النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ج - ٤١٠ باب أن الأفضل تقديم الإحرام على الميقات ٢٥٦٦- عن عبد الله بن سلمة المرادى، قال: سئل على عن قول الله عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾؟ قال: أن تحرم من دويرة أهلك. أخرجه الحاكم فى "المستدرك" وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (٢-٢٧٦). وأقره عليه الذهبى فى تلخيصه. وقال الحافظ فى "التلخيص": إسناده قوى (١-٢٠٥). وقال الأثرم: كنت أسمع أصحاب الحديث بتعجبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز لأبى قتادة مجاوزة الميقات بلا إحرام؟ ولا يدرون ما وجهه، حتى رأيته مفسرا فى حديث عیاض عن أبی سعید، قال: خرجنا مع رسول الله مێ فأحرمنا، فلما كان مکان کذا و کذا إذ نحن بأبى قتادة، كان النبى مرّه بعثه فى شىء قد سماه، فذكر حديث الحمار الوحشى، كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٢٥:١) أى لم يكن خروجه لدخول مكة بل لأمر آخر، وإنما قصد مكة بعد ما بقى النبى معَّ بعسفان، وفى قول الأثرم دلالة على أن مجاوزة الميقات بلا إحرام لا تجوز عند أهل الحديث أيضا، فافهم. باب أن الأفضل تقديم الإحرام على الميقات قوله: "عن عبد الله بن سلمة" إلى آخر الباب، قلت: تفسير الصحابى للقرآن ملحق بالمرفوع عند طائفة من المحدثين. قال الحاكم فى "المستدرك": ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل عند الشيخين حديث مسند اهـ (٢٥٨:٢) فقول عمر وعلى فى تفسير قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ أن تحرم من دويرة أهلك، مرفوع حكما، ويؤيده ما روى عن أبى هريرة مرفوعا، وإن كان سنده ضعيفا، ولكن مجموع الطرق يفيد أن لرفعه أصلا. وقد اختلف الأئمة فى أن الأفضل إنشاء الإحرام من المواقيت أو تقديمه عليها، فذهب أحمد إلى الأولى، واحتج بأن النبى معٍَّ والخلفاء أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل، ولما تواطئوا على ترك الأفضل واختيار الأدنى، وهم أهل التقوى والفضل وأفضل الخلق، ولهم من الحرص على الفضائل والدرجات ما لهم، وقد روى أبو يعلى الموصلى فى "مسنده" عن أبى أيوب، قال: قال رسول الله عّ له: ((يستمتع أحدكم بحله ما استطاع؛ فإنه لا يدرى ما يعرض له فى ٢٢ الأفضل تقديم الإحرام على الميقات إعلاء السنن ٢٥٦٧- عن شعبة، عن الحكم بن عتبة، عن ابن أذینه، قال: أتيت عمر فقلت له: من أين أعتمر؟ قال: انت عليا فسله، فأتيته فسألته؟ فقال: من حيث ابتدأت، فذكرت له " ذلك، فقال: ما أجد لك إلا ذلك. رواه وكيع فى "مسنده" كما فى "التلخيص" (١-٢٠٥) ورواته كلهم ثقات، وابن أذينه بتقديم الياء التحتانية المثناة على النون مصغرا، وقيل: بفتح الألف وكسر الذال المعجمة، اسمه عبد الرحمن، ثقة من الثالثة، كما فى "التقريب" و"التهذيب". إحرام)). وروى الحسن: أن عمران بن حصين أحرم من البصرة، فبلغ ذلك عمر فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله عَّ أحرم من البصرة. وقال: إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه له. رواهما سعيد، والأثرم. قال البخارى: كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان، ولأنه أحرم قبل الميقات، فكره كالإحرام بالحج قبل أشهره، ولأنه تعزير بالإحرام، وتعرض لفعل محظوراته، وفيه مشقة على النفس، فكره كالوصال فى الصوم. قال عطاء: انظروا هذه المواقيت التى وقتت لكم، فخذوا برخصة الله فيها، فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنبا فى إحرامه، فيكون أعظم لوزره؛ فإن الذنب فى الإحرام أعظم من ذلك. وأما قول عمر وعلى فإنهما قالا: إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك. و معناه أن تنشئ لها سفرا من بلدك تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك. قال أحمد: كان سفيان يفسره بهذا، وكذلك فسره به أحمد، ولا يصح أن يفسر بنفس الإحرام؛ فإن النبى مح له وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم الله تعالى بإتمام العمرة، فلو حمل قولهم على ذلك لكان النبى عدّ له وأصحابه تاركين لأمر الله، ثم إن عمر وعليا ما كانا يحرمان إلا من الميقات، أفتراهما بريان أن ذلك ليس بإتمام لها ويفعلانه هذا؟ لا ينبغى أن يتوهمه أحد، كذا فى "المعنى" لابن قدامة الحنبلى (٢١٦:٣). والجواب عنه: أن لا خلاف فيمن لا يأمن على نفسه، فالأفضل له التأخير إلى الميقات، وإنما الخلاف فيمن أمن على نفسه. قال فى "الغنية": وفائدة التأقيت بها أى بالمواقيت حرمة تأخير الإحرام عنها كلها لا التقديم، فإنه جائز إجماعا، وأفضل عندنا إذا كان فى أشهر الحج، وأكمله .. إحرامه من دويرة أهله، ومن كل مكان قاص، وهذا إذا أمن على نفسه وإلا فيكره التقديم ولو فى أشهر الحج، بل الأفضل حينئذ التأخير إلى الميقات، بل إلى آخر المواقيت اهـ (٢٦). ٢٣ ج - ١٠ الأفضل تقديم الإحرام على الميقات ٢٥٦٨- عن أبى هريرة رفعه: ((إن تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك)). أخرجه البيهقى وابن عدى، وحسنه السيوطى فى "الجامع الصغير" (١-٩٨). ولعل تحسينه لأجل الشواهد، فقد روى عن عمر كذلك، ذكره الشافعى فى "الأم". وقال ابن عبد البر: وأما ما روى عن عمر وعلى: إن إتمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك، فمعناه أن تنشئ لهما سفرا إلخ، ذكره الحافظ فى "التلخيص." (٢٠٥:١) وقال: حديث أبى هريرة فی إسناده جابر بن نوح (وهو ضعيف)، وقال البيهقى: فى رفعه نظر اهـ. إذا تمهد هذا فنقول: لم يحرم النبى ◌ّ إلا من الميقات لا من بيوتهم رفقا بالناس الذين يقتدون بأفعاله، وليشق عليهم التخلف عن فعل فعله رسول الله مع له، كما شق عليهم التحلل بالعمرة ولم يتحلل رسول الله عز له؛ لكونه سائق الهدى، فقال: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى)) الحديث، فلو قدم الإحرام على الميقات لقدموا، فلم يقدم لئلا يقعوا فى محظورات الإحرام. ولذا أنكر عمر رضى الله عنه على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وكره أن يتسامع به الناس مخافة أن يأخذوا بفعله، وليسوا كمثله فى الأمن على أنفسه فيقعوا فى المحظورات، أو أنكر عليه لإحرامه قبل أشهر الحج، وهذا الاحتمال متعين فى إنكار عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه من خراسان أو كرمان؛ لأن بين خراسان ومكة أكثر من مسافة أشهر الحج، فيستلزم أن يكون قد أحرم فى غير أشهر الحج، فكره ذلك عثمان قاله الحافظ فى الفتح (٢٧١:٣). وبهذا ظهر الجواب عن قوله: ولما تواطئوا على ترك الأفضل واختيار الأدنى إلخ؛ فإن المقتدى فى الدين إذا ترك الأفضل رفقا بأصحابه لا ينقص ذلك من أجره شيئا. وأما تفسير قول على وعمر بأن معناه: أن تنشى لها سفرا من بلدك تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك فبعيد جدا .. . كيف؟ وقولهما: إن إتمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك. صريح فى إنشاء الإحرام من. دويرة أهله، وتفسيره بإنشاء السفر صرف للكلام عن ظاهره، فإن إنشاء السفر من بلده ليس مما يخفى على الناس، حتى يحتاج إلى السؤال عنه. وأما قوله: إن النبى عدّ ◌ُّه وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم الله تعالى بإتمام. الحج والعمرة بأداء الفرائض والواجبات مأمور به، وبأداء المستحبات والآداب مندوب إليه، والإحرام من دويرة الأهل ليس من إتمام الحج والعمرة بالمعنى الأول بل بالمعنى الثانى، لعدم القائل. بوجوبه وإنما الخلاف فى الأفضل فلم يلزم أن يكون النبى سَ لّه وخلفائه تار كين لأمر الله، بل غاية ما فيه أن يكونوا قد تركوا مندوبا إليه لمعارضة مندوب آخر له، وهو الرفق بالناس الذين يقتدون ٢٤ الأفضل تقديم الإحرام على الميقات إعلاء السنن ٢٥٦٩- عن أم سلمة زوج النبى عرّه، أنها سمعت رسول الله عَّ له يقول: ((من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة)). شك عبد الله أيتهما قال: قال أبو داود: أحرم وكيع من بيت المقدس إلى مكة. رواه أبو داود فى "سننه" (٢٥٠:١)، وسكت عنه. بأفعالهم، ولهذا نظائر فى المرفوع كثيرة يعرفها من له ممارسة بالحديث. وأيضا فإعمال الحديثين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، وقد عرفت صحة قول على من جهة الإسناد، وكونه فى حكم المرفوع، فلا معنى لإهماله رأسا، والتأويل الذى أولوه به لا يقوم على رجليه، فالحق ما ذهب إليه علماءنا الحنفية: أن قول على وعمر محمول على من أمن على نفسه التعرض لمحظورات الإحرام، وإحرام النبى ◌ّ هه وخلفائه وإحرام عمر وعلى من الميقات محمول على اختيار الأيسر والأرفق بالناس، فافهم. قوله: "عن أم سلمة" إلخ، قال الشوكانى فى "النيل": فى إسناده على بن يحيى بن أبى سفيان الأخنسى. (قلت: كلا، بل فيه يحي بن أبى سفيان الأخنسى) قال أبو حاتم الرازى: شيخ من شيوخ المدينة، ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان فى الثقات، وفيه دليل على جواز تقديم الإحرام على الميقات، ويؤيد ذلك ما أخرجه الشافعى فى "الأم" عن عمر، والحاكم فى "المستدرك" بإسناد قوى عن على رضى الله عنه، أنهما قالا: إتمام الحج والعمرة فى قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ بأن تحرم لهما من دويرة أهلك. بل قد ثبت(١) ذلك مرفوعا من حديث أبى هريرة. قال فى "الدر المنثور": وأخرج ابن عدى والبيهقى عن أبى هريرة، عن النبى مَ له فى قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ قال: (إن من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك). وأما قول صاحب "المنار": لو كان أفضل لما تركه جميع الصحابة، فكلام على غير قانون الاستدلال، وقد حكى فى "التلخيص" أنه فسره ابن عيينة فيما حكاه عنه أحمد: بأن ينشئ لهما سفرا من أهله، ولكن لا يناسب لفظ الإهلال الواقع فى حديث الباب، ولفظ الإحرام الواقع فى حديث أبى هريرة، وفى قول على وعمر اهـ (١٨٠:٤). وقال ابن قدامة فى "المغنى": وحديث الإحرام من بيت المقدس ففيه ضعف، یرویه ابن أبى فدیك، ومحمد بن إسحاق، وفيهما مقال، ويحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس دون غيرها، (١) فيه تأييد لتحسين السيوطى أثر أبى هريرة ولعله للشواهد. ٢٥ الأفضل تقديم الإحرام على الميقات ج - ١٠ ٢٥٧٠- مالك، عن الثقة عنده: أن عبد الله بن عمر أحرم من إيليا. رواه مالك فى "الموطأ" (١٢٨). ليجمع بين الصلاة فى المسجدين فى إحرام واحد اهـ (٢١٦:٣). قلت: أما ابن أبى فديك فمن رجال الجماعة ثقة، والعمل على توثيقه، ولا حجة فى قول من تكلم فيه بلا حجة، ومحمد بن إسحاق حسن الحديث عند البيهقى وغيره من الحفاظ، ولا أقل من أن یستشهد به، فإذا تابع ابن إسحاق ابن أبى فديك فلا شك فى صحة الحديث، وصلاحيته للاحتجاج به. وأما قوله بالاختصاص فتمشية للمذهب؛ فإن الخصوصيات لا تثبت إلا بدليل، ولو كان تقديم الإحرام على الميقات لمن أهل من بيت المقدس لأجل الجمع بين الصلاة فى المسجدين، لكان تقديم الإحرام عليه لأهل المدينة أيضا؛ فإن المسجد النبوى من المساجد الثلاثة التى تشد الرحال إليها، والخصم لا يقول به. وأيضا فإن النبى معَّه وقت لأهل الشام كما وقت لأهل العراق، وأهل اليمن وغيرهم، والإحرام قبل الميقات كالإحرام قبل أشهر الحج عندكم، فيكره التقديم فى حق الكل، وإلا لم يوقت النبى معَّ لأهل المقدس ميقاتا سوى بيت المقدس. وأيضا لو كان لهم تقديم الإحرام قبل الميقات لكان لهم الإحرام قبل أشهر الحج أيضا؛ لكونهما سواء عندكم، وأنتم لا تقولون به. وقد ذهب علقمة، والأسود، وعبد الرحمن، وأبو إسحاق، إلى أن تقديم الإحرام على الميقات أفضل، ذكره ابن قدامة فى "المغنى" (٢١٥:٣). وهو قول علمائنا الحنفية، والله تعالى أعلم. قال البيهقى: قال الشافعى: وروى عن ابن مسعود: لقى ركبا بالسبوحة محرمين فلبوا ولبى ابن مسعود وهو داخل الكوفة. قلت: فلبوا ولبى ابن مسعود وهو داخل الكوفة. قلت: وفى "مصنف ابن أبى شيبة": ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن سوقة، عن رجل لم يسمه: أن ابن مسعود أحرم من السبوحة. وذكر أبو عمر فى "التمهيد" : أن جماعة من الصحابة والتابعين أحرموا من المواضع البعيدة، قال: وأحرم ابن مسعود من القادسية. انتهى من "الجوهر النقى" (٣٣٥:١). وقد تفردت والحمد لله سبحانه بتأييد أبى حنيفة وأصحابه فى هذه المسألة بما لم يأت بمثله أحد من العلماء على ما نوى إليه نظرى. ٢٦ إعلاء السنن باب من کان فى طريقه میقاتان فله الإحرام من أيهما شاء ٢٥٧١- بلغنا عن النبى عَّه، أنه قال: ((من أحب منكم أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل)) أخبرنا بذلك أبو یوسف، عن إسحاق بن راشد، (ذكره ابن حبان وابن شاهين فى الثقات، ووثقه النسائى، وابن معين وأبو حاتم، كذا فى "التعليق الممجد" نقلا عن "تهذيب التهذيب" وغيره) عن محمد بن على، عن النبى عَّدٍ، ذكره محمد فى "الموطأ" (١٩٠). وهذا سند صحيح مرسل. ٢٥٧٢- أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب: أن عائشة اعتمرت فى سنة مرتين، مرة من ذى الحليفة. ومرة من الجحفة. أخرجه الإمام الشافعى فى "الأم" (٢-١٥٥). ورجاله ثقات كلهم. باب من كان فى طريقه ميقاتان فله الإحرام من أيهما شاء قوله: "بلغنا" إلى آخر الباب، قلت: دلالة الأثرين على معنى الباب ظاهرة والمرسل حجة عندنا مطلقا، وعند الشافعى إذا وافقه فتوى صحابى أو عمله، وهذا كما تراه قد تأيد بفعل عائشة رضى الله عنها، ومذهب أحمد أنه يلزمه الإحرام من أول الميقات، ولا يجوز تأخيره إلى الميقات الثانى، وحملوا فعل عائشة فى تأخيرها إحرام العمرة إلى الجحفة على أنها لم تمر فى طريقها على ذى الحليفة، كذا فى "المغنى" (٢١٥:٣) والمعروف عند المالكية أن الشامى مثلا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى الجحفة جاز له ذلك، وبه قالت الحنفية. وأبو ثور، وابن المنذر من الشافعية، کذا فی "التعليق الممجد" نقلا عن "فتح البارى" وغيره اهـ. ويجوز ذلك عندنا لأهل المدينة أيضا، كما قاله محمد فى "الموطأ"، وعليه حمل ما روى عن ابن عمر: أنه أحرم من الفرع. وهو دون ذى الحليفة إلى مكة. قال محمد: فإن أمامها وقت. آخر وهو الجحفة، وقد رخص لأهل المدينة أن يحرموا من الجحفة؛ لأنها وقت من المواقيت اهـ. أى الواجب أن لا يتجاوز عن مطلق الميقات لا عن الميقات الأول. ثم استدل بما رويناه فى المتن عنه بلاغا، ولا ريب أنه حجة قوية فى الباب، ومقدم على آراء الرجال، وحديث ابن عباس: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) ساكت عمن كان فى طريقه ميقاتان فافهم. وحديث أبى الزبير عن جابر المذكور فى باب المواقيت ولفظه: مهل أهل المدينة ذو الحليفة، والطريق الآخر الجحفة. يشعر بأن لأهل المدينة ميقاتين، ذو الحليفة فى طريق، والجحفة فى طريق آخر، ولا دلالة فيه على أن ٢٧ ج - ١٠ باب ميقات أهل مكة للحج الحرم وللعمرة الحل ٢٥٧٣- عن ابن عباس فى حديث طويل فى المواقيت: ((فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها)). متفق عليه. "نيل الأوطار" (٤-١٧٥). ٢٥٧٤- عن عائشة، قالت: نزل رسول الله عَّ له المحصب: فدعا عبد الرحمن بن أبى بكر فقال: أخرج بأختك من الحرم، فتهل بعمرة، ثم لتطف بالبيت، فإنى أنتظر كما ههنا)). الحديث، متفق عليه. "نيل" (٤-١٧٨). وزاد الطحاوى عن عائشة فى حديثها: أنها قالت: فكان أدنانا من الحرم التنعيم فاعتمرت منه .. كذا فى "النيل" أيضا (٤-١٧٩). قلت: وسند الطحاوى (١-٤٢٦) صحيح على شرط مسلم .. أهل المدينة لو سلكوا طريقا يمرون بها على الميقاتين جميعا لا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى الجحفة، ومقتضی کونها میقاتا لهم جواز ذلك كما لا يخفى. والمرسل الذى بدأنا به هذا الباب صريح فى جواز تأخيرهم الإحرام إلى الجحفة، فهو المعتمد لكونه نصا فى الباب. وفى "غنية الناسك": ولو مر بميقاتين فإحرامه من الأبعد أفضل، ولو أخره إلى الثانى لا شىء عليه فى ظاهر الرواية عن أبى حنيفة رضى الله عنه. قال فى "البحر" و"التبيين": ولا يجب على المدنى أن يحرم من ذى الحليفة، بل من الجحفة، وكذا الشامى إذا مر بذى الحليفة أولى، وعن أبى حنيفة: أن عليه دما، وكذا كل ميقاتين ثانيهما أقرب إلى مكة، والأول هو الظاهر. اهـ. فلو مر بميقات ومحاذاة الثانى لا تعتبر المحاذاة. "ضياء الأبصار"، لأن المحاذاة إنما اعتبرت عند ... الحاجة، ولا حاجة إذا قدر على الإحرام من عين الميقات. وفى "اللباب": والمدنى إن جاوز وقته غير محرم إلى الجحفة كره وفاقا أى بين علمائنا، خلافا لابن أمير حاج اهـ (٢٦). قلت: والظاهر أن الكراهة تنزيهية، فإن قول محمد فى "الموطأ": وقد رخص لأهل المدينة إلخ صريح فى الجواز» وانتفاء الكراهة تحريما، وهو المؤيد بقول النبى معَ له: ((من شاء منكم أن يستمتع ثيابه إلى الجحفة فليفعل)). نعم: تأخير المدنى إحرامه إلى الجحفة خلاف الأولى؛ لأن النبى عّ لّ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة فالإحرام منه عزيمة ومن الجحفة رخصة، والله أعلم. باب ميقات أهل مكة للحج الحرم والعمرة الحل قوله: "عن عائشة" إلخ، قلت: وقوله عرّ له: ((أخرج بأختك من الحرم)) صريح فى أن ميقات. أهل مكة للعمرة الحل، وإلا لم يكن لإخراجها من الحرم معنى، وقد وقع الخلاف هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة؟ قال الطحاوى: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم، ٢٨ إعلاء السنن ٢٥٧٥- عن جابر، قال: أمرنا رسول الله مَّ له لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، فأهللنا من الإبطح. أخرجه مسلم. "زيلعى" (١-٤٧٣). باب استحباب الغسل عند الإحرام ولو حائضة ونفساء : ٢٥٧٦- عن زيد بن ثابت رضى الله عنه: أنه رأى النبى عّ لّه تجرد لإهلاله واغتسل. رواه الترمذى وقال: حسن غريب. "زيلعى" (١-٤٧٤). ولا ينبغى مجاوزته كما لا ينبغى مجاوزة المواقيت التى للحج، (واحتجوا بما وقع فى لفظ البخارى عن عائشة: قالت: يا رسول الله! اعتمرتم ولم اعتمر، فقال: ((يا عبد الرحمن! اذهب بأختك، فأعمرها من التنعيم). وبما أخرج أبو داود فى المراسيل عن ابن سيرين، قال: وقت رسول الله مد خله لأهل مكة التنعيم. كذا فى "الزيلعي" (٤٧٣:١) قال الطحاوى: وخالفهم آخرون، فقالوا: ميقات العمرة الحل، فمن أى الحل أحرموا بها أجزأهم ذلك، وإنما أمر عائشة بالإحرام من التنعيم لأنه كان أقرب الحل إلى مكة (٤٢٦:١). والجواب عما أخرجه أبو داود فى المراسيل أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به، فقد قال أبو داود: قال سفيان: هذا الحديث لا يكاد يعرف، يعنى حديث التنعيم، كذا فى "الزيلعي" (٤٧٣:١). وقول عائشة: وكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه. صريح فى أن ميقات مكة للعمرة الحل، وأن التنعيم وغيره فى ذلك سواء. قوله: "عن جابر" إلخ، قلت: فيه دليل على أن ميقات المكى للحج الحرم، فإن جابرا و کل من لم يسق الهدى من الصحابة لما أحلوا بالعمرة التحقوا بأهل مكة كما هو ظاهر، ثم أهلوا بالحج من الإبطح، فثبت بذلك أن ميقاتهم للحج الحرم، وكله فيه سواء، ولا يتعين عليهم الإحرام مكة خاصة، وإلا لم يحرموا من الإبطح؛ فإنه خارج من مكة. فإن قيل: ولكنه ملحق بمكة لحوق الفناء بالمصر. قلنا: وكذلك الحرم كله ملحق بمكة فى حق الإحرام؛ لما لا يخفى أن تحديد الحرم إنما هو لاحترام بیت الله تعالی، فکان کله فی اللحوق به سواء فافهم. باب الإحرام واستحباب الغسل له ولو حائضا ونفساء قوله: "عن زيد بن ثابت" إلى آخر الأحاديث، دلالتها على معنى الباب ظاهرة. قال فى "الهداية": إلا أنه - أى الغسل- للتنظيف، حتى تؤمر به الحائض وإن لم يقع فرضا عنها، فيقوم الوضوء مقامه كما فى الجمعة، لكن الغسل أفضل؛ لأن معنى النظافة فيه أتم، ولأنه عليه السلام اختاره اهـ (٢١٦:١). وحقيقة الإحرام الدخول فى الحرمة، والمراد الدخول فى حرمات ٢٩ ج - ١٠ ٢٥٧٧- عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم. رواه البزار، والدارقطنى، والحاكم، فى "المستدرك" وقال: صحيح على شرطهما. "زيلعى" (١-٤٧٤). ٢٥٧٨- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبى بكر بالشجرة، فأمر رسول الله ◌ّ ◌ٍِّ أبا بكر أن تغتسل وتهل. أخرجه مسلم فى "صحيحه" عن القاسم عنها. "زيلعى". ٢٥٧٩- عن ابن عباس: أن النبى عرّه قال: ((الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت)). رواه أبو داود (١- ٢٥٠) وسكت عنه، وفيه خصيف مختلف فيه، فالحدیث حسن. باب ما يصنع المحرم إذا أراد الإحرام من لبس الإزار والرداء والتطيب ونزع المخيط وغيره ٢٥٨٠- عن ابن عباس، قال: انطلق النبى ◌ّه من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس إزاره وردائه هو وأصحابه، فلم ينه عن شئ من الأردية والآزر تلبس إلا المزعفرات التى تردع على الجلد رواه البخارى نيل الأوطار (١٨٦:٤). ٢٥٨١- عن عائشة (أم المؤمنين) زوج النبى معَّ له، قالت: كنت أطيب رسول الله مخصوصة- أى التزمها - وهو شرط الحج، غير أنه لا يتحقق ثبوته شرعا إلا بالنية مع الذكر أو الخصوصية على ما سيأتى، وإذا تم الإحرام لا يخرج منه إلا بعمل النسك الذى أحرم له وإن أفسده، إلا فى الفوات فبعمل العمرة، وإلا الإحصار فبذبح، كذا فى حاشية "الهداية" (٢١٦:١). باب ما يصنع المحرم إذا أراد الإحرام من لبس الإزار والرداء والتطيب ونزع المخيط وغيره قوله: "عن ابن عباس إلخ، دلالته على الأول من الباب ظاهرة. قوله: "عن عائشة فى أحاديثها الثلاثة" إلخ قلت: واستدل بالحديث على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام ولو بقيت رائحته عند الإحرام وبعده، وعلى أنه لا يضر بقاء رائحته ولونه، وإنما ٣٠ ما يصنع المحرم إذا أراد الإحرام إعلاء السنن مَّ له لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت، رواه إمام المحدثين البخارى (٢٠٨:١). ٢٥٨٢- وعنها، قالت: كنت أطيب النبى مّ له عند إحرامه بأطيب ما أجد. وفى رواية: كان النبى معَّه إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الدهن فى رأسه ولحيته بعد ذلك. متفق عليهما. "نيل الأوطار" (٤-١٨٤). المحرم ابتداءه بعد الإحرام. قال فى "الفتح": وهو قول الجمهور، وذهب ابن عمر، ومالك، ومحمد ابن الحسن، والزهرى، وبعض أصحاب الشافعى إلى أنه لا يجوز التطيب عند الإحرام، واختلفوا هل محرم أو مكروه؟ وهل تلزمه الفدية أو لا؟ "نيل الأوطار" (١٨٤:٤) قلت: مذهب محمد أنه يكره التطيب بما يبقى عينه بعد الإحرام، بأن يلطخ رأسه بالمسك؛ لأنه منتفع بالطيب وهو ممنوع؛ لأن للبقاء حكم الابتداء، كذا فى "الهداية مع الحاشية" (٢١٦:١). واحتج بما أخرجاه عن محمد بن المنتشر، قال: سألت عبد الله بن عمر عن رجل يتطيب ثم يصبح محرما؟ فقال: ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا، لأن أطلى بقطران أحب إلى من أن أفعل ذلك. فدخلت على عائشة رضى الله تعالى عنها وأخبرتها بقوله، فقالت: أنا طيبت رسول الله عَ ظله فطاف على نسائه ثم أصبح محرما. وفى لفظ لهما: قالت: كنت أطيب رسول الله مرت له فيطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضح طيبا. "زيلعى" (٤٧٥:١) وبما أخرجاه عن يعلى بن أمية، قال: أتى النبى م له رجل متضمخ بطيب وعليه جبة، فقال: يا رسول الله! كيف ترى فى رجل أحرم بعمرة فى جبة بعد ما تضمخ بطيب؟ فقال له النبى ◌ّ: ((أما الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الحبة فانزعها، ثم اصنع فى عمرتك ما تصنع فى حجك)). وبما أخرجه مالك، عن نافع، عن أسلم مولى عمر: أن عمر وجد ريح طيب من معاوية وهو محرم، فقال له عمر: ارجع فاغسله. ورواه البزار فى "مسنده". وزاد: فإنى سمعت رسول الله عَ ◌ّ يقول: ((الحاج الشعث التفل)). انتهى من "الزيلعى" (٤٧٦:١). قالوا: فحديث عائشة: كأنى أنظر إلى وبيض الطيب فى مفرقه وهو محرم. لا يدل على بقاء عين الطيب؛ لما فى رواية أخرى عنها: كنت أطيب رسول الله مَ له، فيطوف على نساءه ثم يصبح محرما. والطواف على النساء كناية عن الجماع، ومن لازمه الغسل بعده، فهذا يدل أنه ما. · اغتسل بعد أن تطيب، وبقاء الوبيض أى بريقه ولمعانه لا يدل على بقاء عين الطيب، بل على بقاء ٣١ ج - ١٠ ما يصنع المحرم إذا أراد الإحرام ٢٥٨٣- وعنها، قالت: كنا نخرج مع النبى معَّ له إلى مكة، فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحداها سال على وجهها، فيراه النبى ◌ّ له ولا ينهانا. رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى، وإسناد رواته ثقات إلا شيخ أبى داود(١)، وقد قال النسائى: لا بأس به. وقال ابن حبان فى "الثقات": مستقيم الأمر فى ما يروى اهـ. "نيل" (٤-٢٨٧). الأثر الذى يشق إزالته، فإن عين الطيب لا تبقى بعد الاغتسال كما لا يخفى، إن الرجل ربما غسل الطيب عن وجهه أو يده، فيذهب ويبقى وبيصه، قاله الطحاوى (٣٦٧:١). وأورد عليه الحازمى بأن لا دلالة فى الحديث أنه مرّ أصابهن؛ فإنه عليه الصلاة والسلام كثيرا ما كان يطوف على نسائه من غير إصابة، كما فى حديث عائشة: قل يوم إلا ورسول الله عَّهِ يطوف علينا، يقبل ويلمس دون الوقاع، فإذا جاء إلى التى هى يومها يبيت عندها، كذا فى "نصب الراية" (٤٧٥:١). قلت: قد رجح الحافظ فى "الفتح" (٣٢٣:١) ما قاله الطحاوى، وجزم به ابن القيم وابن حزم. قال ابن القيم فى "الهدى" فنزل عّ لّه بذى الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها، وصلى المغرب والعشاء والصبح والظهر، فصلى بها خمس صلوات؛ وكان نساءه کلهن معه، وطاف عليهن تلك الليلة، فلما أراد الإحرام اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه غير غسل الجماع الأول. ولم يذكر ابن حزم أنه اغتسل غير الغسل الأول للجنابة، وقد ترك بعض الناس ذكره، فإما أن يكون تركه عمدا لأنه لم يثبت عنده، وإما أن يكون سهوا منه، وقد قال زيد بن ثابت: إنه رأى النبى معَّ ليه تجرد لإهلاله واغتسل. قال الترمذى: حديث حسن غريب اهـ (١٨٢:١). قلت: ولكن حديث عائشة: كنا نحرج مع النبى ◌ّ ◌ُلّه فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام إلى آخره، حجة للجمهور سالمة، لا يتمشى فيه ما ذكره هؤلاء فى حديث الوبيص. وأما . قول ابن عمر: ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا، لأن أطلى بقطران أحب إلى أن أفعل ذلك. فقد قاله قبل أن تحدث عائشة رضى الله عنها ما حدثت به، فلما سمع حديثها سكت ولم يرده عليها، رواه سعيد بن منصور، وكان عبد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر، (١) الحسين بن جنید. ٣٢ ما يصنع المحرم إذا أراد الإحرام إعلاء السنن ٢٥٨٤- عن ابن عمر فى حديث له عن النبى معَّه، قال: ((وليحرم أحدكم فى إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين)). رواه أحمد، وعزاه فى "مجمع الزوائد" إلى الطبرانى فى "الأوسط"، وقال: إسناده حسن. "نيل الأوطار" (٤-١٨٥). يخالفان أباهما وجدهما فى ذلك لحديث عائشة، وذكر سالم قول عمر فى الطيب ثم قال: قالت عائشة فذكر الحديث، قال سالم: سنة رسول الله عّ لّ أحق أن تتبع، كذا فى "فتح البارى" (٣١٥:٣). وأما حديث يعلى بن أمية فقد ثبت أن الطيب الذى أمر النبى عّ لّ الرجل بغسله هو الخلوق، وهو نوع من الطيب، مركب فيه زعفران لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهى عن تزعفر الرجل مطلقا محرما وغیر محرم، ودليل ذلك ما أخرجه البخاری فی محرمات الإحرام بلفظ: عليه قميص فيه أثر صفرة. ورواه أبو داود الطيالسى فى "مسنده" بلفظ: رأى رجلا عليه جبة عليها أثر خلوق. ولمسلم نحوه، وعند سعيد بن منصور بلفظ: إن رجلا قال: يا رسول الله! إنى أحرمت وعلى جبّتى هذه، وعلى جبة ردغ من خلوق. الحديث، كذا فى "فتح البارى" (٣١٣:٣) والجواب عن قول عمر ما مر فى قول ابنه، والله تعالى أعلم .. قوله: "عن ابن عمر" إلخ، دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. قال فى "غنية الناسك" (٣٥): ويسن بعد الغسل أن يستعمل الطيب فى بدنه إن كان عنده، وإلا فلا يطلبه. "عناية". أفاد أنه من السنن الزوائد لا الهدى كما فى "السراج"، "نهر". ويجوز بما لا تبقى عينه بعد الإحرام اتفاقا (١) وكذا بما تبقى عينه بعده، كالمسك والغالية عندهما، وهو قول الشافعى أيضا. وقال محمد: إنه يكره، ويجب بذلك عنده دم، وهو قول مالك وزفر رضى الله تعالى عنهم، وبما لا تبقى عينه أفضل خروجا من الخلاف. ويستحب بالمسك لما صح بل تواتر عنه ميله التطويب به، وللاختلاف استحبوا أن يخلطه بماء ورد أو نحوه، ليذهب جرمه، أما الثوب فلا يجوز أن يطيب بما تبقى عينه بعد الإحرام إجماعا. وقيل: يجوز فى الثوب أيضا عندهما، كما فى "الفتح" " وبالبحر" والأولى أن لا يطيب ثوبه كما فى "اللباب" اهـ. (١) أى بين الحنفية. 3 ج - ١٠ ٣٣ باب استحباب الركعتين عند إرادة الإحرام ٢٥٨٥- عن سالم، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله عَّ يركع بذى الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات. الحديث، أخرجه مسلم فى "صحيحه". "زيلعى" (١-٤٧٦). باب التلبية وصفاتها ومواضعها وجواز الزيادة على المأثور ٢٥٨٦- عن ابن عمر: أن النبى معَّه كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهل، فقال: ((اللهمّ لبيك لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لك، لا شريك لك)». وكان عبد الله يزيد مع هذا: ((لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل)). متفق عليه. "نيل الأوطار" (٤-٢٠٤). ٢٥٨٧- عن جابر، قال: أهل رسول الله عَّ ◌ُّه، فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر، قال: والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبی مګے يسمع فلا يقول لهم شيئا. رواه أحمد وأبو داود ومسلم بمعناه. نيل (٤-٢٠٤). ٢٥٨٨- عن أبى هريرة: أن النبى عّ لّه قال فى تلبيته: ((لبيك إله الحق لبيك)). رواه أحمد وابن ماجة والنسائى، وصححه ابن حبان، والحاكم. "نيل الأوطار" (٢٠٤:٤). باب استحباب الركعتين عند إرادة الإحرام قوله: "عن سالم" إلخ، قلت: دلالته على الباب ظاهرة. باب التلبية وصفاتها ومواضعها وجواز الزيادة على المأثور قوله: "عن ابن عمر" إلى آخر الأحاديث، قلت: دلالتها على صيغة التلبية، واستحباب رفع الصوت بها، وجواز الزيادة بعدها، والدعاء، والصلاة على النبى مّ متصلا بها، ظاهرة، وبهذا كله نأخذ قال فى "غنية الناسك": ويسن أن يرفع صوته بالتلبية بشدة، من غير أن يبلغ الجهد فى ذلك كيلا يتضرر، ويستحب أن يكرر التلبية ثلاثا، وأن يوالى بين الثلاث، ولا يقطعها بكلام أو غيره.، وإذا لبى يستحب أن يخفض صوته، وتصل على النبى معَّ له، ويدعو بما شاء، وإن تبرك بالمأثور فحسن، وندب أن يزيد فيها لا فى خلالها بل بعدها. ولا يستحب الزيادة من غير المأثور، بل هو جائز كما يفهم من "الفتح" " والتبيين" ، أما النقص عنها أو الزيادة فى خلالها فيكره تنزيها، ٣٤ التلبية وصفاتها ومواضعها وجواز الزيادة على المأثور إعلاء السنن ٢٥٨٩- عن السائب بن خلاد، قال: قال رسول الله عَّ له: ((أتانى جبريل فأمرنى .. أن آمر أصحابى أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية». رواه الخمسة، وصححه الترمذى، وابن حبان، والحاكم، والبيهقى. نيل الأوطار (٤-٢٠٥). ٢٥٩٠- عن خزيمة بن ثابت، عن النبى عدّ له: أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله ذكره فى "الكبير" اهـ (٣٨). فائدة: إن الحمد فى التلبية يكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها على التعليل. قال فى "الفتح": والكسر أجود عند الجمهور؛ لأن من كسر قال: إن الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال: لبيك بهذا السبب الخاص. ونقل الزمخشرى. إن الشافعى اختار الفتح، وأبا حنيفة اختار الكسر اهـ من " النيل (٢٠٤:٤). قوله: "عن السائب بن خلاد" إلخ، وفيه "أن آمر أصحابی" استدل به على استحباب رفع الصوت بالتلبية بحيث لا يضر نفسه، وبه قال ابن رسلان، وخرج بقوله: "أصحابى" النساء؛ فإن المرأة لا تجهز بها، بل تقتصر على إسماع نفسها. قال الرويانى: فإن رفعت صوتها لم يحرم؛ لأنه ليس بعورة على المصحح، بل يكون مكروها. وكذا قال أبو الطيب، وابن الرفعة. كذا فى "النيل" أيضا (٤: ٢٠٦). قلت: وهو مذهبنا معشر الحنفية، ذكره فى "المنسك المتوسط" (٤٣) والأمر برفع الصوت بالتلبية دليل على كون التلية واجبة، وهو المذهب، وهو قول عطاء، فقد أخرج سعيد ابن منصور بسند صحیح عنه، قال: التلبية فرض الحج. وحکاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاؤس، وعكرمة. قاله الحافظ فى "الفتح" (٢٢٧:٣). لا يقال: إن رفع الصوت بالتلبية سنة عندكم كما ذكرته عن "الغنية" وغيرها. لأنا نقول: إن رفع الصوت بمعنى الجهر بالتلبية والتلفظ بها قدر ما يسمع نفسه واجب عندنا، والسنة إنما هو العج بها -أى رفع الصوت بشدة- وأما مطلق رفع الصوت فواجب، حتى لا يكون الرجل محرما بالنية عندنا حتى يلبى ويسمع نفسه، ودلالة الحديث على وجوبه ظاهرة؛ لما فيه من الأمر برفع الصوت بالتلبية، والله أعلم .. قوله: "عن خزيمة بن ثابت" إلخ، قلت: وفيه صالح بن محمد بن أبى زائدة أبو واقد الليثى، ٣٥ ج - ١٠ التلبية وصفاتها ومواضعها وجواز الزيادة على المأثور عز وجل رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار. رواه الشافعى، والدارقطنى. "نيل الأوطار" (٤-٢٠٥). ٢٥٩١- عن القاسم بن محمد، قال: كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلى على النبى معَّ له. رواه الدارقطنى. "نيل" (٤-٢٠٥). ٢٥٩٢- عن جابر، قال: كان رسول الله عّ لّه يلبى إذا لقى ركبا، أو علا أكمة، أو هبط واديا، وفى إدبار المكتوبة، وآخر الليل. رواه ابن عسكر فى تخريجه لأحاديث "المهذب"، وفى إسناده من لا يعرف. ٢٥٩٣- وله شاهد من حديث ابن عمر موقوفا: أنه کان یلبى راكبا ونازلا ومضطجعا. رواه الشافعى عن سعيد بن سالم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عنه. ٢٥٩٤ - وروى ابن أبى شيبة من رواية ابن سابط قال: كان السلف يستحبون التلبية فى أربعة مواضع: فى دبر الصلاة، وإذ اهبطوا واديا، أو علوه، وعند التقاء الرفاق. ٢٥٩٥- وعن خيثمة نحوه وزاد: وإذا استنفرت بالرجل دابته. كذا فى "التلخيص الحبير" (١-٢٠٩). وهو مدنى ضعيف. وأما إبراهيم بن أبى يحيى الراوى عنه فلم ينفرد به، بل تابعه عليه عبد الله بن عبد الله الأموى، "التلخيص الحبير" (٢١٠:١) قلت: وصالح بن محمد هذا مختلف فيه، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس وضعفه آخرون، وتركه من تركه لأجل أن سليمان بن حرب تركه، ولكن قال يعقوب بن سفيان: كان سليمان لا يحدث عنه بالبصرة، فلما استقضى على مكة والتقى مع المدنیین أثنوا علیه، وعرفوه حاله، وقالوا: کان من خيارنا وزهادنا، صاحب غزو وجهاد، فحدث عنه بمكة. کذا فی "التهذيب" (٤: ٤٠١) فالحدیث عندی حسن. قوله: "عن القاسم بن محمد" إلخ، قلت: سكت عنه الشوكانى فى "النيل"،" وسنده لا بأس به، إلا أن فيه صالح بن محمد وهو ضعيف، قاله فى "التعليق المغنى" (٢٦٣:١). قلت: وقد تقدم آنفا أنه حسن الحدیث مختلف فیه، وثقه أحمد، وقال: ما أرى به بأسا، فافهم. وقد ندب إلى ذلك علماءنا كما صرح به فى الغنية والله تعالى أعلم. قوله: "عن جابر" إلخ"، قلت: الحديث حسن بشواهده، وبه قال علماءنا: إنه يستحب إكثار التلبية، خصوصا عند تغير الأحوال والأزمان. ٣٦ إعلاء السنن باب وجوب التلبية وأن الإحرام لا ینعقد إلا ہہا أو بما يقوم مقامها ٢٥٩٦- عن خلاد بن السائب، عن أبيه: أن رسول الله عَ لّه قال: ((أتانى جبرئيل عليه السلام، فأمرنى أن آمر أصحابى ومن معى أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال، أو قال: بالتلبية)). أخرجه الستة. "زيلعى" (١-٢٨٤) وزاد بعضهم فيه: فإنها من شعار الحج. "الدر المثنور" وعزاه إلی الحاکم وغيره، وصححه. فائدة: قال الرافعى: ثبت عن رسول الله مَّي أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه (أى وهو محرم) قال: ((لبيك، إن العيش عيش الآخرة)). قال الحافظ: رواه ابن خزيمة، والحاکم، والبيهقى، من حديث عكرمة، عن ابن عباس، ورواه سعيد بن منصور من حديث عكرمة مرسلا. قال: نظر رسول الله مګ إلى من حوله وهو بعرفة، فقال فذكر. وروى الشافعی عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: كان النبى معَّه يظهر من التلبية: ((لبيك اللهم لبيك)) الحدیث. قال: حتی إذا کان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: ((لبيك إن العيش عيش الآخرة" اهـ "التلخيص الحبير" (٢١٠:١). وفيه أيضا: أنه مګّ قال فى تلبيته: «لبيك حقا حقا تعبدا ورقا)). رواه البزار من حديث أنس، وذكره الدار قطنى فى "العلل" الاختلاف فيه، وساقه بسنده مرفوعا، ورجح وفقه اهـ. قلت: ثبتت الزيادة فى التلبية عن النبى معَّه وفيه حجة على من لم يجوزها اعتباراً بالأذان والتشهد من حيث أنه ذكر منظوم، كما نقله صاحب "الهداية" عن الشافعى، وصاحب "البناية" عن أحمد، والله تعالى أعلم. باب وجوب التلبية وأن الإحرام لا ينعقد إلا بها أو بما يقوم مقامها قوله: "عن خلاد بن السائب" إلخ، قال الجصاص: ويتضمن ذلك معنيين: فعل التلبية، ورفع الصوت بها. وقد اتفقوا على أن رفع الصوت غير واجب، فبقى حكمه فى فعل التلبية. قلت: فدلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. ٣٧ ج - ١٠ وجوب التلبية ٢٥٩٧- عن جابر: ثم دخل رسول الله عَ ليه على عائشة رضى الله عنها وهى تبكى، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: شأنى إنى حضت، وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلى ثم أهلى بالحج، ففعلت ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة. أخرجه الشيخان. "زيلعى" (١-٥٣٠). ٢٥٩٨- وعن عائشة رضى الله عنها فى حديث طويل: فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بالصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبى عّ لّه، فقال: ((انقضى رأسك، وامتشطى، وأهلى بالحج، ودعى العمرة))، الحديث، رواه البخارى. "فتح البارى" (٣- ٢٣٠). وبطريق قراد بن أبى نوح: حدثنا نافع عن ابن عمر، وابن أبى مليكة عن عائشة: أن النبى عيّ ◌ُلِّ دخل عليها وهى كأنها حزينة، فقال: ما لك؟ فقالت: لا أنا قضيت عمرتى، وألفانى الحج عار كا، قال: ((ذلك شئ كتبه الله على بنات آدم فحجى وقولى ما يقول المسلمون فى حجهم)). الحديث، ذكره الجصاص فى "أحكام القرآن" له (١- ٣٠٦). ٢٥٩٩- عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: ((فمن فرض فيهن الحج)) قال: أهل. أخرجه الطبرى (١٥٢:٢). وفى لفظ له قوله: ((فمن فرض فيهن الحج)) قال: من أهل بحج. قوله: "عن جابر وعن عائشة" إلخ، قلت: دلالة قوله مرّه: "وأهلى بالحج" وقوله: "قولى ما يقوله المسلمون" على وجوب التلبية ظاهرة، فإنها الذى يقوله المسلمون عند الإحرام، وأمره عليه السلام على الوجوب. قاله الجصاص فى "أحكام القرآن" له (٣٠٦:١) وقراد بن أبى نوح اسمه عبد الرحمن بن غزوان، المعروف بقراد بضم القاف وتخفيف الراء، ثقة من رجال البخارى، وأبى داود، والترمذى، والنسائى، من التاسعة. "تقريب" (١٢٤). وأغرب الدار قطنى وقال: قراد شيخ من المصريين مجهول، وهو من العجائب، ولا أظن مثله يخفى على الدار قطنى، قاله الحافظ فى "اللسان" (٤: ٤٧١). قوله: "عن عبد الله بن دينار، إلى قوله: عن عطاء" إلخ، قلت: دلالتها على وجوب التلبية، وعلى أن الإحرام لا ينعقد إلا بها ظاهرة، فإن فرض الحج بمعنى الإيجاب والإلزام مما لا بد منه ٣٨ وجوب التلبية إعلاء السنن ٢٦٠٠- وأخرج عن مجاهد نحوه، قال: الفريضة التلبية. ونحوه عن إبراهيم النخعی، وطاوس. أسانيدها من بین صحاح وحسان. ٢٦٠١- عن جبير بن حبيب، قال: سألت القاسم بن محمد عمن فرض فيهن الحج؟ قال: إذا اغتسلت ولبست ثوبك ولبيت فقد فرضت فيهن الحج. أخرجه الطبرى أيضا فى تفسيره (٢-١٥٣). ورجاله كلهم ثقات. ٢٦٠٢- وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس، قال: الفرض الإِهْلال. ٢٦٠٣- وابن أبى شيبة عن ابن الزبير: ((فمن فرض فيهن الحج)) قال: الإهلال. ٢٦٠٤- وعن الزهرى قال: الإهلال فريضة الحج الدر المنثور (٢١٨:١). ٢٦٠٥- وقالت عمرة عن عائشة: لا إحرام إلا لمن أهل ولبى. "أحكام القرآن" سجصاص (١-٣٠٦) ولم أقف على أسانيدها وإنما ذكرتها اعتضادا. إجماعا، وقد اختلف أهل التأويل فى المعنى الذى يكون به الرجل فارضا للحج، فقال أكثرهم: فرض الحج مفسر بالإهلال، كما هو ظاهر من الآثار المذكورة فى المتن. وقال بعضهم: بأن فرض الحج هو الإحرام، كما ذكره الطبرى فى "تفسيره"، والسيوطى فى "الدر المنثور". وقال الجصاص: قول من تأول قوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ على من أحرم لا يدل على أنه رأى الإحرام جائزا بغير تلبية؛ لأنه جائز أن يقول: فمن أحرم وشرط الإحرام أن يلبى، فلم يثبت عن أحد من السلف الدخول فى الإحرام إلا بالتلبية، أو تقليد الهدى وسوقه، ويدل عليه (من جهة النظر) أن الحج والعمرة ينتظمان أفعالا متغايرة مختلفة مفعولة بتحريمة واحدة، فأشبهت الصلاة لما تضمنت أفعالا متغائرة مختلفة مفعولة بتحريمة واحدة. كان شرط الدخول فيها الذكر (من التكبير ونحوه، ولم تكن النية وحدها كافية للدخول فيها) كذلك الحج والعمرة واجب أن يكون الدخول فيها بالذكر أو ما يقوم مقامه اهـ (٣٠٧:١). وقال ابن قدامة فى "المغنى": يستحب للإنسان النطق بما أحرم به ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشىء واقتصر على مجرد النية كفاه فى قول إمامنا، ومالك، والشافعى. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية حتى تنضاف إليها التلبية، أو سوق الهدى؛ لما روى خلاد بن السائب الأنصارى عن أبيه، فذكر حديث المتن الذى بدأنا به الباب، وقال: رواه النسائى وقال الترمذى: هو حديث حسن صحيح ثم احتج للثلاثة بأنها عبادة ليس فى آخرها نطق واجب، فلم يكن فى أولها ٣٩ ج - ١٠ ٢٦٠٦- عن عطاء، قال: التلبية فرض الحج. أخرجه سعيد بن منصور عنه بسند صحيح، قاله الحافظ فى "الفتح" (٣-٢٢٧) قال: وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة، وهى صحاح أو حسان على أصله. باب: يلبى فى دبر الصلاة ٢٦٠٧- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبى ◌ّ أهل فى دبر الصلاة. أخرجه الترمذى، وقال: حسن غريب. "زيلعى". قلت: وفيه خصيف بن عبد الرحمن كالصيام، وبأنه لو نطق بغير ما نواه - نحو أن ينوى العمرة فيسبق لسانه إلى الحج أو بالعكس- انعقد ما نواه دون ما لفظ به. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك؛ وهذا لأن الواجب النية، وعليها الاعتماد، واللفظ لا عبرة به، فلم يؤثر كما لا يؤثر اختلاف النية فيما يعتبر له اللفظ دون النية اهـ (٢٤٢:٣). قلت: قياسه على الصيام قياس مع الفارق، فإن الحج والعمرة عبادة وجودية ذات أفعال، والصوم عبادة غير وجودية من جنس التروك غير ذات أفعال، فافترقا، والأولى ما ذكرناه من القياس على الصلاة. وأما مسألة النية والتلفظ بها فمنفصلة عن مسألة الإحرام؛ فإن النية واجبة فى العبادات كلها؛ بقوله عَّله: ((إنما الأعمال بالنيات)). ولا يلزم من كون النية محلها القلب دون اللسان، كون النية وحدها تكفى لصحة الدخول فى العبادات كلها بالإجماع، ألا ترى أنها لا تكفى للدخول فى الصلاة بدون التحريمة أى تكبيرة الافتتاح أو ما يقوم مقامها إجماعا؟ فمن نوى صلاة وصحت نيته بها لم يدخل فيها ما لم يكبر، فكذلك الإحرام بالحج والعمرة لا تكفى للدخول فيه النية ما لم يتصل بها بالتلبية أو ما يقوم مقامها، بدليل أن فرض الحج مفسر بالإهلال والتلبية، ولم يثبت عن أحد من السلف جواز الدخول فى الإحرام إلا بالتلبية أو ما يقوم مقامها، كما قاله الجصاص، بل قد ثبت عنهم كون التلبية فريضة الحج، وأنه لم يحرم إلا من أهل ولبى، فلا يصح الاعتماد على القياس مع ما ذكرنا من فساده، والإعراض عن الآثار مع كونها مستندة إلى النص مفسرة لها، ولعلك قد عرفت بذلك غاية اتباع الحنفية للآثار، وشدة تجنبهم عن القياس بمعرض النص، والله أعلم. باب يلبى فى دبر الصلاة قوله: "عن سعيد بن جبير الحديثين" إلخ، دلالتهما على الباب ظاهرة، والحديث الثانى مفسر جامع بين مختلف الأحاديث، فالأخذ به أولى، وإن كان أحاديث أنه لبى بعد ما استوت به ٤٠ التلبية بعد الصلوات إعلاء السنن الجوزى مختلف فيه، وقد حسن له الترمذى كما تراه، وقد تفرد عبد السلام بن حرب برواية هذا الحديث، وهو ثقة أخرج له الشيخان. وفى "الجوهر النقى": قال البيهقى: خصيف ليس بالقوى. قلت: هذا الحديث أخرجه الحاكم فى "مستدركه" وقال: على شرط مسلم، وأخرجه أبو داود فى "سننه" وسكت عنه، وفى "شرح المهذب" للنووى: قد خالف البيهقى فى خصيف كثيرون من الحفاظ والأئمة المتقدمین، فوثقه یحیی بن معين إمام الجرح والتعديل، وأبو حاتم، وأبو زرعة، ومحمد بن سعيد. وقال النسائى: صالح اهـ. ٢٦٠٨- عن سعيد بن جبير، قال: قلت لعبد الله بن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله عّ لّه فى إهلاله حين أوجب، فقال: إنى لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله عَ ليه حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله مد طلّ. حاجا، فلما صلى فى مسجده بذى الحليفة ركعتيه أوجب فى مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته منه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول الله عّ لّه حين استقلت به ناقته، ثم مضى عليه راحلته أصح، ولكن الجمع بين الحديثين والعمل بهما كليهما أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، کما ذكرناه غیر مرة، وأيضا فإن أحاديث أنه لبی بعد ما استوت به راحلته ساكتة عن الإهلال قبله، وحديث ابن عباس لا ینافيها، بل فیه زیادة أنه لبی فی دبر الصلاة، ولبی حین استوت به راحلته، والأخذ بالزيادة لازم، فافهم. فائدة: قال صاحب "الهداية": وهو إجابة لدعاء الخليل صلوات الله عليه، كما هو المعرف فى القصة اهـ (٢١٧:١) قال الزيلعى: فيه آثار عن الصحابة والتابعين، منها ما أخرجه الحاكم فى "المستدرك" فى فضائل إبراهيم عليه السلام عن ابن عباس، قال: لما بنى إبراهيم البيت أوحى الله .. إليه أن أذن فى الناس بالحج، قال: فقال إبراهيم: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا، وأمركم أن تحجوه. فاستجاب له ما سمعه من حجر أو شجر أو مدر أو غير ذلك: لبيك اللهم لبيك انتهى. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفيه نظر؛ لما فى عطاء بن السائب من الاختلاط. وأخرجه أيضا من جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال: