النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
ج - ١٠
جواز ركعتى الطواف خارجا من المسجد ومن الحرم
أخرجه الإمام البخارى. "فتح البارى" (٣- ٣٩٠).
٢٦٥٦- وصلى عمر رضى الله عنه خارجا من الحرم. علقه البخارى. وصله
مالك وغيره، كما فى "فتح البارى" أيضا.
أن تكون أكملت طوافها قبل فراغ صلاة الصبح، ثم أدركتهم فى الصلاة فصلت معهم صلاة
الصبح، ورأت أنها تجزئها عن ركعتى الطواف، واستدل به على أن من نسى ركعتى الطواف
قضاهما حيث ذكرهما من حل أو حرم، وهو قول الجمهور. وعن الثورى: يركعهما حيث شاء ما
لم يخرج من الحرم. وعن مالك: إن لم یر کعهما حتی تباعد ورجع إلى بلده فعليه دم. قال ابن
المنذر: ليس ذلك أكثر من صلاة المكتوبة، وليس على من تركها غير قضائها حيث ذكرها. قال ابن
المنذر: احتملت قراءته (َّ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ حين صلى ركعتى الطواف
خلف المقام) أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف
تجزئه ركعتا الطواف حيث شاءا هـ ملخصا (٣٩٠:٣).
قلت: وهذا هو قولنا معشر الحنفية، ولكن أدائهما خلف المقام أفضل، ثم ما حوله مما قرب
منه، وكون الخلف أفضل لاختيار النبى معَّ ته إياه، وقراءته قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم
مصلى﴾ ثم الكعبة، ثم الحجر، ثم الميزاب، ثم ما قرب من الحجر إلى البيت خصوصا إلى ما تحت
الميزاب منه، ثم باقى الحجر، ثم ما قرب من البيت، خصوصا محاذاة الأركان، ومقابلة الملتزم
والباب، ومقام جبريل والمستجار، ثم المسجد الحرم، ثم الحرم، ثم لا فضيلة بعد الحرم بل الإساة،
ولا تختص بزمان ولا مكان، فلو صلاها خارج الحرم ولو بعد الرجوع إلى وطنه جاز وكره
تنزيها، ولا تقوت ما دام حيا. والسنة الموالاة بينها وبين الطواف، فيكره تأخيرها عنه إلا فى وقت
مكروه، فيجب تأخيرها إلى وقت مباح. اهـ من "غنية الناسك" (٦٢) قلت: ودليل كون الموالاة
سنة ما مر من قول الزهرى والحسن: مضت السنة أن مع كل طواف ركعتين. ولم يثبت عنه عرّ له
تأخيرها عن الطواف فافهم.
فائدة:
قوله عمّ له لأم سلمة ((إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفى على بعيرك والناس يصلون)) يدل على
أن من آداب طواف النساء أن لا يخالطن الرجال. وأخرج البخارى عن ابن جريج: أخبرنا عطاء إذ
منع ابن هشام النساء الطوف مع الرجال قال: كيف تمنعهن وقد طاف نساء النبى معَّ ◌ُلِّ مع الرجال؟
قلت: بعد الحجاب أو قبل؟: قال: أى لعمرى لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن

٨٢
إعلاء السنن
باب ذكر الله فى الطواف
٢٦٥٧- عن عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول الله عّ لّه يقول بين الركن
اليمانى والحجر: ﴿ربنا آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النّار﴾.
رواه أحمد، وأبو داود. وقال: بين الركعنين. وأخرجه أيضا النسائى، وصححه ابن
حبان، والحاكم. "نيل الأوطار" (١-٢١٣).
٢٦٥٨- عن ابن عباس: أن النبى ◌ّ كان يدعو بهذا الدعاء بين الركعنين:
((اللهم قنعنى بما رزقتنى، وبارك لى فيه، واخلف على كل غائبة لى بخير)). رواه ابن
الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضى الله عنها تطوف حجرة (أى ناحية) من الرجال
لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقى نستلم يا أم المؤمنين! قالت: انطلقى عنك وأبت، فكن يخرجن
متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال الحديث، "فتح البارى" (٣٨٤:٣) وفيه أن النساء لا يستلمن
الركن مع الرجال ولا يزاحمتهم، بل يستلمن وحدهن إذا كان خاليا.
باب ذكر الله فی الطواف
قوله: "عن عبد الله بن السائب إلى آخر الباب"، قلت: دلالة الأحاديث على معنی الباب
ظاهرة، وقد مر بعض ما يقول عند استلام الحجر فتذكر. قال الحافظ فى "الفتح" قال ابن المنذر:
أولى ما شغل المرأ به نفسه فى الطواف ذكر الله، وقرأة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح إلا أن الذكر
أسلم. وحكى ابن التين خلافا فى كراهة الكلام المباح، وعن مالك تقييد الكراهة بالطواف
الواجب. قال ابن المنذر: واختلفوا فى القراءة، فكان ابن المبارك يقول: ليس شئ أفضل من قراءة
القرآن، وفعله مجاهد، واستحبه الشافعى، وأبو ثور. وقيده الكوفيون بالسر (كيلا يجب الاستماع
على الطائفين وغيرهم) وروى عن عروة والحسن كراهته، وعن عطاء ومالك: أنه محدث. وعن
مالك: لا بأس به إذا أخفاه ولم يكثر منه. قال ابن المنذر: من أباح القراءة فى البوادى والطرق ومنعه
فى الطواف لا حجة له ا هـ (٣٨٦:٣).
وفىّ "غنية الناسك": والذكر أفضل من القراءة فى الطواف، كذا فى "التجنيس" وغيره،
وهو بإطلاقه تعامل للمأثور وغيره. فظهر أن القراءة فيه خلاف الأولى، وأن الذكر أفضل منها
مأثورا أولا، إلا إذا قرأ ما فيه ذكر على قصد الذكر؛ لما صح أنه مَّ له قال بين الركنين: "ربنا آتنا"

ج - ١٠
ذكر الله فى الطواف
٨٣
ماجه، والحاكم. "التلخيص الحبير" (١-٢١٣) قال الحاكم: صحيح الإسناد.
٢٦٥٩- عن أبى هريرة: أن الله وكل بالحجر سبعين ملكا، فمن قال: اللهم إنى
أسألك العفو والعافية فى الدنيا والآخرة، ربنا آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار قالوا: آمين. رواه ابن ماجه وسكت عنه الحافظ فى التلخيص (٢١٣:١).
٢٦٦٠- وعنه: من طاف بالبيت سبعا فلم يتكلم إلا بسبحان الله، والحمد لله،
ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. محيت عنه عشر سيئات، وكتبت
له عشر حينات، ورفعت له عشر درجات. رواه ابن ماجه، وسنده ضعيف، قاله
الحافظ فى ٣التلخيص" (١-٢١٣). وفى "نيل الأوطار" (٤-٢٦٩): إن فى إسناده
إسماعيل بن عياش، وفيه مقال، وهشام بن عمار، وهو ثقة تغير بآخره اهـ. قلت:
وكلاهما حسن الحديث عندنا، لا سيما فى أبواب الفضائل.
الآية، وكان ذلك أكثر دعائه ◌َ ◌ّه، وعن أبى حنيفة رضى الله عنه ما يدل على كراهة القراءة فى
الطواف، والأول هو الأظهر والأشهر. قلنا: هدى النبى معَ ◌ّ هو الأفضل، ولم يثبت عنه فى
الطواف قراءة بل الذكر، وهو المتوارث عن السلف والمجمع عليه، فكان أولى. "فتح" وفى
"الكافى" للحاكم: يكره أن يرفع صوته بالقراءة فيه، ولا بأس بقراءته فى نفسه. ولا ينبو ما ذكره
فى "التجنيس" عما ذكره الحاكم؛ لأن لا بأس فى الأكثر لخلاف الأولى اهـ. (٦٥).
قلت: ومن أدعية الطواف ما رواه البيهقى عن عبد الأعلى التميمى، قال: قالت خديجة
بنت خويلد: يا رسول الله! ما أقول وأنا أطوف بالبيت؟ قال: قولى: اللهم اغفر لى ذنوبی وخطايای
وعمدی، وإنترافی فی أمری، إنك إن لا تغفر لی تهلکنی. وقال: هكذا جاء مرسلا. وما رواه
الأرزقى، والطبرانى فى "الأوسط"، والبيهقى فى "الدعوات"، وابن عساكر عن بريدة (مرفوعا):
«لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: اللهم إنك
تعلم سرى وعلانيتى، فاقبل معذرتى، وتعلم حاجتى فأعطنى سؤلى، وتعلم ما عندى فاغفر لى
ذنوبى، أسألك إيمانا يباشر قلبى، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لا يصيبنى إلا ما كتبت لى، ورضنى
بقضائك. فأوحى الله إليه: « یا آدم! إنك قد دعوتنى بدعاء استجيب لك فيه، وغفرت ذنوبك،
وفرجت همومك وغمومك، ولن یدعو به أحد من ذریتك من بعدك إلا فعلت ذلك به، ونزعت
فقره من بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا وهى كارهة وإن لم يردها)) !. .

٨٤
إعلاء السنن
باب جواز الكلام المباح فى الطواف وتر که أفضل
٢٦٦١- عن ابن عباس مرفوعا: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه
الكلام، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير)). أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة،
وابن حبان. "فتح البارى" (٣-٣٨٦) وفى كلام الحافظ ما يشعر بكون الحديث
مشهورا عن ابن عباس موقوفا ومرفوعًا.
أخرجهما في "كنز العمال"، ولم أقف على حال سنديهما، والموضع موضع الفضائل فليظن العبد
بربه خيرا، وقد ذكرنا فى المقدمة أن البيهقى لا يخرج فى كتبه شيئا موضوعا، والله تعالى أعلم.
وفى رواية: أن آدم عليه السلام دعا بذلك فى الملتزم، وفى رواية: بين اليمانينِ. ولا منافاة بين
الروايات؛ لاحتمال أنه دعا به فى المقامات، قاله الهندى فى "غنية الناسك" (٦٧).
باب جواز الكلام المباح فى الطواف وتركه أفضل
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قلت: قوله عّ لّهـ (الطواف بالبيت صلاة)) يشعر باستحباب
ترك الكلام المباح فيه، وقوله: (إلا أن الله أباح فيه الكلام)) يدل على إباحته ظاهرا، وقال علمائنا
الحنفية رحمهم الله تعالى، كما فى غنية الناسك فى مستحبات الطواف (٦٥) ونصبه: ترك الكلام
المباح، وترك كل عمل ينافى الخشوع والتذلل كالتلثم، والالتفات بوجهه إلى الناس بغير ضرورة،
ووضع اليد على الخاصرة، أو على القفا ونحو ذلك.
وأما وضع اليدين كما فى الصلاة فمكروه؛ لأنه خلاف ما تواتر فعله عنه عَّة، وعن
الصحابة بعد من الإرسال فى الطواف، كما فصله الشارح، وصون النظر عن كل ما يشغله،
وينبغى أن لا يجاوز بصره محل مشيه، كالمصلى لا يجاوز بصره محل سجوده؛ لأنه الأدب الذى
يحصل به اجتماع القلب، وأن ينزه طوافه عن كل ما لا يرتضيه الشرع، ومن النظر إلى ما لا
يحل، واحتقار من فيه نقص أو جهل بالمناسك. وينبغى أن يعلمه يرفق، ولا يأمن عقوبة سوء
الأدب، فليس الإساءة على البساط كالإساءة مع البعاد اهـ.
قلت: وهذا كله مأخوذ من قوله عّ لّه: ((الطواف بالبيت صلاة))، ومع ذلك كرهوا وضع
اليدين فى الطواف كالمصلى اتباعا لمتواتر فعله مَّ له، وإن كان القياس على الصلاة ويقتضيه، ومن
ههنا يظهر لك غاية مراعاة الحنفية لاتباع السنة النبوية، وتجنيهم عن القياس فى معرض النص،

٨
ج - ١٠
باب إذا أتى من سبعة أشواط بأكثر صح طوافه
٢٦٦٢- عن أبى الشعثاء: أنه أقيمت الصلاة وقد طاف خمسة أطواف فلم يتم ما
بقى. رواه عبد الرزاق، وذكره الحافظ فى "الفتح" (٣-٣٨٨) وسكت عنه، فهو
صحیح أو حسن.
باب إذا قطع طوافه لعذر یقضی ما بقی ویبنی
ولا يلزمه الاستئناف والسنة فيه الموالاة
٢٦٦٣- حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن جميل بن زيد، قال: رأيت ابن عمر
طاف بالبيت فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم، ثم قام فبنى على ما مضى من طوافه.
رواه سعيد بن منصور، وعلقه البخارى مختصرا. "فتح البارى" (٣-٣٨٧) وسكت
عنه الحافظ، فهو صحيح أو حسن عنده، وجميل بن زيد هذا هو الطائى الكوفى أو
البصرى، روى عنه الثورى، وإسماعيل بن زكريا وغيرهما، وهو ضعيف عندهم كما
فى "التهذيب" (٢-١١٤).
ورحم الله طائفة قد أغمضت عيونها عن كل ذلك، ورموهم بأعمال القياس وإهمال الأثر، وهذه
فرية بال مرية، تكاد القلوب يتفطرن منه، وتنشق الصدور، وتخر الجبال هدا.
ـتى إذا لم ينالوا شاؤوه
فالناس أعداء له وخصوم
باب إذا أتى من سبعة أشواط بأكثر صح طوافه
قوله: "عن أبى الشعثاء" إلخ، قلت: هو تابعی جليل من أصحاب ابن عباس، و كان فقيها
مفتيا ثقة مثل عطاء، وقد طاف خمسة أشواط فلم يتم ما بقى، وهذا هو قول علمائنا الحنفية: إن
ركن الطواف إتيان أكثر أشواطه، صرح به فى "غنية الناسك" (٦٣) وغيره من المتون فافهم.
باب إذا قطع طوافه لعذر یقضی ما بقی ویبنی
ولا يلزمه الاستئناف والسنة فيه الموالاة
وقوله: "حدثنا إسماعيل" إلخ دلالته على الجزء الأول والثانى من الباب ظاهرة. والأثر وإن
كان ضعيفا سندا ولكن واحتجنا به اعتمادا على سكوت الحافظ عنه فى "الفتح"، وقد التزم أن لا
يسكت فيه إلا عن صحيح أو حسن، كما ذكرناه فى المقدمة وقال ابن قدامة فى (المغنى": إذا

٨٦
إذا قطع طوافه لعذر يقضى ما بقى ولا يلزمه الاستيناف
إعلاء السنن
٢٦٦٤- عن ابن جريج: قلت لعطاء: الطواف الذى يقطعه على الصلاة واعتد
به أ يجزئ؟ قال: نعم، وأحب إلى أن لا يعتد به. قال: فأردت أن أركع قبل أن أتم
سبعى؟ قال: لا، أوف سبعك إلا أن تمنع من الطواف. أخرجه عبد الرزاق، وسكت عنه
الحافظ فى "الفتح" (٣-٣٨٧).
٢٦٦٥- حدثنا هشيم، حدثنا عبد الملك، عن عطاء، أنه كان يقول فى الرجل
تلبس بالطواف أو بالسعى ثم أقيمت الصلاة المكتوبة فإنه يصلى مع الجماعة فى قول أكثر أهل
العلم، منهم ابن عمر، وسالم، وعطاء، والشافعى، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، روى ذلك عنهم فى
السعى، وقال مالك: يمضى فى طوافه، ولا يقطعه إلا أن يخاف أن يضر بالوقت، لأن الطواف
صلاة، فلا يقطعه لصلاة أخرى. (قلت: لعله قال ذلك فى طواف الإفاضة الذى هو الركن) ولنا
قول النبى معَّ له: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) والطواف صلاة فيدخل فى عموم الخبر،
مع أنه قول ابن عمر ومن سميناه من أهل العلم، ولم نعرف لهم فى عصرهم مخالفا، إذا صلى
بنى على طوافه وسعيه فى قول من سميناً من أهل العلم قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدا خالف فى
ذلك إلا الحسن، فإنه قال: يستأنف، وقول الجمهور أولى؛ لأن هذا فعل مشروع فى أثناء
الطواف، فلم يقطعه كاليسير، وكذلك الحكم فى الجنازة إذا حضرت يصلى عليها ثم يبنى على
طوافه؛ لأنها تفوت بالتشاغل عنها. قال أحمد: إنه يبتدئ الشوط الذى قطعه من الحجر حين يشرع
فى البناءآهـ. (٣-٤١٣).
قوله: "عن ابن جريج" إلخ، قلت: المراد بالطواف فى قوله: "قلت لعطاء: الطواف الذى
يقطعه على الصلاة" شوط من أشواطه، والمعنى - والله تعالى أعلم- أنه إذا قطع شوطه لأجل
الصلاة ثم يرجع ويبتدأ به من حيث قطع أ يجزئ ذلك؟ قال عطاء: نعم، والأولى أن لا يعتد بمثل
هذا الشوط ويستأنفه، وقوله: "لا، أوف سبعك إلا أن تمنع من الطواف" صريح فى أن السنة فى
الطواف المولاة بين أسواطه، لا يفصل بينهما إلا لعذر، وهذا هو قولنا معشر الحنفية كما "غنية
الناسك"، ونصه فى مكروهات الطواف: والوقوف للدعاء فى أثناء الطواف فى الأركان أو فى
غيره؛ لأن المولاة بين الأشواط وأجزاء الأشواط سنة مؤكدة اهـ. (٦٧) قلت: وقد ذكر الموالاة بين
أشواطه وأجزاءها فى السنن أيضا (٦٤).
قوله: "حدثنا هشيم" إلخ، دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. قال الحافظ فى

٨٧
ج - ١٠
يطوف بعض طوافه ثم تحضر الجنازة: يخرج فيصلى عليها، ثم فيقضى ما بقى عليه من
طوافه. أخرجه سعيدبن منصور وسكت عنه الحافظ فى الفتح (٣٨٧:٣) ورجاله ثقات.
باب أن الموالاة بين الطواف وركعتيه سنة إلا فى وقت الكراهة
فلا بأس بقرن الأسابيع
٢٦٦٦- عن معمر، عن أيوب، عن نافع: أن ابن عمر كان يكره قرن الطواف،
ويقول: علی کل سبع صلاة ركعتين، و کان لا یقرن. أخرجه عبد الرزاق، وسكت عنه
الحافظ فى الفتح (٣٨٨:٣) ورجاله ثقات معروفون من رجال الجماعة، فالسند صحيح.
٢٦٦٧ - عن المسور بن مخرمة: أنه كان يقرن بين الأسابيع إذا طاف بعد الصبح
"الفتح" روى الحسن: أن من أقيمت عليه الصلاة وهو فى الطواف فقطعه أن يستأنفه، ولا يبنى
على ما مضى، وخالفه الجمهور، فقالوا: يبنى. وقيده مالك بصلاة الفريضة، وهو قول الشافعى،
وفى غيرها تمام الطواف أولى. وقال أبو حنيفة، وأشهب: يقطعه ويبنى، واختار الجمهور قطعه
للحاجة، وقال نافع طول القيام فى الطواف بدعة ا هـ (٣٨٧:٣) وفيه أيضا: قال ابن بطال:" إنه
عليه الصلاة والسلام لم يقف، ولا جلس فى طوافه، فكانت السنة فيه الموالاة اهـ. (٣ - ٣٨٨).
قلت: إنما يقطعه عند أبى حنيفة للمكتوبة، أو لصلاة الجنازة، وتجديد الوضوء أو نحوها، ولا يقطعه
من غير عذر؛ فإن قطعه بدونه يستحب الاستثناف عنده، ولا يبنى لأنه فعله على وجه مكروه. كذا
فى "الغنية" (٦٨).
باب أن الموالاة بين الطواف وركعتيه سنة إلا وقت الكراهة
فلا بأس بقرن الأسابع
قوله: "عن معمر" إلخ، دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. وفى "غنية الناسك"
ويكره الجمع بين أسبوعين أو أكثر بلا صلاة بينهما عندهما، وعند أبى يوسف لا بأس إن انصرف
عن وتر؛ لأن الأسبوع وتر، والخلاف فى غير وقت الكراهة. أما فيه فلا يكره إجماعا اهـ. قلت:
وسيأتى ما يدل على عدم كراهته فى وقت الكراهة.
قوله: "عن المسور بن مخرمة" إلخ، دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. قال الحافظ
فى "الفتح: إن القران بين الأسابيع خلاف الأولى من جهة أن النبى مرّ له لم يفعله، وقد قال: ((خذوا

:
٨٨
إعلاء السنن
أو العصر، فإذا طلعت الشمس أو غربت صلى لكل أسبوع ركعتين. رواه ابن أبى شيبة
بسند جيد، کما فى "فتح البارى" (٣-٣٨٨).
باب وجوب الطهارة وستر العورة للطواف
٢٦٦٨- فى حديث أبى بكر الصديق عن النبى معَّ ◌ُلّه، قال: ((لا يطوف
بالبيت عریان).
٢٦٦٩- وعن عائشة: أن أول شئ بدأ به النبى مّ له حين قدم أنه توضأ، ثم طاف
بالبيت. متفق عليهما. "نيل الأوطار" (٤-٢٦٨).
٢٦٧٠- وقال لها النبى عَّه لما طمثت بسرف: ((افعلى ما يفعل الحاج غير أن لا
تطوفى بالبيت حتى تطهرى)). متفق عليه. "نيل" (٤-٢٦٨).
مناسككم» وهذا قول أكثر الشافعية، وأبى يوسف، وعن أبى حنيفة ومحمد: يكره، وأجاز
الجمهور بغير كراهة اهـ (٣٨٨:٣). قلت: وأثر ابن عمر الذى بدأنا به الباب صريح فى الكراهة،
والله تعالى أعلم.
فائدة:
أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء. أن عبد الرحمان بن أبى بكر طاف فى إمارة
عمرو بن سعيد على مكة يعنى فى خلافة معاوية - فخرج عمرو إلى الصلاة، فقال له عبد
الرحمان: انظرنى حتى أنصرف على وتر، فانصرف على ثلاثة أطواف - يعنى ثم صلى - ثم أتم ما
بقی. وروی عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عباس، قال: من بدت له حاجة وخرج إليها فليخرج
علی وتر من طوافه ویر کع ركعتين.
وروى أيضا عن ابن جريج، عن عطاء إن كان الطواف تطوعا وخرج فى وتر فإنه يجرئ
عنه، ذكرها كلها الحافظ فى "الفتح" (٣٨٧:٣ و٣٨٨) وسكت عنها. وفيها ما يؤيد أبا يوسف
فى إباحة قرن الطواف إذا انصرف على وتز، وينبغى تقييده بطواف التطوع، والله تعالى أعلم.
والأحوط قول أبى حنيفة ومحمد: أن لا يقرن فى غير وقت الكراهة فافهم.
باب وجوب الطهارة وستر العورة للطواف
قوله: "فى حديث أبى بكر" إلخ، قلت: قوله: ((لا يطوف بالبيت عريان)) خبر فى معنى

ج - ١٠
وجوب الطهارة وستر العورة للطواف
٨٩
٢٦٧١- وعنها مرفوعا: ((الحائض تقضى المناسك كلها إلا الطواف)). رواه
أحمد، وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر. نيل (٢٦٨:٤).
النبهى، وهو أبلغ فى المنع. كما فى قوله تعالى: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ فثبت به وجوب الستر
للطواف. وأما كونه شرطا لصحته فلا، ومن أدمى ذلك فليأت ببرهان؛ فإن النهى عن شئ لا يفيد
إلا كون ضده مأمورابه فحسب. فإن قيل: قد ورد فى هذا الحديث أيضا: ((أن لا يحج بعد العام
مشرك)) وقد قلتم باشتراط الإسلام للطواف به، فلم يلم تقولوا بمثله فى قرينه؟ قلنا: اشتراط الإسلام
له قد ثبت بدليل العمومات القاضية بتوقف العبادات على الإسلام لا بهذا الحديث، فإنه لا يدل إلا
على اشتراط الإسلام للحج، دون عبره من الطواف إذا كان تطوعا غير فريضة ولا يصح قياسه
على الصلاة؛ فإن الطواف ليس كمثلها من كل وجه، ولهذا لا يشترط له استقبال البيت، ولا
السكوت عن كلام الناس ونحوه فافهم.
قال الشوكانى فى "النيل": قوله: ((لا يطوف بالبيت عريان)) فيه دليل على أنه يجب ستر
العورة فى حال الطواف، وقد اختلف هل الستر شرط لصحة الطواف أولا؟ فذهب الجمهور إلى
أنه شرط، وذهبت الحنفية والهادوية إلى أنه ليس بشرط، فمن طاف عريانا عند الحنفية أعاد ما دام
بمكة فإن خرج لزمه دم ا هـ (٢٦٨:٤) قلت: ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾
لا يستدعى إلا فرضية ما يطلق عليه الطواف، ويقال للعريان إذا طاف بالبيت إنه طائف، فلا يزاد
عليه الستر شرطا، كيلا يلزم تقييد المطلق، وهو نسخ عندنا، فقلنا بفرضية مطلق الطواف بالنص،
وبوجوب الستر بالحديث، تنزيلا للأمور منازلها .. ولعلك قد عرفت بذلك غاية مراعاة الحنفية
للحدود، والله تعالى أعلم. وكما أن الستر ليس بشرط عندنا، كذلك الطهارة من الأحداث ليست
بشرط لصحة الطواف، وإنما هى واجبة فقط، فإن طاف للفرض أو الواجب محدثا أعاد ما دام
بمكة، فإن خرج فعليه دم، وفى التطوع الصدقة. "بدائع". كذا فى "الغنية" (٥٩).
ودليل وجوبها قوله معرّ ◌ُّ لعائشة: ((غير أن لا تطوفى بالبيت حتى تطهرى)). ففيه النبى عن
الطواف بدون الطهارة، فهو مثل قوله عَّه: ((لا يطوف بالبيت عريان))، فقلنا بوجوبها، وأيده
مواظبة النبى عظّ على الطهارة للطواف وفى البدائع: أو نقول: الطواف يشبه الصلاة وليس بصلاة
حقيقة، ومن حيث أنه يشبه الصلاة تجب له الطهارة عملا بالدليلين بالقدر الممكن ا هـ (١٢٨:٢).
وقال ابن أبى شيبة: حدثنا غندر، حدثنا شعبة: سألت الحكم وحمادا ومنصورا وسليمان
عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأسًا. روى عن عطاء: إذا طافت المرأة ثلاثة

٩٠
إعلاء السنن
باب السعى بين الصفا والمروة ووجوب البداءة بالصفا وسنية الصعود
عليهما مستقبلا والدعاء وذكر الله عندهما
٢٦٧٢- عن جابر: أن النبى عَّ لما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِن الصفا والمروة من
شعائر الله﴾، أبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا، فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل البيت
فوحد الله، وكبره، وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو
على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب
وحده))، ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبت
قدماه فى بطن الوادى، حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل
على الصفا. رواه مسلم. وكذلك أحمد والنسائى بمعناه، ولفظ النسائى: ((فأَبدأوا بما بدأ
الله به)) بصيغة الأمر، وصححه ابن حزم، والنووى فى "شرح مسلم". وفى "الموطأ":
حتى انصبت قدماه فى بطن الوادى سعى حتى خرج، ولفظ الحميدى فى "الجمع بين
الصحيحين": حتى انصبت قدماه رمل فى بطن الوادى. وقد وقع فى بعض نسخ
"(صحيح مسلم" كلفظ " الموطأ" وغيره. "نيل الأوطار" (٤-٢٧٥).
أطواف فصاعدا ثم حاضت أجزأ عنها. وفى هذا تعقب على النووى، حيث قال فى "شرح
المهذب": انفرد أو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط فى الطواف، واختلف أصحابه فى وجوبها،
ولم ينفردوا بذلك كما ترى، فلعله أراد انفرادهم عن الأئمة الثلاثة، لكن عند أحمد رواية أن
الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم، وعند المالكية قول يوافق هذا كذا فى "فتح البارى" (٤٠٣:٣).
باب السعى بين الصفا والمروة ووجوب البداءة بالصفا وسنية الصعود
عليهما مستقبلا والدعاء وذکر الله عندهما
قوله: "عن جابر" إلخ، قلت: دلالته على الباب ظاهرة. وقوله معّ له: أبدأ بما بدأ الله به"
هكذا رواه مسلم بصيغة الواحد، وبلفظ الخبر، ورواه أحمد، ومالك، وابن الجارود، وأبو داود،
والترمذى، وابن ماجة، وابن حبان، والنسائى أيضا بلفظ: نبدأ. بالنون، قال أبو الفتح القشيرى (هو
ابن دقيق العيد): مخرج الحدیث عندهم واحد، وقد اجتمع مالك، وسفیان، ويحيى بن سعيد
القطان، على رواية نبدأ بالنون التى للجمع، ذكره الحافظ فى "التلخيص"، وقال: وهم أحفظ من
الباقين اهـ. (١- ٢١٤) قلت: وعلى هذا فلا دلالة فيه على وجوب البدأة بالصفا بل على سنيته،

٩١
ج - ١٠
احكام السعى بين الصفا والمروة
٢٦٧٣- عن جابر: أن رسول الله مَّ له طاف وسعى، رمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم
قرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾. فصلى سجدتين، وجعل المقام بينه وبين
الكعبة، ثم استلم، ثم خرج فقال: ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، فأبدأوا بما بدأ الله
به. رواه النسائي وصححه ابن حزم والنووى فى شرح مسلم نيل الأوطار (٢٧٥:٤).
٢٦٧٤- عن أبى هريرة رضى الله عنه: أن النبى معَّه لما فرغ من طوافه أتى
وهو رواية عن أبى حنيفة رضى الله عنه: أن هذه البداءة سنة مؤكدة. فلو بدأ بالمروة يعتد بذلك
الشوط، لكنه يكره لترك السنة، فيستحب أن يعيده بعد ستة من الصفا؛ ليكون البداءة على وجه
السنة، فلو لم بعده فقد أساء ولا جزاء عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم. كذا فى "الغنية" (٧١).
قلت: ولكن رواه النسائى بصيغة الأمر كما ذكرنا فى المتن، وصححه ابن حزم وغيره. قال
المحقق فى "الفتح": والأمر يفيد الوجوب، خصوصا مع ضميمة قوله عليه السلام: (لتأخذوا عنى
مناسككم)). والصحيح أنه من واجبات السعى، فلو بدأ بالمروة يصح أداء ذلك الشوط، ولكن لا
يعتد به؛ لأنه لم يأت به بوصف الوجوب، فكأنه لم يأت به، فيجب أن يعيده بعد ستة من الصفا،
فلو لم بعده فعليه دم؛ لترك واجب البداءة بالصفا، كما صرح به فى الجنايات من "البحر"
"والشرنبلالية" اهـ من "غنية الناسك" (٧٠) قال الحافظ فى "الفتح": قال شيخنا ابن الملقن: قال
صاحب "المحيط" من الحنفية: لو بدأ بالمروة وختم بالصفا أعاد شوطا؛ فإن البداءة واجبة، ولا أصل
لما قال الكرمانى: إن الترتيب ليس بشرط، ولكن تركه مكروه لترك السنة، فيستحب إعادة الشوط.
قال الحافظ: والكرمانى المذكور عالم من الحنفية، وليس هو شمس الدين شارح البخارى اهـ (٣ -.
٤٠٢) قلت: وبه ظهر ضعف ما روى عن أبى حنيفة: أن البداءة بالصفا سنة. بل هى واجبة عنده،
والله تعالى أعلم.
قوله: "وعن جابر وعن أبى هريرة" إلخ، دلالتهما على الترتيب بين الطواف والسعى
ظاهرة، وهو واجب عندنا. وقال الحافظ فى "الفتح": حكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ
بالسعى قبل الطواف بالبيت وبالإجزاء، قال بعض أهل الحديث: واحتج بحديث أسامة بن شريك:
إن رجلا سأل النبى معَّ يِّ فقال: سعيت قبل أن أطوف، قال: ((طف ولا حرج)). وقال الجمهور: لا
يجزئه، وأولوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة اهـ. (٣-
٤٠٣) قال الحافظ فى "التلخيص": وقول الرافعى: إنه عرّ فمن بعده لم يسعوا إلا بعد الطواف.

٩٢
أحكام السعى بين الصفا والمروة
إعلاء السنن
الصفا، فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن
يدعو. رواه مسلم وأبو داود، "نيل الأوطار" (٤-٢٧٤).
لم أجده هكذا فى حديث مخصوص، وإنما أخذ بالاستقراء من الأحاديث الصحيحة، وهو كذلك
فى "الصحيحين" عن ابن عمر، وفى "المعجم الكبير" للطبرانى عن جابر اهـ. (٢١٤).
قال فى "الغنية" فى شرائط السعى: الخامس: كونه بعد طواف معتد به. وهو أن يكون
أربعة أشواط فأكثر سواء طافه طاهرا أو محدثا، فهو من شرائط صحة السعى اهـ. ثم قال فى
واجبات السعى: هى ستة: الأول: كونه بعد طواف على طهارة عن جنابة وحيض، أما عن الحدث
الأصغر وعن النجاسة فى الثوب والبدن ومكان الطواف فليس من واجبات السعی، بل من سننه،
فلو طاف للقدوم على غير طهارة وسعى بعده، إن كان جنبا فعليه إعادة السعى بعد طواف الزيارة
وجوبا، وإن لم يعد فعليه دم، وإن كان محدثا بعيد السعى بعد طواف الزيارة استحبابا، وإن لم يعد
لا شیء علیه اهـ (٧١).
لا یجب الطهارة فی السعی إذا طاف بالبيت طاهرا
ثم قال: ولا يجب فيه أى فى السعى الطهارة عن الجنابة والحيض، سواء كان سعى عمرة أو
حج؛ لأنه عبادة تؤدى لا فى المسجد الحرام، والأصل أن كل عبادة تؤدى لا فى المسجد الحرام فى
أحكام الناسك فالطهارة ليست بواجبة لها، كالسعى، والوقوف بعرفة، والمزدلفة، ورمى الجمار،
بخلاف الطواف فإنه عبادة تؤدى فى المسجد الحرام، فكانت الطهارة واجبة فيه. "بحر" عن
"الظهيرية" (٧٢). قلت: ويؤيدنا فى عدم اشتراط الطهارة للسعى ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن
عمر بإسناد صحيح: إذا طافت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فلتسع. وعن عبد
الأعلى عن هشام عن الحسن مثله، وهذا إسناد صحيح عن الحسن قاله الحافظ فى الفتح (٤٠٣:٣).
قلت: فما روى عن مالك فى حديث عائشة: قدمت مكة وهى حائض، فقال لها النبى
صَ لّهِ: "افعلى كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفى بالبيت من زيارة ولا بين الصفا والمروة)). قال ابن
عبد البر: لم يقله عن مالك إلا يحيى التميمى النيسابورى. وما رواه ابن أبى شيبة عن ابن عمر
بإسناد صحيح: تقضى الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وبين الطفا والمروة. وما رواه أيضا
عن أبى العالية: لا تطوف (الحائض) بالبيت ولا بين الصفا والمروة. كلها محمولة على من كانت
حائضا قبل الطواف، فلا تجوز لها السعى؛ لأنه يتوقف على تقدم طواف قبله، فإذا كان الطواف

: ٩٣
ج - ١٠
باب وجوب السعى بين الصفا والمروة فى الحج والعمرة معا
٢٦٧٥ - عن عروة، عن عائشة، قال: قلت لها: إنى لأظن رجلا لو لم يطف بين
الصفا والمروة ما ضره، قالت: لم؟. قلت: لأن الله تعالى يقول: ﴿إِن الصفا والمروة من
شعائر الله﴾ إلى آخر الآية، فقالت: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا
والمروة، ولو كان كما تقول لكان: فلا. جناح عليه أن لا يطوف بهما. الحديث، رواه
مسلم (١-٤١٤). وهذا لفظه، والبخارى ولفظه: فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.
"فتح البارى (١- ٣٩٩).
ممتنعا امتنع لذلك، لا لاشتراط الطهارة له. قال الحافظ فى "الفتح": ولم يذكر ابن المنذر عن أحد
من السلف اشتراط الطهارة للسعى إلا عن الحسن البصرى اهـ. (٤٠٣:٣) قلت: وقد صح عنه
خلافه أيضا كما مر، والله تعالى أعلم.
باب وجوب السعى بين الصفا والمروة فى الحج ولعمرة معا
قوله: "عن عروة عن عائشة" إلخ، قلت: وحاصله أن عروة احتج للإباحة باقتصار الآية على
نفى الجناح، فأجابت بأن نفى الإثم عن الفاعل لا يستلزم نفى الإثم عن التارك، ولا مانع أن يكون
الفعل واجبا، ويعتقد انسان امتناع إبقاعه على صفة مخصوصة، كمن عليه صلاة الظهر وظن أنه لا
يجوز أداءها بعد العصر، فيقال له: لا جناح عليك فى ذلك. قال العلماء: وهذا من دقيق علمها
وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ، كما فى "شرح مسلم" للنووى (٤١٤:١). فقد
والله كانت فقيهة، ولما ذكر الزهرى قولها لأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أفجبه،
وقال: إن هذا هو العلم. رواه الشيخان، ودلالة قولها: ما أتم الله حج امرأ ولا عمرته لم يطف بين
الصفا والمروة، وقولها: فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، على وجوب السعى فى الحج
والعمرة ظاهرة.
قال الشوكانى فى "النيل": قال فى "الفتح": العمدة فى الوجوب قوله عدّة ((خذوا عنى
مناسككم)). قلت: وأظهر من هذا فى الدلالة على الوجوب حديث مسلم ما أتم الله حج امرا ولا
عمرته لم يطف بين الصفا والمروة اهـ. (٤ - ٢٧٤) قلت: ووجه كونه أظهر أن قوله مرّ له: ((خذوا
عنى مناسككم)) إنما يدل على وجوب أخذ الأحكام والتعلم منه، لا أن كل ما فعله فى حجه واجب

٩٤
وجوب السعى بين الصفا والمروة فى العمرة معا
إعلاء السنن
٢٦٧٦- عن ابن المبارك، أخبرنى معروف بن مشكان، أخبرنى منصور بن عبد
الرحمن، عن أمه صفية، قالت: أخبرنى نسوة من بنى عبد الدار اللاتى أدر كن رسول
الله عَّ ◌ُله، قلن: دخلنا دار ابن أبى حسين فاطلعنا من مقطع، فرأينا رسول الله عَّ له يشتد
فی المسعى، حتى إذ بلغ زقاق بنی فلانقد سماه من المسعى- استقبل الناس، وقال: «يا
أيها الناس! اسعو؛ فإن السعى قد كتب عليكم)). رواه الدارقطنى (٢-٢٧٠). قال
الزيلعي: قال صاحب "التنقيح": إسناد صحيح، ومعروف بن مشكان صدوق، لا نعلم
من تكلم فيه، ومنصور هذا ثقة مخرج له فى الصحيحين. "نصب الراية" (١-٤٩٥).
عملا، فقد يكون العمل سنة أو مستحبا وتعلمه واجبا، وهذا مما لا يخفى على من مارس الفقه
فافهم وقول عائشة رضى الله عنها: من رسول الله مر ◌ّ الطواف بين الصفا والمروة . - كما ورد فى
رواية عند البخارى- فمعناه فرضه بالسنة، وليس مرادها نفى فرضيتها، ويؤيده قولها: لم يتم الله.
حج أحدكم ولا عمرته ما لم يطف بينهما. كذا قال الحافظ فى "الفتح" (٣- ٤٠٠).
قوله: "عن ابن المبارك" إلخ، قلت: ذكره الحافظ فى "الدراية" وسكت عنه، وقال فى "فتح
البارى": واحتج ابن المنذر للوجوب بحديث صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبى تجراة - بكسر
المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هذه - وهى إحدى نساء بنى عبد الدار - قالت:
دخلت مع نسوة من قريش دار أبى حسين، فرأيت رسول الله عَ آٍ يسعى وأن متزره ليدور من
شدة السعى، وسمعته يقول: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى)). أخرجه الشافعى وأحمد
وغيرهما، وفى إسناد هذا الحديث عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف، ومن ثم قال ابن المنذر: إن ثبت
فهو حجة فى الوجوب. قلت: له طريق أخرى فى صحيح ابن خزيمة مختصرة، وعند الطبرانى عن
ابن عباس كالأولى، وإذا انضمت إلى الأولى قويت أهـ. (٣ - ٣٩٨).
قلت: وعبد الله بن المؤمل هذا مختلف فيه، فقد قال فيه ابن معين مرة: صالح الحديث ومرة:
ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال ابن نمير: ثقة وقال أبو عبد الله: هو سئ
الحفظ، ما علمنا له جرحة تسقط عدالته. كذا فى "التهذيب" (٦- ٤٦) فالطريق الأولى أيضا
صالحة للاحتجاج بها، وإذا انضمت إليها الطريق الثانية قويت، ومن ثم أخرجها ابن خزيمة فى
"صحيحه" وناهيك بتصحيح صاحب "التنقيح" بطريق المتن.

ج - ١٠
٩٥
باب فى فضل الطواف
٢٦٧٧- عن ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أن
الله أباح فيه الكلام، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير)). أخرجه أصحاب السنن، وصححه
ابن خزيمة، وابن حبان. "فتح البارى" (٣-٣٨٦) وقد تقدم فى باب جواز الكلام
المباح فى الطواف.
٢٦٧٨- عن ابن عمر رضى الله عنهما مرفوعا: ((من طاف بهذا البيت أسبوعا
فأحصاه كان كعتق رقبة، لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة،
وكتب له بها حسنة)). رواه الترمذى، والحاكم، والنسائى. "كنز العمال" (٣-١٠) ولم
یتعقبه بشئ، فهو صحيح على قاعدته.
قال ابن قدامة فى "المغنى": واختلف الرواية فى السعى، فروى عن أحمد أنه ركن لا"يتم
الحج إلا به، وهو قول عائشة، وعروة، ومالك، والشافعى؛ لقول عائشة: ما أتم الله حج امرا ولا
عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. ولما روت حبيبة بنت أبى الشجراء مرفوعا: "اسعوا؛ فإن الله
كتب عليكم السعى)). وقال القاضى: هو واجب وليس بركن، إذا تركه وجب عليه دم، وهو
مذهب الحسن وأبى حنيفة والثورى وهو أولى؛ لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لا
على كونه ركنا لا يتم الحج إلا به، وقول عائشة فى ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة.
(وأيضا فقولها: لا يتم لا ينفى صحة الحج بدونه و،إنما ينفى الكمال ولا خلاف فى أن ترك الواجب
ينافى الكمال) اهـ (٤٠٨:٣).
باب فضل الطواف
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قلت: دلالته على فضل الطواف ظاهرة؛ فإن الصلاة أفضل
الأعمال كلها، والطواف بالبيت صلاة عند الشارع، فناهيك به فضيلة.
قوله: "عن ابن عمر" إلخ، دلالته على الباب ظاهرة. وفى الباب أخبار كثيرة عند البيهقى،
والطبرانى، وأبى الشيخ، وابن حبان وغيرهم، ذكرها السيوطى فى "جمع الجوامع"، من أراد
الاطلاع عليها فليراجع "كنز العمال" (٣ - ١٠ و١١) منها ابن عمر: من طاف بالبيت أسبوعا لا
يضع قد ما ولا يرفع أخرى إلا حط الله تعالى عنه بها خطيئة و کتب له بها حسنة، ورفع له به

٩٦
إعلاء السنن
باب عدم تكرار السعى بين الصفا والمروة لكل طواف
٢٦٧٩- عن جابر؛ لم يطف النبى عَّه ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا
واحدا. رواه مسلم، وأبو داود. "نيل الأوطار" (٤-٣٠٥) وابن ماجه وفيه ليث بن أبى
سليم. "نصب الراية" (١-٥٢٣).
درجة. رواه ابن حبان.
ومنها ابن عباس: ينزل الله تعالى فى كل يوم مائة رحمة وعشرين رحمة، منها على
الطائفين ستون، وأربعون على المصلين، وعشرون على الناظرين. رواه البيهقى والطبرانى بألفاظ
متقاربة، قال الشيخ: ولا دلالة فيها على فضيلة الطواف على الصلاة؛ فإن الصلاة من لوازم
الطواف؛ فإن المعنى أن ستين للمصلين مع الطواف، وأربعين للمصلين بلا طواف، وعشرين
للناظرين إلى البيت لأجل النظر فقط، فمن جمع بين الصلاة والطواف والنظر جميعا حاز مائة
وعشرين رحمة كلها، والله تعالى أعلم.
باب عدم تكرار السعى بين الصفا والمروة لكل طواف
قوله: "عن جابر" إلخ، قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة، أن السعي بين الصفا والمروة لا
يتكرر مع كل طواف، وإنما يجب فى الحج والعمرة مرة واحدة، ومع هذا الاحتمال لا يستقيم
استدلال من استدل بالحديث على اكتفاء القارن بطواف واحد وسعى واحد؛ فإن أصحاب النبي
عَّ له كانوا بين مفردين وقارنين ومتمتعين كما لا يخفى، ولا بد للمتمتع من طوافين وسعيين اتفاقا،
فلا يصح تأويله بما أوله الجمهور أنهم اكتفوا بسعيهم بين الصفا والمروة بعد الحج عن السعى
للعمرة، بل معناه أنهم لم يطوفوا بين الصفا والمروة بعد كل طواف طافوه تطوعاً. قال فى "غنية
الناسك": ويطوف بالبيت ما بدأ له بلا زمل ولا اضطباع ولا سعى بعده لأن التنفل بالسعى غير
مشروع أهـ (٧٣). وفى "البدائع" مثله (٢ - ١٥٠).
وقال ابن قدامة فى "المغنى": وما زاد على هذه الأطوفة فهو نفل، ولا يشرع فى حقه (أى
الحاج) أكثر من سعى واحد بغير خلاف علمناه، قال جابر فذكر حديث المتن، وزاد: طوافه الأول.
رواه مسلم اهـ (٣ - ٤٦٩). قلت: وهذا كأنه حكاية الإجماع كما لا يخفى.

٩٧
ج - ١٠
باب خطبة الإمام فى أيام الحج
٢٦٨٠- عن العداء بن خالد بن هوذة، قال: رأيت رسول الله عَ لّه يخطب الناس
يوم عرفة علی بعیر قائم فى الر کابین. رواه أبو داود (٣-١٦٣). وسكت عنه.
باب خطبة الإمام فى أيام الحج
قوله: "عن العداء بن خالد" إلخ، قال الحافظ "الفتح": وفى هذه الأحاديث (أى أحاديث
ابن عمر وعبد الله بن عباس وأبى بكرة، وفيها قولهم: خطبنا النبى معَّ له يوم النحر) دلالة على
مشروعية الخطبة يوم النحر، وبه أخذ الشافعى ومن تبعه، وخالف ذلك المالكية والحنفية، قالوا:
خطب الحج ثلاثة: سابع ذى الحجة، ويوم عرفة، وثانى يوم النحر بمنى. ووافقهم الشافعى إلا أنه
قال بدل ثانى يوم النحر ثالثه؛ لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة وهى يوم النحر، قال: إن بالناس
حاجة إليها؛ ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمى، والذبح، والحلق، والطواف. وتعقبه الطحاوى
بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج، لأنه لم يذكر فيها شيئا من أمور الحج، وإنما ذكر
فيها وصايا عامة، ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئا من الذى يتعلق بيوم النحر، فعرفنا أنها لم
تقصد لأجل الحج.
وقال ابن القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبلغ ما ذكره لكثرة الجمع الذى اجتمع من أقاصى
الدنيا، فظن الذى رآه أنه خطب، قال: وأما ما ذكره الشافعى أن بالناس حاجة إلى تعليم أسباب
التحلل المذكورة فليس بمتعين؛ لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة اهـ. وأجيب بأنه نبه ميله
فى الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم شهر ذى الحجة، وعلى تعظيم البلد
الحرام، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة، فلا يلتفت لتأويل غيرهم، وقد پین الزهرى
-وهو عالم أهل زمانه- أن الخطبة ثانى يوم النحر فقلت من خطبة يوم النحر، وأن ذلك من عمل
الأمراء - يعنى من بنى أمية- قال ابن أبى شيبة: حدثنا وكيع، عن سفيان -هو الثورى- عن ابن
جريج، عن الزهرى، قال: كان النبى معَّه يخطب يوم النحر، فشغل الأمراء فأخروه إلى الغد.
وهذا وإن كان مرسلا لكنه يعتضد بما سبق. وأما قول الطحاوى: إنه لم ينقل أنه علمهم شيئاً من
أسباب التحلل. فلا ينفى وقوع ذلك أو شيئا منه فى نفس الأمر، بل قد ثبت فى حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص كما تقدم فى الباب قبله أنه شهد النبى معَّ له يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال
عن تقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوى هذا النفى المطلق مع روايته هو لحديث

٩٨
خطبة الإمام فى أيام الحج
إعلاء السنن
ملل یخطب
٢٦٨١- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: سمعت النبى عدّ
بعرفات. رواه البخارى. "فتح البارى" (٣-٤٥٨).
عبد الله بن عمرو؟ اهـ ملخصا (٣ - ٤٦١).
قلت: ولا يخفى أن قول الصحابى: خطب النبى معَّ يوم النحر، أو رأيناه يخطب يوم
النحر، لا يدل إلا على مطلق الخطبة، ولا كلام فيها؛ فإن للإمام أن يخطب متى شاء إذا رأى
حاجة، وإنما الكلام فى كون هذه الخطبة من خطب الحج وسننه، وثبوت ذلك متوقف على إثبات
أنه عّ لِّ ذكر فيها شيئا من المناسك، فالطحاوى رحمه الله ينكره، والحافظ يدعیه، ولكنه لم يأت
بيرهان على دعواه. وأما قوله: إنه مَّه نبه فى خطبته على تعظيم يوم النحر، وشهر ذى الحجة،
والبلد الحرام، فليس هذا من البرهان فى شىء؟ فإن تعظيم هذه الأشياء ليس له دخل فى أمور الحج
ومناسكه، ألا ترى أنه غير مقيد بأوقات الحج، بل يجب تعظيمها مطلقا. وأيضا فإن التنبيه على
تعظيم هذه الأشياء لم تكن مقصودة بذاتها، لكونه مركوزا فى قلوب المخاطبين عامة، بل كانت
مقدمة للتنبيه على تعظيم حرمة الأموال والأنفس والأعراض، كما لا يخفى على من تأمل فى
هذه الخطبة. وأما قوله: إن عدم النقل لا ينفى وقوع ذلك أو شىء منه فى نفس الأمر، ففيه أن
الاحتمال لا يكفى لإثبات السنية. ولا لإثبات كون هذه الخطبة من أعمال الحج وسنته، بل لا
بد له من دلیل ناهض.
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وذكر فيه السؤال عن تقدم بعض المناسك على
بعض، فلا دلالة فيه على أنه مَّةٍ ذكر المناسك بالقصد وأصالة، وإنما ورد فى كلامه شىء منها فى
جواب سائل سأله عنها، فلا يلزم نه كون هذه الخطبة من خطب الحج ومتعلقاته، وإنما هو سؤال
وجواب وتعليم وتعلم. وأيضا فقد ورد لحديث عبد الله بن عمرو هذا ألفاظ مختلفة، ففى لفظ
البخارى ومسلم: وقف فى حجة الوداع، فجعلوا يسألونه. وفى لفظ لمسلم: وقف رسول الله عَ ليه
على راحلته، فطفق ناس يسألونه. وفى رواية للترمذى: إن رجلا سأل النبى معَّه، فقال: حلقت
قبل أن أذبح، الحديث. وروى ابن ماجة والبيهقى عن جابر يقول: قعد رسول الله مَّ ◌ُله بمنى يوم
النحر للناس، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله! إنى حلقت قبل أن أذبح. الحديث. فهذه كلها
سؤالات وأجوبة، فلا يسمى هذا خطبة.
وأما قوله: وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة إلخ، ففيه إنا لا ننكر كونها

٩٩
خطبة الإمام فى أيام الحج
ج - ١٠
خطبة، بل نقول بكونها خطبة تبليغية، ولم تكن من خطب الحج وسننه، نعم! رواية جابر عند
النسائى -وهى ثالث أحاديث المتن- تشعر بكون خطبة يوم النحر من خطب الحج، ولكنها ضعيفة
منكرة، وابن خيثم راويها منكر الحديث، ومن مناكيره أنه روى بعث النبى مرّ له أبا بكر على الحج
بعد رجوعه من عمرة الجعرانة، وليس كذلك؛ فإن عمرة الجعرانة كانت فى ذى القعدة سنة ثمان،
وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد "سيرة ابن هشام" (١- ٣٠٧). وبعث رسول الله معد له.
أبا بكر أميرا على الحج فى ذى العقدة من سنة تسع (١ - ٣٤٠). قال الحافظ فى "التلخيص":
حديث أنه عَِّ بعث أبا بكر أميرا على الحج فى السنة التاسعة متفق عليه من حديث أبى هريرة
بمعناه اهـ. (١- ٢١٥) وذلك بعد غزوة تبوك، فإن نزول سورة البراءة كان بعدها قطعا، فلا تصلح
روایة جابر هذه للاحتجاج بها.
وأما قول الزهرى: كان النبى عرِّ يخطب يوم النحر، فشغل الأمراء فأخروه إلى الغد. ففيه
أنه لم يبين الأمراء الذين أخروه، وتفسير الحافظ بقوله: يعنى من بنى أمية. ليس بحجة ما لم يذكر
مستنده فى ذلك، فيحتمل أن يكون المراد بالأمراء الخلفاء الراشدون ومن تبعهم من صالحى خلفاء
المسلمين، وحينئد فلا يكون قول الزهرى: "إنهم أخروه إلى الغد لأجل الشغل" مسموعا، بل
يكون فعلهم دليلا على أن خطبة النبى معَّ لّه يوم النحر لم تكن من خطب الحج، بل كانت خطبة
تبليغية بسبب خاص دعاه إليها، وهو ما ذكره الحافظ فى "الفتح" من طريق ضعيفة عند البيهقى
من حديث ابن عمر، ولفظه: أنزلت: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فى وسط أيام التشريق، وعرف
أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء، فرحلت له، فر کب فوقف بالعقبة، واجتمع الناس إليه، فقال: یا
أيها الناس فذكر الحديث. وفى لفظ البخارى: إن ذلك كان يوم النحر، فطفق النبى معَّه يقول:
"اللهم اشهد" فودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع. (٣ - ٤٦٠).
وفيه دليل صريح على أن خطبة النبى معَّه يوم النحر لم تكن لتعليم المناسك، بل لأجل
التبليغ وإشهاد الناس على تبليغه وتوديعه إياهم، ولذلك لم يخطب الأمراء بعده معٍَّ يوم النحر؛
لعملهم بأن خطبته مّ لِّ فى هذا اليوم لم تكن من أمور الحج ومتعلقاته. وفى "عمدة القارى" : قال
ابن المنذر: قول مالك كقول عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه اهـ. (٤ - ٧٥٨). وقد علمت أن
مالكا لا يقول بخطبة يوم النحر، وإذا كان قوله فى ذلك كقول عمر بن عبد العزيز - وهو ممن عده

١٠٠
خطبة الإمام فى أيام الحج
إعلاء السنن
٢٦٨٢- عن جابر: أن النبى عَّ له حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على
الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كان بالعرج ثوب بالصبح، ثم استوى ليكبر، فسمع الرغوة
خلف ظهره، فوقف على التكبير، فقال: هذه رغوة ناقة رسول الله عَ لّم الجدعاء، لقد
بدا لرسول الله عَّ فى الحج، فلعله أن يكون رسول الله عَّ ◌َله فنصلى معه، فإذا على
عليها، فقال له أبو بكر: أمير أم رسول؟ قال: لا، بل رسول، أرسلنى رسول الله عَ ليه
يبرأة أقرأها على الناس فى مواقف الحج، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم
قام أبو بكر رضى الله عنه، فخطب الناس، فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام
على رضى الله عنه، فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم خرجنا معه حتى إذا كان يوم
عرفة قام أبو بكر، فخطب الناس، فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام على فقرأ
على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر فأفضنا، فلما رجع أبو بكر خطب
الناس فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام على فقرأ على
الناس براءة حتى ختمها، فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر، فخطب الناس، فحدثهم
كيف ينفرون، وكيف يرمون فعلمهم، فلما فرغ قام على، فقرأ براءة على الناس. رواه
النسائى (٢-٤٦) وأعله بابن خيثم وقال: ليس بالقوى فى الحديث.
العلماء من الخلفاء الراشدين- فلا يلتفت إلى قول الزهرى: " إن الأمراء أخروا خطبة يوم النحر إلى
الغد لأجل الشغل، فإن عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه أتبع الناس للسنة، وألزمهم بها، ولم يكن
يترك سنة النبى عّ لّه لأجل الشغل، بل إنما قال بخطبة الحادى عشر دون يوم النحر؛ لعلمه بأن ذلك
هو السنة، وأن خطبة النبى معَّ له يوم النحر كان بسبب خاض، ولم تكن من خطب الحج.
وقد قال زفر منا بخطبة يوم النحر؛ فإن خطب الحج عنده فى ثالثة أيام متوالية، أولها يوم
التروية. "هداية". وعندنا وعند المالكية خطب الحج ثلاث، يفصل بين كل خطبتين بيوم؛ لأن
المقصود منها التعليم، ويوم التروية ويوم النحر يوما اشتغال على ما لا يخفى، فيكون ذاعية تركهم
الحضور، فيفوت القصود من شرع الخطب، كذا "فتح القدير" (٢ - ٣٦٨). وقال ابن قدامة فى
· "المغنى": وذكر بعض أصحابنا أنه لا يخطب يومئذ، أى يوم النحر، وهو مذهب مالك؛ لأنها
تسن فى اليوم الذى قبله، فلم تس فيه اهـ. (٣- ٤٧١).
قوله: عن جابر وقوله: عن ابن عمر إلخ، دلالتهما على خطبة السابع من ذى الحجة ظاهرة،