النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
من تجب عليه وعنه صدقة الفطر
إعلاء السنن
أمر رسول الله عَ لّه بصدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد ممن
تمونون. رواه الإمام الشافعى. (التلخيص الحبير ١٨٦:١).
٢٤٤٥- حدثنا: يعلى بن عبيد ثنا عبد المالك عن عطاء عن أبى هريرة
قال: قال رسول الله عَّ له: لا صدقة إلا عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد
السفلى، وابدأ بمن تعول. رواه الإمام أحمد فى "مسنده" وذكره البخارى فى
"صحيحه" تعليقا فى كتاب الوصايا فقال: وقال النبى عليه السلام: لا صدقة إلا
عن ظهر غنى. (زيلعى ٤٢٢:١).
فرض رسول الله عّ لّ على كل صغير أو كبير أو عبد ممن تمونون صاعا من شعير أو صاعا
من تمر أو صاعا من زبيب عن كل إنسان. وفيه انقطاع (١: ١٨٦).
وفى "الزيلعى" بعد ذكر هذا المنقطع والمرسل ما نصه: لكن قال الشافعى: يعضده
حديث ابن عمر والإجماع انتهى. وهذا الانقطاع الذى أشار إليه هو بين محمد ابن
على(١) وجد أبيه على بن أبى طالب اهـ (ص: ٤٢٣). وحديث ابن عمر الذى ذكره
الإمام الشافعى هو ما رواه الدار قطنى عنه مرفوعا بسند ضعيف، ولفظه ما فى هذا المرسل
وقد نقله مع تضعيفه فى التلخيص (١: ١٨٦). ودلالته على أن زكاة الفطر تجب عمن
يمون المرء ظاهرة.
قوله: "حدثنا يعلى" إلخ قال المؤلف: استدل به صاحب الهداية على اشتراط
اليسار لوجوب صدقة الفطر. (١: ١٨٨) وأما ما رواه أبو داود عن ابن أبى صغير عن
أبيه قال: قال رسول الله عَّه صاع من بر أو قمح على كل اثنين صغير أو كبير، حر أو
عبد ذكر أو أنثى. أما غنيكم فيزكيه الله تعالى، وأما فقير كم فيرد الله تعالى عليه أكثر مما
أعطاه زاد سلیمان فی حدیثه، غنی أو فقير (١: ٢٣٥).
فهذا الحديث فيه اضطراب شديد كما فى "الجوهر النقى" ذكره البيهقى فيه
حديث ابن أبى صغير.
(١) وعلىّ هذا هو ابن سيدنا الحسين رضى الله تعالى عنهم كما فى الزيلعى (١: ٤٢٣) وهو المعروف بزين العابدين.

١٠٢
ج - ٩
باب مقدار صدقة الفطر
٢٤٤٦- حدثنا: المزنى ثنا الشافعى عن يحيى بن حسان عن الليث بن
سعد عن عقيل بن خالد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن
سعيد بن المسيب أن رسول الله عَ ليه فرض زكاة الفطر مدين من حنطة. رواه
الطحاوى. (زيلعى ١: ٤٢٨).
وفيه أيضا: قال فى "التنقيح": وهذا المرسل إسناده صحيح كالشمس،
وكونه مرسلا لا يضر فإنه مرسل سعيد ومراسيل سعيد حجة.
قلت: هو حدیث اضطرب إسنادا ومتنا، وقد بین البيهقى بعض ذلك فى هذا الباب
وبعضه فى "باب من قال يخرج من الحنطة نصف صاع"، وقال صاحب التمهيد: هذا
حديث مضطرب لا يثبت وليس دون الزهرى فى هذا الحديث من تقوم به حجة،
واختلف عليه فيه أيضا انتهى كلامه. ثم على تقدير ثبوته هو مخالف للأحاديث المشهورة
. كحديث أمرت(١) أن آخذ الصدقة من أغنياء كم وحديث إنما الصدقة(٢) عن ظهر غنى
وكيف تجب الصدقة على من يأخذها (١: ٢٩٦).
فائدة:
فى "فتح القذير" بعد نقل تعليق البخارى الذى ذكر فى المتن: وتعليقاته المجزومة لها
حكم الصحة (٢: ٢٢٠).
باب مقدار صدقة الفطر
قوله: "حدثعا المزنى" إلخ فى "الزيلعى" بعد العبارة المذكورة فى المتن ما نصه: ومن
طريق الشافعى أيضا رواه البيهقى، ونقل عن الشافعى قال: حديث مدين خطأ قال البيهقى
وهو كما قال فإن الأخبار الثابتة تدل على أن التعليل بمدين كان بعد رسول الله عّ لّه اهـ.
قال الشيخ فى الإمام: وهذا طريق استدلالى غير راجع إلى حال الرواة وإلا فالسند
كله رجال الصحيح اهـ (١: ٤٢٨).
(١) لم أره بهذا اللفظ، وقد ثبت حاصله فى الكتب الستة .
(٢) فى فتح البارى: وقد أورده أحمد من طريق أبى صالح بلفظ: إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى (٣: ٢٣٣).

١٠٣
مقدار صدقة الفطر
إعلاء السنن
٢٤٤٧- عن: الحسن عن ابن عباس أنه خطب فى آخر رمضان على المنبر
بالبصرة إلى أن قال: فرض رسول الله عَّ هذه الصدقة صاعا من تمر أو شعير أو
نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك ذكر أوأنثى صغير أو كبير فلما قدم
على رأى رخص السعر فقلله: قد أوسع الله عليكم فلو جعلتموه صاعا من كل
شئ. رواه أبو داود والنسائى. (زيلعى: ٤٢٦).
وفيه قال صاحب التنقيح على التحقيق: الحديث رواته ثقات مشهورون،
لكن فيه إرسالا فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل إلخ.
٢٤٤٨- عن: محمد بن سيرين عن ابن عباس قال: أمرنا رسول الله عَّ له
أن نؤدى زكاة رمضان صاعا من طعام عن الصغير، والكبير، والحر، والمملوك
من أُدى سلتا(١) قبل منه، وأحسبه قال: ومن أدى دقيقا قبل منه. ومن أدى سويقا
قبل منه. رواه ابن خزيمة. (التلخيص الحبير ١٨٧:١).
قوله: "عن الحسن" إلخ فيه قول الراوى: فلما قدم على إلخ دال على أن الزيادة
على نصف صاع من البر كان عن على رضى الله عنه فكما أن القائلين بالصاع يأولون فيها
كذلك نحن القائلون بنصف صاع نأول فى أن التعديل كان من معاوية رضى الله عنه أو
عمر رضى الله عنه سواء بسواء وانتظر تعليقنا فى آخر الباب فى تحقيق التعديل وأما حديث
الإرسال فقد علمت أنه لا يضر.
قوله: "عن محمد بن سيرين" إلخ فيه من أدى دقيقا سويقا دل على جواز أداء
الصدقة منهما خلافا للشافعى ومالك على ما فى "رحمة الأمة" بقى أن مقداره ماذا ولم
ينص عليه فى هذا الحديث فالمشهور أنهما كأصلهما فى المقدار.
وقال صاحب الهداية: الأولى أن يراعى فيهما القدر والقيمة احتياطا وإن نص على
الدقيق فى بعض الأخبار اهـ وهو ما فى "فتح القدير" عن الدار قطنى عن زيد بن ثابت
قال: خطبنا رسول الله عَّ ◌ُّه وفيه: أو صاع من دقيق إلخ قال فى الفتح: لم يروه بهذه
الأشياء غير سليمان بن أرقم وهو متروك الحديث فوجب الاحتياط وفيه أيضا: "أو المراد
دقيق الشعير".
(١) بالضم جویا نوعی ازان یا جوترش مزه كذا فى منتخب اللغات (ص٣٨٥) مطبوع رزاقى كانبور.

١٠٤
ج - ٩
مقدار صدقة الفطر
٢٤٤٩- عن: أبى سعيد الخدرى قال: كنا نعطيها فى زمان النبى عَ ليه
صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعاً من زبيب،
فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مدا من هذا يعدل مدين.
(رواه البخارى ٢٠٤:١).
٢٤٥٠ - عن: أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: كنا نخرج فى عهد
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة
وفى "فتح البارى": قوله: "صاعا من طعام أو صاعا من تمر" هذا يقتضى المغايرة بين
الطعام وبين ما ذكر بعده، وقد حكى الخطابى أن المراد بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص
له قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات والحنطة أعلاها فلو لا أنه أرادها
بذلك لكان ذكرها عند التفصيل كغيرها من الأقوات، ولا سيما حيث عطفت عليها
بحرف أو الفاصلة، وقال: هو وغيره وقد كانت لفظة الطعام تستعمل فى الحنطة عند
الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح وإِذا غلب العرف
نزل اللفظ عليه لأن ما غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره عند الإطلاق أقرب انتهى.
وقد رد ذلك ابن المنذر (من الشافعية).
وقال: ظن أصحابنا أن قوله فى حديث أبى سعيد "صاعا من طعام" حجة لمن قال:
"صاعا من طعام حنطة" وهذا غلط منه وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره ثم أورد
طريق حفص بن ميسرة المذكورة فى الباب الذى يلى هذا وهى ظاهرة فيما قال، ولفظه:
" كنا نخرج صاعا من طعام وكان طعامنا الشعير والزبيب والإقط والتمر" وأخرج
الطحاوى نحوه من طريق أخرى عن عياض وقال فيه: ولا يخرج غيره قال: وفيه قوله:
"فلما جاء معاوية رضى الله عنه وجاءت السمراء" دليل على أنها لم تكن قوتا لهم قبل
هذا فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتا فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودا؟
انتہی کلامه.
وأخرج ابن خزيمة والحاكم فى صحيحيهما من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن
عبد الله بن عثمان بن حكيم عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد وذكروا عنده
صدقة رمضان فقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج فى عهد رسول الله عَ ليه صاع تمر أو

١٠٥
مقدار صدقة الفطر
إعلاء السنن
النبى عٍَّ يوم الفطر صاعا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير،
والزبيب، والإقط والتمر. (رواه البخارى ١-٢٠٤ و٢٠٥).
صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع إقط، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح؟
فقال: لا تلك قيمة معاوية مطوية، لا أقبلها ولا أعمل بها قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة فى
خبر أبى سعيد غير محفوظ ولا أدرى ممن الوهم؟ وقوله: "فقال رجل" إلخ دال على أن
ذكر الحنطة فى أول القصة خطأ إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها فى
عهد رسول الله عَّ صاعا فما كان الرجل يقول له أو مدين من قمح؟ وقد أشار أبو داود
إلى رواية ابن إسحاق هذه وقال: إن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ، وذكر أن معاوية بن
هشام روى فى هذا الحديث عن سفيان نصف صاع من بر وهو وهم وأن ابن عيينة حدث
به عن ابن عجلان عن عياض فزاد فيه: أو صاع من دقيق وأنهم أنكروا عليه فتركه قال أبو
داود: وذكر الدقيق وهم من ابن عيينة. اهـ.
وفيه أيضا: وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام فى حديث أبى سعيد غير
الحنطة فيحتمل أن تكون الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن وهى قوت غالب لهم،
وقد روى الجوزقى من طريق ابن عجلان عن عياض فى حديث أبى سعيد: صاعا من تمر
صاعا من سلت أو ذرة(١) اهـ.
وفيه أيضا: وقال ابن المنذر أيضا: لا نعلم فى القمح خبرا ثابتا عن النبى معَّ- يعتمد
عليه، ولم يكن البر بالمدينة فى ذلك الوقت إلا الشئ اليسير منه فلما كثر فى زمن الصحابة
رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن
قولهم إلا إلى قول مثلهم. ثم أسند عن عثمان وعلى، وأبى هريرة، وجابر، وابن عباس،
وابن الزبير، وأمه أسماء بنت أبى بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن فى زكاة الفطر نصف
صاع من قمح انتهى. وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية (٣: ٢٩٥، ٢٩٦).
وفى "الجوهر النقى": وفى الصحيحين عن ابن عمر أنه عليه السلام فرض صاعا
من تمر أو شعير فعدل الناس به نصف صاع من بر وذكره البيهقى فى الباب الذى قبل هذا
الباب، وهذا صريح فى الإجماع على ذلك، ولو صح عن النبى عَ ليه صاعا من بر لما جاز
(١) بالضم وفتح راغله ايست معروف كه آن را جوارى گويند كذا فى المنتخب (ص: ٢٤٠).
٠٠٠

ج - ٩
مقدار صدقة الفطر
١٠٦
لهم إخراج نصف صاع لأنه ربا(١) وقول الخدرى: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه
يحتمل أنه لم يرد به مخالفتهم وأنه يخرج صاعا من البر بل أراد الإخراج من الأصناف
التى كانوا يخرجونها فى عهده عليه السلام وقد صرح بذلك فى رواية مسلم قال: لا
أخرج فيها إلا الذى كنت أخرجٍ فى عهده عليه السلام صاعا من تمرا وصاعا من زيب أو
صاعا من شعير أو صاعا من إقط (١: ٢٩٧).
وفيه أيضا ما نصه: وفى "التمهيد": روى عن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعلى،
وابن مسعود، وابن عباس على اختلاف عنه، وأبى هريرة وجابر، ومعاوية، وابن الزبير
نصف صاع بر، وفى الإسناد عن بعضهم ضعف، وروى أيضا عن ابن المسيب وعطاء
وطاوس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة وسعيد بن جبير وأبى سلمة ومصعب بن
سعد وذكره ابن حزم عن عثمان، وعلى، وأبى هريرة وجابر وأبى سعيد الخدرى وعائشة
وأسماء قال: وهو عنهم كلهم صحيح (١: ٣٠٠).
وأما ما فى "الزيلعى" فى حديث أبى سعيد فى بعض طرقه من قوله ونصه: قال أبو
سعيد: أما أنا فإنى لا أزال أخرجه أبدا ما عشت (١: ٤٢٥).
فيمكن تأويله: إنى لا أؤدى الصدقة من القمح فلا حاجة لى إلى العمل بقول
معاوية رضى الله عنه بل لا أزال أودى بما أودى به فى زمن رسول الله عَ ليه. ولا بد من
التأويل لئلا يخالف قوله مذهبه وهذا هو التحقيق، وإن سلمنا أنه خالف الناس فلا يقدح
أيضا فى إجماع أكثر الصحابة كما قال الزيلعى ونصه: ولا يضر مخالفة أبى سعيد لذلك
بقوله: أما أنا فلا أزال أخرجه لأنه لا يقدح فى الإجماع سيما إذا كان فيه الخلفاء الأربعة
أو يقال: أراد بالزيادة على قدر الواجب تطوعا (١: ٤٢٦).
وفى "الزيلعى" أيضا: وقال البيهقى رحمه الله: وقد وردت أخبار عن النبى عليه
السلام فى صاع من بر وردت أخبار فى نصف صاع ولا يصح شئ من ذلك وقد بينا علة
كل واحد منهما فى الخلافيات (١: ٤٣١).
(١) هكذا فى الأصل.

١٠٧
مقدار صدقة الفطر
إعلاء السنن
قال المؤلف: أراد بقوله: "فى نصف صاع" الأحاديث المرفوعة، وهو أظهر وقد
أطال الكلام فى الباب الحافظ الزيلعى، ونقل مفصلا أحاديث الباب، وأحاديث الخصم
فيه، فإن شئت ارجع إليه. وقد نقلنا منه ومن غيره بقدر حاجة فإن كان لك مناسبة فى
الجملة الحديث والفقه سهل الأمر عليك فيما لم أنقله أيضا، ولا نعلم مخالفا فى مسئلة
القمح إلا أبا سعيد وقد نقل عنه خلاف ذلك بسند صحيح عن ابن حزم كما ذكرنا آنفا
عن "الجوهر النقى" وإلا ابن عمر على ما ذكر مذهبه صاحب "فتح البارى" فى
(٢٩٦:٣). فإن ثبت عنه صريحا فلا يضر فى إجماع الأكثر وإن استنبط من قوله: فعدل
الناس إلخ المار عن "الجوهر النقى" فلا دليل فيه كيف؟ ويمكن أنه أنكر أداءهم من الحنطة
مع أن عادتهم كان الأداء من غير الحنطة فى الأكثر فى عهده مَّه، والحمد لله تعالى على
هذا التحقيق الأنيق الحقيق بالقبول، وكان هذا كله كلاما فى الرواية.
أما الدراية فى المسئلة فهى أن لا ننكر ثبوت رفع روايات نصف صاع من القمح
بعد ورودها بطريق عديدة لبعضها أسانید محتج بها.
ونقول: إن الصحابة الذين لم تبلغهم تلك الروايات قد حكموا بها أولا باجتهادهم
الروايات كما كان عمر قد رجع من الشام فى زمن الطاعون برأى من الصحابة ثم ظهر
حديث من عبد الرحمان بن عوف كما فى الصحاح، وكما كان ابن مسعود رضى الله
عنه وقد افتى فى مسئلة الصداق بالرأى ثم ظهر حديث فيه كما رواه الترمذى وغيره،
نظائره كثيرة فیبقی علی هذا جمیع روايات الباب سالما عن الجرح، وعدم وجدان البر فى
المدينة بكثرة لا يوجب عدم وجدانها بقلة، وعلى الفرض فلا يبعد أن يذكر مد لول حكم ما
ليس يوجد فى المدينة ويوجد فى غيرها لكون شرعه عّ لّه عاما.
وأما اختلاف الروايات ياثبات بعضها نصف صاع وبعضها صاعا فيجمع بينها
بحمل النصف على الوجوب والصاع على التطوع، ولا يريبنّك أن الأخذ بالزيادة أولى
لأنه إذا سكت الناقص عن الزائد أما إذا نفى الناقص الزائد كما فى ما نحن فيه ففى الأخذ
بالزيادة ترك للناقص، وفيما قلنا وجد العمل بكليهما، فكان أولی فافهم.
واعلم أن روايات تعديل الصحابة باعتبار القيمة دالة على اعتبار القيمة فيما لم يرد

ج - ٩
١٠٨
باب ما جاء فی تحدید الصاع
٢٤٥١- حدثنا: محمد بن الحسن بن أبى يزيد الهمدانى عن الحجاج بن
أرطاة عن الحكم عن إبراهيم(١) قال: كان صاع النبى عليه السلام ثمانية أرطال،
ومده رطلين، رواه أبو عبيد القاسم بن سلام فى "كتاب الأموال".
(٤٢٣:١ زيلعی).
٢٤٥٢- حدثنا: ابن أبى عمران قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحمانى
فيه نص كما صرح به فى "الدر المختار" وغيره، نعم! عد فقهائنا الذرة والإقط مما لم يرد
فیه نص كما فى "الدر المختار ورد المختار" من البحر (٢: ٣٢). مع کون الروايات قد ورد
فيها فالإقط مذكور فى الحديث الأخير من الباب المروى عن أبى سعيد رواه البخارى.
والذرة مذكور فى ما نقلناه عن فتح البارى على حديث أبى سعيد المذکور وسياقه:
صاعا من تمر صاعا من سلت أو ذرة اهـ.
فمقتضى ما قرره فقهائنا أن لا يعتبر فيهما القيمة وقد نصوا على اعتبارها فيهما
لكن يمكن أن يقال: إن نفس الإقط والذرة لم يرد فيه أنه مَّ أمر بأدائهما صاعا كما ورد
فى غيرهما عنه عَّ بالأداء مقدرا، فلم يأخذ به الفقهاء لكن الأحوط أن يراعى الروايات
الحديثية والفقهية كلاهما ويفعل بهما كما يفعل بالدقيق والسويق من رعاية المقدار
والقيمة جميعا كما نقلناه فى حواشى حديث محمد بن سيرين عن الهداية.
باب ما جاء فى تحديد الصاع
قوله: " حدثنا محمد إلخ قال المؤلف: فى الدراية: وهذا مرسل. وفيه الحجاج بن
أرطاة (ص: ١٧٠).
والجواب عنه أن الإرسال غير مضر عندنا وعند الجمهور المتقدمين وتوثيق الحجاج
قد مر عن البعض فى كتاب الصلاة، والاختلاف غير مضر وليس فى الدينار أو لم يتكلم
فيه إلا من شاء الله تعالى دلالته على الباب ظاهرة.
قوله: "حدثنا ابن أبى عمران" إلخ. قال المؤلف: أما رجاله فإبن أبى عمران وثقه
(١) تابعی.

١٠٩
ما جاء فى تحديد الصاع
إعلاء السنن
قال: ثنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن ابن جبير عن أنس بن مالك قال: كان
رسول الله عَّ يتوضأ بالمد وهو رطلان. رواه الطحاوى (١-٢٢٣).
ابن يونس فى "تاريخ مصر" كما فى "حسن المحاضرة" (١: ١٩٧) ووثقه فى "الجوهر
النقى" أيضا ابن التركمانى (٢: ٢٤٦) ويحيى بن عبد الحميد الحمانى هذا حافظ وثقه
يحيى بن معين وغيره كما فى الميزان (٣: ٢٩٥) وفيه أيضا: قال ابن عدى: يحيى الحمانى
مسند صالح اهـ.
وفيه أيضا: قال ابن عدى: ولم أر فى مسنده وأحاديثه أحاديث مناكير وأرجو أنه لا
بأس به اهـ (٢٩٥:١ و٢٩٦).
ثم نقل صاحب الميزان من روايته عن شريك حديثا وجوده وقال: هذا حديث
متصل الإسناد سالم من الضعفة (٢٩٦:٣).
ونقل فى "الميزان" تضعيفه أيضا عن بعض الأئمة فهو مختلف فيه وقد ظهر من
صنيع صاحب الميزان تجويد حديثه أنه لم يعبا بالكلام فيه وهو من رجال مسلم كما فى
"تهذيب التهذيب" (٢٤٣:١١).
وفيه أيضا: قال على بن حكيم: ما رأيت أحفظ لحديث شريك منه. وقال أبو حاتم:
لم أر من المحدثين من يحفظ ويأتى بالحديث على لفظ واحد لا بغيره سوى يحيى الحمانى
فى حديث شريك وذكر جماعة (٢٤٨:١١) وفيه أيضا توثيقه عن آخرين (٢٤٩:١١).
قال بعض الناس: ومن اسمه شريك كثير مذكور فى "تهذيب التهذيب والميزان"
وبعضهم ضعيف، ولم أقدر علی تعیینه فى هذا المقام من تلك الكتب، ولیس فیمن روی
عنهم ذكر يحيى هذا. لكن الظاهر بل المتعين أنه روى من شريك هو ثقة كما يظهر من
تجويد سند الحديث الذى مر عن "الميزان".
قلت: هذا كلام من لم يشم رائحة من علم الحدیث وعلم رجاله، فإن شریکا إذا
أطلق لا يراد به إلا شريك بن عبد الله الكوفى، وهو من رجال مسلم ثقة مختلف فيه شئ
فى حفظه، ويحيى الحمانى من أهل الكوفة شريك الذى روى عنه ليس إلا شريك بن عبد
الله الكوفى وعبد الله بن عيسى هذا هو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمان ابن أبى ليلى
الأنصارى وثقه كثير وتكلم فيه بعضهم، وهو من رجال الستة كما فى "تهذيب
التهذيب" (٥: ٣٥٢ و٣٥٣).

١١٠
ج - ٩
ما جاء فى تحديد الصاع
٢٤٥٣- حدثنا: فهد قال: ثنا سعيد بن منصور قال: شريك عن عبد الله
قال بعض الناس: وابن جبير هذا هو عبد الله بن جبير كما فى سند الحديث الذى
بعده وروی فیه أيضا عنه عبد الله بن عيسى وهو عن أنس وفى التقريب: عبد الله بن جبير
الخزاعى أرسل حديثا مجهول من الرابعة (ص: ١٢٦) وفى الميزان: عداده فى التابعين
روى عنه سماك بن حرب مجهول (٢: ٢٦).
قلت: لم أر عبد الله بن جبير غيره فى الكتب وجهالته غير مضر فإن الراوى عنه
والذى روى هو عنه ثقتان والحديث غير منكر فقد تأيد بالحديث الذى قبله، فهو ثقة على
قاعدة ابن حبان وقد ذكرت فى كتاب الصلاة، فالحديث رجاله ثقات على اختلاف فى
بعضهم وهو غير مضر ودلالته على الباب ظاهرة.
قلت: هذا كله كلام جاهل بالحديث ورجاله فإن عبد الله بن جبير الخزاعى لم يرو
عنه غير سماك بن حرب ولم يرو إلا حديثا مرسلا ولم يثبت روايته عن أنس ولا رواية
عبد الله بن عيسى عنه بل ابن جبير هذا هو عبد الله بن جبير بن عتيك الأنصارى نسب
إلى جده روى عن ابن عمر وأنس وعنه مالك وشعبة ومسعر وعبد الله بن عيسى بن أبى
ليلى وغيرهم وهو من رجال الجماعة وثقه ابن معين وأبو حاتم وأحمد والنسائى وغيرهم
كما فى "التهذيب" (٥: ٢٨٢) وقد وقع الاختلاف فى اسم جد عبد الله هذا فقيل: جابر
ابن عتيك، وقيل: جبر، وأما ما فى نسخة الطحاوى عن ابن جبير بزياد التحتانية بعد
الموحدة فمن غلط الناسخين، فالحديث صحيح لا علة له.
قوله: "حدثنا فهد" إلخ دلالته على الباب ظاهرة، وفهد هذا هو ابن سليمان بن
يحيى ذكر توثيقه فى "الجوهر النقى" (٢: ٢٢٩) واحتج به الطحاوى كثيرا وسعيد بن
منصور صاحب السنن ثقة حافظ، وباقى الرواة قد مر تحقیق حالهم فالأثر محتج به، وفی
الباب آثار.
ففى "الزيلعى" روى ابن أبى شيبة فى "مصنفه" فى كتاب الزكاة حدثنا يحيى بن
آدم قال: سمعت حسن بن صالح يقول: صاع عمر ثمانية أرطال، وقال شريك: أكثر من
سبعة أرطال وأقل من ثمانية (١: ٤٣٢).
قال الحافظ العلامة ابن حجر فى "الدراية" بعد نقل الأثر إلى قوله ثمانية أرطال:

١١١
ما جاء فى تحديد الصاع
إعلاء السنن
ابن عيسى عن عبد الله يعنى ابن جبير عن أنس بن مالك قال: كان
"وهو معضل" (ص: ١٧٠).
قلت: لا يضر الإعضال فى التائيد. وفى "شرح الآثار" للطحاوى عن إبراهيم قال:
عيرنا صاع عمر فوجدناه حجاجيا والحجاجى عندهم ثمانية أرطال
بالبغدادى (٣٢٤:١).
وأما ما يعارض ذلك وهو فى الزيلعى أيضا: روى ابن حبان فى صحيحه فى النوع
التاسع والعشرين من القسم الرابع عن ابن خزيمة بسنده عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة
أن رسول الله عَّه قيل له: يا رسول الله! صاعنا أصغر الصيعان ومدنا أكبر الأمداد، فقال:
الهم بارك لنا فى صاعنا، وبارك لنا فى قليلنا وكثيرنا، واجعل لنا مع البركة بر کتین انتهى.
قال ابن حبان: وفى ترك المصطفى عليه السلام الإنكار عليهم حيث قالوا: صاعنا
أصغر الصيعان بيان واضح أن صاع المدينة أصغر الصيعان ولم نجد بين أهل العلم إلى يومنا
هذا خلافا فى قدر الصاح إلا ما قاله الحجازيون والعراقيون فزعم الحجازيون أن الصاع
خمسة أرطال وثلث، وقال العراقيون: ثمانية أرطال، فصح أن صاع النبى عليه السلام
خمسة أرطال وثلث إذ هو أصغر الصيعان، وبطل قول من زعم أن الصاع ثمانية أرطال
من غير دليل ثبت على صحته. (١: ٤٣١).
وفيه أيضا: وأخرج الحاكم فى المستدرك عن هشام بن عروة عن أمه أسماء بنت
أبى بكر أنها حدثته أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر فى عهد رسول الله عّ لّ بالمد الذى
يقتاب به أهل المدينة والصاع الذى يقتات به يفعل ذلك أهل المدينة كلهم انتهى. وقال:
حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وهو الحجة لمناظرة مالك وأبى يوسف
رحمهما الله تعالى انتهى. وسيأتى تقدير هذا الصاع فى ما سنتقله عن الدراية واستدل ابن
الجوزى فى "التحقيق" للشافعى وأحمد فى أن الصاع خمسة أرطال وثلاث بحديث
كعب بن عجرة فى الفدية أن النبى عليه السلام قال له: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة
مساكين لكل مسكين نصف صاع، رواه البخارى ومسلم، وفى لفظ لهما: فأمره رسول
الله عَّ أن يطعم فرقا بين ستة أو يهدى شاة أو يصوم ثلثة أيام قال: فقوله: نصف صاع
حجة لنا قال: تغلب والفرق اثنا عشر مدا وقاله ابن قتيبة. (١: ٤٣٢).

ج - ٩
ما جاء فى تحديد الصاع
١١٢
رسول الله عَّ له يتوضأ برطلين ويغتسل بالصاع. رواه الطحاوى (٣٢٣:٢).
قلت: وتضم إليه مقدمة يتوقف عليها الاستدلال وهى أن المد رطل وثلاث فيكون
اثنا عشر مدا على هذا ستة عشر رطلا ولما كان الفرق ثلاث آصع كما علم من تقسيمه
بين ستة مساكين المذكور فى الحديث قسمنا ستة عشر رطلا على ثلاثة أصح فيكون صاع
واحد خمسة أرطال وثلاث رطل.
وفى "الدراية": وأخرج البيهقى من طريق الحسين بن الوليد قال: قدم علينا أبو
يوسف فقال: قدمت المدينة، فسألت عن الصاع فقالوا: هذا صاع النبى معَّ. فقلت: ما
حجتكم؟ فأتانى نحو خمسين شيخا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم
صاع تحت ردائه كل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع النبى معَّه. فنظرت فإذا
هى سواء قال: فعيرته فإذا هو خمسة أرطال وثلاث بنقصان يسير فتركت قول أبى حنيفة
فى الصاع. (ص: ١٧٠). وفى "التلخيص الحبير" والقصة(١) رواها البيهقى
بإسناد جيد (١٨٧:١).
فالجواب عن الأول وهو الاستدلال بأصغر الصيعان أن لفظ الصيعان بصيغة الجمع
يدل على وجود صيعان أكثر من اثنين كما هو الأصل فى صيغة الجمع فيحتمل كون
بعض الصيعان أكبر من الصاع المعتبر عندنا، ويتقوى هذا الاحتمال بما قال فى "الهداية":
وهو أصغر من الهاشمى و كانوا يستعملون الهاشمى.
وفى "البناية": لأن الصاع الهاشمى اثنان وثلاثون رطلا. وعن الثانى وهو قصة أبى
يوسف ومالك رحمهما الله تعالى أنه لا دليل فيه على نفى صاع أكبر منه. لم لا يجوز أن
يوجد فى المدينة كلا الصاعين؟ كيف؟ وقد ثبت وجود صاع المعتبر عندنا بحديثى المتن
واستعمال النبى معَّ له أيضا فى الغسل والوضوء فكيف يحكم بنفى أحدهما
بثبوت الآخر؟.
وأما الثالث وهو حديث الفرق، فجوابه ظاهر بمنع المقدمة المنضمة بل نقول: إن المد
رطلان كما نقل فى النهاية أيضا ولا دليل على نفيه، ولعل الأقرب أن يقال: إن الأقوى
رواية هو ما ذهب إليه الجمهور والأحوط هو ما ذهب إليه أبو حنيفة.
(١) أى قصة أبى يوسف مع مالك فى تحديد الصاع .

ج - ٩
١١٣
باب استحباب أداء الصدقة قبل الخروج إلى الصلاة
٢٤٥٤- عن: ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله عّ له أمر بزكاة
الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. رواه الجماعة إلا ابن ماجه
(نيل ٦٨:٤).
واعلم أن الرطل لم يختلفوا فيه وما ذكر من التفاوت بين الرطل العراقى وهو
عشرون أستارا والأستار ستة دراهم فالرطل مائة وعشرون درهما، وبين الرطل البغدادى
وهو مائة وثمانية وعشرون درهما كما فى البناية فلا يعتد بهذا التفاوت، لأن ثمان دراهم
مقدار يسير عسى أن لا يظهر فى الكيل وإن ظهر فى الوزن لكن المعتبر فى الأصل هو
الكيل فلم يعتد بالتفاوت.
ونقل فى "رد المحتار أن الرطل العراقى مائة وثلاثون وتأييد بهذا أن الراجح فى
القولين السابقين مائة وثمانية وعشرون دراهم فلم يبق من التفاوت إلا ما هو كالمعدوم
يعنى تفاوت درهمين لا يظهر بالكلية فى الكيل، بل ولا فى الوزن لأمثال الحنطة التى توزن
بالميزان الكبير، ويرجح عادة على الواجب الحسابى فانعدم التفاوت بالكلية فتأمل، والله
تعالى أعلم وعلمه أحکم.
باب استحباب أداء الصدقة قبل الخروج إلى الصلاة
قوله: "عن ابن عمر" إلخ قال المؤلف: وفى"النيل": وقد ذهب الجمهور إلى أن
إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط (٤: ٦٩)، فالأمر فى الحديث
للاستحباب، والقرينة عليه ما فى الحديث الآتى من قوله "ومن أداها بعد الصلاة فهى"
صدقة من الصدقات" فإنه لم يدم عليه، ولو كان فيه ذم لكان هذا موضع بيانه فكان
(بيانا لعدم) الذم نعم! حط رتبته عمن أداها قبل الصلاة، ونحن القائلون بـ لأن ترك
المستحب أحط درجة من العمل بالمستحب والحديث الآتى وإن كان موقوفا ظاهرا لكنه
فى حكم المرفوع لأن أحكام الآخرة لا تدرك بالرأى.
رقى الهداية: ولأن الأمر بالإغناء كيلا يتشاعل الفقير بالمسئلة عن الصلاة وذلك
بالتقدم (١٩١٥١). قلت: وهذا التعليل ينبئ عن الاستحباب، ويشعر بكونه تعليلا لقوله
فى الحديث الآتى؛ طعمة للمساكين".

١١٤
إعلاء السنن
٢٤٥٥ - عن: ابن عباس رضى الله عنهما قال: فرض رسول الله علّ له
زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. فمن أداها قبل
الصلاة فهى زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات.
رواه أبو داود وابن ماجه والدار قطنى والحاكم وصححه. (نيل الأوطار ٦٩:٤).
باب جواز أداء صدقة الفطر قبل العيد
٢٤٥٦- عن: نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: أمرنا رسول الله
عَ طّه بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، قال: فكان ابن عمر
يؤديها قبل ذلك باليوم والیومین. رواه أبو داود (١-٢٣٤) وسكت عنه.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ قال المؤلف: يدل على أنه إن أدى بعدها يكفى لكن
أجره ناقص، وأيضا فيه إشارة إلى أنها لا تسقط عن الذمة بالتأخير، فإنهلو كان كذا لقال
ابن عباس: ومن أداها بعد الصلاة لا تكون صدقة الفطر.
باب جواز أداء صدقة الفطر قبل العيد
قوله: "عن نافع" إلخ قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وفى "الهداية" لأنه
أدى بعد تقرر السبب فأشبه التعجيل فى الزكاة، ولا تفصيل بين مدة ومدة
هو الصحيح، (١: ١٩١)
***
٠٠

ج - ٩
١١٥
كتاب الصوم
باب إجزاء صوم رمضان لمن لم ينو من الليل
٢٤٥٧- عن: سلمة بن الأكوع قال: أمر النبى معَّه رجلا من أسلم أن
أذن فى الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن
اليوم يوم عاشوراء. (رواه البخارى ١-٢٦٨ و ٢٦٩).
باب إجزاء صوم رمضان لمن لم ينو من الليل
قوله: "عن سلمة" إلخ قال المؤلف: فى "الزيلعى": قال الطحاوى: فيه دليل على
أن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلا أنه يجزيه نهارا قبل الزوال. (ص: ٤٣٥).
قلت: والصوم المتعين صوم رمضان، والنذر المعين كما فى "الهداية".
قال المؤلف: مراد الزيلعى نقل الاستدلال على عدم النية من الليل لامع قيد قبل
الزوال، فإنه لا دليل عليه فى الحديث بل هو قياس متأيد بأثر ابن عباس المروى فى آخر
حواشى الباب الآتى، ولا اختلاف فيه بين الجمهور فى أى صوم أجازوا فيه النية بالنهار
وإنما اختلفوا فى تعيين هذا الصوم، فالإمام أبو حنيفة عمه النفل والصوم المعين المفروض،
وغيره خصوه بالنفل، وقياس صوم رمضان عليه بنى على أن صوم عاشوراء كان فرضا فى
أول الإسلام، وقد كان كذلك كما يدل عليه ظاهر الحديث الثانى من الباب، وما فى
صحيح مسلم عن معاوية بن أبى سفيان قوله: معَّيِ "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله
عليكم صيامه، وأنا صائم". الحديث (١: ٣٥٨)، وظاهره ينفى كون صوم عاشوراء
فرضا، فالجواب عنه بحمل هذا الحدیث علی وقت نسخ فيه افتراضه، واستدل صاحب
الهداية على اشتراط النية قبل الزوال بقوله: لأنه يوم صوم فيتوقف الإمساك فى أوله على
النية المتأخرة المقترنة بأكثره كالنفل، وهذا لأن الصوم ركن واحد ممتد، والنية لتعيينه لله
تعالى فتترجح بالكثرة جنبة الوجود (١: ١٩٢).
فإن قلت: لعل المراد بالصوم فى غير الأكل الأمر بالإمساك مطلقا كما أنه المراد
يقينا فى الأكل فلا يستلزم الإجزاء كما أن القادم فى رمضان يؤمر بالإمساك، ولا يجرى

١١٦
إجزاء صوم رمضان لمن لم ينو من الليل
إعلاء السنن
٢٤٥٨- عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه
قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله عز ◌ّ يصومه فى الجاهلية. فلما قدم المدينة
صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن
شاء تركه. (رواه البخارى ١- ٢٦٨).
ذلك عنه. قلت: هذا الاحتمال باطل، لأن فيه العدول عن المعنى الحقيقى الشرعى بلا
ضرورة، وفى الأكل ضرورة، ثم لا يصح المقابلة فى الأكل وغير الأكل لكون حكمهما
واحدا حينئذ، والحديث نص فى المقابلة، فوجب الحمل فى الأكل على الإمساك اللغوى،
وفى غير الأكل على الصوم الشرعى، ويعارض حديث الباب ما فى فتح البارى: واحتج
الجمهور لاشتراط النية فى الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد الله
ابن عمر عن أخته حفصة: أن النبى ◌ّبن قال:"من لم يبت الصيام من الليل فلا صيام له".
لفظه للنسائى ولأبى داود والترمذى: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
واختلف فى رفعه، ووقفه، ورجح الترمذى والنسائى الموقوف بعد أن أطنب النسائى فى
تخريج طرقه، وحكى الترمذى فى العلل عن البخارى ترجيح وقفه، وعمل بظاهر الإسناد
جماعة من الأئمة، فصححوا الحديث المذكور منهم: ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن
حزم، وروى له الدار قطنى طريق آخر، وقال: رجالها ثقات (٤: ٤٢٢).
والجواب عنه منع المعارضة بالجمع بينهما بحمل حديث الباب على الواجب المعين،
وحديث حفصة على غيره من التطوع ونحوه، وبهذا التقرير خرج الجواب عما أورده
القاضى العلامة الشوكانى على حديث الباب بقوله "وأجيب بأن خبر حفصة متأخر، فهو
ناسخ لجوازها فى النهار" (٤: ٨١). لأن النسخ يتوقف على التعارض ولا تعارض كما قد
علمت، وما رواه أبو داود (١: ٣٣٩) فى حديث الباب إن أسلم أتت النبى معَّ اللّ. فقال:
صمتم يومكم هذا قالوا: لا قال: فأتموا بقية صومكم، واتضوه"، فلا تتوهم منه عدم إجزاء
هذا الصوم الذى نووه بالنهار، وإلا لم يؤمروا بالقضاء، وجه بطلان هذا الوهم أن هذا
الأمر بالقضاء لعله فيمن أكل قبل النية، ولا شئ فى الحديث ينفى هذا الاحتمال، ولحديث
حفصة تأويلان آخران احتارهما فى الهداية، وهو قوله "وما رواه (الشافعى) محمول على
نفى الفضيلة والكمال أو معناه لم ينو أنه صوم من الليل" اهـ. (وقد صرح فقهائنا بعدم
صحة صوم هذا الناوى) (١: ١٩٢) وجرح البعض فى استدلالنا بأن الحديث فيمن لم

ج - ٩
١١٧
باب إجزاء صوم التطوع لمن لم ينو من الليل
٢٤٥٩- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: كان النبى عّ لّه إذا دخل على
قال: هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا، قال: إنى صائم. زاد وكيع: فدخل علينا
يوما آخر فقلنا: يا رسول الله! أهدى لنا حيس فحبسناه لك، فقال: ادنيه فأصبح
صائما وأفطر. رواه أبو داود (١- ٣٤٠) وسكت عنه.
٢٤٦٠- عن: أم الدرداء كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا:
لا، قال: فإنى صائم يومى هذا، وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة
رضى الله عنهم. (رواه البخارى ١-٢٥٧).
ينكشف له الوجوب من الليل فكيف قلتم بعموم الحكم؟ والجواب أن لا تفاوت فى الحكم
باتفاق بيننا وبين الخصم، فالقول بالفرق لامساغ له.
باب إجزاء صوم التطوع لمن لم ينو من الليل
قوله: "عن عائشة" إلخ دلالته على جواز نية صوم التطوع فى اليوم ظاهرة، وأما
تقييدها بما قبل نصف النهار فقد مر تقريره فى الباب الذى قبله.
فإن قلت: إن الفعل لا عموم له، وقد مر حديث "من لم يجمع الصيام" إلخ وهو
قولى فكيف يخصص به ذلك؟ فإن القول أقوى من الفعل.
قلت: أولا: لما كرره عليه أفضل الصلاة والسلام، وفعله الصحابة كما سيأتى فى
حديث المتن من البخارى علم الجواز، وإلا كيف يمكنهم ذلك؟ فالقرينة دلت على قوة
الفعل فخصص به القول. وثانيا أن الحكم لما ثبت فى الفرض يثبت فى التطوع بالطريق
الأولى، فإن التطوع فيه وسعة فتأمل. والجزء الثانى من الحديث وهو الإفطار بعد النية فى
التطوع فسيأتى الكلام عليه مستقلا.
قوله: "عن أم الدرداء" إلخ قال المؤلف: أجمل البخارى هذا التعليقات، وقد ذكر
الحافظ العلامة ابن حجر فى "الفتح" من وصلها، وأتى بألفاظها مفصلة، فأثر أبي طلحة
وأبى هريرة مطلق عن تعيين الوقت فی الیوم أی لم یذ کر فیه أى وقت كان، فلا يعارض ما

١١٨
إعلاء السنن
باب تعليق الصوم برؤية الهلال وكذا إفطاره
٢٤٦١- عن: أبى هريرة يقول: قال النبى عدُّله: صوموا لرؤيته وأفطروا
لرؤيته، فإن أغمى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين. (رواه البخارى ٢٥٦:١).
أثبتناه، وأثر ابن عباس، فنصه فى الفتح: أنه كان يصبح حتى يظهر(١) ثم يقول: "والله لقد
أصبحت، وما أريد الصوم، وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم، ولأصومن
يومى هذا" اهـ.
وأما نص أثر حذيفة فيه فهكذا: قال حذيفة: من بدا له الصيام بعد ما تزول
الشمس فليصم (٤: ١٢٠ و١٢١) فهذان الأثران يدلان على خلاف ما أثبتناه من تقييد
النية قبل الزوال، والحديث المرفوع الفعلى مطلق عن التعيين.
فالجواب عن الأثرين على ما بدا لى أن أثر ابن عباس وقع فيه حتى يظهر، والغاية
تحتمل الخروج والدخول، والأكثر والأصل فيها الخروج كما يقتضيه حقيقة كون الغاية
غاية، ثم فى الخروج ههنا احتياط حيث يكون فيه زيادة قيد من وجوب النية قبل الظهر،
فلما اخترنا خروجها والظهر يبتدئ بفور الزوال أفاد الأثر كون النية قبل الزوال فيكون
حجة لنا. ثم لما عارض هذا الأثر بهذا التقرير أثر حذيفة أخذنا بما فيه الاحتياط، وتركنا
خلافه، وهو أثر حذيفة، ثم تفسير نصف النهار بالزوال الضحوة فاختلاف فرعى،
والقائلون بالضحوة يأولون قول ابن عباس "حتى يظهر" بإرادة حتى يقارب من الظهر،
ووجه هذا القول وجود اقتران النية بأكثر أجزاء النهار، وهو العلة لهذا التقييد فى ذوق
المجتهد، وهو يصلح لتعيين محامل النص، ومثله كثير فى جميع المجتهدين فتأمل.
باب تعليق الصوم بروية الهلال وكذا إفطاره
قال المؤلف: دلالة أحاديث الباب على الباب ظاهرة.
فائدة:
وفى "الدر المختار": واختلاف المطالع ورويته نهارا قبل الزوال وبعده غير معتبر
(١) والظهيرة وقت الظهر، وأظهر فلان حصل فى ذلك الوقت على بناء أصبح وأمسى. قال: وحين تظهرون، كما فى
مفردات الراغب (٣: ٦٨).

ج - ٩
تعليق الصوم برؤية الهلال وكذا إفطاره
١١٩
٢٤٦٢- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله عَ ليه يتحفظ
من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم یصوم رمضان لرؤيته فإن غم علیه عد
ثلاثين يوما ثم صام. رواه الدارقطنى (١-٢٢٢)، وقال: هذا إسناد حسن
صحيح. وفى "الدراية" (ص-١٧٢): على شرط مسلم.
على ظاهر المذهب،، وعليه أكثر المشائخ، وعليه الفتوى "بحر عن الخلاصة"، (١٥٤:٢)
مع رد المحتار.
وأما ما رواه الجماعة إلا البخارى وابن ماجة كما فى النيل عن كريب أن أم الفضل
بعثته إلى معاوية بالشام فقال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل على رمضان وأنا
بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فى آخر الشهر فسألنى عبد الله بن
عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة فقال: أنت
رأيت؟ فقلت: نعم! ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا
نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت: ألا تكتفى برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا
هكذا أمرنا رسول الله مت طلّه (٤: ٧٨).
فالجواب عنه أولا وإن لم ينطبق هذا الجواب على قواعد الحنفية بما فى النيل أيضا:
واعلم أن الحجة إنما هى فى المرفوع من رواية ابن عباس رضى الله عنه لا فى اجتهاده الذى
فهم عنه الناس، والمشار إليه بقوله: هكذا أمرنا رسول الله عَّ، هو قوله: "فلا نزال
نصوم حتى نكمل ثلاثين"، والأمر الكائن من رسول الله عَّ هو ما أخرجه الشيخان
وغيرهما بلفظ "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم
فأكملوا العدة ثلاثين" وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد بل هو خطاب لكل
من يصلح له المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر
من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد لقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما
لزمهم، ولو سلم توجه الإشارة فى كلام ابن عباس رضى الله عنه إلى عدم لزوم رؤية أهل
بلد لأهل بلد آخر لكان عدم اللزوم مقيدا بدل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد
ما يجوز معه اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذى
يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد، وليس بحجة، ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل فلا

١٢٠
تعليق الصوم برؤية الهلال وكذا إفطاره
إعلاء السنن
٢٤٦٣- عن: أبى البخترى قال: خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة
قال: فرأينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن
ليلتين. قال: فلقينا ابن عباس رضى الله عنهما فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض
يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض، وشهادته فى جميع
الأحكام الشرعية، والرؤية من جملتها، وسواء كان من القطرين من البعد ما يجوز معه
اختلاف المطالع أم لا، فلا يقبل التخصيص إلا بدليل اهـ.
وفيه أيضا: ولم يأت ابن عباس بلفظ النبى معَ ◌ّ، ولا بمعنى لفظه حتى ننظر فى
عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملة (٤: ٧٩).
وثانيا وهو المنطبق على قواعدنا، ومنها: أن قول الصحابى حجة عندنا أن هذا واقعة
حال، ولم ينكشف إجماله فلم يعلم أن ابن عباس بأى وجه ترك ذاك فيحتمل ما قال به
المستدل، ويحتمل أن عدم قبوله شهادة كريب، ونقله لرؤية معاوية لعدم تحقق شرائط
القبول المفصلة فى الفروع، فإنه إذا لم يكن غيم لا يقبل قول الواحد مثلا فلا يمكن
الاستدلال به.
واعلم أن عدم اعتبار اختلاف المطالع الظاهر أنه عام لجميع الأهلة، وفرق العلامة
الشامى بين هلال رمضان وهلال ذى الحجة استنادا بما قالوا فى الحج، واستدلالا بتعاق
صوم رمضان بمطلق الروية فى قوله عليه السلام "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" هذا
بخلاف الأضحية لا يصح، واستناده بما قالوا فى الحج ساقط لأن مبناه دفع الحرج بعد
وقوع الحج لا اعتار اختلاف المطالع، فإن تحققت شهادة قبل الحج تقبل، واستدلاله بتعلقه
بمطلق الروية يرده حديث الشيخين، ولفظه "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا
حتى تروه" كما فى النيل (٤: ٧٩) فإن فيه نسبة الروية إلى المكلفين فلم يصح، ودعوى
تعلقه بمطلق الروية بالمكلفين، ومثله وقع فى الأضحى فى حديث الترمذى ولفظه " الصوم
يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون" وإسناده حسن (١: ٩٣)
فساوى جميع الأشهر فى هذا الحكم فافهم.
واعلم أن دليل من لم يقل باعتبار اختلاف المطالع قوله عليه السلام: "إنا أمة أمية لا
نكتب ولا نحسب". متفق عليه (مشكاة ١: ١٦٦) فإن اعتباره يتوقف على دقائق الهيئة