النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ جواز تظلل المحرم من الحر أو غيره ج - ١٠ فسار حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها. الحديث رواه مسلم، والورس وماء الورد؛ لأنه استعمال للطيب وكذلك التبخر بالعود؛ لأنه طيب. قلت: وأما عندنا فيكره مس الطيب إن لم يلتزق شىء من جرمه إلى بدنه، بخلاف ما إذا التزق فيحرم، ويكره شمسه أن قصده، وشم الريحان، والثمار الطيبة، وكل نبات له رائحة طيبة، وكذا مسه والجلوس فى دكان عطار وكذا معه لاشتمام الرائحة، ولا شىء عليه ما لم يلتزق الطيب ببدنه، ولا يجوز أجل طعام غير مطبوخ فيه طيب غالب عليه، وشرب مشروب فيه طيب غالب علیه أو مغلوب، وشد طیب تفوح ریحه فى طرف ثوبه، بخلاف شد عود أو صندل مثلا، أى فإنه لا تفوح ريحه إلا بالإحراق أو السحق، والتفصيل فى "الغنية" (٤٦ و٤٧). قال ابن قدامة: ومتى جعل شىء من الطيب فى مأكول أو مشروب كالمسك والزعفران فلم تذهب رائحته لم يبح للمحرم تناوله، نيا كان أو قد مسته النار، وبهذا قال الشافعى، وكان مالك وأصحاب الرأى لا يرون بما مست النار من الطعام بأسا وإن بقيت رائحته وطعمه ولونه؛ لأنه بالطبخ استحال عن كونه طيبا. وروى عن ابن عمر، وعطاء، مجاهد، وسعيد بن جبير أنهم لم يكونوا يرون بأكل الخشكنانج الأصفر بأسا (وهو الأرز المزعفر يطبخ بالسكر ويلون بالزعفران كما هو الظاهر) وكرهه القاسم بن محمد، فما ذهبت رائحته وطعمه ولم يبق فيه إلا اللون مما مسته النار لا بأس بأكله، لا نعلم فيه خلافا إلا ما روى عن القاسم وجعفر بن محمد أنهما كرها الخشكنانج الأصفر، ويمكن حمله على ما بقيت رائحته ليزول الخلاف. وله شم العود، والفواكه، والشيخ، واخزامى، و کذلك الفواکه کلھا کلأترج، والتفاح، والسفرجل وغيرها، وكذلك نبات الصحراء الذى تستطاب رائحته، ولا ينبته الآدميون للطيب، وما يشمه الآدميون بغير قصد الطيب، كالحناء، والعصفر، فمباح شمه، ولا فدية علیه فى شىء من ذلك، لا نعلم فيه خلافا إلا ما روى عن ابن عمر، كان يكره للمحرم أن يشم شيئا من نبت الأرض، من الشيخ والقيصوم وغيرهما (قلت: وإلى الكراهة ذهب أصحابنا أيضا) ولا نعلم أحدا أوجب فى ذلك شيئا. وفى شم الريحان: والنرجس، والورد، والبنفسج، والبرم، ونحوها مما ينبته الآدميون للطيب ففيه عن أحمد روايتان: إحداهما: يباح بغير فدية، وهو قول عثمان. وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وإسحاق. والثانية: يحرم شمه، فإن فعل فعليه الفدية، وهو قول جابر، وابن عمر، ٦٢ جواز تظلل المحرم من الحر أو غيره إعلاء السنن وأبو داود، والنسائى. "جمع الفوائد" (١٧٨،١٧٧:١). والشافعى، وأبى ثور، لأنه يتخذ للطيب أشبه ماء الورد، وكرهه مالك، وأصحاب الرأى، ولم يوجبوا فيه شيئا، وكلام أحمد محتمل لهذا؛ فإنه قال فى الريحان: ليس من آلة المحرم، ولم يذكر فيه فدية. (قلت: علق البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما: يشم المحرم الريحان، وينظر فى المرأة، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن. قال الحافظ: وصله سعيد بن منصور عن عكرمة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسا للمحرم بشم الريحان. وروينا فى "المعجم الأوسط" مثله عن عثمان، وأخرج ابن أبى شيبة عن جابر خلافه، واختلف فى الريحان، فقال إسحاق: يباح، وتوقف أحمد، وقال الشافعى: يحرم، وكرهه مالك والحنفية اهـ (٣١٤:٣) قلت: وقولنا أوسط الأقوال، وخير الأمور أوسطها. وفى قول ابن عباس ما يؤيدنا فإن لفظ لا بأس به يشعر بكراهته). قال ابن قدامة: فأما الادّهان بدهن لا طيب فيه كالزيت، والشيرج، ودهن البان الساذج، فقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يدهن بدنه بالشحم، والزيت، والسمن، ونقل جواز ذلك عن ابن عباس، وأبى ذر، والأسود بن يزيد، وعطاء، والضحاك، ونقل أبو داود عن أحمد أنه قال: الزيت الذى يؤكل لا يدهن المحرم به رأسه، وهو قول عطاء، ومالك، والشافعى، وأبى ثور، وأصحاب الرأى؛ لأنه يزيل الشعث، ويسكن الشعر. فأما دهن سائر البدن فلا نعلم عن أحمد فيه منعا، وقد أجمع أهل العلم على إباحته فى البدن، وإنما الكراهة فى الرأس خاصة. قلت: وأما ما رواه أحمد، وابن ماجة، والترمذى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر: أن النبى معَّ ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم. فقال فيه الترمذى: حديث غريب لا نعرفه إلا من حدیث فرقد السّخی، عن سعيد بن جبير، وقد تكلم یحیی بن سعید فی فرقد، وقد روى عنه الناس. كذا فى "النيل" (٢٢٧:٤) وإن سلمنا أنه حسن الإسناد فنقول: ادهن به بدنه لا رأسه، وهو يجوز عندنا كما حكاه ابن قدامة من إجماع أهل العلم أو نقول: لم يستعمله فى البدن على وجه الادهان به، بل على سبيل التداوى إن سلمنا أن استعماله على وجه الادهان لا يجوز فى البدن أيضا كما ذكره فى "الغنية" (٤٦). هذا، وقد علق البخارى عن عائشة: ليست الثياب المعصفرة وهى محرمة. قال الحافظ: وصله سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد؛ قال: كانت عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهى محرمة. إسناده صحيح، قلت: محمول على العصفر الخفيف الذى يظهر لونه، ولا يظهر فى الثوب طيبه، بدليل ما أخرجه البيهقى من طريق ابن أبي مليكة أن عائشة ٦٣ ج - ١٠ باب يستحب أن يبدأ بالمسجد عند دخول مكة ثم يستلم الحجر ما لم يؤذ أحدا وإلا فيستقبله ويكبر الله ويهلله ويصلى على النبى عزبة عند استلامه ثم يطوف بالبيت ٢٦٢٧- عن عائشة رضى الله تعالى عنها: أن النبى معَّ له أول شئ بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت. متفق عليه. "دراية" (١٨٨). ٢٦٢٨- عن جابر أن النبى عّ لّ لما قدم مكة دخل المسجد، فاستلم الحجر ثم مضى. رواه مسلم. "دراية" (١٨٨). ٢٦٢٩- عن عطاء: لما دخل رسول الله عَّ مكة لم يلو على شئ ولم يعرج، ولا بلغنا أنه دخل بيتًا حتى دخل المسجد، فبدأ بالبيت فطاف به. رواه الأزرقى فى "تاريخ مكة"، "درابة". وسكت الحافظ عنه. كانت تلبس الثياب (١) الموردة بالعصفر الخفيف. ذكره الحافظ فى "الفتح" أيضا (٣٢٢:٣). ٦- قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم فى تحريم قتل صيد البر وإصطياده على المحرم، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾. وقوله تعالى: ﴿حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرا﴾ (قلت: وسيأتى تفصيل ذلك فى أبواب جزاء الصيد فانتظر). ٧- قال ابن قدامة: السابع لا يصح منه عقد النكاح، وفى الرجفة روايتان، ولا فدية عليه. فى شىء منهما اهـ قلت: ولو كان من محظورات الإحرام لوجبت الفدية بارتكابه کسائر المحظورات، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة، وسيأتى بسط الكلام فيها فى أبواب النكاح إن شاء الله تعالی. ٨- قال الشيخ: الثامن الجماع فى الفرج قبلا كان أو دبرا، وسيأتى فى أبواب الجنايات. ٩- التاسع: المباشرة فى ما دون الفرج، وسيأتى فى أبواب الجنايات أيضا، والله تعالى أعلم. باب يستحب أن يبدأ بالمسجد عند دخول مكة. ثم يستلم الحجر ما لم يؤذ أحدا وإلا فيستقبله ويكبر الله ويهلله ويصلى على النبى عد له عند استلامه ثم يطوف بالبيت قوله: عن عائشة إلى قوله عن عطاء إلخ، دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. (١) فقوله: "الموردة بالعصفر الخفيف" صريح فيما قلنا من كون الثياب ملونة غير مطيبة؛ فإن العصفر الخفيف لا يفيد شيئا سوى اللون، ولا يظهر أثر طيبه فى الثوب ما لم يكن أحمر ناصعا .. ٦٤ بیان ما يُستحب عند دخول مكة إعلاء السنن ٢٦٣٠- عن سعيد بن المسيب، عن عمر رضى الله عنهما: أن النبى عّ لّه قال له: (يا عمر! إنك رجل قوى، لا تزاحم على الحجر فتؤذى الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر وهلل)). رواه أحمد والبيهقى، "دراية" (١٨٩)، وسكت الحافظ عنه. وأخرجه الشافعى، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلى، كلهم عن سفيان، عن أبی یعفور العبدی -واسمه وقدان- قال: سمعت شيخنا بمكة يحدث عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فذكره. قال الدارقطنى فى "العلل": قال ابن عيينة: ذكروا أن هذا الشيخ هو عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث، كذا فى "نصب الراية" (١: ٤٨٦). قلت: وعبد الرحمن بن نافع ذكره ابن شاهين فى الصحابة، وعزاه لابن سعد، ولم يبين مستنده، وأبوه صحابى شهير. كذا فى "تهذيب التهذيب" (٦-٢٨٨) فالسند صحيح، ولا أقل من أن يكون حسنا، فإن رجاله ثقات كلهم، وقد تابع عبد الرحمن سعيد بن المسيب، فذکر عن عمر نحوه. قوله: "عن سعيد بن المسيب" إلخ، دلالته على بقية أجزاء الباب ظاهرة. تنبيه: روى الطبرانى، والدارمى، وأبو يعلى، وابن خزيمة، وابن السكن فى صحاحهما، والحاكم، وابن ماجة، وسعيد بن منصور، عن ابن عباس، قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وسجد عليه، ثم قال عمر: رأيت رسول الله عَّه يفعله. كذا فى "كنز العمال" (٣٤:٣) والمراد منه -والله أعلم- أنه وضع عليه جبهته، ومس به جبينه، لا أنه سجد بين يديه على الأرض كما فهمه بعض الناس، ثم قال: وجواز هذه السجدة مقيد بما إذا لم يخش فساد العامة وافتتانهم بها، وكل ذلك من سوء فهمه وسخافة رأيه، فإن السجدة الشرعية بمعنى وضع الرأس على الأرض غير مرادة هنا، بدلالة قوله: "سجد عليه"، والسجدة على الحجر لا يمكن إلا بأن يضع المستلم وجهه أو جبينه على الحجر عند الاستلام، ولما كان فى ذلك بعض الانحناء أطلق عليه لفظ السجدة، وأما السجدة بين يدى الحجر على الأرض فلا دلالة للفظ الأثر عليها، ولو كانت مرادة لقال: وسجد له أو بين يديه. ولم يذكرها أحد من المجتهدين، ولم يتعرض لجوازها واستحبابها فقيه من الفقهاء، والظاهر أنها لا تجوز أصلا. وفى "المناسك" للقارى: ويستحب أن يسجد عليه أى يضع وجهه أو جبينه عليه على هيئة السجود اهـ (٦١) فقد صرح بأن المراد بالسجدة وضع الوجه أو الجبين على الحجر دون الأرض، وإطلاق السجدة عليه مجاز، فإنه ليس فيه وضع الوجه على الأرض، وهو ٦٥ ج - ١٠ باب ما يقول إذا استلم الحجر ٢٦٣١- عن ابن عمر: أنه كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله أكبر. رواه البيهقى والطبرانى فى الأوسط والدعاء وسنده صحيح. التلخيص الحبير (٢١٣:١). ٢٦٣٢- وعنه: أنه كان إذا أراد أن يستلم يقول: اللهم إيمانا بك، وتصديقا بکتابك، واتباعا لسنة نبيك، ثم يصلى على النبى عێے، ثم يستلمه. رواه الواقدی فی المغازى مرفوعًا. ٢٦٣٣ - ورواه البيهقى والطبرانى فى "الأوسط والدعاء" عن الحارث الأعور، عن على: أنه كان إذا مر بالحجر الأسود فرأى عليه زحاما استقبله وكبر، ثم قال: اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنة نبيك، "التلخيص" (١-٢١٣) سكت الحافظ عنهما، فالإسناد حسن. حقيقة السجود. ثم قال القارى: لكن قال قوام الدين الكاكى: الأولى أن لا يسجد عندنا لعدم الرواية فى المشاهير اهـ. والآثار التى وردت فيها لعلها غريبة، والله أعلم. تتمة: أول ما يبدأ به داخل هذا المسجد للطواف لا الصلاة؛ لأنه مَ ◌ّ لما قدم مكة بدأ بالمسجد، وحياه بالطواف دون الصلاة، فإن كان الداخل حلالا فطواف تحية، وإن كان محرما بالحج فطواف القدوم، وهو أيضا تحية إلا أنه خص بهذه الإضافة، وإن كان محرما بالعمرة فطوافها. وقولهم: تحية هذا المسجد الطواف أى لمن أراد الطواف، بخلاف من لم يرده، فلا يجلس حتى يصلى ركعتين إذا لم يكن وقت كراهة كبقية المساجد، وليس معناه أن من لم يطف لا يصلى تحية المسجد كما فهمه بعض العوام، كذا فى "غنية الناسك" (٥٧). باب ما يقول إذا استلم الحجر قوله: "عن ابن عمر إلى آخر الآثار": قلت: دلالتها على الباب ظاهرة. وقد ذكر فى "كنز العمال" عن عيسى بن طلحة، عن رجل رأى النبى معَّه وقف عند الحجر، فقال: إنى لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ثم قبله. ثم حج أبو بكر فوقف عند الحجر، ثم قال: إنى لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله عّ لّه يقبلك ما قبلتك اهـ وعزاه إلى ابن أبى شيبة والدارقطنى فى "العلل". ٦٦ إعلاء السنن ٢٦٣٤- عن ابن أبى نجيح، قال: أخبرت أن بعض أصحاب النبى عّ لّه قال: يا رسول الله! كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: ((قولوا بسم الله والله أكبر، إيمانا بالله وتصديقا لما جاء به محمد)). قلت: وهو فى "الأم" عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، التلخيص الحبير (٢١٣:١). وسعيد فيه مقال وهو منقطع أيضا. باب رفع اليدين عند استلام الحجر ٢٦٣٥- عن إبراهيم النخعى، قال: ترفع الأيدى فى سبع مواطن: فى افتتاح وعن عبد الله بن سرجس، قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر الأسود وقال: إنى لأقبلك واعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، وأن الله ربى، ولولا أنى رأيت رسول الله عَ لّه يقبلك ما قبلتك، وعزاه إلى مسلم، والنسائى، وأبى عوانة وغيرهم (٣٤:٣ و٣٥)، فليكن ذلك مستحبا أن يقول أمير الإسلام، ومن هو بمنزلته من الأكابر والعلماء عند استلام الحجر: إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، وأن الله ربى لا إله إلا هو، ولولا بلغنا عن رسول الله عّ لّ أنه قبلك ما قبلتك. لا سيما عند فساد الزمان واختلال عقائد العامة بهذا التقبيل، واعتراض الفلاسفة والدهرية به على الإسلام وأهله، فلو واظبنا عند التقبيل على القول بمثل ما قاله النبى معَّةٍ وصاحباه، وأبحنا بحقيقة هذا العمل وأظهرنا سره، لكان أولى وأقرب إلى اتباع السنة، فقد ورد فى بعض الروايات عند ابن راهويه والأزرقى عن طاوس، عن عمر وعن عكرمة، عنه: أنه كان إذا بلغ موضع الركن قال: أشهد أنك حجر لا تضر ولا تنفع، وأن ربى الله الذى لا إله إلا هو، ولولا أني رأيت رسول الله عَ ليه يمسحك ويقبلك ما قبلتك ولا مسحتك وعن سعيد بن المسيب نحوه كذا فى كنز العمال(٣: ٣٥) ولم أقف على صحة هذه الأسانيد ولا حسنها، غير ما روى عن عمر عند مسلم والنسائى وأبى عوانة، فسنده صحيح، ولكن لا بأس بذكرها اعتضادا وتأييدا فافهم، والله تعالى أعلم. وأما ما أخرجه الحاكم عن على كرم الله تعالى وجهه، أنه قال لعمر رضى الله عنه: بلى يا أمير المؤمنين! إنه يضر وينفع. فذكر حديثا طويلا، فلم يصححه الحاكم، بل ضعفه الذهبى، وقال: فيه أبو هارون العبدى ساقط اهـ. (٤٥٧:١) قلت: بل هو كذاب خبيث، كما يظهر من ترجمته فى "تهذيب التهذيب" (٤١٣:٧). باب رفع الیدین عند استلام الحجر قوله: "عن إبراهيم النخعى" إلخ، قلت: ومثله لا يقال من قبل الرأى، فيحمل على السماع ٦٧ رفع اليدين عند استلام الحجر ج - ١٠ الصلاة، وفى التكبير للقنوت فى الوتر، وفى العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبجمع وعرفات، وعند المقامين عند الجمرتين. رواه الطحاوى وإسناده صحيح. "آثار السنن" (١-١٨). من أصحاب عبد الله وغيرهم من أجلة التابعين، والله تعالى أعلم. فائدة: ورد فى بعض الروايات رفع اليدين عند رؤية البيت أيضا، منه ما رواه الشافعى رحمه الله فى "مسنده" عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: حدثت عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبى عَ ◌ّهِ، قال: ((ترفع الأيدى فى الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا، والمروة)). الحديث وعن سعيد ابن سالم، عن ابن جريج: أن رسول الله مَّ ◌ُّه كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: ((اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا)) (٧٤) وفيها سعيد بن سالم القداح، وفيه مقال. والأثر الثانى معضل فيما بين ابن صلى الله جريج والنبى معَ ◌ّةٍ. قال الشافعى بعد أن أورده: ليس فى رفع اليدين عند رؤية البيت شىء، فلا أکرهه ولا أستحبه. كذا فى "النيل" (٢٥٨:٤). قلت: وقد روى أبو داود، والنسائى، والترمذى، عن جابر وسئل عن الرجل يرى البيت يرفع يديه؟ فقال: قد حججنا مع رسول الله عَّ فلم يكن يفعله ورواه الطحاوى وزاد: فقال: ذاك شيء يفعله اليهود. رجال إسناده ثقات غير ما فى المهاجرين عكرمة من المقال، ولكن ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الحافظ فى "التقريب": مقبول (٢١٥). ويعارضه ما رواه الطحاوى عن الفضل بن موسى: ثنا ابن أبى ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، وعن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبى معَّ له، قال: ((ترفع الأيدى فى سبع مواطن: فى افتتاح الصلاة، وعند البيت، وعلى الصفا، والمروة، وبعرفات، وبالمزدلفة، وعند الجمرتين)) (٣٩٠:١) رجاله ثقات غير ما فى ابن أبى ليلى من المقال، ولكنه حسن الحديث كما مر غير مرة. والجواب أن قوله: "عند البيت" يحتمل أن يكون معناه عند رؤية البيت، أو يقربه عند استلام الحجر، وأثر إبراهيم النخعى المذكور فى المتن يؤيد الاحتمال الثانى، ولم نقف على ما يؤيد الأول إلا ما فى مسند الشافعى بلفظ "وإذا رأى البيت" وفيه سعيد بن سالم القداح، ولم يصرح ابن جريج بسماعه عن مقسم، بل قال: حدثت عنه، فالثانى هو المتعين؛ لأن إسناد حديث جابر أحسن ٦٨ إعلاء السنن باب لا یستلم من الأر کان غیر الحجر والرکن الیمانی وإذا لم يقدر على الاستلام يمسحهما بشئ ثم يقبله ٢٦٣٦- عن ابن عمر، قال: لم أر النبى عّ لّه يمس من الأركان إلا اليمانيين. رواه الجماعة إلا الترمذى، وله معناه من رواية ابن عباس. "نيل" (٢٦٤:٤). ٢٦٣٧- عن نافع، قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده، ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله عَّ له يفعله. متفق عليه. "نيل" (٢٦٣:٤). ٢٦٣٨- عن أبى الطفيل عامر بن واثلة قال: رأيت رسول الله عَّ له يطوف بالبيت، ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن. رواه مسلم. "نيل" (٢٦٣:٤). من هذا الإسناد، قاله الطحاوى (٣٩١). وقال أيضا: يحتمل أن يكون ما رواه ابن عباس حين كان النبى معَ ◌ّ يوافق اليهود فيما لم يوح إليه فيه شىء تأليفا لهم، ثم أمر بمخالفتهم، وحديث جابر محمول على المتأخر، فلا يستحب الرفع عند رؤية البيت، والنظر يقتضيه، فقد اتفق العلماء على أن غير المحرم لا يستحب له الرفع فكذا المحرم، وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى وفى "غنية الناسك": واستحب رفع اليدين عند رؤية البيت المحققون من أهل المذهب، منهم الكرمانى، والبصروى، وابن الهمام، وعلى القارى، وهو مذهب الشافعى وأحمد، وأما خبرالترمذى وحسنه عن جابر بنفيه فالجواب أن المثبت مقدم على النافى، قاله القارى فى "المرقاة" وتمامه فيه اهـ (٥١). هذا، وأما الدعاء عند رؤية البيت فقد رويت فيه أخبار وآثار، منها ما ذكرنا، ومنها ما أخرجه ابن المفلس، عن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه: أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام. وأخرجه الحاكم فذكره عن عمر، كذا فى "التلخيص الحبير" (٢١١:١) وسكت عنه، فهو صحيح عنده أو حسن، والله تعالى أعلم. باب لا يستلم من الأركان غير الحجر والركن اليمانى وإذا لم يقدر على الاستلام يمسحهما بشىء ثم يقبله قوله: "عن ابن عمر" إلخ: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. قوله: "عن نافع إلى آخر الباب"، دلالتها على بقية الأجزاء ظاهرة. قال فى "النيل": والاستلام المسح باليد والتقبيل لها، والتقبيل يكون بالفم فقط (٢٦٣:٤). وأخرج الشافعى رحمه ٦٩ ج - ١٠ ٢٦٣٩- عن ابن عباس، قال: طاف النبى عَّ فى حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن. متفق عليه، وفى لفظ: طاف رسول الله عَّ له على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشئ فى يده وكبر. رواه أحمد والبخارى. "نيل" (٤-٢٦٣). باب طواف القدوم والرمل والاضطباع فيه وكيفيتهما ٢٦٤٠- عن جابر: أن رسول الله لما قدم مكة بدأ بالحجر فاستلمه، ثم أخذ عن الله فى "مسنده" عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: هل رأيت أحدا من أصحاب رسول الله عَّ إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ فقال: نعم، رأيت جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبا سعيد الخدرى، وأبا هريرة رضى الله عنهم، إذا استلموا قبلوا أيديهم. قلت: وابن عباس؟ قال: نعم، وحسبت كثيرا، قلت: هل تدع أنت إذا استلمت أن تقبل يدك؟ قال: فلم أستلمه إذا اهـ (٧٤) وفيه سالم القداح وفيه مقال، ودل الأثر على أن الاستلام لا يتم إلا بالتقبيل، فإما أن يقبل الحجر، أو يقبل ما استلمه به. هذا، وإذا طافت المرأة مع الرجال فلتطف مجانبة على طرف منهم، ولا تدافعهم على الاستلام، فقد أخرج الشافعى رحمه الله فى "مسنده" عن سالم، عن عمر بن سعيد بن أبى حسين، عن منبوذ بن أبى سليمان، عن أمه: أنها كانت عند عائشة زوج النبى مُ ◌ّه أم المؤمنين، فدخلت عليها مولاتها، فقالت لها: يا أم المؤمنين، طفت بالبيت سبعا، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا، فقالت لها عائشة: لا آجرك الله، لا أجرك الله، تدافعين الرجال أ لا كبرت ومررت اهـ. (٧٥) رجاله كلهم ثقات غير ما فى سالم من المقال، والله تعالى أعلم. تنبيه: وليجتنب عند استلام الحجر عن استعمال ما هناك من طرق فضة ركبوها حول الحجر الأسود، وإذا كان الحجر ملطخا بالطيب لا يستلمه المحرم بيده، ولا يقبله بفمه، بل وقف بحذائه مستقبلا له، وفعل ما ذكرنا من الأذكار، ورفع الیدین حذاء أذنيه عند التکبیر، ثم أرسلهما، ثم رفع يديه حذاء أذنيه، وجعل ظاهر كفيه إلى وجهه، وباطنهما نحو الحجر مشيرا بهما إليه، وقبلهما بعد الإشارة، وهذا الرفع الثانى للإشارة لا للتكبير، كذا فى "الغنية" (٥٤). باب طواف القدوم والرمل والاضطباع فيه و كيفيتهما قوله: "عن جابر" إلخ: واعلم أنه قد اختلف فى وجوب القدوم، فذهب مالك، وأبو ثور، ٧٠ بيان طواف القدوم والرمل والاضطباع إعلاء السنن يمينه فرمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا. أخرجه مسلم. "زيلعى" (١-٤٨٨). وهو فى حديث طويل له فى حجة الوداع. ٢٦٤١- عن ابن عمر: أن النبى معَّ ◌ُّه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا، ومشى أربعا، وفى رواية: إذا طاف فى الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشى أربعة متفق عليهما نيل (١٥٩:٤). وبعض أصحاب الشافعى إلى أنه فرض؛ لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ ولفعله عَّه، وقوله: ((خذوا عنى مناسككم)). وقال إمامنا أبو حنيفة: إنه سنة. وقال الشافعى: هو كتحية المسجد. قالا: لأنه ليس فيه إلا فعله معرّ ◌ُّه، وهو لا يدل على الوجوب، وأما الاستدلال بالآية فقال شارح "البحر": إنها لا تدل على طواف القدوم؛ لأنها فى طواف الزيارة إجماعا ذكره فى "النيل" (١٥٩:٤) وقد قام الدليل على كونه سنة غير واجب، وهو سقوطه عن المرأة إذا حاضت عند قدوم مكة، وعن الرجال أيضا إذا ضاق الوقت وخافوا فوات وقوف عرفة إن اشتغلوا بطواف القدوم، ولو كان واجبا لم يسقط، ولزم الكفارة بقوته، ولم يقل به أحد فيما علمنا. ودل حديث جابر على كون الرمل سنة باقية وإن كان السبب الذى شرع لأجله قد زال؛ فإن جابرا روى عن رسول الله عَّه: أنه رمل فى حجة الوداع، ولم يكن بمكة كافر إذ ذاك. وإنما شرع فى عمرة القضاء ليرى المشركون قوة أهل الإسلام، كما روى ابن عباس عند البخارى وغيره، قال: قدم رسول الله مَّه وأصحابه (زاد ابن ماجة: فى عمرته بعد الحديبية) فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم النبى مرِّ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين (وفى لفظ لمسلم: فقال المشركون: أ هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا. وفى لفظ لأبى داود: تقول قريش: كأنهم الغزلان. كذا فى "عمدة القارى" (٦١٥:٤). وروى أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، عن عمر رضى الله عنه قال: فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب؟ قد أطأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله عَّه وحاصله أن عمر كان قد هم بترك الرمل فى الطواف؛ لأنه عرف سببه وقد انقضى، فهم أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن يكون له حكمة ما اطلع عليها، فرأى أن الاتباع أولى. ويؤيد مشروعية الرمل على الإطلاق ما ثبت فى حديث ابن عباس: ٧١ ج - ١٠ ٢٦٤٢- عن ابن عباس: أن رسول الله عَّ ◌ُله وأصحابه اعتمروا من جعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى. رواه أحمد، وأبو داود، وسكت عنه هو والمنذرى، والحافظ فى "التلخيص"، ورجاله رجال الصحيح، وقد صحح حديث الاضطباع النووى فى "شرح مسلم، نيل" (٤: ٢٦٠). باب الطواف من وراء الحطيم ٢٦٤٣- عن عائشة رضى الله تعالى عنها، قالت: سألت النبى عَّ له عن الحجر أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه فى البيت؟ قال: ((إن قومك قصرت بهم النفقة، ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أُدخل الحجر فى البيت)). الحديث متفق عليه، واللفظ لمسلم "نيل الأوطار " (٤-٢٦٦). أنهم رملوا فى حجة الوداع مع رسول الله عَّ له، وقد نفى الله الكفر وأهله عن مكة فى ذلك الوقت. كذا فى النيل (٤: ٢٦١) هذا، وقد روى مالك: ثنا جعفر بن محمد، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله عَّ رمل من الحجر إلى الحجر. وقد روى نحوه مسلم، والنسائى، وقد جاء فى حديث ابن عباس: أنه مَِّ أمرهم أن يرملوا فى الأشواط الثلاثة، ويمشوا ما بين الركنين. كما مر آنفا وجمع بأن ما فى حديث ابن عباس كان فى عمرة القضاء، وما فى حديث جابر كان فى حجة الوداع فهو آخر الأمرين من رسول الله مَّ فلزم الأخذ به. كذا فى التعليق الممجد (٢١٣). قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قلت: دلالته على كيفية الاضطباع ظاهرة وأما الرمل ففى(١) "كتاب المسالك" لابن العربى: هو أن يحرك الماشى منكبيه لشدة الحركة فى مشيه. كذا فى "عمدة القارى" (٦١٥:٤). باب الطواف من وراء الحطيم قوله: "عن عائشة رضى الله عنها" إلخ، فيه دلالة على كون الحطيم جزء من البيت؛ فلا يجوز الطواف إلا من ورائه. ومن طاف من داخل الفرجة لا يصح طوافه؛ لكونه لم يطف جزء من البيت. قال الحافظ فى "الفتح". قال المحب الطبرى: والأصح أن القدر فى الحجر من البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التى جاء فيها أن الحجر من البيت مطلقة، فيحمل المطلق على المقيد، (١) كذا الأصل، ولعل الصحيح كتاب المناسك. ٧٢ إعلاء السنن ٢٦٤٤- عن ابن عباس، قال: الحجر من البيت؛ لأن رسول الله عَّ له طاف بالبيت من ورائه، قال الله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. أخرجه الحاكم فى "المستدرك"، قال: حديث صحيح الإسناد. "زيلعى" (١-٤٨٨). باب استلام الحجر الأسود والركن اليمانى فى كل شوط وإن لم يقدر عليه يشير إليه بشئ ويقبله ٢٦٤٥- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: طاف النبى عَّ ◌ُله بالبيت على والشافعى نص على إيجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه، ونقل غيره أنه لا يعرف فى الأحاديث المرفوعة ولا عن أحد من الصحابة ومن بعدهم أنه طاف من داخل الحجر، وكان عملا مستمرا، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت، وهذا متعقب؛ فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن یکون کله من البيت؛ لاحتمال أن یکون ذلك الإیجاب احتياطا، وللراحة من تسور الحجر، لا سيما والرجل والنساء يطوفون جميعا، فلا يؤمن المرأة التكشف، فلعلهم أرادوا حسم هذه المادة، ولم یزل الحجر موجودا فى عهد النبی مٹے، کما صرح به كثير من الأحاديث الصحيحة، نعم! فى الحكم بفساد طواف من دخل الحجر وخلى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظر اهـ، ملخصا (٣٥٧:٣) قلت: وجواب النظر أن كون الحجر من البيت بقدر سبعة أذرع لم يثبت إلا ببعض الأخبار. وبعضها مطلق عن ذكر المقدار، فالواجب الطواف من وراء الحطيم كما فعله رسول الله مرّ ◌ُلله ومن بعده. قوله: "عن ابن عباس" إلخ، دلالته على وجوب الطواف وراء الحطيم ظاهرة لمن له مسكة فى الفقه، والله تعالى أعلم. باب استلام الحجر الأسود والركن اليمانى فى كل شوط وإن لم يقدر عليه يشير إليه بشىء ويقبله قوله: "عن ابن عباس" إلخ، المراد بالشىء المحجن الذى تقدم ذكره عند البخارى فى "صحيحه" فى باب استلام الحجر بالمحجن، ولفظه: عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: طاف النبی مګّ فی حجة الوداع على بعیر یستلم الر كن بمحجن اهـ "فتح البارى" (٣٧٨:٣) زاد مسلم من حديث أبى الطفيل: ويقبل المحجن. وله من حديث ابن عمر: أنه استلم الحجر بيده ثم قبله. ٧٣ ج - ١٠ بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشئ كان عنده وكبر. أخرجه الإمام البخارى. "فتح البارى" (٣-٣٨١). ٢٦٤٦- عن ابن عمر رضى الله عنهما، أن نبى الله عَ ليه كان إذا طاف بالبيت مسح، أو قال: استلم الحجر والركن فى كل طواف. أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (١-٤٥٦) وقال: حديث صحيح الإسناد. وأقره عليه الذهبى. باب جواز الطواف را کبا لعذر و کراهته بدونه ٢٦٤٧- عن ابن عباس: قدم النبى معَّ مكة وهو يشتكى، فطاف على راحلته. أخرجه أبو داود، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣-٣٩٢) وسكت عنه، فهو صحيح أو حسن. ٢٦٤٨- عن أم سلمة رضى الله عنها، قالت: شكوت إلى رسول الله عَ له أنى ورفع ذلك منصور من طريق عطاء قال: رأيت أبا سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر، وجابرا، إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم، قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس، أحسبه قال: كثير. وبهذا قال الجمهور: إن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشىء فی يده وقبل ذلك الشىء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك. وعن مالك فى رواية: لا يقبل يده. و کذا قال القاسم، وفى رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غیر تقبيل اهـ من "فتح البارى" (٣٧٩:٣). قلت: وكان طوافه عّ لّه راكبا لضرورة، فيكره بدونها كما سيأتى فى الباب الآتى. باب جواز الطواف راكبا لعذر و كراهته بدونه قوله: "عن ابن عباس" إلخ: قلت: دلالته على أن طوافه معَّ ◌ُّه راكبا لعذر ظاهرة، ومن ذهب إلى جواز الركوب مطلقا ليس له دليل على ذلك، إلا ما روى ابن عباس وغيره: أنه عّ لّه طاف على بعير. فلما ثبت أن طوافه راكبا كان لعذر بطل الاستدلال به على الجواز مطلقا. قوله: "عن أم سلمة" إلخ دلالته على كراهة الركوب فى الطواف إلا لعذر ظاهرة؛ بدليل أن أم سلمة لم تطف راكبة وهى تشتكى إلا بعد أن سألت النبى معَّ له عن ذلك، ولو كان الطواف ماشيا وراكبا سواء لم تحتج إلى السوال عن ذلك والاستئذان، والله تعالى أعلم. والأصل فى الطواف أن يكون ماشيا على الأرض؛ للحديث المشهور عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا: ((الطواف ٧٤ إعلاء السنن أشتكى، فقال: ((طوفى من وراء الناس وأنت راكبة)). الحديث، أخرجه البخارى. "فتح البارى" (٣-٣٩٢). باب يستلم الحجر أول ما يطوف ثم يأخذ عن يمينه مما يلى الباب ٢٦٤٩- عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه رضى الله عنه، قال: رأيت رسول الله عَّه حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع. أخرجه الإمام البخارى. "فتح البارى" (٣-٣٧٧). بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام)) أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وابن حبان كذا فى "فتح البارى" (٣٨٦:٣). قال الحافظ: بعد ذكر الأثرين: وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبا بغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضى الجواز إلا أن المشى أولى، والركوب مكروه تنزيها، والذى يترجح المنع؛ لأن طوافه معّ وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد ووقع فى حديث أم سلمة: ((طوفى من وراء الناس)) وهذا يقتضى منع الطواف فى المطاف، وإذا حوط المسجد امتنع داخله، إذ لا يؤمن التلويث، فلا يجوز بعد التحويط، بخلاف ما قبله فإنه كان لا يحرم التلويث كما فى السعى، وعلى هذا فلا فرق فى الركوب إذا ساغ بين البعير، والفرس، والحمار وأما طواف النبى عّ لّ- راكبا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه، ولذلك هذه بعض من جمع خصائصه فيها، واحتمل أيضا أن تكون راحلته عصمت من التلويث حينئذ کرامة له، فلا يقاس عليه غيره، وأبعد من استدل به على طهارة بول البعير وبعره اهـ (٣٩٢:٣)، وفى "المناسك" للقارى فى مباحات الطواف ما نصه: والطواف راكبا أو محمولا لعذر، فإن الضرورات تبيح المحظورات ا هـ (٨١) وفى ذلك إشعار بكراهته راكبا من غير عذر عند الحنفية كما لا يخفى. باب يستلم الحجر أول ما یطوف ثم يأخذ عن يمينه مما یلی الباب قوله: "عن ابن شهاب" إلخ، دلالته على ابتداء الطواف بالتقبيل ظاهرة. ويسن استلام الحجر فى كل شوط من الطواف، دل عليه ما فى حديث ابن عباس عند البخارى: كلما أتى الركن أشار إليه بشئ كان عنده. وقد تقدم قبل هذا الباب بباب، وبه يبدأ وبه يختم، فيستلمه فى كل طواف ثمانية، وإن كان طوافا بعده سعى يستلم بعد ركعتى الطواف أيضا؛ ليكون ابتداء السعى ٧٥ ج - ١٠ ٢٦٥٠- عن جابر رضى الله عنه: أن رسول الله عّ لّه لما قدم مكة بدأ بالحجر فاستلمه، ثم أخذ عن يمينه فرمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعا. أخرجه مسلم. "زيلعى" (١-٤٨٨) وقد تقدم. باب وجوب الركعتين بعد الطواف وأفضل مكانهما خلف المقام وسنية استلام الحجر بعد الركعتين إذا كان بعدهما سعى ٢٦٥١- عن جابر: أن رسول الله عَ ليه لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ: ﴿واتخذوا به، فكانت تسع تقبيلات، ذكر حاصله فى "غنية الناسك" (٥٧:٥٦)، وسيأتى ما يدل عليه. قوله: "عن جابر" إلخ، دلالته على الجزء الثانى ظاهرة. فائدة: قال الحافظ فى "الفتح": روی الفا کھی عن سعيد بن جبير قال: إذا قبلت الر کن فلا ترفع به صوتك كقبلة النساء اهـ (٣٨١:٣)، قلت: وبه قال علماءنا: إن المستحب فى التقبيل أن لا يرفع به صوته. صرح به القارى فى المناسك والهندى فى غنية الناسك (٥٤). فائدة: استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الركن جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمى وغيره، فأما تقبيل يد الآدمى فيأتى فى كتاب الأدب إن شاء الله تعالى، وأما غيره فنقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبى معَّ ◌ُلّه وتقبيل قبره؟ فلم يربه بأسا. واستبعد بعض أتباعه صحة ذلك، ونقل عن ابن أبى الصيف اليمانى أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف، وأجزاء الحديث، وقبور الصالحين، وبالله التوفيق. ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣: ٣٨٠). قلت: أما تقبيل قبور الصالحين فأنكره علمائنا ونهوا عنه، كما فى "نور الإيضاح" من باب الجنائز، وهو الأشبه بالنظر؛ لما فيه من هيئة السجود للقبر والانحناء له، ولا يخفى ما فيه من المفسدة العظيمة، والله تعالى أعلم. باب وجوب الركعتين بعد الطواف وأفضل مكانهما خلف المقام و سنیة استلام الحجر بعد الر کعتین إذا كان بعدهما سعى قوله: "عن جابر" إلخ، قلت: استدل به الجصاص الرازى من علمائنا فى "أحكام القرآن" له على وجوب ركعتى الطواف، وقال: فلما تلا عليه الصلاة والسلام عند إرادته الصلاة خلف المقام: ٧٦ وجوب ركعتى الطواف وسنية استلام الحجر بعدهما قبل السعى إعلاء السنن من مقام إبراهيم مصلى﴾، فصلى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، ثم عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا. رواه أحمد ومسلم. "نيل" (٤-٢٧٢). ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ دل ذلك على أن المراد بالآية فعل الصلاة بعد الطواف، وظاهره أمر، فهو على الوجوب، وقد روی أن النبى مګے قد صلاهما عند البیت، وهو ما حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن عمر القواريرى، حدثنى يحيى بن سعيد، حدثنا السائب، عن محمد المخزومى، حدثنى محمد بن عبد الله بن السائب، عن أبيه: أنه كان يقود ابن عباس، فيقيمه عند الشقة الثالثة مما يلى الركن الذى يلى الحجر مما يلى الباب، فيقول ابن عباس: أثبت أن النبى معَّه كان يصلى ههنا، فيقوم فيصلى. فدلت هذه الآية على وجوب صلاة الطواف، ودل فعل النبى عَّ ◌ُلّ لها تارة عند المقام، وتارة عند غيره، على أن فعلها عنده ليس بواجب اهـ (١: ٧٤). قلت: وحديث ابن عباس هذا أخرجه أبو داود: فى "السنن" (٢٦٨:١) وسكت عنه، فهو صحيح أو حسن، ولكن لا دلالة فيه على الصلاة بعد الطواف، ولقائل أن يحمله على صلاة غيرها، والله تعالى أعلم. وقال ابن العربى فى "أحكام القرآن" له (١٨:١) فى قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾: فمن الناس من حمله على عمومه فى مناسك الحج كلها، والأكثر حمله على الخصوص فى بعضها. ومن خصصه قال: معناه موضعا للصلاة المعهودة، وهو الصحيح، ثبت من كل طريق أن عمر رضى الله عنه قال: وافقت ربى فى ثلاث، قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ الحديث، فلما قضى النبى معَّ طواف مشى إلى المقام المعروف اليوم، وقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وصلى فيه ركعتين، وبين ذلك أربعة أمور: الأول: أن ذلك الموضع هو المقام المراد فى الآية الثانى: أنه بين الصلاة، وأنها المتضمنة للركوع والسجود لا مطلق الدعاء. الثالث: أنه عرف وقت الصلاة فيه، وهو عقب الطواف، وغيره من الأوقات مأخوذ من دليل آخر. الرابع: أنه أوضح أن ر کعتی الطواف واجبتان، فمن تر کهما فعلیه دم ا هـ. وفى "النيل": وقد اختلف فى وجوب هاتين الركعتين، فذهب أبو حنيفة -وهو مروی عن الشافعى فى أحد قوليه- إلى أنهما واجبتان، واستدلوا بالآية المذكورة وأجيب عن ذلك بأن الأمر ٧٧ وجوب ركعتى الطواف وسنية استلام الحجر بعدهما قبل السعى ج - ١٠ ٢٦٥٢- قيل للزهرى: إن عطاء يقول: يجزئ المكتوبة من ركعتى الطواف، فقال: السنة أفضل، لم يطف النبى عّ لّم أسبوعا إلا صلى ركعتين. أخرجه البخارى "نيل" (٤-٢٧٢). فيها إنما هو باتخاذ المصلى لا بالصلاة، وقد قال الحسن البصرى وغيره: إن قوله "مصلى" أى قبلة. وقال مجاهد: أى مدعى يدعى عنده. واستدلوا ثانيا بالأحاديث التى فيها أن النبى عّ لّه صلى ركعتين بعد فراغه من الطواف ولازم ذلك. قالوا: وهى بيان مجمل واجب، فيكون ما اشتملت عليه واجبا اهـ (٢٧٣:٤). قلت: والاستدلال بالآية على وجوب هاتين الركعتين متعذر على طريقة الأصوليين؛ لأن الأمر فيها إنما هو باتخاذ المصلى لا بالصلاة كما قاله الشوكانى، والاتخاذ ليس بواجب بالإجماع، فلا بد من دليل آخر يدل على وجوب الركعتين، ودلالة الحديث على أن أفضل مكانهما خلف المقام ظاهرة، وسيأتى ما يدل على جوازهما فى مكان غيره فانتظر. قوله: "قيل للزهرى" إلخ، قال الحافظ فى "الفتح": وصله ابن أبى شيبة مختصرا، قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن الزهرى، قال: مضت السنة أن مع كل أسبوع ركعتين. ووصله عبد الرزاق عن معمر، عن الزهرى بتمامه، وأراد الزهرى أن يستدل على أن المكتوبة لا تجزئ عن ركعتى الطواف، بما ذكره أنه مرّةٍ لم يطف أسبوعا قط إلا صلى ركعتين، وفى الاستدلال بذلك نظر؛ لأن قوله: "إلا صلى ركعتين" أعم من أن يكون نفلا أو فرضا؛ لأن الصبح ركعتان فيدخل فى ذلك، لكن الحيثية مرعية، والزهرى لا يخفى عليه هذا القدر، فلم يرد بقوله: "إلا صلى ركعتين" أى من غير المكتوبة اهـ (٣٨٨:٣). قلت: والعجب من العلامة الشوكانى حيث نقل النظر الذى ذكره الحافظ ولم يذكر جوابه فى "النيل"، ولا يخفى على من له ممارسة بالكلام أن الظاهر المتبادر من قوله: "إلا صلى ركعتين" كونها من غير المكتوبة، فالنظر فى غير محله، وفيه دليل للحنفية ومن وافقهم على وجوب هاتين الركعتين؛ لأن المواظبة من غير ترك دليل الوجوب عندنا، لا سيما إذا انضم إليها ما ثبت من اهتمام الصحابة والتابعين رضى الله عنهم بهما، فقد أخرج مالك قال: أخبرنا ابن شهاب، أن حميد بن عبد الرحمان أخبره: أن عبد الرحمان أخبره أنه طاف مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح ٧٨ وجوب ركعتى الطواف وسنية استلام الحجر بعدهما قبل السعى إعلاء السنن ٢٦٥٣- عن نافع، عن ابن عمر، قال: سن رسول الله عَّه لكل أسبوع ركعتين. رواه الحافظ أبو القاسم تمام بن محمد الرازى فى "فوائده". "زيلعى" (١- ٤٩٠). بالكعبة، فلما قضى طوافه نظر فلم ير الشمس، فركب(١) ولم يسبح، حتى أناخ بذى طوى فسبح ركعتين. "الموطأ" لمحمد (٢٠٩) ولا يخفى أن المسافر يسقط عنه التطوع والسنن فى حال سيره، فلما اهتم عمر رضى الله عنه بهما، وأناخ راحلته بذى طوى ليصليهما، دل فعله على وجوبهما عنده ولم یکن من المكلفین. وأيضا فقد أخرج البخارى عن عروة، عن عائشة رضى الله عنها: أن ناسا طافوا بالبيت بعد صلاة الصبح، ثم قعدوا إلى المذكر حتى إذا طلعت الشمس قاموا يصلون، فقالت عائشة رضى الله عنها: قعدوا حتى إذا كانت الساعة التى تكره فيها الصلاة قاموا يصلون. كذا فى "فتح البارى" (٣٩١:٣). ولا يخفى ما فيه من اعتناء الصحابة والتابعين بها. وروى ابن أبى شيبة عن محمد بن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة، أنها قالت: إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر فطف وأخر الصلاة حتى تغيب الشمس أو حتى تطلع، فصل لكل أسبوع ركعتين. وهذا إسناد حسن، قاله الحافظ فى "الفتح". وفيه دلالة على الاعتناء بشأن هاتين الركعتين مثل الاعتناء بركعتى الفجر سواء، فإما أن تكونا واجبتين، أو مثل الواجب. وقول عائشة: حتى تطلع، أى وترفع أيضا؛ لإنكارها على من صلاهما عند الطلوع معا، والله تعالى أعلم. ومسئلة الصلاة فى الأوقات المكروهة قد مر الكلام فيها مستوفى فى المجلد الثانى من هذا الكتاب. فليراجح. قال الحافظ فى "الفتح": قال ابن المنذر: رخص فى الصلاة بعد الطواف فى كل وقت جمهور الصحابة ومن بعدهم، ومنهم من كره ذلك أخذا بعموم النهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وهو قول عمر، والثورى، وطائفة، وذهب إليه مالك، وأبو حنيفة. وقال أبو الزبير: رأيت البيت يخلوا بعد هاتين الصلاة ما يطوف به أحد. وروى أحمد عن أبى الزبير، عن جابر، قال: كنا نطوف فنمسح الركن الفاتحة والخاتمة، ولم نكن نطوف بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، قال: سمعت رسول الله عَ ◌ّه يقول: «تطلع الشمس بين قرنى الشيطان)) ١ هـ (٣٩١:٣) قال الزرقانى فى شرح قول أبى الزبير: إنه كان يرى البيت يخلو بعد العصر وبعد الصبح إلخ، ما نصه: هذا إخبار عن مشاهدة من ثقة، لا إخبار عن حكم، فسقط قول (١) ولفظ ابن مندة فى "أماليه": ثم خرج إلى المدينة، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣: ٣٩١). ٢٠ ٧٩ وجوب ركعتى الطواف وسنية استلام الحجر بعدهما قبل السعى ج - ١٠ ٢٦٥٤- عن عمرو، عن الحسن، قال: مضت السنة أن مع كل أسبوع ركعتين لا يجزئ منهما تطوع ولا فريضة. رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، ثم أخرجه عن يحيى ابن سليمان، عن إسماعيل بن أمية، عن الزهرى نحوه سواء. "زيلعى" (١- ٤٩٠). أبى عمر أى ابن عبد البر: هذا خبر منكر يدفعه من رأى الطواف بعدهما، وتأخير الصلاة كما لك وموافقيه، ومن رأى الطواف والصلاة بعدهما معااهـ من "التعليق الممجد" (٢٠٩). قلت: وعمر رضى الله عنه أجل من كل من رأى الطواف والصلاة بعدهما معا، وقد وافقته عائشة رضى الله تعالى عنها، فقد روى ابن أبى شيبة عنها بإسناد حسن: إذا أرادت أن تطوف بعد الفجر أو العصر فطف وأخر الصلاة حتى تغيب الشمس أو حتى تطلع إلخ. وقد تقدم، وقد أخبر أبو الزبير أنه كان يرى البيت يخلو بعد هاتين الصلاتين ما يطوف به أحد، وهو تابعى جليل قد أدرك عدة من الصحابة، فالظاهر موافقة الجمهور من الصحابة ومن بعدهم لعمر رضى الله عنه فى كراهة الصلاة بعد الطواف فى هذين الوقتين، والله تعالى أعلم. وقوله مرّ له: ((يا بنى عبد مناف! من ولى منكم من أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصل أية ساعة شاء من ليل أو نهار)). أخرجه الشافعى وأصحاب السنن، وصححه الترمذى وابن خزيمة وغيرهم، كما فى "التعليق الممجد" (٢٠٩) إنما سيق للنهى عن التسلط على البيت والتخصص به من دون الناس، وقد جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد، وقرينة هذا المعنى فى الحديث خطابه بذلك بنى عبد مناف خاصة، وقوله مّ له: ((من ولى منكم من أمر الناس شيئا)) وروى الديلمى عن أنس مرفوعا: ((ابلغوا أهل مكة والمجاورين أن يخلوا بين الحجاج، وبين الطواف، والحجر الأسود، ومقام إبراهيم، والصف الأول، من عشرين بقين من ذى القعدة إلى يوم الصدر. والطبرانى عن جبير بن مطعم: ((لا أعرفنكم يا بنى عبد مناف، ما منعتم طائفا يطوف بهذا البيت ساعة ليلا أو نهارا)). كذا فى "كنز العمال" (١١:٣) ولم أقف على حال سنديهما، ولكن الضعيف يصلح لتفسير الحديث، وهو أولى من آراء الرجال، وهو نص فى المعنى الذى أولنا به الحديث، وليس سياقه لإباحة الصلاة فى كل وقت. فلا يتم به استدلال من استدل به على إباحة ركعتى الطواف بعد الفجر والعصر. قوله: "عن عمرو عن الحسن" إلخ، قلت: عمرو بن عبيد هذا هو شيخ المعتزلة، جرحه العلماء بأشد جرح، ولكن أخرج عنه البخارى فى "الصحيح" فى أبواب الفتن وأبهمه، فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا حماد، عن رجل لم يسمه، عن الحسن، قال: خرجت ٨٠ إعلاء السنن باب جواز ركعتى الطواف خارجا من المسجد ومن الحرم ٢٦٥٥- عن أم سلمة رضى الله عنها، قال لها رسول الله عَّ له: ((إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفى على بعيرك والناس يصلون، ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت)). بسلاحى ليالى الفتنة، فاستقبلنى أبو بكر إلخ. قال الحافظ: قوله: عن رجل لم يسمه" هو عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة، وكان سىء الضبط، هكذا جزم المزى فى "التهذيب" بأنه المبهم فى هذا الموضع اهـ (٢٧:١٣)، وهذا كما ترى جرح هين، ولو كان كما زعمه بعض الجارحين كذابا متهما فى الرواية لم يخرج صاحب "الصحيح" روايته فى الأصول، ولم يقدم حديثه فى الباب على حديث غيره من الثقات، ولم يكتف الحافظ ههنا بقوله: وكان سىء الضبط، كما قاله الحافظ فى "التهذيب": منكرا لتعليق البخارى عنه لا يقوم على رجليه. هذا ولم نذكر أثره هذا فى المتن إلا لكون ما رواه معتضدا بما رواه الثقات عن الزهرى فافهم. ولا يخفى أن قوله: "مضت السنة" فى حكم المرفوع، فقد قالوا: إن قول الراوى: "من السنة كذاً فى حكم الرفع، صرح به السيوطى فى "تدريب الراوى" (٦٢). ولا فرق بين قوله: من السنة كذا وقوله: مضت السنة بكذا. ولا يستلزم هذا الإطلاق كون هذا الأمر مسنونا على اصطلاح الفقهاء، بل معناه أن كون هذا الأمر من عزائم الشريعة لم يزل معروفا فى أهل الإسلام. فقول الحسن والزهرى: مضت السنة أن مع كل أسبوع ركعتين لا يجزئ عنهما تطوع ولا فريضة. يدل بظاهره على كون ركعتى الطواف واجبتين، أو من آكد السنن. وهو قولنا معشر الحنفية؛ فإن ما كان من آكد السنن كان مثل الواجب فى العمل، والله أعلم. وهذا هو معنى قول ابن عمر: سن رسول الله عَّ لكل أسبوع ركعتين. أى أمر بهما وجعلهما مشروعتين؛ فإن الفرق بين الواجب والسنة لم يكن إذ ذاك، وإنما هو من مصطلح الفقهاء بعدهم. وقد دل حديث جابر على استنان استلام الحجر بعد ركعتى الطواف إذا كان بعده سعى، وهذا ما وعدنا بيانه من قبل. باب جواز ركعتى الطواف خارجا من المسجد ومن الحرم قوله: "عن أم سلمة" إلخ، دلالته ودلالة أثر عمر بعده على معنى الباب ظاهرة. قال الحافظ فى "الفتح": قوله: فلم تصل حتى خرجت أى من المسجد، أو من مكة، فدل على جواز صلاة الطواف خارجيا من المسجد، إذ لو كان ذلك شرطا لازما لما أقرها النبى عّ لّ. على ذلك. وفى رواية حسان عند الإسماعيلى: "إذا قامت صلاة الصبح فطوفى على بعيرك من وراء الناس وهم يصلون)). قالت: ففعلت ذلك، ولم أصل حتى خرجت، أى فصليت وفيه رد على من قال: يحتمل