النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
ج - ٨
كيفية صلوة الجنازة
وتبين بهذه الرواية أن قائل "فنظرت" و "فقلت" فى رواية النسائى هو
نافع الراوى عن ابن عمر، والمنكر هو عمار مولى الحارث بن نوفل. ففى "أبى
داود" (٩٩:٣): عنه أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنتها، فجعل الغلام مما يلى
الإمام، فأنكرت ذلك، وفى القوم ابن عباس رضى الله عنهما، وأبو سعيد
الخدري رضى الله عنه، وأبو قتادة رضى الله عنه، وأبو هريرة رضى الله عنه
فقالوا: هذه السنة اهـ. وفى "نيل الأوطار" (٣٠٥:٣): سكت عنه أبو داود،
والمنذرى، ورجال إسناده ثقات اهـ. وفى "نصب الراية" (٣٤٧:١): قال
النووی رحمه الله: وسنده صحيح اهـ.
أخرجه ابن أبى شيبة أيضا عن مسلمة بن مخلد(١) "سنتكم فى الموت سنتكم فى الحياة
فاجعلوا النساء مما يلى الإمام، والرجل أمام ذلك". وعن سالم، والقاسم، وعطاء "النساء مما
يلى الإمام. والرجال مما يلى القبلة" اهـ. ولم أقف على أسانيدهم. فما الجواب عنه؟.
قلت: إن هذا التفسير بطريق السنة من مسلمة من قوله، وليس بمرفوع، فإن السنة
فى الحياة أن يكون الرجال أقرب إلى الإمام، فإذا كانت سنة الموت هذه فلا بد أن يكون
الرجال مما يلى الإمام، والنساء وراء ذلك. ولعل مسلمة رضى الله عنه راعى القرب من
القبلة، فلما رأى أن سنة الحياة أن يكون الرجال مما يلى القبلة أقرب إليها من النساء فهم
منها أن السنة فى الصلاة على الجنازة أن تجعل النساء مما يلى الإمام، والرجال أمام ذلك
ليكونوا أقرب إلى القبلة منهن. وليس كذلك، فإن الأصل فى سنة الحياة كون الرجال
أقرب إلى الإمام، واجتمع بذلك اتفاقا كونهم أقرب إلى القبلة، وليس قربهم من القبلة
مقصودا لذاته. ودليل ذلك قوله مرّ لين: "ليلنى منكم أولو الأحلام والنهى" لم يقل: ليل
القبلة، أو لعله وقع الغلط من الناقلین عنه رضى الله عنه.
وبالجملة فما فى أثر مسلمة من جعل النساء مما يلى الإمام موقوف عليه ليس بمرفوع
وهو صحابى صغير. وأبو هريرة، وأبو قتادة. وأبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس أكبر منه
وأجل، وهم أعرف بمعنى السنة منه. وقد جعلوا الرجال مما يلى الإمام، والنساء مما يلى
(١) صحابى صغير، كذا فى "التقريب".

٠٢٨٢
إعلاء السنن
باب ما يفعل المسلم إذا مات له قریب کافر
٢٢٥١- عن. على رضى الله عنه قال: لما مات أبو طالب أتيت رسول
الله عَّ ◌َّ فقلت: "يا رسول الله! إن عمك الشيخ الضال قد مات". قال:
((اذهب، فواره)). قال على رضى الله عنه: فلما واريته جئت إليه، فقال لى:
((اغتسل)). رواه ابن حبان فى "صحيحه"، كذا فى "السيرة الحلبية" (٣٨١:١).
وفی "سنن أبى داود" (٣: ٢٠٦): حدثنا مسدد نا يحيى عن سفيان حدثنى أبو
إسحاق عن ناجية بن کعب عن علی رضی الله عنه فذ کر نحوه، وسكت عنه
هو، والمنذرى. وفى "سنن النسائي" (٢٨٣:١): أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال:
حدثنا یحیی فذكره.
وقال الحافظ ابن حجر نور الله تعالى مرقده فى "التلخيص الحبير"
(١٥٧:١ و١٥٨): رواه أحمد، وأبو داود، والنسائى. وابن أبى عائشة، وأبو
يعلى، والبزار، والبيهقى، ومدار كلام البيهقى على أنه ضعيف، ولا يتبين وجه
ضعفه.
قلت: وقع عند ابن أبى شيبة فى "مصنفه" بلفظ: فقلت: "إن عمك
الشيخ الكافر قد مات، فما ترى فيه؟" قال: ((أرى أن تغسله وتجنه (تستره)) اهـ.
القبلة، فقولهم أولى والعمل به أقوى وأما قول سالم، والقاسم، وعطاء فليس فيه لفظ السنة
الذى هو فى حكم المرفوع، فلا يعارض الموقوف المرفوع، وإن كان ثابتا صحيحا، وما فى
المتن مرفوع كما هو مدلول لفظ السنة.
باب ما يفعل المسلم إذا مات له قريب كافر
قوله: "عن على رضى الله عنه" إلخ. دلالته على ما فيه ظاهرة.
فائدة: روى الحاكم، والطبرانى، والبيهقى عن أبى رافع رفعه "من غسل ميتا
فكتم (١) عليه غفر له أربعون كبيرة". الحديث إسناده قوى، كذا فى "الدراية". وفى
(١) أى ما يظهر منه وقت الغسل مما يعاب عليه.

ج - ٨
٢٨٣
والزيلعى (٣٥٤:١) عزا الحديث إلى أبى داود، والنسائى، ثم قال: وروى ابن
أبى شيبة فى "مصنفه" بسند السنن فذكره بلفظ "التلخيص" عن ابن أبى شيبة.
باب أن صلاته عرّ ◌ُّه على الجنازة الغائمة
عنه كانت لحضورها عنده على طريق المعجزة
٢٢٥٢- عن: عمران بن حصين رضى الله عنه أن النبى عَّ ◌ُّه قال: ((إن
أخاكم النجاشى رضى الله عنه توفى، فقوموا صلوا عليه، فقام رسول الله عَ ليه،
"الترغيب" (٥١٦:٢): رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورواته محتج بهم فى الصحيح اهـ.
قال بعض الناس: وفيه دليل على غفران الكبيرة بغير التوبة خلافا لأكثر أهل السنة،
ويمكن أن يقال: إن قولهم "إن الكبيرة لا تمحوها إلا التوبة" مقصور على المواضع التى لم
يرد فيها التصريح بغفران الكبائر بغير التوبة من الحسنات.
قلت: وهذا إذا ثبت لفظ الكبيرة فى الحديث. ولم يكن فيه تصحيف: فإنى رأيت
الحديث فى "مستدرك" للحاكم فى موضعين (٣٥٤:١ و٣٦٢) وفيه "غفر له أربعين
مرة". والله تعالى أعلم. وقد نبه المنذرى على الاختلاف فى هذه اللفظة فى الترغيب، فلم
یتنبه بعض الناس له.
باب أن صلاته عّ لّر على الجنازة الغائبة
عنه كانت لحضورها عنده على طريق المعجزة
قوله: "عن عمران" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. ويعارضه ما.
أخرجه الطبرانى وأصله فى ابن ماجة من حديث مجمع بن جارية فى قصة الصلاة على
النجاشى قال: "فصففنا خلفه صفين، وما نرى شيئا". ذكره فى"فتح البارى"
(١٥٢:٢). والتوفيق كما أفاده الشيخ بأنها كشفت لبعض دون بعض.
قال بعض الناس: وأما ما فى "فتح البارى" أيضا (١٥١:٢): ومن الاعتذارات أيضا
أن ذلك خاص بالنجاشى، لأنه لم يثبت أنه عّ لّه صلى على ميت غائب غيره. قاله المهلب،
وكأنه لم يثبت عنده قصة معاوية بن معاوية الليثى، وقد ذكرت فى ترجمة فى الصحابة
(أى فى "الإصابة") أن خبره قوى بالنظر إلى مجموع طرقه اهـ. فهذا لم يثبت فيه رفع

٢٨٤
مسئلة الصلاة على الجنازة الغائبة
إعلاء السنن
وصفوا خلفه، فكبر أربعا وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه)). رواه ابن
حبان فى "صحيحه"، كذا فى "نصب الراية" (٣٥٥:١) وفى "فتح
الحجاب عنه مرّه فالجواب عنه أنه محتمل، والاحتمال كاف فى مثل هذا من جهة المانع.
قلت: لو راجع هذا المدعى سعة النظر فى الحديث كتاب الإصابة لعلم أن رفع
الحجاب فيه ثابت. فقد أخرج الطبرانى وابن الفريس فى فضائل القرآن وسمويه فى
فوائده، وابن منده والبيهقى فى الدلائل كلهم من طريق محبوب بن هلال عن عطاء بن
أبى ميمونة عن أنس بن مالك قال: "نزل جبرئيل على النبى معَّه فقال: يا محمد! مات
معاوية بن معاوية المزنى أ تحب أن تصلى عليه؟ قال: نعم! فضرب بجناحيه فلم يرق أكمة،
ولا شجرة إلا تضعضت، فرفع سريره حتى نظر إليه، فصلى عليه وخلفه صفان من
الملائكة، كل صف سبعون ألف ملك. فقال: يا جبرئيل! بم نال معاوية هذه المنزلة؟ قال:
بحب قل هو الله أحد وقراءته إياها جائيا، وذاهبا، وقائما، وقاعدا. وعلى كل حال".
ومحبوب قال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان فى "الثقات". وفى رواية: "قال
جبرئيل: فهل لك أن تصلى عليه فأقبض لك الأرض؟ قال: نعم! فصلى عليه". وفى رواية:
"فوضع جبرئيل: جناحه الأيمن على الجبال. فتواضعت حتى نظرنا إلى المدينة". ذكر
الروايات كلها الحافظ فى الإصابة، ثم قال: قد يحتج به من يجيز الصلاة على الغائب،
ويدفعه ما ورد أنه رفعت الحجب حتى شهد جنازته أهـ (١١٦:٦).
قلت: ولو كانت الصلاة على الميت الغائب مشروعة لم يكن لسوال جبريل
"أ تحب أن تصلى عليه؟" وضربه بجناحيه بعد قوله: "نعم" معنى لإمكان الصلاة عليه
بغير ذلك أيضا، وكذا لم يكن لقوله: "فهل لك أن تصلى عليه، فأقبض لك الأرض؟"
معنى لعدم الاحتجاج إلى ذلك للصلاة عليه. فالحديث إن ثبت كما زعمه الحافظ، فهو
حجة لنا لا علينا، فافهم.
وأما ما قال الخطابى وغيره كما فى "فتح البارى" (١٥١:٣): لا يصلى على
الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلى عليه اهـ واستدل له كما فى "نيل
الأوطار" (٢٨٥:٣) بما أخرجه الطيالسى، وأحمد، وابن ماجة، وابن قانع، والطبرانى (فى

٢٨٥
ج - ٨
مسئلة الصلاة على الجنازة الغائبة
البارى" (١٥١:٣) بعد نقله ما نصه: أخرجه (أى ابن حبان). من طريق
الأوزاعى عن يحيى بن أبى كثير عن أبى قلابة عن أبى المهلب عنه (أى عن
"مستخرجه على الصحيحين"). والضياء المقدسى عن أبى الطفيل عن حذيفة بن أسيد
رضى الله عنه أن النبى معَِّ قال: "إن أخاكم مات بغير أرضكم، فقوموا، فصلوا عليه"
اهـ. ولفظ ابن ماجة: حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الرحمن بن مهدى عن المثنى بن سعيد
عن قتادة عن أبى الطفيل (صحابى) عن حذيفة بن أسيد (صحابى) أن النبى معَّ له خرج
بهم فقال: ((صلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم)). قالوا: من هو؟ قال: النجاشى،
(ص١١١). وهذا إسناد حسن رجاله رجال مسلم. فهذا الاستدلال غير جيد، فإنه يحتمل
أن يكون قوله معرّ له "بغير أرضكم" جوابا لسوال مقدر كأنهم أينما مات؟ فإنه لم يكن فى
أرضهم، فاحتمل عندهم أنه مات فى أرضه، أو جىء به فى المدينة بطريق خرق العادة،
فمات بها. ولم يعلموا به فأجاب مَِّ بذلك. وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. وفى
"فتح البارى" (١٥١:٣): لم أقف فى شىء من الأخبار على أنه لم يصل عليه فى بلده
أحد اهـ.
فائدتان:
فائدة أولى: قد صلى رسول الله عَّ له على القبور بعد ما دفن الميت وصلى عليه،
ولكن صلاته عليها والحال هذه كانت مخصوصة به. لكونه موظّ أولى بالصلاة عليه من
كل ولى فقد روى مسلم من طريق حماد بن زيد عن ثابت البنانى عن أبى هريرة رضى الله
عنه "أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا ففقدها رسول الله عَّ فسأل عنها أو
عنه، فقالوا: مات قال: ((أفلا كنتم آذنتمونى؟) قال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال:
"دلونى على قبره" فدلوه، فصلى عليها ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها،
وإن الله ينورها لهم بصلاتى عليهم" اهـ (٣٠٩:١).
ولا يقدح فيه ما فى "فتح البارى" (١: ٤٦٠): وإنما لم يخرج البخارى هذه الزيادة
(وهى قوله: "إن هذه القبور" إلخ لأنها مدرجة فى هذا الإسناد، وهى من مراسيل ثابت،
بين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، وقد أوضحت ذلك بدلائله فی کتاب

٢٨٦
مسئلة الصلاة على الجنازة الغائبة
إعلاء السنن
عمران). ولأبى عوانة (فى "صحيحه") من طريق أبان وغيره عن يحيى ((فصلينا
خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا)) اهـ.
بيان المدرج. قال البيهقى: يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت كما قال
أحمد بن عبدة، أو من رواية ثابت عن أنس رضى الله عنه كما رواه ابن مندة اهـ. فإن
غايته أن الإدراج قد وقع فى هذا الإسناد الخاص، والزيادة ثابتة من حديث أنس، ومن
حديث ثابت مرسلا. ولا معنى للشك المذكور فى كلام البيهقى، فإن الجمع فإنه يمكن أن
یکون الحدیث ثابتا پاسناد مرسل، ومسند أيضا.
وفى "فتح البارى" (١٦٥:٣): قال ابن حبان: فى ترك إنكاره عدّ على من صلى
معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره. وأنه ليس من خصائصه، وتعقب بأن الذى يقع
بالتبعية لا ينهض دليلاً للإصالة(١) اهـ.
قلت: والأصل فى الأحكام التعليل، والخصائص لا تثبت إلا بدليل، والظاهر أنه
مَّ له إنما صلى على القبر لكونه أحق بالصلاة من كل ولى، فكل من كان كذلك فله
الصلاة على القبر، ولو صلى على الميت كالولى، فله الإعادة ولو على القبر، كما فى
"الدر". وأما أنه معرّ كان أحق بها من كل ولى، فقد ثبت بما ذكرناه، وأصرح منه ما
رواه ابن حبان، وصححه، والحاكم، وسكت عنه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه
يزيد بن ثابت قال: "خرجنا مع رسول الله عَّ، فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر فسأل عنه.
فقالوا: فلانة، فعرفها، فقال: " ألا آذنتمونى (بها)؟" قالوا: كنت قائلا صائما. قال: "فلا
تفعلو إلا أعرفن ما مات منكم میت ما كنت بین أظهر کم إلا آذنتمونی به، فإن صلاتی
عليه رحمة " ثم أتى القبر، فصففنا خلفه، وكبر عليه أربعا" اهـ من "فتح القدير"
(٨٤:١). قلت: والجماعة فيه وردت فيما رواه البخارى أيضا عن الشعبى قال: "أخبرنى
من مر مع النبى معَّه على قبر مبنوذ فأمهم وصلوا خلفه قلت: من حدثك بهذا؟ يا أبا عمر
(هو الشعبى)! وقال: ابن عباس رضى الله عنه" اهـ.
(١) قلت: ويحمل اصطفاف الصحابة خلفه على أن هؤلاء كانوا ممن لم يصلوا على هذا الميت، فإن من كان صلى
عليه قبل انولى لا يجوز له الإعادة مع الولى عندنا كما فى "شرح نور الإيضاح وحاشيته" ٠،٥ ٣٤٤).

٢٨٧
ج - ٨
مسئلة الصلاة على الجنازة الغائبة
قال بعض الناس: ثم اعلم أن صاحب "الهداية" استدل بهذا الحديث على أن الميت
إن دفن ولم يصل عليه صلى على قبره، ولا يصح، فقد قال فى "فتح القدير" (٨٤:٢) بعد
نقل الحديث ما نصه: دليل على أن لمن لم يصل أن يصلى على القبر وإن لم يكن الولى،
وهو خلاف مذهبنا، فلا مخلص إلا بادعاء أنه لم يكن صلى عليها أصلا، وهو فى غاية
البعد من الصحابة اهـ.
الجواب عن إيراد بعض الناس على صاحب "الهداية"
قلت: قاتلك الله! ما أبعدك عن ذوق العلم، وفهم الكلام! وما أجرأك على تخطئة
الأعلام! فإن صاحب الهداية لم يجعل الصلاة على القبر مخصوصة به عدّ له، بل جعله
حكما عاما لكل من لم يصل على الميت، وله حق إعادة الصلاة عليه كالولى، وقد قدمنا
أنه مرّ ◌ُلّه كان أولى بالصلاة على الميت من كل ولى، فكان إذا فاته الصلاة على أحد صلى
على قبره، وبه نقول فى حق الولى: إن له الصلاة على قبر الميت ولو صلى عليه إذا تقرر
هذا فجواز الصلاة على القبر إذا دفن الميت بدون الصلاة عليه رأسا أولى، ودلالة هذا
الحديث على جوازه أبين، كما لا يخفى. وبهذا التقرير اندفع ما أورده العلامة ابن الهمام
بأن الحديث خلاف المذهب فقد عرفت أنه موافق للمذهب فى الولى وفيمن هو أولى منه.
فائدة أخرى: قال صاحب الهداية: وإن صلى الولى لم يجز لأحد أن يصلى بعده
(أى إلا إذا كان أولى من الولى كالنبى معَّ) لأن الفرض يتأدى بالأولى، والتنفل بها غير
مشروع. ولهذا رأينا الناس تركوا عن آخرهم الصلاة على قبر النبى عدّ له وهو اليوم كما
وضع اهـ. ولا يرد عليه تكرار الصلاة على النبى ◌ّ هه فإنها كانت مخصوصة به عدّد،
والدليل عليه أنهم صلوا عليه فرادى مع أن السنة فيها الجماعة، فعلمنا أن الصلاة عليه
عَِّ ليست كالصلاة على أحدنا، فما كان فيها مخالفا للسنة المعرفة فى الباب يحمل
علی أنه کان مخصوصا به.
وأما كيفية الصلاة عليه عّ لّه فقد رواها الترمذى فى "الشمائل" (ص:٢٩) بإسناد
حسن عن سالم بن عبيد رضى الله عنه فى حديث وفات النبى مع ظّه: "ثم قالوا: يا
صاحب(١) رسول الله عَّةٍ أ نصلى على ((رسول الله عَ لَّه؟ قال: نعم! قالوا: وكيف؟ قال:
(١) وهو أبو بكر رضى الله عنه.

1
٢٨٨
مسئلة الصلاة على الجنازة الغائبة
إعلاء السنن
يدخل قوم فيكبرون، ويدعون، ويصلون، ثم يخرجون. ثم يدخل قوم يكبرون،
ويصلون، ويدعون، ثم يخرجون حتى يدخل الناس". الحديث. وقال مالك فى "الموطأ"
(ص: ٨٠): "إنه بلغه أن رسول الله مَّ له توفى يوم الاثنين، ودفن يوم الثلثاء، وصلى عليه
الناس أفذاذا لا يؤمهم أحد. فقال ناس: يدفن عند المنبر"، الحديث.
وروى ابن ماجة عن ابن عباس رضى الله عنه فى حديث طويل " ثم دخل الناس
على رسول الله عّلِّ إرسالا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغوا
أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله عَّ- أحد، لقد اختلف المسلمون فى
المكان الذى يحفر له". الحديث. قال البوصيرى فى "الزوائد": إسناد فيه الحسن بن عبد
الله بن عباس الهاشمى تركه أحمد، وابن المدينى، والنسائى. وقال البخارى: يقال: إنه
كان يتهم بالزندقة، وقواه ابن عدى وباقى رجال الإسناد ثقات، قاله السندى فى "تعليقه
على ابن ماجة" (٢٥٥:١). قلت: فالإسناد مقارب.
وفى "التلخيص الحبير" (٦٢:١). قال ابن عبد البر: وصلاة الناس أفرادا مجتمع
عليه عند أهل السنة وجماعة أهل النقل لا يختلفون فيه اهـ. وفيه أيضا. قال ابن دحية:
الصحيح أن المسلمين صلوا عليه أفرادا لا يؤمهم أحد، وبه جزم الشافعی اهـ.
ضميمة لفائدتين من بعض خدام المدرسة
أن أسهل الدلائل، وأوضحها كراهة تكرار صلاة الجنازة عدم عمل الصحابة به مع
روايتهم له عنه عَّ فعلم أنهم رأوها من خصائصه معرّ له. وكذا تركهم، وترك الأمة قاطبة
الصلاة على قبره الشريف مع كون جسده الشريف لم يمسه البلى دليل على كراهية
الصلاة على القبر إذا دفن الميت بعد الصلاة، وأيضا تتأيد هذه الكراهة بورود النهى عن
تأخير الدفن. ولذلك أمر بإسراع الجنازة، وفى التكرار الذى لا يحد عدده التأخير لازم
فيكره، وبأن تكرار جماعة المكتوبات الخمس مكروه مع كونها أهم فى الشرع من جماعة
صلاة الجنازة. فيكون تكرارها أحق بالكراهة، ولا فرق بين تكرارها اجتماعا، وإنفرادا
بالإجماع، فيكره مطلقا، والله أعلم. كتب لمنتصف رجب سنة ١٣٥١ من الهجرية.

١٩
ج - ٨
٢٨٩
فصل فى حمل الجنازة
باب استحباب حمل الجنازة بقوائمه الأربع
٢٢٥٣- عن: أبى عبيدة قال: قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: ((من
اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع،
وإن شاء فليدع)). رواه ابن ماجه (ص١٠٧). وفى "الزوائد": رجال الإسناد
ثقات، لكن الحديث موقوف حكمه الرفع، وأيضًا هو منقطع، فإن أبا عبيدة لم
يسمع من أبيه اهـ. قلت: قد احتج بروايته عن أبيه جماعة، وقد تقدم بسطه،
فالإسناد مقارب.
باب استحباب حمل الجنازة بقوائمه الأربع
قال المؤلف: دلالة الآثار على الباب ظاهرة. وفى الهداية: وقال الشافعى رحمه الله:
السنة أن يحملها رجلان، يضعها السابق على أصل عنقه، والثانى على صدره، لأن جنازة
سعد بن معاذ رضى الله عنه هكذا حملت. قلنا: كان ذلك لإزدحام الملائكة (١٦٢:١).
قلت: روى ابن سعد عن ابن عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله عزّ ◌ُلآه فى سعد
ابن معاذ رضى الله عنه "لقد شهده سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك،
ولقد ضم ضمة. ثم خرج عنه". كذا فى "نصب الراية" (٣٥٧:١). وفى الدراية: إسناده
صحيح اهـ. وروى ابن سعد فى الطبقات فى ترجمة سعد بن معاذ رضى الله عنه: أخبرنا
محمد بن عمر الواقدى عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة عن شيوخ من بنى عبد
الأشهل أن رسول الله عّ لّه حمل جنازة سعد بن معاذ من بيته بين العمودين حتى خرج به
من الدار. قال الواقدى: والدار تكون ثلثين ذراعا انتهى. كذا فى نصب الراية (٣٥٧:١).
والواقدى القاضى متروك مع سعة علمه. كما فى "التقريب" (ص١٩٢). وفى
مجمع الزوائد (٢٢٨:١): وفى الواقدى كلام، وقد وثقه غير واحد اهــ واستوفى
ترجمته فى "تهذيب التهذيب" بذكر من وثقه، ومن ضعفه، وقد قدمنا عن شرح المنية أن

٢٩٠
استحباب حمل الجنازة بقوائمه الاربع
إعلاء السنن
٠٣
٢٢٥٤- ثنا: يحيى(١) بن سعيد عن ثور(٢) عن عامر بن حشيب وغيره من
أهل الشام قالوا: قال أبو الدرداء رضى الله عنه: من تمام أجر الجنازة أن تشيعها
من أهلها، وأن تحمل بأركانها الأربعة وأن تحثوا فى القبر. رواه ابن أبى شيبة فى
"المصنف"، كذا فى "الجوهر النقى" (٢٧٢:١). وقال صاحب الجوهر النقى:
"هذا سند صحيح اهـ". أى إلى عامر، قلت: ولكنه منقطع، قال فى "التقريب
(ص٩٤). لم يسمع من أبى الدرداء اهـ. ومرسل القرون الثلاثة حجة عندنا.
العمل على توثيقه، وشيخه ضعيف من كبار أتباع التابعين. كما فى "التقريب" (ص:٨).
وفى التهذيب: وثقه أحمد، وقال ابن عدى: "هو صالح فى باب الرواية" كما حكى عن
يحيى بن معين، وقال العجلى: "حجازى ثقة"، وقال الحربى: "شيخ مدنى صالح، له
فضل. ولا أحسبه حافظا" اهـ (١٠٤:١)، فهو حسن الحديث. وشيوخه مجهولون،
وجهالتهم لا تضر، فإنهم من التابعين، وهم شيوخ عديدة.
وفيه دلالة على أنه مێ إنما حمل سعدا بین العمودین فی داره حتى خرج به من
الدار. وذلك، والله أعلم لضيق الباب، كما هو المعروف عادة أن الباب لا يسع حمل
الجنازة على اعناق الأربعة فتحمل فى الدار إلى أن تخرج من الباب بين العمودين، ثم تحمل
على أعناق الأربعة ذلك.
وفى نصب الراية (٣٥٧:١): روى الواقدى فى كتاب المغازى: حدثنى سعيد بن
أبى زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن أبيه عن جده
قال: "كنا مع رسول الله عَ ◌ّه فى جنازة سعد بن معاذ إلى أن قال: وقال الناس: يا رسول
الله! كان سعد رجلا جسيما فلم نر أخف منه! فقال رسول الله عَ ليه: رأيت الملائكة
تحمله" مختصر اهـ. وسعيد هذا لم أقف عليه، وربيح مقبول ، كما فى "التقريب"
(ص: ٥٧). وعبد الرحمن ثقة، كما فى التقريب أيضا (ص: ١٢٠).
قال بعض الناس: وتأويل صاحب الهداية يصح على تقدير ثبوت رواية الواقدى
(١) هو القطان.
(٢) وهو ابن یزید.

٢٩١
ج - ٨
باب المشى خلف الجنازة والإسراع بها
٢٢٥٥- عن: أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله
الأخيرة ولم تثبت. وقال الشيخ ابن الهمام المجتهد المقلد على ما قالوا فى فتح القدير
(٩٦:٢): فإنما يتجه محملا على تقدير تجسمهم عليهم السلام لا تجردهم عن الكثافة على
ما عليه أصل خلفتهم. اللهم إلا أن يراد أن بسبب حملهم عليهم السلام اكتفى عن تكميل
الأربعة من الحاملين اهـ ملخصا. قال بعض الناس: وهو المعتمد إن صحت الرواية اهـ.
قلت: رواية حمل الملائكة جنازة سعد أخرجها الحاكم فى "المستدرك" عن أنس
رضى الله عنه قال: لما حملت جنازة سعد ابن معاذ، قال المنافقون: "ما أخف جنازته! وما
ذلك إلا لخكمه فى بنى قريظة". فبلغ ذلك النبى معَ ◌ّه فقال: "لا، ولكن الملائكة كانت
تحمله"، وصححه على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى (٢٠٧:٣). قال شيخنا:
والأسهل فى تأويل حمله بين العمودين أن يقال: إنه مرّلتر لعله فعله بيانا للجواز، وإظهارا
أن حمل الأربع ليس بواجب، والله تعالى أعلم.
والآثار التى تدل على ما ذهب الإمام العلام الشافعى رضى الله تعالى عنه وأرضاه
هى هذه: قال فى التلخيص الحبير (١٥٥:١): الشافعى عن بعض أصحابه عن النبى مدظله
"أنه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين" اهـ. وفى نصب الراية (٣٥٧:١): قال
النووى فى الخلاصة: "رواه الشافعى بسند ضعيف" اهـ. وفى التلخيص أيضا: الشافعى
عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: "رأیت سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه فى
جنازة عبد الرحمن بن عوف قائما بين العمودين المقدمين واضعا السرير على كاهله".
ورواه الشافعى أيضا بأسانيده من فعل عثمان، وأبى هريرة، وابن الزبير، وابن عمر،
أخرجها كلها البيهقى اهـ (١٥٦:١). وليس فيه الأسانيد مفصلة فينظر فيها، ولو صحت
هذه الآثار يقدم المرفوع، وتحمل على محامل حسنة.
باب المشى خلف الجنازة والإسراع بها
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ. قال الطحاوى: والمتبع للمشى هو المتأخر عنه لا المتقدم
أمامه اهـ: (٢٧٨:١). وفى حاشية البخارى ما نصه: قوله: "ياتباع الجنائز". وهو فرض

٢٩٢
المشى خلف الجنازة والإسراع بها
إعلاء السنن
عَّهِ: ((عودوا المرضى، واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة)). رواه أحمد، والبزار،
وابن حبان فى "صحيحه" (الترغيب ٥١٥:٢).
٢٢٥٦- وفى البخارى (١٦٦:١): عن البراء بن عازب رضى الله عنه
، عَّة بسبع، ونبهانا عن سبع أمرنا باتباع الجنائز)) الحديث.
قال: ((أمرنا النبى عّ لّه
٢٢٥٧- عن: معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: ((ما مشى رسول الله
عَ ل حتى مات إلا خلف الجنازة)). رواه عبد الرزاق فى "مصنفه"، وهذا سند
صحيح(١) على شرط الجماعة "الجوهر النقى" (٢٧٤:١). قلت: لكنه مرسل.
كفاية، وظاهره أنه بالمشى خلفها، وهو أفضل عند الحنفية. قاله القسطلانى.
قوله: "عن معمر" إلخ. دلالته على الجزء الأول ظاهرة.
ويعارضه ما رواه أبو داود، وسكت عنه (١٧٨:٣). حدثنا القعنبى ثنا سفيان بن
عيينة عن الزهرى عن سالم عن أبيه قال: "رأيت النبى معَّهِ، وأبا بكر، وعمر يمشون أمام
الجنازة" اهـ وفى عون المعبود: قال المنذرى: قال الترمذى: وأهل الحديث كلهم يرون
الحديث المرسل فى ذلك أضح. وحكى البخارى قال: "والحديث الصحيح هو هذا" يعنى
المرسل، وقال النسائى: "هذا خطأ، والصواب مرسل"، وقال ابن المبارك: حديث الزهرى
فى هذا مرسل أصح من حديث ابن عيينة؛ وقد وافقه على رفعه ابن جريج وزياد بن سعد،
وغير واحد. وقال البيهقى: "وممن وصله، واستقر على وصله، ولم يختلف عليه فيه
سفيان بن عيينة، وهو حجة ثقة" انتهى. وفى التلخيص الحبير (١٥٦:١): "وجزم أيضا
بصحته ابن المنذر، وابن حزم" اهـ. وفى نصب الراية (١: ٣٦٠): رواه ابن حبان فى
صحیحه" اهـ
والتوفيق بينهما بأنه مڅے کان قد یمشی أمامها، وقد خلفها، و کان ذلك أكثر، يدل
عليه التعبير بلفظ المبالغة فى مرسل طاؤس، بخلاف ما فى أثر ابن عمر، فإنه لا يدل على
المواظبة، فالمشى خلفه هو الأفضل.
(١) أى إلى طاوس.

٢٩٣
ج - ٨
المشى خلف الجنازة والإسراع بها
٢٢٥٨- أخبرنا: الثورى عن عروة بن الحارث عن زائدة بن أوس عن
سعيد بن عبد الرحمن(١) بن أبزى عن أبيه قال: كنت فى جنازة، وأبو بكر وعمر
يمشيان أمامها، وعلى رضى الله عنه يمشى خلفها. فقلت لعلى رضى الله عنه:
"أراك تمشى خلف الجنازة، وهذان يمشيان أمامها". فقال على رضى الله عنه:
"لقد علما أن فضل المشى خلفها على المشى أمامها كفضل صلاة الجماعة على
الفذ، ولكنهما أحبا أن ييسرا على الناس". رواه عبد الرزاق فى "مصنفه"، كذا
فى "نصب الراية" (٣٥٩:١). ورجاله رجال الصحيحين إلا زائدة بن أوس،
وقد ذكره ابن حبان فى "الثقات"، كما فى "الجوهر النقى" (٢٧٣:١).
وأما ما رواه الترمذى (١٢٢:١) عن المغيرة بن شعبة أن النبى عّ لّه قال: الراكب
خلف الجنازة، والماشى حيث شاء منها. والطفل يصلى عليه، قال أبو عيسى: حسن
صحیح اهـ.
فأجاب عنه الشيخ بأن معناه أن كون الراكب خلف الجنازة آكد من كون الماشى
خلفها، لأن صورة سوء الأدب الذى هو فى الركوب تخفها صورة الأدب الذى هو فى
المشى خلفها. وفى البحر الرائق (٢: ١٩٢): وذكر الإسبيجابى: ولا بأس بأن يذهب إلى
صلاة الجنازة راكبا غير أنه يكره له التقدم أمام الجنازة، بخلاف الماشى اهـ.
وقال العلامة السندى فى تعليقه على ابن ماجة (٢٣٣:١): فالظاهر من الحديث أن
.. الأصل فى التابع للجنازة أن يكون خلفها، لكن الماشى لحاجة يتوجه إلى جهات أخر أيضا
بخلاف الراكب، فبقى حكمه على الأصل، وجوز للماشى الجهات كلها، والله أعلم اهـ.
وهو واضح، وهو المذهب.
قوله: "أخبرنا الثورى" إلخ. دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. وفى فتح
البارى (١٤٧:٣): روى سعيد بن منصور وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبزى عن على
رضى الله عنه قال: "المشى خلفها أفضل من المشى أمامها، كفضل صلاة الجماعة على
صلاة الفذ" إسناده حسن. وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الأثرم عن أحمد أنه
ج
(١) أی صحابى صغير.

٢٩٤
المشى خلف الجنازة والإسراع بها
إعلاء السنن
وأخرجه الحافظ فى "الفتح" (١٤٧:٣) مختصرا، وحسنه. وفى "آثار
السنن" (١٢٢:٢) بعد عزوه إلى عبد الرزاق، والطحاوى ما لفظه: "إسناده
صحيح اهـ". ووقع عند الطحاوى (٢٧٩:١): زائدة بن خراش، ولم أقف
عليه، وأخرجه ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، أخبرنا محمد بن فضل عن يزيد بنَ
أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن ابن أبزى قال: كنت فى جنازة
الحديث (زيلعى). وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وقول على رضى الله
عنه مما لا يدرك بالرأى، فهو مرفوع حكمی.
تكلم فى إسناده اهـ. قلت: لم أقف على ذلك الكلام، فلا اعتداد به بعد كون
الإسناد حسنا.
وقال الطحاوى: حدثنا ربيع المؤذن ثنا أسد ثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء
عن عبد الله بن يسار عن عمرو بن حريث قلت لعلى بن أبى طالب: ما تقول فى المشى
أمام الجنازة؟ فقال: المشى خلفها أفضل من المشى أمامها كفضل المكتوبة على التطوع.
قلت: فإنى رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمامها؟ قال: إنهما يكرهان أن يحرجا الناس، كذا
فى "معانى الآثار" (٢٧٩:١): قلت: وهذا سند حسن، وعبد الله بن يسار هذا ذكره ابن
حبان فى الثقات، كما فى "التهذيب" (٨٥:٦).
والآثار التى وردت فى المشى أمامها لم يصرح فى شىء منها بأن المشى أمامها
أفضل، وعلى رضى الله عنه صرح بأن المشى خلفها أفضل، فكان أولى بالاتباع. وقال
سويد بن غفلة: "للملائكة يمشون خلف الجنازة". وقال أبو الدرداء: " من تمام أجر الجنازة
أن تشيعها من أهلها، وتمشى خلفها". وعن إبراهيم قلت لعلقمة: "أيكره المشى خلف
الجنازة"؟ قال: "لا! إنما يكره السير أمامها". أخرج الثلاثة ابن أبى شيبة فى مصنفه
بأسانيد صحيحة. وأقل أحوال هذا أنه يدل على أفضلية المشى خلفها، كذا فى "الجوهر
النقى" (٢٧٤:١).

٢٩٥
ج - ٨
المشى خلف الجنازة والإسراع بها
٢٢٥٩- عن: أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى عدّ له قال: ((أسرعوا
بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه
عن رقابكم)). رواه "البخارى" (١٧٦:١).
٢٢٦٠- عن: ابن عمر رضى الله عنهما سمعت رسول الله عَّ له يقول:
(إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره)). أخرجه الطبرانى بإسناد
حسن "فتح البارى" (١٤٧:٣).
٢٢٦١- عن: ابن مسعود رضى الله عنه: ((سألنا نبينا عَّه عن المشى مع
الجنازة، فقال: ((ما دون الخبب)). رواه أصحاب السنن، وفيه يحيى بن عبد الله
الجابر ويقال: المجبر، وثقه الترمذى (زيلعى)، وقال أحمد وابن عدى: لا بأس به
(تهذيب). وشيخه أبو ماجد الحنفى مجهول، ولكن جهالة الرواة فى القرون
الثلاثة لا تضرنا، كما ذكرنا فى "المقدمة".
٢٢٦٢- عن: أبى بكرة قال: ((لقد رأيتنا مع رسول الله عَّ له، وأنا لنكاد
وأن نرمل بالجنازة رملا)). أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٥٥:١) وقال: هذا
قوله: عن أبى هريرة إلخ، وعن ابن عمر إلخ. دلالتهما على الجزء الثانى من الباب
ظاهرة. وروى أبو داود وسكت عنه هو، والمنذرى (١٧٩:٣)، عن عيينة بن عبد الرحمن
عن أبيه أنه كان فى جنازة عثمان بن أبى العاص رضى الله عنه، وكنا نمشى مشيا خفيفا
فلحقنا أبو بكرة، فرفع سوطه فقال: "لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله عَّ ◌ُّه نومل رملا"
أهــ ورواه النسائى بسندين مختصرا ومطولا، وسكت عنهما (٢٧١:١). وفى نصب
الراية (٣٥٨:١): رواه أبو داود والنسائى قال النووى فى الخلاصة: بأسانيد صحيحة اهـ.
وقال السندى فى تعليقه على النسائى: رملا، بفتحتين أى نسرع فى المشى اهـ.
قوله: "عن ابن مسعود" إلخ.
قوله: "عن أبى بكرة". قلت: ومذهب الحنفية فى الباب هو الذى أفاده حديث ابن
مسعود. قال صاحب الهداية: ويمشون بها مسرعين دون الخبب. قال العينى: وصاحب
الهداية لا يذكر إلا ما هو العمدة عند أبى حنيفة. ورد به على الحافظ حيث نسب إلى

٢٩٦
المشى خلف الجنازة والإسراع بها
إعلاء السنن
حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. قال: وله شاهد بإسناد صحيح عن عبد
الله بن جعفر الطيار.
:: : ٢٢٦٣- ثم أخرجه بسنده عن ابن وهب أخبرنى ابن أبي الزناد عن أبيه
قال: « كنت جالسًا مع عبد الله بن جعفر بالبقيع، فاطلع علينا بجنازة، فأقبل علينا
ابن جعفر، فتعجب من إبطاء مشيهم بها. فقال: عجبا لما تغير من حال الناس!
والله إن كان إلا الجمر)) الحديث. وأقر الذهبى الحاكم على تصحيح
الحدیث وشاهده.
الحنفية القول بشدة المشى مع تصريح صاحب الهداية بخلافه. قال: وفى شرح المهذب:
جاء عن بعض السلف كراهة الإسراع بالجنازة، ولعله يكون محمولا على الإسراع المفرط
الذى يخاف منه انفجار الميت، وخروج شىء منه. وقال البيهقى فى المعرفة: قال
الشافعى: الإسراع بالجنازة هو فوق سجية المشى المعتاد، ويكره الإسراع الشديد.
روى البخارى ومسلم من رواية عطاء قال: "حضرنا مع ابن عباس رضى الله عنه
جنازة ميمونة رضى الله تعالى عنها بسرف، فقال ابن عباس: هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها
فلا تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفقوا". وروى ابن أبى شيبة فى مصنفه عن محمد بن فضيل
عن بنت أبى بردة عن أبى موسى قال: مر على النبى مرّ ◌ُلّه بجنازة وهى تمحض كما يمحض
الزق. فقال: "عليكم بالقصد فى جنائزكم"، وهذا يدل على استحباب الرفق بالجنازة،
وترك الإسراع.
قلت: أما ابن عباس فإنه أراد الرفق فى كيفية الحمل لا فى كيفية المشى بها،
(وحاصله النهى عن زعزعة النعش، وزلزلته والأمر بالرفق به، والرفق بالنعش قد يجتمع
بسرعة المشى أيضا إذا كان دون الخبب، كما هو مشاهد).
وأما حديث أبى موسى فإنه منقطع بين بنت أبى بردة، وأبى موسى (أى والمنقطع
وإن كان حجة عندنا فى القرون الثلاثة ولكنه لا يقاوم المتصل الإسناد) ومع ذلك فهو
ظاهر فى أنه كان يفرط فى الإسراع بها، ولعله خشى انفجارها أو خروج شىء منها،
وكذا الحكم عند ذلك فى كل موضع اهـ ملخصا (٤: ١٢٦ و١٢٧). وأيضا فأثر أبى

٢٩٧
ج - ٨
باب استحباب أن لا یر کب مع الجنازة
٢٢٦٤- عن: ثوبان رضى الله عنه أن رسول الله عَّ لله أتى بدابة وهو مع
الجنازة فأبى أن يركب فلما انصرف أتى بدابة فركب، فقيل له، فقال: ((إن
الملائكة كانت تمشى، فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت)). رواه
أبو داود (١٧٨:٣)، وسكت عنه هو، والمنذرى. وفى "نيل الأوطار"
(٣١٣:٣): رجال إسناده رجال الصحيحين اهـ. وأخرجه الحاكم فى
"المستدرك" (٣٥٥:١) وصححه على شرطهما، وأقره عليه الذهبى.
٢٢٦٥- عن: جابر بن سمرة رضى الله عنه: ((أن النبى عرّ اتبع جنازة
"ابن الدحداح ماشيا، ورجع على فرس)). رواه الترمذى (١٢٠:١)، وقال:
حسن صحيح.
موسى ليس فيه الأمر بالإبطاء، بل فيه الأمر بالقصد فى الجنائز، وهو المراد بالإسراع لما
عرفت من كراهة الإسراع الشديد وقد أجمع العلماء على أن الأمر فى قوله مد لّه:
((أسرعوا بالجنازة)) للاستحباب، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه، هو اللائق بظاهريته، ذكره
العينى أيضا (١٢٦:٤ و١٢٧).
" . وأما ما فى حديث أبى بكرة "إنا لنكاد أن نرمل بالجنازة"، فالمراد به المتوسط بين
شدة السعى وبين المشى المعتاد فإن مقاربة الرمل ليس بالسعى الشديد، قاله الشيخ زين
الدين (العراقى) ذكره العلامة العينى فى العمدة أيضا (١٢٥:٤).
باب استحباب أن لا يركب مع الجنازة
قوله: "عن ثوبان" إلخ. قال: دلالته على الباب ظاهرة. وإنما حملناه على
استحباب، لأنه من حسن الأدب مع الملائكة عليهم السلام، فيكون مستحبا.
قوله: "عن جابر" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة.

٢٩٨
إعلاء السنن
باب نسخ القيام للجنازة
٢٢٦٦- عن: نافع بن جبير أن مسعود بن الحكم الأنصارى أخبره أنه
سمع على بن أبى طالب رضى الله عنه يقول فى شأن الجنائز: ((إن رسول الله
عٍَّ قام ثم قعد)). وإنما حدث بذلك لأن نافع بن جبير رأى واقدى بن عمر وقام
حتى وضعت الجنازة. رواه مسلم (٣١٠:١). وفى "التلخيص الحبير"
(١٥٦:١): ورواه ابن حبان (فى "صحيحه") بلفظ: ((كان(١) يأمرنا بالقيام فى
الجنائز، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس)) اهـ.
باب القيام لتابع الجنازة حتى توضع على الأرض
٢٢٦٧- عن: البراء رضى الله عنه: ((كنا مع رسول الله عَّ ◌ُّه فى جنازة.
فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس، فجلسنا حوله)). صححه أبو عوانة وغيره
"التلخيص الحبير" (١٥٦:١).
باب نسخ القيام للجنازة
قوله: "عن نافع" إلخ. قال المؤلف: لفظ ابن حبان صریح فی النسخ، وفيه رد على
ما فى "التلخيص الحبير" (٩٥٦:١) ونصه: واختار ابن عقيل الحنبلى، والنووى أن القعود
إنما هو لبيان الجواز، والقيام باق على استحبابه اهـ. فإنه يمكن بالنظر إلى لفظ مسلم دون
لفظ ابن حبان. أو بنحوه أخرجه الطحاوى (٢٨٢:١): حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب
قال: أخبرنى مالك عن يحيى بن سعيد عن واقد بن عمرو عن نافع بن جبير عن مسعود بن
الحكم عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: "قام رسول الله عَ ليه مع الجنازة حتى
توضع، وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك، وأمرهم بالقعود"، ورجاله رجال مسلم.
باب القيام لتابع الجنازة حتى توضع على الأرض
قوله: "عن البراء" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وفيه بيان محل
الوضع أنه الأرض دون اللحد، وعلى جميع هذا يدل الحديث الثانى من الباب أيضا.
(١) أى النبى معَّهِ.

٢٩٩
ج - ٨
٢٢٦٨- حدثنا: أحمد بن يونس نا زهير نا سهل بن أبى صالح عن ابن
أبى سعيد الخدرى عن أبيه قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا اتبعتم الجنازة فلا
تجلسوا حتی توضع».
٢٢٦٩- قال أبو داود(١): روى الثورى هذا الحديث عن سهيل عن أبيه
عن أبى هريرة قال فيه: "حتى توضع بالأرض". ورواه أبو معاوية عن سهيل
قال: "حتى توضع فى اللحد". قال أبو داود: وسفيان أحفظ من أبى معاوية.
هكذا قال أبو داود فى "سننه" (١٧٧:٣).
باب النہی عن اتباع المیت بنار
٢٢٧٠- عن: أبى بردة، قال: "أوصى أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه
حين حضره الموت. فقال: لا تتبعونى بمجمرة. قالوا له: أو سمعت فيه شيئا؟
وفى تعليق البحر الرائق: قال فى النهر للنهى عن ذلك، كما فى السراج. قال
الرملى: ومقتضاه أنها كراهة تحريم، تأمل اهـ (١٩١:٢). قلت: قوله: "تأمل" لعله إشارة
إلى تضعيف القول بكراهة التحريم، واختار كراهة التنزيه فإنه من الآداب.
قال فى البحر: لأنه قد تقع الحاجة إلى التعاون، والقيام أمكن منه، فكان الجلوس
قبله مكروها، ولأن الجنازة متبوعة وهم أتباع، والتبع لا يقعد قبل قعود الأصل، قيد بقوله:
"قبل وضعها" لأنهم يجلسون إذا وضعت عن أعناق الرجال، ويكره القيام بعد وضعها،
كما فى الخانية والعناية. وفى المحيط خلافه. قال: والأفضل أن لا يجلسوا ما لم يسووا عليه
التراب، والأولى الأول اهـ ملخصا (١٩١:٢). قلت: وما فى المحيط ناظر إلى رواية أبى
معاوية بلفظ "حتى توضع فى اللحد" فافهم.
باب النهى عن اتباع الميت بنار
قال المؤلف: دلالة أحاديث الباب عليه ظاهرة.
(١) هكذا علقه أبو داود، وكذلك حمله على الحكاية الحافظ فى "التلخيص" حيث قال: حكاه أبو داود (١٥٧:١).
ولم أر من وصله، إلا أن ظنى موصول عند أبى داود من طريق أحمد بن يونس، فإنه يروى عن الثورى، وروايته
عن أبى معاوية -وهو محمد بن حازم- ممكنة، فافهم.

٣٠٠
إعلاء السنن
قال: نعم! من رسول الله عَّه، رواه ابن ماجه (٢٣٣:١). قال السندى:
"بمجمر " أی بنار، لأنه لا فائدة فيه، ويؤدى إلى الفال القبيح، فتر که أولى، وفی
"الزوائد" : إسناده حسن اهـ.
٢٢٧١ - عن: هشام بن عروة عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه أنها
قالت لأهلها: "أجمروا ثيابى إذا مت، ثم حنطونى، ولا تذروا على كفنى
حناطا، ولا تتبعونى بنار". رواه مالك (ص-٧٨).
قال المحدث جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعى الحنفى فى "نصب
الراية" (٣٤٦:١): هذا سند صحيح اهـ.
باب تعميق القبر، وتوسيعه، واختيار اللحد على الشق
٢٢٧٢- عن: رجل من الأنصار رضى الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله
مَّظله فى جنازة، فرأيت النبى معَّه على القبر يوصى الحافر ((أوسع من قبل
رجليه، أوسع من قبل رأسه)). رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقى، وإسناده
صحيح، كذا فى "التلخيص الحبير" (١٦٣:١).
٢٢٧٣- عن: هشام بن عامر رضى الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله
عَ لِّ يوم أحد، فقلنا: "يا رسول الله! الحفر علينا لكل إنسان شديد". فقال
رسول الله عَّه: ((احفروا وأعمقوا وأحسنوا)) الحديث، رواه النسائى
باب تعميق القبر، وتوسيعه، واختيار اللحد على الشق
قوله: "عن رجل" إلخ. دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة.
قوله: عن هشام إلخ. دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. وفى التلخيص
الحبير (١٦٣:١): قوله: قال عمر رضى الله عنه: أعمقوه لى قدر قامة، وبسطة. أخرجه
ابن أبى شيبة وابن المنذر اهـ. ولم أقف على سنده، ولكن سكوت الحافظ عنه دليل بصحته
أو حسنه. وفى المغنى لابن قدامة: قال أحمد رحمه الله: يعمق القبر إلى الصدر، الرجل
والمرأة فى ذلك سواء، كان الحسن، وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر.