النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ فوائد شتّى المتعلقة بالجنائز ج - ٨ فائدة: قال ابن قدامة: واتباع الجنائز سنة. قال البراء: "أمرنا رسول الله عَ ليه باتباع الجنائز"، وهو على ثلاثة أضرب، أحدها أن یصلی علیها ثم ينصرف. قال زيد بن ثابت: "إذا صليت فقد قضيت الذى عليك"، وقال أبو داود: "رأيت أحمد ما لا أحصى صلى على جنائز ولم يتبعها ولم يستأذن". الثانى أن يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن. الثالث أن يقف بعد الدفن فيستغفر له، ويسأل الله له التثبت، ويدعو له بالرحمة، لقول رسول الله مَّ لّه ((من شهد الجنازة حتى يصلى فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان)). (هذا دليل الثانى)، وروى عن النبى معَّه أنه كان إذا دفن ميتا وقف، وقال: "استغفروا واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل" رواه أبو داود اهـ (٣٦١:٢). قلت: وهذا تقسیم حسن. فائدة: قال الحافظ فى التلخيص: رؤى الدار قطنى من حديث سفيان عن عمرو بن دينار: "أن امرأة نصرانية ماتت، وفى بطنها ولد مسلم، فأمر عمر أن تدفن مع المسلمين من أجل ولدها". ورواه البيهقى من حديث ابن جريج عن عمرو عن شيخ من أهل الشام عن عمر نحوه اهـ (١٧٢:١): قلت: المذكور من السند ليس فيه إلا الانقطاع بين عمرو بن دينار وعمر، وجهالة الشيخ من أهل الشام، ولكن مراسيل عمرو بن دينار حسان، كما يظهر من التدريب، وذكرناه فى المقدمة. وقال ابن قدامة فى المغنى (٤٢٣:٢): وإن ماتت نصرانية وهى حاملة من مسلم دفنت بين مقبرة المسلمين ومقبرة النصارى. اختار هذا أحمد، لأنها كافرة لا تدفن فى مقبرة المسلمين فيتأذوا بعذابها، وولدها محكوم بإسلامه، فلا يدفن بين الكفار، وتدفن منفردة، مع أنه روى عن واصلة بن أسقع مثل هذا القول، وروى عن عمر أنها تدفن فى مقابر المسلمين. قال ابن المنذر: لا يثبت ذلك قال أصحابنا: ويجعل ظهرها إلى القبلة على جانبها الأيسر، ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن، لأن وجه الجنين إلى ظهرها اهـ. قلت: مذهب الحنفية فى المسألة كقول الحنابلة سواء كما فى مراقى الفلاح مع الطحطاوى (٢٦٨). ٣٦٢ إعلاء السنن أبواب الشهيد باب أن الشهید لا يغسل، ویدفن بدمه وبشابه ونزع الحديد والجلود منه ولکن یکفن ٢٣٢٥- عن: عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه: ((أن رسول الله عَّ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد فى ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه فى اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء. وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، ((ولم يغسلهم)) رواه البخارى (١٧٩:١). ٢٣٢٦- عن: ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((أمر رسول الله عَ ليه بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد، والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم)). رواه أبو داود (١٦٤:٢)، وسكت عنه. باب أن الشهید لا يغسل، ويدفن بدمه، وبثيابه ونزع الحديد والجلود منه ولکن یکفن قوله: "عن عبد الرحمن" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول والثانى من الباب ظاهرة. قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال المؤلف: وفى الزيلعى: وأعله النووى بعطاء (٣٦٦:١). قلت: هو عطاء بن السائب كما هو مذكور صريحا فى سنن أبى داود . . والجواب عنه أن إعلال النووى بعد سكوت أبى داود عليه غير مضر، كما مر غير مرة من أن الاختلاف غير مضر، فإن أبا داود إما لم يضر عنده الكلام فى العطاء هذا، وإما أنه وجد متابعا له، فسكت عليه، وجعله محتجا به، فلا حاجة لنا إلى تطويل الكلام فيه. ودلالته على الجزء الثانى والثالث والرابع من الباب ظاهرة. ٣٦٣ ج - ٨ ٢٣٢٧- عن: جابر رضى الله عنه قال: ((رمى رجل بسهم فى صدره أو فى حلقه، فمات فأدرج فى ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول الله عَّ خلّه)). رواه أبو داود (١٦٤:٣) وسكت عنه هو والمنذرى. وفى "نصب الراية" (٣٦٦:١): قال النووى فى الخلاصة: سنده على شرط مسلم. ٢٣٢٨٠- عن: خباب رضى الله عنه قال: هاجرنا مع رسول الله عَ ليه الحديث، وفيه: كان منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطى بها رجلاه خرج رأسه فقال النبى عَ ظله: (غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجله من الإذخر)) الحديث رواه البخارى (٥٧٩:٢). باب الصلاة على الشهيد ٢٣٢٩ - عن: أبى مالك الغفاری أخرجه أبو داود فى المراسيل من طريقه، وهو تابعى اسمه غزوان، ولفظه: ((أنه عّ لّه صلى على قتلى أحد عشرة عشرة، فى كل عشرة حمزة، حتى صلى عليه سبعين صلاة)). ورجاله ثقات. "التلخيص الحبير" (١٥٩:٩). ٢٣٣٠- عن: عبد الله بن الزبير ((أن رسول الله عَ لّه أمر يوم أحد بحمزة، قوله: "عن جابر" إلخ. دلالته على الجزء الثالث من الباب ظاهرة. قوله: "عن خباب" إلخ. قال الشيخ: فى الحديث دلالة على تكفين الشهيد فى ثيابه، ولا يزاد عليها إن كان فيها كفاية وإلا أتمه بالزائد. وفى الهداية: فيكفن، ويصلى عليه، ولا يغسل عن الشهيد دمه، ولا ينزع عنه ثيابه، وينزع عنه الفرو، والحشو، والسلاح، والخف. ويزيدون وينقصون ما شاؤوا إنما ما للكفن أهـ. باب الصلاة علی الشهید قوله: "عن أبى مالك" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، والإرسال غير مضر. قوله: "عن عبد الله" إلخ قال المؤلف: مثل هذا الإرسال لا يضر عند المحدثين أيضا، ٣٦٤٠ الصلوة على الشهيد إعلاء السنن فسجی بیردة، ثم صلى عليه، فكبر تسع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى، ويصفون، ویصلی علیهم وعلیه معهم» رواه الطحاوى، وإسناده مرسل قوى، وهو مرسل صحابى رضى الله عنه "آثار السنن" (١٢١:٢). قلت: لم أقدر على تحقيق سنده، فالعهدة علیه. ٢٣٣١- عن: ابن عباس رضى الله عنهما قال: ((أتى بهم رسول الله عَليه ودلالته على الباب ظاهرة. قال الشيخ: فيه تكفين الشهيد لقوله: "فسجى بيردة". وما فى الحديث من تكرار الصلاة على حمزة فإما أن يكون خصوصية له رضى الله عنه، وإما أنه ◌ّ ◌ّ لم ينو الصلاة عليه فى كل مرة، وإنما ترك مع الشهداء الآخرين لمحض البركة بوضعه قرب الصلاة، وفى جوار الصالحين، وأما ما وقع فى الحديث من قوله: "حتى صلى عليه سبعين صلاة" مع أن شهداء أحد كانوا سبعين، فكيف يصح؟ فالكشف عن حقيقته أن فى مراسيل أبى داود (ص: ٤٦): عن أبى مالك "أمر رسول الله عّ لّ يوم أحد بحمزة، فوضع وجئ بتسعة، فصلى عليهم رسول الله عّ لّه، فرفعوا، وترك حمزة ثم جئ بتسعة، فوضعوا، فصلى عليهم سبع صلوات حتى صلى عليه سبعين، وفيهم حمزة فى كل صلاة صلاها" اهـ. فوضح بهذه الرواية إن ثبتت معنى قول الراوى: حتى صلى عليه سبعين صلاة" وهو أن هذه السبع لما كان المقصود به تعلقه بالسبعين كان باعتبار القصد سبعين صلاة، لأن كل واحدة من الصلاة تعلقت بكل كل من العشرة، كما فى التلخيص الحبير: وقد أعله الشافعى بأنه متدافع لأن الشهداء كانوا سبعين(١) فإذا أتى بهم عشرة عشرة يكون قد صلى سبع صلوات، فكيف يكون سبعين؟ قال: وإن أراد التكبير فيكون ثمانيا وعشرين تكبيرة لا سبعين. وأجيب أن المراد صلى على سبعين نفسا، وحمزة معهم كلهم، فكأنه صلى عليه سبعين صلاة اهـ (١٥٩:١) قوله: "عن ابن عباس" إلخ. فى التلخيص الحبير (١٥٩:١) ما محصله: فيه يزيد (١) فى فتح البارى (٢٨٨:٧): روى الحاكم فى الإكليل، وابن مندة من حديث أبى بن كعب رضى الله عنه قال: "قتل من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة وصححه ابن حبان من هذا الوجه اهـ. ٣٦٥ ج - ٨ الصلوة على الشهيد يوم أحد، فجعل يصلى على عشرة عشرة، وحمزة هو كما هو يرفعون، وهو كما هو موضوع))، رواه ابن ماجه (٢٣٧:١). وقال السندى: ويظهر من "الزوائد" أن إسناده حسن. ٢٣٣٢- عن: جابر بن عبد الله يقول: ((فقد رسول الله عَ لّه حمزة حين فاء الناس من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرات، فجاء رسول الله عَ ظِّ نحوه، فلما رآه، ورأى ما مثل به شهق(١)، وبكى. فقام رجل من الأنصار، فرمى عليه بثوب ثم جىء بحمزة، فصلى عليه، ثم جيئ بالشهداء، فيوضعون إلى جانب حمزة، فيصلى عليهم ثم يرفعون، ويترك حمزة، حتى صلى على الشهداء كلهم، وقال ◌ّ له: ((حمزة سيد الشهداء عند الله يوم القيامة)) مختصرا. أخرجه الحاكم فى "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه "زيلعى" (٣٦٧:١). ابن أبى زياد، وفيه ضعف يسير اهـ. قلت: قد وثقه مسلم فى مقدمته، وأخرج له فالحديث حسن، ودلالته على الباب ظاهرة. قوله: "عن جابر" إلخ. قال المؤلف: وفى الزيلعى أيضا: وتعقبه الذهبى فى مختصره فقال: أبو حماد الحنفى قال النسائى فيه: "متروك" (ص:٣٦٧). قال المؤلف: قال الذهبى فى الميزان: مفضل بن صدقة أبو حماد الحنفی کوفی، إلى أن قال: روی عباس عن يحيى "ليس بشىء" وقال: س "متروك". وفيه: وقال ابن عدى: "ما أرى بحديثه بأسا" وكان أحمد بن محمد بن شعيب يثنى عليه ثناء تاما. وقال الأهوازى: "كان عطاء بن مسلم يوثقه" اهـ (١٩٤:٣). وفى لسان الميزان (٦: ٨١): قال أبو حاتم "ليس بقوى يكتب حديثه"، وقال البغوى: "صالح الحديث" اهـ. قال بعض الناس: فثبت أنه مختلف فیه فلم یبال الحاکم بالاختلاف فصححه. فإن قيل: كان عليه يحسنه للاختلاف فى هذا الراوى، قلت: يلزم أن يعتبر الاختلاف مطلقا، (١) فى القاموس: تردد البكاء فى صدره. ٠. ٣٦٦ الصلوة على الشهيد إعلاء السنن ٢٣٣٣- عن: شداد بن الهاد أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبى على لأنه فآمن به وأتبعه. ثم قال: ((أهاجر معك)). فأوصى به النبى معَّه بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم النبى عَّ شيئا، فقسم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: (قسم قسمه لك النبى عَّه)) فأخذه، فجاء به إلى النبى عَّ، فقال: ((ما هذا؟)) قال: ((قسمته لك)) قال: ((ما على هذا اتبعتك، ولكنى اتبعتك على أن أرمى إلى ههنا، وأشار إلى حلقه، بسهم فأموت، فأدخل الجنة)). فقال: ((إن تصدق الله يصدقك))، فلبثوا قليلا، ثم نهضوا فى قتال العدو، فأتى به النبى عَّه يحمل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبى معَّهِ: ((أهو هو؟)) قالوا: "نعم!" قال: (صدق الله، فصدقه))، ثم كفنه النبی مګ فى جبة النبى مێآ، ثم قدمه، فصلى عليه. فكان مما ظهر من صلاته ((اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا فى سبيلك، فقتل « شهيدا على ذلك)). رواه النسائي، والطحاوى، وإسناده صحيح "آثار السنن" (١٢٠:٢ و١٢١)، قلت: وسكت عنه النسائى (٢٧٧:١). ٢٣٣٤- حدثنا: عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة ثنا عطاء بن السائب وإلا يلزم أن رجال البخارى الذين تكلم فيهم ينزل حديثهم عن درجة الصحيح إلى رتبة الحسن اهـ. قلت: ولكنك تنسى هذا الأصل فى كثير من المواضع، وتخبط خبط عشواء، ودلالته على الباب ظاهرة. قوله: "عن شداد" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وما قال القاضى الشوكانى فى النيل عن النافين للصلاة على الشهداء ما نصه: (وأما حديث شداد بن الهاد، فهو مرسل، لأن شدادا تابعى" اهـ (٢٧٧:٣). يرده ما فى تهذيب التهذيب: روى عن النبى عّ لّه، وعن ابن مسعود وفيه: وقال البخارى: له صحبة، وذكره ابن سعد فيمن شهد الخندق اهـ (٣١٨:٤ و٣١٩). وما فى التقريب (ص: ٨٤): "صحابى شهد الخندق وما بعدها" اهـ. ثم أن عندنا إرسال التابعى أيضا غير مضر. قوله: "حدثنا عفان" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. y؟ ج - ٨ الصلوة علی الشهید ٣٦٧ عن الشعبى عن ابن مسعود قال: ((كان النساء يوم أحد خلف المسلمين(١) يجهزن على جرحى المشركين إلى أن قال: فوضع النبى ◌ّ ◌ُلّ حمزة رضى الله عنه، وقال الشيخ: وفى هذا الحديث صلاته مَ لّه على رجل رجل، وفى أول أحاديث الباب عشرة عشرة، ولا تعارض، فلعله عّ لّه صلى أولا على عشرة عشرة ثم وجد بعض القتلى بعده، فصلى عليهم واحدا واحدا، أوقد كان صلى أولا على واحد واحد، ثم لما ثقل عليه صلى على عشرة عشرة اهـ. ثم اعلم أن أحاديث الباب يعارضها حديثان. الأول: حديث جابر رضى الله عنه، وقد تقدم فى باب أن الشهید لا يغسل، وفيه: "ولم يصل عليهم"، وفی فتح الباری فی باب الصلاة على الشهداء حيث ذكر هذا الحديث بسند آخر عن جابر رضى الله عنه ما نصه: قوله: "ولم يصل عليهم" هو مضبوط فى روايتنا بفتح اللام وهو اللائق بقوله بعد ذلك: "ولم يغسلوا"، وسيأتى بعد بابين من وجه آخر (وهو ما تقدم فى كتابى هذا) عن الليث بلفظ: "ولم يصل عليهم، ولم ( يغسلهم" وهذه بكسر اللام، والمعنى: ولم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره اهـ (١٦٨:٣). والثانى: حديث أنس رضى الله عنه رواه أبو داود من طريق ابن وهب قال: أخبرنى أسامة بن زيد الليثى أن ابن شهاب أخبره أن أنس بن مالك حدثهم "أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم". وسكت عنه هو، والمنذرى ورواه الحاكم وصححه، كما فى التلخيص الحبير (١٥٨:١). وفى زاد المعاد (٣٥٥:١): إن رسول الله عَّه لم يصل على شهداء أحد، ولم يعرف عنه أنه صلى على أحد استشهد معه فى مغازيه، وكذلك خلفاءه الراشدون، ونوابهم من بعدهم اهـ. تواتر نفى الصلاة على شهداء أحد، قاله الشافعى وفى فتح البارى (١٦٨:٣): وقال الشافعى رحمه الله فى الأم: جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبى عّ لّه لم يصل على قتلى أحد، وما روى أنه صلى (١) جهز على الجريح كشت خسته را"منتهى الأرب". ٣٦٨ الصلوة على الشهيد إعلاء السنن وجىء برجل من الأنصار، فوضع إلى جنبه، فصلى عليه، فرفع الأنصارى، وترك حمزة، ثم جىء بآخر فوضع إلى جنب حمزة، فصلى عليه، ثم رفع، وترك عليهم، و کبر علی حمزة رضی الله عنه سبعین تکبیرة لا یصح، وقد کان ینبغی لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحيى على نفسه اهـ. وفى نصب الراية (٣٢٨:١): قال السهیلی: لم يرو عن النبى عليه السلام أنه صلى على شهيد فى شىء من مغازيه إلا فى هذه الرواية(١) التی ذ کرها عن ابن إسحاق بسند ضعيف، وهو حديث ابن عباس، ولا فی مدة الخلیفتین من بعده اهـ. والجواب عن الأول أنه رضى الله عنه قد روى الصلاة عليهم أيضا، كما مر فى المتن، فالتوفيق بين قوليه أولى من طرح أحدهما، وهو ذكره الشيخ بأنه لم يصل عليهم واحدا واحدا كالعادة الأكثرية فى الأموات. قال السندى فى تعليقه على ابن ماجة (٢٣٨:١): فتأويله عنده أنه لم يصل على أحد كصلاته على حمزة حيث صلى عليه مرارا، وعلى غيره مرة اهـ. والأحاديث فى ثبوت الصلاة كثيرة، كما قد علمت، والمثبت مقدم على النافى. قال الشيخ: ومن المعلوم من الدين أن الصلاة على الميت المسلم فرض فى الأصل، فما دام لا ينفيه ناف قاطع لا يترك الأصل، ونفى الصلاة على الشهداء ليس قاطعا، فيعمل بالأصل فى الصلاة عليهم، وهذا قوة لجانب الإثبات دراية، وبسط الكلام فى المسألة فى "نيل الأوطار" "والتفسير المظهرى" اهـ، وببعض هذا التقرير يحصل الجواب عن الحديث الثانى. فوائد شتى الأولى: حديث أنس قد رواه أبو داود، وسكت عنه هو، والمنذری، کما فی عون المعبود (١٥٨:٣): بلفظ آخر "أن النبى مرُّلّه مر بحمزة رضى الله عنه، وقد مثل به، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره" اهـ (١) فى شهداء أحد. ٣٦٩ ج - ٨ الصلوة على الشهيد حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة)). مختصرا رواه الإمام أحمد فى "مسنده"، ورواه عبد الرزاق فى "مصنفه" عن الشعبی مرسلا لم یذ کر فیه ابن أسامة بن زيد اللیثی وفى الدراية: فى إسناده أسامة الليثى وهو لين، وقال الدار قطنى: تفرد عثمان بن عمر بهذه الزيادة، وقد رواه ابن وهب عن أسامة وهو أعلم الناس بحديثه فقال: "ولم يصل عليهم" أخرجه أبو داود أيضا اهـ. وفى التلخيص الحبير (١٥٨:١): وهذا هو الذى أنكره البخارى على أسامة بن زيد، وكذا أعله الدار قطنى اهـ. وفى نصب الراية (٣٦٤:١): قال ابن الجوزى رحمه الله فى التحقيق: وعثمان بن عمر مخرج له فی. الصحيحين، وزيادة من الثقة مقبولة انتهى. وفيه أيضا: أخرجه الحاكم فى المستدرك، وقال: على شرط مسلم اهـ (٣٦٨:١). قلت: أسامة فیه کلام کثیر، وقد قال ابن عدى: یروى عنه الثورى، وجماعة من الثقات، ویروی عنه ابن وهب نسخة صالحة، وهو كما قال ابن معین: لیس بحديثه باس، وقال البرقى عن ابن معين: أنكروا عليه أحاديث، وقال العجلى: ثقة. وقال أبو داود: صالح، وقال الحاكم فى المدخل: روی له مسلم، واستدلت بكثرة روايته له على أنه عنده صحيح الكتاب، على أن أكثر تلك الأحاديث مستشهد بها، أو هو مقرون فى الإسناد. وقال ابن حبان فى الثقات يخطى، وهو مستقيم الأمر صحيح الكتاب، وقال ابن القطان القاسی: لم يحتج به مسلم، إنما أخرج له استشهادا، وضعفه الإمام أحمد، ویحیی بن سعید، والنسائی، هذا كله من ترجمته فى تهذيب التهذيب (٢٠٨:١). وصحح له عبد الحق حديثين قاله ابن القطان، كما فى نصب الراية (٣٦٨:١). قلت: فحديثه لا ينزل من رتبة الحسن، والتوفيق بین الروایتین ممكن بما ذكره السندی، وقد تقدم قریبا. الثانية فى نصب الراية (٣٦٩:١): حدثنى الثورى عن الزبير بن عدى عن عطاء: "النبی مێ صلی علی قتلى بدر" ، وحدثنى عبد ربه بن عبد الله عن عطاء عن ابن عباس رضى الله عنه مثله، رواه الواقدى فى كتاب المغازى اهـ. والواقدى هو محمد بن واقد الأسلمى المدنى القاضى نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه، كذا فى "التقريب" ٣٧٠ الصلوة على الشهيد إعلاء السنن مسعود رضى الله عنه، كذا فى "نصب الراية" (٣٧٧:١). وفى "الدراية" (ص ١٥٠): وهو (أى المرسل) أصح اهـ. (ص: ١٩٢). وفى مجمع الزوائد (١٢٨:١): فى الواقدی کلام وقد وثقه غير واحد اهـ. قال بعض الناس: وعبد ربه بن عبد الله صوابه عبدة، كما فى التقريب (ص: ١١٨). وهو ثقة أخرجوا له إلا مسلما، مات سنة ثمان وخمسين بعد المأتين، وقيل: فى التى قبلها، كما فى التقريب (ص: ١٣٤). وعطاء هو ابن رباح ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، أخرجوا له، مات سنة أربع عشرة بعد المائة على المشهور، ذكره فى التقريب (ص: ١٤٤). فتبين أن بين عبدة، وبين عطاء انقطاعا، أو سقط الراوى من بينهما فى الكتابة اهـ. قلت: ما أجهلك بعلم الإسناد! فإن عبدة بن عبد الله الصفار من الحادية عشر روى عنه أصحاب الصحاح إلا مسلما، فكيف يمكن أن يروى عنه الواقدى الذى هو من التاسعة، ومن أصحاب مالك، والثورى، والأوزاعى، وابن جريج، ومن شيوخ الشافعى، وأبى بكر بن أبى شيبة؟ والظاهر أن الراوى عن عبد ربه هو الثورى وهو القائل "وحدثنى"، وعبد ربه هو عبد ربه بن سعيد من رجال الجماعة. ثقة مأمون روى عنه شعبة، والسفيانان كما فى التهذيب (١٢٧:٦). وباقى الإسناد رجاله رجال الجماعة. وفى نصب الراية أيضا: روى الواقدى رحمه الله فى كتاب فتوح الشام: حدثنى رويم بن عامر عن سعيد بن عاصم عن عبد الرحمن بن بشار عن الواقصى عن سيف مولی ربيعة بن قيس اليشكرى قال: "كنت فى الجيش الذى وجهه أبو بكر الصديق رضى الله عنه مع عمرو بن العاص رضى الله عنه إلى إيلة، وأرض فلسطين". فذكر القصة بطولها إلى أن قال: "فلما نصر الله المسلمين، وانكشف القتال لم يكن هم المسلمين إلا افتقاد بعضهم بعضا، فقدوا من المسلمين مائة وثلاثين نفرا، منهم سيف بن عباد الحضرمى، ونوفل بن دارم، وسالم بن رويم، وسعيد بن خالد، وهو ابن أخى عمرو بن العاص لأمه، واغتم عمرو بن العاص لفقدهم اغتماما شديدا، فلما أصبح النهار أمر عمرو الناس يجمع الغنائم، وأن يخرجوا إخوانهم من بين الروم وبنى الأصفر، فالتقطوهم مائة وثلاثين رجلا، ج - ٨ الصلوة على الشهيد ٣٧١ قلت: الشعبى لم يسمع من ابن مسعود رضى الله عنه، كما فى ترجمته ثم صلى عليهم عمرو بن العاص، ومن معه من المسلمين، ثم أمر بدفنهم، وكان مع عمرو ابن العاص رضى الله عنه من المسلمين تسعة آلاف رجل، وأرسل عمرو إلى أبى بكر رضى الله عنه كتابا فيه: "الحمد لله والصلاة على نبيه، إنى وصلت إلى أرض فلسطين، ولقينا عسكر الروم مع بطريق يقال له: روماس، فى مائة ألف رجل، فمن الله علينا بالنصر وقتلنا منهم أحد عشر ألفا، وقتل من المسلمين مائة وثلاثون رجلا أكرمهم الله بالشهادة " انتهى. قلت: لا أعرف هذا الإسناد. وفى الطحاوى (٢٩١:١): حدثنا ابن أبى (١) داود قال: ثنا الخطاب بن عثمان الفوزى قال: ثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن عبد الله قال: "سمعت مكحولا يسأل عبادة بن أوفى النميرى عن الشهداء يصلى عليهم؟ فقال عبادة: نعم!". فهذا عبادة بن أوفى يقول هذا، ومعازى أصحاب رسول الله مَّه بعد رسول الله عَ ◌ّه إنما كان جلها هناك نحو الشام، فلم يكن يخفى على أهله ما كانوا يصنعون بشهدائهم من الغسل، والصلاة وغير ذلك اهـ. وعبادة مختلف فى صحبته، كما فى تجريد أسد الغابة للذهبى، وسعيد لم أعرفه، وإسماعيل كما فى التقريب (ص:١٧): "صدوق فى روايته عن أهل بلده (أى عن أهل الشام) مخلط فی غیرهم" اهـ. وباقى الإسناد يحتج به، والأثر صالح للاحتجاج به لكون الطحاوى ذكره فى موضع الاحتجاج. الثالثة فيمن لم يصل عليه معبّه من غير الشهداء. فالأول: منهم قاتل نفسه، فروى الجماعة إلا البخارى عن جابر بن سمرة رضى الله عنه: "أن رجلا قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه النبى معَّ ◌ٍ". كذا فى النيل (٣: ٢٨١). ولفظ النسائى وسكت عنه: رجلا قتل نفسه بمشاقص، فقال رسول الله عرّ ضله: "أما أنا فلا أُصلی علیه " اهـ (٢٧٩:١). والثانی: منهم الغال، فقد روى أبو داود، وسكت عنه (٣: ٢٠)، عن زيد بن خالد الجهنى رضى الله عنه أن رجلا من أصحاب النبى معَّ له توفى يوم خيبر، فذكروا ذلك (١) وثقه في "الجوهر النقى" (٢٢١:٢). ٩٠٠ ٣ ٣٧٢ الصلوة على الشهيد إعلاء السنن من "تهذيب الحافظ". وفى باقى الإسناد أيضًا كلام كثير، والحديث ضعيف منقطع إلا أن أحاديث الباب تشده. لرسول الله عَّ ◌ُّه، فقال: ((صلوا على صاحبكم)). فتغيرت وجوه الناس لذلك. فقال: إن صاحبكم غل فى سبيل الله ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوى درهمين" اهـ. وفى نيل الأوطار (٢٨١:٣): رواه الخمسة (١) إلا الترمذى اهـ. وفيه أيضا: سكت عنه أبو داود، والمنذرى، ورجال إسناده رجال الصحيح اهـ. وفيه أيضا (ص: ٢٨٢): قال الإمام أحمد: ما نعلم أن النبى معَّه ترك الصلاة على أحد إلا على الغال، وقاتل نفسه اهـ. والثالث: من عليه الدين، فقد روى مسلم (٣٥:٢): عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله عَّه كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل " هل ترك لدينه من قضاء"، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: ((صلوا على صاحبكم))، ولما فتح الله عليه الفتوح قال: ((أنا أولی بالمؤمنین من آنفسهم، فمن توفی، وعلیه دین، فعلی قضاءه، ومن ترك مالا، فهو لورثته" اهـ. والرابع: المرجوم، فقد روى الترمذى وقال: "حسن صحيح" (١٧١:١)، عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه: أن رجلا من أسلم جاء النبی مپآے، فاعترف بالزنا، فأعرض عنه ثم اعترف فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع شهادات فقال النبى عد له: أبك جنون؟ قال: لا، قال: أحصنت؟ قال: نعم! فأمر به، فرجم فى المصلى، فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك، فرجم حتى مات. فقال له رسول الله عَ ليه خيرا، ولم يصل عليه اهـ. ورواه النسائی (٢٧٨:١)، وسكت عنه، و کذا رواه أبو داود، وسكت عنه (٢٥٦:٤). ولا حجة فى هذا الحديث على ترك الصلاة عليهم مطلقا، بل ما فى الأول، والثانى، والثالث هو أن رسول الله عّ لّه لم يصل عليهم، وذلك لينزجر به غيرهم، إذ لا مساواة بين صلاته، وصلاة غيره. قال تعالى: ﴿إِن صلاتك سكن لهم﴾ والرابع سنبينه عليحدة. (١) يعنى به أصحاب السنن، والإمام أحمد. ج - ٨ الصلوة على الشهید ٣٧٣ قال السندى فى تعليقه على سنن النسائى فى شرح الحديث الأول ما نصه: قال النووى: أخذ بظاهره من قال: ((لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه" وهو مذهب الأوزاعى. وأجاب الجمهور: بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة، وهذا كما ترك ◌ّه فى أول الأمر الصلاة على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل فى الاستدانة، وعن إهمال وفاءها، وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال: ((صلوا على صاحبكم) اهـ. ويؤيده ما أخرجه الحاكم فى المستدرك عن أبى قتادة قال: « کان النبى ێێ إذا دعی إلی جنازة سأل عنها، فإن اثنى عليها خيرا صلى عليها، وإن أثنى عليها غير ذلك قال لأهلها: "شأنكم بها"، ولم يصل عليها. قال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأقره عليه الذهبى (٣٦٤:١). والصحيح فى الرابع: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صلى عليه، فإن الحديث قد أخرجه البخارى فى باب الرجم بالمصلى، وفيه: "وصلى عليه"، فالصحيح ما فى الصحيح، ويمكن التوفيق بما فى فتح البارى (١١٦:١٢): فقد أخرج عبد الرزاق أيضا،. وهو فى السنن لأبى قرة من وجه آخر عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف فى قصة ماعز قال: قيل: ((يا رسول الله! أتصلى عليه؟ قال: لا! قال: فلما كان من الغد، قال: صلوا على صاحبكم فصلى عليه رسول الله عَّه والناس". فهذا الخبر يجمع الاختلاف، فتحمل رواية النفى على أنه لم يصل عليه حين رجم، ورواية الإثبات على أنه عدٍّ صلى عليه فى اليوم الثانى. وكذا طريق الجمع لما أخرجه أبو داود عن بريدة رضى الله عنه: "أن النبى عَّ لم يأمر بالصلاة على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه" ويتأيد بما أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين فى قصة الجهنية التى زنت. ورجمت: أن النبى معَ ◌ّه صلى عليها، فقال له عمر رضى الله عنه: أن تصلى عليها وقد زنت؟ فقال "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم" . الرابعة: قال صاحب الهداية: إن عليا رضى الله عنه لم يصل على البغاة اهـ. وقال: مخرجه الزيلعى (٣٧٢:١): قلت: غريب، وذكر ابن سعد قصة أهل النهر وأن ليس فيها ٣٧٤ الصلوة على الشهيد إعلاء السنن ذكر الصلاة اهـ. وفى فتح القدير (١٠٩:٢): غريب، والله أعلم اهـ. قلت: وأما أهل الجمل، والصفين فالظاهر من الآثار أن عليا رضى الله عنه صلى على قتلى الطائفتين. قال ابن تيمية فى منهاج السنة: وقد تواتر عن على يوم الجمل لما قاتلهم أنه لم يتبع مدبرهم، ولم يجهز على جريحهم، ولم يغنم لهم مالا، ولم يسب لهم ذرية، وأمر منادیه ينادى فى عسكره بذلك كله، وكان يقول فى أصحاب الجمل: ((إخواننا بغوا علينا، طهرهم السيف)). وقد نقل عنه رضى الله عنه أنه صلى على قتلى الطائفتين، وسيجئ إن شاء الله بعض الآثار بذلك اهـ (٢٣٢:٢). الخامسة فى غسل الشهيد إذا ارتث: قال الحافظ فى التلخيص: إن عمر رضى الله عنه غسل، وصلى عليه، وقد قتل ظلما بالمحدد. رواه مالك فى المؤطا، والشافعى عنه، ورواه البيهقى والحاكم من طريق معاوية بن عمرو عن زائدة عن ليث عن نافع عن ابن عمر قال: ((عاش عمر ثلاثا بعد أن طعن ثم مات فغسل، وكفن)) اهـ (١٧١:١). قلت: وقد مر ذكر الصلاة عليه، وأن صهيبا صلى عليه. قال الحافظ: وروى أبو نعيم من طريق إبراهيم بن عبد الله بن فروخ عن أبيه قال: "شهدت عثمان دفن فى ثيابه بدمائه)). ورواه البغوى فى معجمه فزاد: ((ولم يغسل)). وكذا فى زيادة المسند لعبد الله بن أحمد. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: "صلى الزبير على عثمان، ودفنه، وكان قد أوصى إليه"، ثم نبه الحافظ على اتفاق الروايات كلها على أنه لم يغسل، واختلف فى الصلاة عليه اهـ (١٧١:١). قلت: ويعكر عليه ما رواه البيهقى من حديث أيوب عن ابن أبى مليكة قال: "وجاء كتاب عبد الملك بأن يدفع عبد الله بعد قتله إلى أهله، فأتيت به أسماء بنت أبى بکر، فغسلته وحنطته، و دفنته، ثم ماتت بعد ثلاثة أيام)). إسناده صحيح، وروى ابن عبد البر فى الاستيعاب من حديث أبى عامر عن ابن أبي مليكة: "كنت الآذان لمن بشر أسماء بنت أبى بكر بنزول ابنها عبد الله من الخشبة، فدعت بمركن وشبّ يمانى، وأمرتنی بغسله" اهـ ذكره الحافظ فى التلخيص أيضا. ٣٧٥ ج - ٨ باب أن الجنب الشهيد يغسل ٢٣٣٥- عن: ابن إسحاق حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله عَّه يقول وقد قتل حنظلة بن أبى عامر الثقافى رضى الله عنه: ((إن صاحبكم حنظلة تغسله الملائكة عليهم السلام، فسلوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة(١). فقال رسول الله عَّهِ: لذلك غسلته الملائكة)). أخرجه ابن حبان فى "صحيحه" فى النوع الثامن من القسم الثالث، والحاكم فى "المستدرك" فى كتاب الفضائل، قال الحاكم: والجواب: أن الذين دفنوا عثمان فى ثيابه بدمائه أجل من أسماء، وأكبر منها علما وفقها، فالاقتداء بهم أولى، منهم زبير بن العوام، وحكيم بن حزام، وابن الزبير، وغيرهم كما ذكره الحافظ فى التلخيص عن مالك، والله تعالى أعلم. وأما ما قاله ابن قدامة فى المغنى: إن عبد الله بن الزبير أخذ، وصلب، فهو كالمقتول ظلما، وليس بشهيد المعركة اهـ (٤٠٥:٢). فمنقوص بترك الصحابة غسل عثمان ولم يكن شهيد المعركة، بل قتل ظلما فى جوف داره، فعلم أن ترك الغسل ليس مخصوصا بشهيد المعركة، فافهم. وبالجملة: فإنا لا نقول بحرمة غسل الشهيد، وإنما نفينا وجوبه، وقد دل على عدم الوجوب آثار كثيرة، وأثر أسماء غاية ما فيه أنه يجوز غسله، ولا دلالة فيه على الوجوب، ولا على الأولوية، فلعلها غسلت ابنه بيانا للجواز تطبيبا لقلبها، لكونها لم تقدر أن ترى ابنه مصفرا بالتراب ملطخا بالدماء، أغبر الرأس بذا الهيئة، والله تعالى أعلم. باب أن الجنب الشهيد يغسل قوله: "عن ابن إسحاق" إلخ. قال الشيخ: دلالته على الباب ظاهرة. لأن تغسيل الملائكة إياه والحال أن الشهداء لا يغسلون لم يكن إلا لجنابة، كما ظهر بحكاية أهله، فثبت أن الشهید إذا كان جنبا يغسل، بقى الكلام فى أن تغسيل الملائكة كيف صار كافيا (١) هى الصياح، والصحية، كذا فى "مجمع البحار". ٣٧٦ الجنب الشهيد يغسل إعلاء السنن "(صحيح على شرط مسلم" انتهى. وليس عنده ((فسلوا صاحبته)) إلى آخره، كذا فى "نصب الراية" (٣٧:١). وفى "التلخيص الحبير" (ص١٥١): وظاهره أن الضمير فى قوله: عن جده يعود على عباد، فيكون الحديث من مسند الزبير رضى الله عنه، لأنه هو الذى يمكنه أن يسمع النبى عرّ فى تلك الحال اهـ. مع وجوب التغسيل على المكلفين؟ أجيب بوجوه لا تخلو عن كلام، والأحسن عندى أن يقال(١): لما لم يأمر معرّ ◌ُّه الناس بتغسيله كان المقام مخصوصا من عموم الحكم، وللشارع أن يخص من شاء فيما شاء اهـ. قلت: وفى حكمه الحائض والنفساء إذا استشهدتا فتغسلان. فائدة: قال ابن قدامة فى المغنى: ویکره النعی وهو أن يبعث منادیا ینادی فی الناس أن فلانا قد مات، ليشهدوا جنازته، لما روى حذيفة قال: "سمعت النبى معَ ◌ّه ينهى عن النعى". قال الترمذى: هذا حديث حسن. واستحب جماعة من أهل العلم أن لا يعلم الناس بجنائزهم، منهم(٢) عبد الله بن مسعود، وأصحابه علقمة، والربيع بن خيثم، وعمرو ابن شرحبيل. قال علقمة: ((لا تؤذنوا لى أحدا))، وقال عمرو بن شرحبيل: "إذا أنامت فلا أُنعی إلی أحد". وقال كثير من أهل العلم: لا بأس أن يعلم بالرجل إخوانه ومعارفه، وذو الفضل من غير نداء. قال إبراهيم النخعى: لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه، وإنما كانوا يكرهون أن يطاف فى المجالس أنعى فلانا كفعل الجاهلية، وممن أخص فى هذا (١) أو يقال: سقط غسله عن الناس لعدم علمهم بجنابته، ولم يعد وجوبه عليهم بعد العلم به، لكون الله تعالى قد اختار الإعلام فعلا لا قولا، والفعل يحتمل الوجود، وإخبار المرأة لا يوجب العلم بكونه جنبا، لاحتمال أن يكون قد اغتسل بعد ما فارقها، وخرج من عندها. نعم! تقرير النبى عَّ إياها على خبرها أفاد العلم بكونه قتل جنبا، ولكنه ◌ِّ لم يأمر الناس بغسله، لما علم من اختيار الله تعالى الإعلام بالفعل دون القول أنه أراد إسقاط غسله عن الناس وإظهار كرامته، فافهم. (٢) ومنهم أبو سعيد الخدرى، فإنه أوصى ابنه عبد الرحمن فقال: "يا بنى! إذا أنامت، فادفنى ههنا (أى فى أقصى البقيع مكانا لا يدفن فيه) ولا تضرب على فسطاطا، ولا تمش معى بنار، ولا تبكين على نائحة، ولا تؤذن بى أحدا، وليكن مشيك خببا إلخ". ذكره الحاكم فى المستدرك وسكت عنه هو، والذهبى (٣: ٥٦٤). ج - ٨ ٣٧٧ باب جواز الصلاة فى الكعبة ٢٣٣٦- حدثنا: عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك بن أنس عن نافع عن عبد الله بن عمر: ((أن رسول الله مرّ طلال دخل الكعبة، وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة الحجبى، فأغلقها عليه، ومكث فيها، فسألت بلالا حين خرج: ما صنع النبى عّ لّ؟ قال: جعل عمودا عن يساره، وعمودا(١) عن يمينه، وثلاثة أعمدة ورائه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى)) الحديث. وقال لنا إسماعيل: حدثنى مالك فقال: ((عمودين عن يمينه))، رواه البخارى (٧٢:١). أبو هريرة، وابن عمر، وابن سيرين، وروى عن ابن عمر: "أنه نعى إليه رافع بن خديج قال: کیف تريدون أن تصنعوا به؟ قالوا: نحبسه حتى نرسل إلی قباء، وإلى من قد بات حول المدينة، ليشهدوا جنازته. قال: نعم! ما رأيتم وقال النبى مرّه فى الذى دفن ليلا: إلا آذنتمونى" وقد صح عن أبى هريرة رضى الله عنه: "أن رسول الله عرّ ضُّ نعى للناس النجاشى فى اليوم الذى مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات)) متفق عليه، وروى عن النبى مرّ له أنه قال: ((لا يموت فيكم أحد إلا آذنتمونی به)) أو كما قال (قلت: ذكرته فيما مضى فتذكر). ولأن فى كثرة المصلين عليه أجرا لهم، ونفعا للميت إلخ. والله تعالى أعلم (٤٣٢:٢). باب جواز الصلاة فى الكعبة قوله: "حدثنا عبد الله" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وأما ما فى الزيلعى: أخرجا (أى الشيخان) عن ابن عباس أن النبى عّ لّ دخل الكعبة وفيها ست سوار فقام عند سارية، فدعا، ولم يصل (٣٧٢:١). فالجواب أن الحديثين محمولان على تعدد الواقعة، كما يدل عليه حديث ابن عمر الذى هو ثالث أحاديث الباب. أو يقال: إن المثبت يقدم على النافى، وبه قال السهيلى، كما فى الزيلعى (٣٧٣:١). (١) أى جعل الثانية متصلة به، فلا ينافى كون عمود آخر هناك، وهو الثابت فى الرواية الأولى من الباب، أفاده شیخی دامت بركاتهم. ٣٧٨ جواز الصلوة فى الكعبة إعلاء السنن ٢٣٣٧- عن: عبد الله بن السائب قال: ((حضرت رسول الله عَ ليه يوم الفتح، وقد صلى فى الكعبة، فخلع نعليه، فوضعهما عن يساره، ثم افتتح سورة المؤمنین، فلما بلغ ذکر موسی وعیسی أخذ به سعلة فر کع))، رواه ابن حبان فى "صحيحه" (زيلعى ٣١٤:١). ٢٣٣٨- عن: يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: ((دخل النبى معَّ البيت، ثم خرج، وبلال خلفه، فقلت لبلال: هل صلى؟ قال: لا، فلما كان الغد دخل، فسألت بلالا هل صلى؟ قال: نعم! صلى ركعتين استقبل الجذعة، وجعل السارية الثانية(١) عن يمينه)). رواه الدارقطنى فى "سننه" قوله: "عن عبد الله" إلخ. قال المؤلف: قد مر تقريره. قوله: "عن يحيى" إلخ. وقد سبق التعرض به فى حاشية أول أحاديث الباب، قلت: وجواز النافلة فى جوف الكعبة اتفاق العلماء كلهم، ولكن اختلفوا فى الفريضة، فقال مالك وأحمد: لا تصح الفريضة فى الكعبة ولا على ظهرها، وجوزه أبو حنيفة، والشافعى، لأنه مسجد، ولأنه محل لصلاة النفل، فكان محلا للفرض، كخارجها، وأيضا فإن النبى عَ ظله أدخل عائشة الحجر حين قالت: "كنت أحب أن أدخل البيت، فأصلى فيه". وقال: "إن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا فى بنائها، فأخرجوا الحجر من البيت. فإذا أردت أن تصلى فى البيت فصلى فى الحجر، فإنما هو قطعة منه". أخرجه الطحاوى فى الآثار بسند حسن (٢٢٩:١). ومثله فى الصحيحين أيضا، فهذا رسول الله عَ لّه قد أجاز الصلاة مطلقا فى الحجر الذى هو البيت صراحة، وفى البيت دلالة، وقد تواترت الأخبار بأنه مخلّ دخل الكعبة، وصلى فيها، كما ذكره الطحاوى (٢٢٩:١). والفريضة والنافلة فى وجوب الاستقبال سواء. ١ واحتج أحمد ومن وافقه بقول الله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾، والمصلى فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها، قال: والنافلة مبناها على التخفيف، والمسامحة، بدليل صلاتها قاعدا، وإلى غير القبلة فى السفر على الراحلة. قاله (١) أريد به الجنس (كرمانى). ٣٧٩ ج - ٨ جواز الصلوة فى الكعبة (١٨٢:١). وقال السهيلى: "إسناده حسن"، كذا فى "الزيلعي" (٣٧٣:١). ابن قدامة فى المغنى (٧٢٥:١). والجواب: أن الكعبة اسم للعرصة، والهواء بالإجماع فإن الناس كانوا يصلون إلى البقعة حين رفع البناء فى عهد ابن الزبير، وبنى البيت على قواعد الخليل عليه صلاة الله الملك الجليل. والواجب استقبال جزء من الكعبة غير عين، وإنما يتعين الجزء قبلة له بالشروع فى الصلاة، والتوجه إليه، وقد تحقق ذلك فى جوف الكعبة أيضا، فلا وجه لفساد الصلاة، وجواز الصلاة إلى غير القبلة للعذر مشترك فى الفريضة، والنافلة، كما إذا خاف السبع، أو العدو لو استقبل القبلة، فيجوز له الصلاة إلى غيرها غير أن العذر فى الفريضة لا بد وأن يكون أقوى وأشد. وفى النافلة يكفى مطلق العذر كالسفر، وكونه راكبا، وصلاته مّ لآه فى الكعبة لم تكن لعذر يسقط عنه حكم الاستقبال، فلم تكن صلاته فيه إلا لوجود الاستقبال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. هذا، وقد تم هنالك والحمد لله على ذلك الجزء الثامن من إعلاء السنن، قبله الله تعالى، كما قبل بناء الخليل بالقبول الحسن، وبتمامه تمت أبواب الصلاة، وتليها إنشاء الله تعالى أبواب الزكاة، وفقنى الله تعالى لتكميل هذا الكتاب، وإتمام بقية الأبواب. فإنه بيده التوفيق، وإليه المرجع، والمآب. وكان الفراغ من تسويد هذا الجزء المبارك فى يوم الخميس السابع والعشرين من شهر رجب ذى الفضل المتدارك سنة ألف وثلاث مائة، وسبع وأربعين من هجرة سيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجميعن، دائما أبدا متتاليا متواترا إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. تمت ** إعلاء السنن - ٣٨٠ - ج - ٨ فهرس الجزء الثامن من إعلاء السنن الموضوع الصفحة أبواب الجمعة. ٣٠ باب عدم جواز الجمعة فى القرى. ٣ فائدة: تحقيق قول الصحابى: " كنا نفعل كذا" ٢٩ تتمة أولى تتمة ثانية. ٣٣ ٣٧ ٤٢ تتمة ثالثة. ٤٢ تتمة رابعة باب إذا بعث الإمام نائبا إلى قرية وأقام الجمعة بها صحت الجمعة وأن الإمام أو نائبه شرط لصحتها ٤٥ باب لا جمعة إلا بجماعة وأقلها ثلاثة سوى الإمام ٥٢ باب أن وقت الجمعة بعد الزوال . ٥٧ فائدة: دليل كون الإذن العام شرطا للجمعة ٥٨ باب خطبة الجمعة وما يتعلق بها . ٦٥ فائدة: يوسف بن خالد السمتى فيه لين ٧٤ باب عدد ركعات الجمعة وغيرها. ٧٥ ٧٦ باب من لم تجب عليه الجمعة وقد صلها أجزأه عن الظهر . ٧٨ الزوال باب من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو شيئا منها صلى الجمعة ٨٠ ٨٢ باب سلام الخطيب على المنبر. باب ما جاء فى استقبال الإمام وهو يخطب ٨٣ باب أن من فاتته الجمعة لا يصلى الظهر بجماعة، وأن السفر يجوز يوم الجمعة قبل ٧٨ باب من لا تجب عليهم الجمعة