجبال، كأنها عمائم الرجال على رؤوسها، وإنا ندفع بعد أن تغيب)). أخرجه الحاكم
وصححه. "دراية" (١٩٤). وأقره الذهبى على تصحيحه على شرط الشيخين فى
"تلخيص المستدرك" (٢-٢٧٧).
الشمس، وقد قال: ((خذوا عنى مناسككم)). فالظاهر أن الوقوف إلى غروب الشمس واجب، ومن
فاته واجب فى الحج لزم جبره بالدم كما سيأتى فى أبواب الجنايات.
قوله: "عن المسور بن مخرمة" إلخ، قلت: دلالته على وجوب الوقوف إلى غروب الشمس
ظاهرة، حيث جعل النبى معَ ◌ّه الإفاضة قبل الغروب من هدى المشركين، وخالفهم فى ذلك، ولكن
يرد عليه أنه مَّ ◌ُِّ جعل الدفع من مزدلفة بعد طلوع الشمس من هديهم أيضا وخالفهم، وليس
الدفع منها قبل الطلوع واجبا، بل سنة عندنا وعند الفقهاء كلهم، كما صرح به فى "المغنى" (٣-
٤٤٣). نعم! قد روى عن عمرو بن شعيب رفعه قال: "من جاوز وادى عرفات قبل أن تغيب
الشمس فلا حج له)). أخرجه ابن حزم وضعفه، كما فى "عمدة القاری" (٤- ٦٨٠) ولكنه قد
تأيد بما ثبت من فعله عّ لّه فى المتواتر من الأحاديث، فصح الاستدلال به على وجوب الوقوف إلى
غروب الشمس، ولم يرد مثل ذلك فى الدفع من مزدلفة بعد الطلوع، فلم نقل بوجوبه.
قال ابن قدامة: وعلى من دفع قبل الغروب دم فى قول أكثر أهل العلم (لقول ابن عباس: من
ترك نسكا فعليه دم ويجزئه شاة) منهم عطاء، والثورى، والشافعى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى
وقال ابن جريج: عليه بدنة. وقال الحسن بن أبى الحسن. عليه هدى من الإبل. فإن دفع قبل
الغروب ثم عاد نهارا فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه، وبهذا قال مالك، والشافعى. وقال
الکوفیون، وأبو ثور: علیه دم؛ لأنه بالدفع لزمه الدم، فلم يسقط برجوعه كما لو عاد بعد غروب
الشمس. كذا فى "المغنى" (٣- ٤٣٣).
قلت: لا يقول أبو حنيفة وصاحباه بلزوم الدم فى مسئلة الرجوع نهارا، وإنما قال به زفر منا،
كما بسطه فى "البدائع". (٢ - ١٢٧) نعم! لو دفع قبل الغروب ثم رجع بعد ما غربت الشمس لا
يسقط عنه الدم عندهم جميعا، والله تعالى أعلم.
١٢٠
إعلاء السنن
باب لو مکث قلیلا بعد غروب الشمس لعذر فلا بأس به
٢٧١٠- عن عائشة رضى الله عنها: أنها كانت تدعو بشراب فتفطر ثم تفيض.
رواه ابن أبى شيبة، وإسناد صحيح. "دراية" (٢٩٥).
قال فى "البدائع": اختلفوا فيما لأجله يجب الدم، فعلى رواية الأصل الدم يجب لأجل
دفعه قبل الإمام، وعلى رواية ابن شجاع يجب لأجل دفعه قبل غروب الشمس، والقدورى اعتمد
على هذه الرواية، وقال: هى الصحيحة، والمذكور فى الأصل مضطرب اهـ. (١٢٧:٢).
قلت: وما ذكرنا فى المتن من الأحاديث وفى الحاشية من الآثار إنما يقتضى وجوب الوقوف
إلى الغروب لا إلى دفع الإمام، نعم، قال ابن قدامة فى المغنى قال أحمد: لا يعجبنى أن يدفع إلا مع
الإمام، وسئل عن رجل دفع قبل الإمام بعد غروب الشمس؟ فقال: ما وجدت عن أحد أنه سهل
فيه، كلهم يشدد فيه اهـ. (٤٣٦:٣) وهذا كحكاية الإجماع على وجوب الدفع مع الإمام، أى
الوالى الذى إليه أمر الحج، والله تعالى أعلم.
باب لو مکث قلیلا بعد غروب الشمس لعذر فلا بأس به
قوله: "عن عائشة" إلخ، احتج به صاحب "الهداية" على جواز المكث القليل بعد غروب
الشمس وإفاضة الإمام، ويجوز أنها فعلت ذلك للاحتياط فى تمكن الوقت، كذا قاله المحقق فى
"الفتح" (٢- ٣٧٦).
وفيه أن الصوم يحتاج إلى الاحتياط فى تمكن الوقت أيضا. فلما أفطرت اندفع احتمال
الاحتياط فى ذلك، نعم يمكن أن يقال: إن الإفطار بشربة من ماء ونحوه ليس من التأخير فى شىء،
أو أنها فعلت ذلك لأجل تأخير الإمام فى الدفع، وقد تقدم عن "المغنى" أن الإفاضة بعد غروب
الشمس إنما تجب إذا لم يؤخر الإمام، وإلا فلا يدفع إلا معه وإن غربت الشمس، ولا دلالة فى أثر
عائشة أنها دعت بشراب بعد إفاضة الإمام كما ادعاه صاحب "الهداية"، فإن ثبت ففيه الحجة،
والله تعالى أعلم.
ولو أبطأ الإمام بالدفع بعد الغروب دفعوا قبله؛ لأنه لا موافقة فى مخالفة السنة. كذا فى
"غنية الناسك" (٨٧) وهو محمول على التأخير الزائد فافهم.