النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٫٦١
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
٢٢٣٠- عن: عبد الله بن أبى أوفى رضى الله عنه، ((أنه كبر على جنازة
ابنة له أربع تكبيرات، فقام بعد الرابعة، كقدر بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو،
ثم قال: كان رسول الله عَّ ◌ُله يصنع هكذا)) وفى رواية: ((كبر أربعا، فمكث
ساعة حتى ظننا أنه سيكبر خمسا، ثم سلم عن يمينه، وعن شماله، فلما انصرف
هل أراد أن يخبرهم أن القراءة سنة أو نفس الصلاة سنة" إلخ ففيه أن إنكار طلحة بن عبيد
الله على ابن عباس إنما يتأتى فى القراءة دون نفس الصلاة، فإن كون الصلاة على الميت
سنة بل فريضة لا يجهله مثله، وقد مر فی رواية النسائی ان طلحة أخذ بید ابن عباس لما
فرغ من الصلاة، فسأله فقال: "سنة وحق". فالظاهر أن السؤال كان عن القراءة، وكذا
الجواب. وأصرح منه لفظ الحاكم: قال: "صليت خلف ابن عباس على جنازة فسمعته يقرأ
بفاتحة الكتاب فلما انصرف أخذت بيده فسألته، فقلت: أ تقرأ؟ فقال: "نعم! إنه حق
وسنة" اهـ (١: ٣٥٨)
فالحق فى الجواب عنه أن أثر ابن عباس لا يفيد الخصم، لما فيه من ذكر السورة مع
الفاتحة فى بعض الطرق الصحيحة، ولم يقل بكون قراءة السورة سنة مصطلحة، فلا بد من
حمله على أن المعنى أن الثناء على الله عز وجل ولو بالفاتحة وأمثالها من آيات القرآن سنة.
فالسنة فى الأصل هو الثناء، وإنما جعل الفاتحة ونحوها سنة لاشتمالها على الثناء، لا لذاتها،
وهذا هو محمل حديث أبى أمامة بن سهل. والقرينة عليه ما ذكرنا عن ابن وهب أن عمر
ابن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وعبد الله بن عمر، وفضالة بن عبيد، وأبا هريرة، وجابر
ابن عبد الله، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم لم يكونوا يقرأون فى الصلاة على الميت. فلو
كانت قراءة الفاتحة سنة مصطلحة لم تكن تخفى على هؤلاء الأجلة الذين عليهم مدار
الرواية والدراية، وعنهم أخذ ابن عباس العلم.
وقال مالك: ليس ذلك بمعمول به ببلدنا، إنما هو الدعاء، أدركت أهل بلدنا على
ذلك اهـ. وبعيد عن أهل المدينة أن يتركوا سنة واظب عليها النبى مرّ له عن آخرهم فى
زمن مالك الذى هو زمان حياة العلم فيهم، فافهم حق الفهم، ولا تكن من الغافلين.
قوله: "عن عبد الله" إلخ. قال المؤلف: وفى التلخيص: وروى البيهقى عن عبد الله
٢٦٢
ج - ٨
١
كيفية صلوة الجنازة
قلنا له: ما هذا؟ فقال: إنى لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله عَّ له يصنع، أو
هكذا صنع رسول الله عَّه)). رواه البيهقى فى "السنن الكبرى"، قال الحاكم
أبو عبد الله: "هذا حديث صحيح"، كذا فى " الأذكار" للإمام النووى
(المطبوع فى مصر).
٢٢٣١- عن: عبد الوارث بن سفيان عن قاسم عن ابن وضاح عن عبد
الرحمن بن إبراهيم دحيم عن مروان بن معاوية الفزارى عن عبد الله بن الحارث
" بالتسليم(١) على الجنازة كالتسليم فى الصلاة" اهـ (١: ١٦٢). وسكت عنه الحافظ، فهو
حسن أو صحيح، كما ذكرناه قبل. ودلالته على الباب ظاهرة.
والدعاء بعد الرابعة، كما فى هذا الحديث استحبه كثير من مشائخنا. قال فى
العناية: وليس بعدها دعاء إلا السلام فى ظاهر الرواية. واختار بعض مشائخنا أن يقال:
"ربنا آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وقنا برحمتك عذاب القبر، وعذاب النار"،
وبعضهم أن يقول: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ الآية اهـ. قلت: معنى نفى كونه
فى ظاهر الرواية عدم تأكده، ومعنى قول المشايخ هو الاستحباب، وهو الأظهر، فلا
تعارض. وفيه دلالة على تثنية السلام فى صلاة الجنازة.
وقال الحاكم فى المستدرك: التسليمة الواحدة على الجنازة قد صحت الرواية فيه
عن على بن أبى طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر، وعبد الله ابن أبى
أوفى، وأبى هريرة أنهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة واحدة اهـ (١: ٣٦٠).
والجواب عنه كالجواب عن روايات التسليمة الواحدة فى المكتوبات الخمس، أى أنهم
كانوا يجعلون التسليمة الثانية أخفض من الأولى، فلم يسمعها بعض الرواة لبعد المكان،
وسمعها من كان قريبا من الإمام على أن راوى الزيادة أولى والمثبت أقدم على النافى.
والله أعلم.
قوله: "عن عبد الوارث" إلخ قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. وكذلك دلالة
الأحاديث الأربعة بعده. وفى فتح البارى (٣: ١٦٢): وقد اختلف السلف فى ذلك.
(١) لعل الباءِ من تصرف الناسخين، والصحيح "التسليم" بدون الباء. ظفر.
٢٦٣
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
عن أبى بكر بن سليمان بن أبى حثمة عن أبيه قال: ((كان رسول الله عَّ له يكبر
على الجنائز أربعا، وخمسا، وستا، وسبعا، و ثمانیا، حتى جاءه موت النجاشى،
فخرج إلى المصلى، فصف الناس ورائه، كبر عليه أربعا ثم ثبت النبى معَّ ◌ُلّه على
أربع حتى توفاه الله تعالى)). أخرجه ابن عبد البر فى "الاستذكار"
(نصب الراية ٣٤٨:١).
قلت: رجاله كلهم ثقات. أما عبد الوارث فلم نر أحدا ممن صنف فى
الضعفاء ذكره بجرح ولا تعديل. وقاسم هو ابن أصبغ حافظ متقن ذكره الذهبى
فى "التذكرة" (٦٧:٣). وابن وضاح هو الحافظ محدث الأندلس صدوق فى
نفسه رأس فى الحديث، كما فى "اللسان" (٤١٦:٥). وفيه (١٠٨:٦) أيضا:
عن ابن عبد البر أن محمد بن وضاح كان ثقة اهـ. والباقون من رجال الصحيح
معروفون، والحديث أورده الحافظ أيضا فى "الدراية والتلخيص"، وسكت عنه،
فهو صحیح عنده أو حسن.
فروی مسلم عن زيد بن أرقم رضی الله عنه "أنه کان یکبر خمسا"، ورفع ذلك إلى النبى
عَّ، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود رضى الله عنه "أنه صلى على جنازة رجل من بنى
أسد، فكبر خمسا". وروى أيضا بإسناد صحيح عن أبى معبد قال: "صليت خلف ابن
عباس رضى الله عنه على جنازة، فكبر ثلاثاً". قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن
التكبير أربع، وفيه أقوال أخر، فذكر ما تقدم. قال: وذهب بكر بن عبد الله المزنى إلى أنه
لا ينقص من ثلاث، ولا يزاد على سبع. وقال أحمد مثله لكن قال: لا ينقص من أربع.
وقال ابن مسعود رضى الله عنه: "كبر ما كبر الإمام". وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا
من فقهاء الأمصار قال: يزيد فى التكبير على أربع إلا ابن أبى ليلى انتهى. وفى المبسوط
للحنفية: قيل: إن أبا يوسف قال: يكبر خمسا، وقد تقدم القول عن أحمد فى ذلك اهـ.
ملخصا بلفظه.
قال بعض الناس: لم أقف فى حديث ثابت صحيح مرفوع إلا على الخمس أو
الأربع وحديث أبى وائل صورته صورة الإرسال، فإن سمعه من عمر، فهو متصل، وإلا،
٢٦٤
ج - ٨
كيفية صلوة الجنازة
٢٢٣٢- عن: سعيد بن المسيب قال: "كان التكبير أربعا، وخمسا،
فجمع عمر الناس على أربع". رواه ابن المنذر بإسناد صحيح إلى سعيد (فتح
البارى ١٦٢:٣).
٢٢٣٣- عن: أبى وائل رضى الله عنه قال: ((كانوا يكبرون على عهد
رسول الله عَّ له سبعا، وستا، وخمسا، وأربعا فجمع عمر الناس على أربع
كأطول الصلاة)). رواه البيهقى بإسناد حسن إلى أبى وائل (فتح
البارى ١٦٢:٣).
فلا. قلت: مراسيل المخضرمين فى حكم المتصل عندهم، وأبو وائل ثقة مخضرم، وقد سمع
عمر كثيرا، وروى عن أبى بكر والقدماء من الصحابة، فروايته عن عمر متصلة حتما.
والله أعلم.
وأما جمع عمر فقد روى مفصلا ففى كتاب الآثار (ص: ٤٠): أخبرنا أبو حنيفة
عن حماد عن إبراهيم أن الناس كانو يصلون على الجنائز خمسا، وستا، وأربعا حتى قبض
النبى معَ له، ثم كبروا بعد ذلك فى ولاية أبى بكر رضى الله عنه حتى قبض أبو بكر، ثم
ولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ففعلوا ذلك فى ولايته، فلما رأى ذلك عمر بن
الخطاب رضى الله عنه قال: "إنكم معشر أصحاب محمد عّ لّه متى ما تختلفون يختلف
من بعدكم والناس حديث عهد بالجاهلية. فأجمعوا على شىء يجتمع به عليه من
بعدكم". فأجمع رأى أصحاب محمد عَّ أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها النبى معَ له
حين قبض، فيأخذون به، فيرفضون به ما سوى ذلك، فنظروا، فوجدوا آخر جنازة كبر
عليها رسول الله عَّ أربعا اهـ.
وإبراهيم لم يسمع من أبى بكر، ولا عمر، بل لم يسمع من أحد من الصحابة،
فالسند رجاله ثقات إلا أن فيه إرسالا، ومراسيل إبراهيم صحيحة، كما مر غير مرة.
والعجب من بعض الناس أنه يصحح مراسيله مرة، ويضعفها أخرى. ويقول: "إن فيه
إعضالا وانقطاعا". وقد ذكرنا فى المقدمة أن كل ذلك فى حكم الإرسال عند الفقهاء.
ومراسيل إبراهيم صحاح عندهم، وعند المحدثين أيضا.
٢٦٥
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
٢٢٣٤- عن: أبى هريرة رضى الله عنه ((أن النبى عرّ نعى النجاشى فى
اليوم الذى مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع
تكبيرات)). رواه الجماعة، كذا فى "نيل الأوطار" (٢٨٣:٣).
قال بعض الناس. وإذا عرفت هذا كله فدعوى النسخ مشكلة، لأن آخر فعله عدّ له
ليس بناسخ لأوله، لإمكان حمل أحدهما على الأحب والثانى على الجواز إلا إذا دلت
قرينة على نسخ الآخر للأول، وليست هناك، والإجماع أيضا لم يتحقق فالصحيح فى
ترجيح الأربع هو ذهاب الأكثر إليه، تأمل.
قلت: قاتلك الله! وأى قرينة أدل على النسخ من قول الصحابة، وإجماع رأيهم أن
ینظروا آخر جنازة کبر عليها النبی مګے حین قبض، فيأخذون به، فيرفضون به ما سوى
ذلك؟ فشىء رفضوا به ما سواه لا يكون إلا ناسخا له عندهم. وأما قولك: إن الإجماع
أيضا لم يتحقق فمردود عليك بقول ابن المسيب، وأبى وائل، فجمع عمر الناس على أربع.
وأما ما روى عن ابن مسعود وابن عباس، فيحمل على كونه قبل الجمع، أو على أن
الإجماع لم يبلغها. وأما ما فى بلوغ المرام (١: ١٠٦): عن على رضى الله عنه "أنه كبر
على سهل بن حنيف ستا وقال: إنه بدرى". رواه سعيد بن منصور، وأصله فى البخارى
اهـ. فإنه لا يحتاج إلى توجيه، فإن الوجه مذكور فيه، وقياس غير أهل البدر من أصحاب
الفضائل على أهل البدر غير صحيح فافهم.
تتمة:
فى بيان رفع اليدين، وعدم رفعهما عند كل تكبيرة فى صلاة الجنازة: اعلم أنه قد
ورد فى الرفع آثار ثابتة، ففى نصب الراية (١: ٣٥٦): أخرج الدار قطنى فى علله عن عمر
ابن شيبة حدثنا يزيد بن هارون أنبأ يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنه
"أن النبى معَّ كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه فى كل تكبيرة، وإذا انصرف سلم"
قال الدار قطنى: هكذا رفعه عمر بن شيبة، وخالفه جماعة، فرووه عن يزيد بن هارون
موقوفا وهو الصواب اهـ.
قلت: هو صدوق له تصانيف، كما فى التقريب (ص: ١٥٥)، فزيادته مقبولة.
٢٦٦
كيفية صلوة الجنازة
ج - ٨
٢٢٣٥- عن: الأوزاعى عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى
هريرة رضى الله عنه ((أن النبى عّ لّ- صلى على جنازة، فكبر أربعا)). رواه ابن أبى
داود فى "الإفراد" وصححه، وكذا فى "فتح البارى" (١٦٣:٣).
وعلق البخارى "ويرفع (أى ابن عمر) يديه" ذكره فى باب سنة الصلاة على الجنازة. وفى
فتح البارى: وصله البخارى فى كتاب رفع اليدين المفرد من طريق عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر رضى الله عنه أنه كان يرفع يديه فى كل تكبيرة على الجنازة اهـ. وفى
الدراية: "إسناده صحيح" اهـ. وفى التلخيص الحبير (١: ١٧١): حديث ابن عمر رضى
الله عنه "أنه كان يرفع يديه فى جميع تكبيرات الجنازة" البيهقى بسند صحيح اهـ. وفيه
أيضا: وقد صح عن ابن عباس رضى الله عنه "أنه كان يرفع يديه فى تكبيرات الجنازة.
رواه سعيد بن منصور أهـ (١: ١٧١ و١٧٢). وقد ذهب أبو حنيفة إلى هذا فى رواية عنه
كما سيأتى.
ويعارضه ما رواه الترمذى (١: ١٢٧) عن أبى هريرة رضى الله عنه "أن رسول الله
مَ ◌ّ كبر على جنازة، فرفع يديه على أول تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى". قال أبو
عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. واختلف أهل العلم فى هذا، فرأى
أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌ٍّ وغيرهم أن يرفع الرجل يديه فى كل تكبيرة على
الجنازة، وهو قول ابن المبارك، والشافعى، وأحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: لا يرفع
یدیه إلا فى أول مرة، وهو قول الثورى، وأهل الكوفة اهـ.
قلت: فى سند الترمذى يزيد بن سنان أبو فروة وهو ضعيف، كما فى التقريب
(ص: ٢٣٩) ولكن وثقه البخارى وغيره، كما فى الترغيب (ص: ٥٣٠). وكان مروان
ابن معاوية يثبته. وقال أبو حاتم، "محله الصدق يكتب حديثه، ولا يحتج به". وقال
البخارى: "مقارب الحديث" وروى عنه شعبة. كذا فى التهذيب (١١: ٣٣٦). وشعبة لا
يروى إلا عن ثقة عنده. وفيه أيضا يحيى بن يعلى الأسلمى وهو شيعى ضعيف، كما فى
التقريب (ص: ٢٣٨) ولكن روى عنه الأجلة الأعلام. وأخرج له ابن حبان فى صحيحه
حدیثا واحدا، فهو ممن یکتب حديثه ولا بأس به.
ويؤيده ما رواه الدار قطنى (١: ١٩٢) من طريق فضل بن السكن حدثنى هشام بن
٢٦٧
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
يوسف ثنا معمر عن ابن طاؤس عن أبيه عن ابن عباس رضى الله عنه "أن رسول الله عرّ له
كان يرفع يديه على الجنازة فى أول تكبيرة ثم لا يعود" اهـ.
وأعله فى التعليق المغنى بالفضل بن السكن: قال العقيلى: إنه مجهول ولم يذكره
ابن حبان فى الضعفاء اهـ. قال الحافظ الذهبى فى ميزان الاعتدال (٢: ٣٣٠): الفضل بن
السكن الكوفى عن هشام بن يوسف لا يعرف وضعفه الدار قطنى اهـ. وفى اللسان: إن
الفضل بن السكن هو الفضل بن السكن بن السخيت، ويقال له: الفضل ابن سخيت
أيضا. وهو الذى روى عن هشام ابن يوسف فالثلاثة واحد، وذكره ابن حبان فى الثقات
اهـ (٤: ٤٤١). وفيه أيضا: ثم ساقه العقيلى من طريق عبد الرزاق عن معمر عن بعض
أصحابه عن ابن عباس رضى الله عنه من قوله وأشار إلى أنه الصواب. ثم أخرجه من رواية
إبراهيم بن موسى عن هشام بن يوسف، كما قال عبد الرزاق اهـ. وفيه أيضا: الحجاج بن
نصیر وهو مختلف فيه حسن الحديث، كما مر فى الجزو الرابع. فالحديث حسن لا سيما
مع تعدد الطرق.
وفى عمدة القارى (٤: ١٣٧): وفى المبسوط: إن ابن عمر وعليا رضى الله عنه
قالا: "لا ترفع اليد فيها إلا عند تكبيرة الإحرام". وحكاه ابن حزم عن ابن مسعود رضى
الله عنه وابن عمر ثم قال: "لم يأت بالرفع فيما عدا الأولى نص. ولا إجماع" اهـ.
قلت: واحتجاج المحدث الجلیل کابن حزم بحدیث تصحیح له، کما ذكرناه فى
المقدمة فتعارض الآثار عن ابن عمر وابن عباس من قولهما فى الرفع فى كل تكبيرة.
وتر که. وقد علمت أن خلاف الراوى لروايته جرح عندنا، فلم يبق مرفوع ابن عمر حجة
فى الباب. ومرفوع أبى هريرة لم يعارضه شىء فينبغى الأخذ به، والعمل عليه. وهو قول
أبى حنيفة فى ظاهر الرواية عنه.
وفى البحر الرائق (١: ١٨٣). وقد تقدم فى كيفية الصلاة أنه لا ترفع الأيدى فى
صلاة الجنازة سوى تكبيرة الافتتاح، وهو ظاهر الرواية، وكثير من أئمة بلخ اختاروا رفع
الیدین فی کل تکبیرة فیها، و کان نصیر بن یحیی یرفع تارة، ولا یرفع أخری اهـ. وفی رد
المختار: ورواية (أى الرفع فى كلها) عن أبى حنيفة كما فى شرح درر البحار، والأول
٢٦٨
ج - ٨
كيفية صلوة الجنازة
٢٢٣٦- عن: أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى معَ ◌ّه قال: ((إذا صليتم
على الميت فأخلصوا له الدعاء)) رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، كذا فى
(بلوغ المرام ١٠٧:١).
٢٢٣٧- عن: مالك بن هبيرة رضى الله عنه مرفوعا ((من صلى عليه ثلاثة
صفوف فقد أوجب)). رواه أبو داود وغيره، وحسنه الترمذى، وصححه الحاكم
(فتح البارى ١٤٩:٣). ولفظ الحاكم فى "مستدركه" (٣٦٢:١): "وكان (أى
مالك بن هبيرة)، إذا أتى بجنازة ليصلى عليها فتقال أهلها جزأهم صفوفا ثلاثة،
فصل بهم عليها، ويقول: إن رسول الله عَ ليه" فذكره.
٢٢٣٨ - عن: عوف بن مالك يقول: صلى رسول الله عّ لّ على جنازة،
ظاهر الرواية كما فى البحر (١: ٩١١).
فإن قلت: لم اختار الإمام الرفع فى تكبيرات العيدين؟ قلت: لأن الآثار لم تختلف
فيه بخلاف الصلاة المطلقة، وصلاة الجنائز فإن الآثار فيهما مختلفة. فاختار الأصل.
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. فی سند أبی داود محمد بن إسحاق وقد عنعنه، ولکن
قال فى التلخيص الحبير (١: ١٦١): لكن أخرجه ابن حبان من طريق أخرى عنه مصرحا
بالسماع اهـ. وفى عون المعبود (٣: ١٨٨): قال المناوى أى ادعوا له بإخلاص، لأن
القصد بهذه الصلاة إنما هو الشفاعة للميت، وإنما يرجى قبولها عند توفر الإخلاص
والابتهال انتهى. ودلالته على الباب ظاهرة.
قوله: "عن مالك" إلخ. وفى الفتح أيضا بعد اللفظ المذكور: وفى رواية له (أى
للحاكم) "إلا غفر له" اهـ. قلت: دلالته على ما فيه ظاهرة. ولفظ الحاكم فى المستدرك
هكذا: قال وكان إذا أتى (مالك بن هبيرة) بجنازة ليصلى عليها، فتقال أهلها جزأهم
صفوفا ثلاثة فصلى بهم عليها، ويقول: إن رسول الله عَ لّه قال: "ما صف صفوف ثلاثة
- من المسلمين على جنازة إلا أوجبته، وفى لفظ إلا غفر له" اهـ (١: ٣٦٢).
قوله: "عن عوف" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة، وكذا دلالة حديث واثلة،
٢٦٩
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
فحفظت من دعائه وهو يقول: ((اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه،
وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء، والثلج، والبرد، ونقه من الخطايا كما
ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله،
وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب
النار)). قال: "حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت". رواه مسلم (٣١١:١).
٢٢٣٩- عن: واثلة بن الأثقع رضى الله عنه قال: صلى بنا رسول الله
ګ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: «اللهم إن فلان بن فلان فی ذمتك
وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحمد اللّهم
فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم)). رواه أبو داود (١٠١:٢)،
وسكت عنه.
٢٢٤٠- عن: أبى إبراهيم الأشهلى عن أبيه قال: كان رسول الله عَ ◌ّه إذا
صلى على الجنازة قال: ((اللّهم اغفر لحينا، وميتنا، وشاهدنا، وغائبنا، وصغيرنا(١)،
وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا)). رواه الترمذى (١٢١:١) وقال: "حسن صحيح".
٢٢٤١- وعند أبى داود (١٠٠:٢ و١٠١) وسكت عنه من حديث أبى
هريرة قال: صلى رسول الله عَّ ◌ُّه على جنازة فقال: ((اللّهم اغفر لحينا، وميتنا،
وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، وشاهدنا، وغائبنا. اللّهم من أحييته فأحيه
على الإيمان، ومن توفيته فتوفه على الإسلام. اللّهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا
بعده)) اهـ. وقال النووى فى "الأذكار": والمشهور فى معظم كتب الحديث:
(«فأحيه على الإسلام وتوفه على الإيمان)).
قلت: هكذا أخرجه الحاكم فى "مستدركه" (٣٥٨:١). عن أبى هريرة
بلفظ: إن رسول الله عَّ ◌ُّه كان إذا صلى على جنازة قال: اللّهم اغفر لحينا إلى
وحديث أبى إبراهيم وفى التلخيص الحبير (١: ١٦١): قال بعض العلماء: اختلاف
الأحاديث فى ذلك محمول على أنه كان يدعو على ميت بدعاء، وعلى آخر بغيره اهـ.
(١) المراد من الاستغفار للصبى عندى هو الدعاء برفع الدرجات له فاحفظه، فإنه نفيس، ولله الحمد.
٢٧٠
ج - ٨
كيفية صلوة الجنازة
آخره. وفيه: ((فأحيه على الإسلام، وتوفه على الإيمان)). وصححه على شرط
الشيخين، وأقره عليه الذهبى. قال: وله شاهد صحيح على شرط مسلم عن
عائشة رضى الله عنها، ثم ذكره، وفيه تقديم ((ذكرنا وأنثان)) على )) شاهدنا
و غائبنا»، وباقى المتن نحو حديث أبى هريرة سواء.
٢٢٤٢- عن: أبى هريرة رضى الله عنه أنه كان يصلى على المنفوس
((اللّهم اجعله لنا فرطا، وسلفا، وأجرا)). رواه البيهقى، كما فى "التلخيص
الحبير". ولم أقف على سنده.
٢٢٤٣- ويؤيده ما علقه البخارى قال الحسن: ((يقرأ على الطفل بفاتحة
الكتاب ويقول: اللّهم اجعله لنا سلفا، وفرطا، وأجرا)) اهـ.
وفى "فتح البارى" (١٦٣:٣): وصله عبد الوهاب بن عطاء فى كتاب
الجنائز له عن سعيد بن أبى عروبة أنه سئل عن الصلاة على الصبى، فأخبرهم عن
قتادة عن الحسن ((أنه يكبر، ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقول: ((اللّهم اجعله لنا
سلفا، وفرطا، وأجرا)).
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة. وورد عنه رضى الله عنه
دعاء آخر فروى مالك (ص: ٧٩) عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب
يقول: صليت وراء أبى هريرة رضى الله عنه على صبى لم يعمل خطيئة قط. فسمعته
يقول: "اللهم أعذه من عذاب(١) القبر" اهـ. وهذا إسناد صحيح على شرط الجماعة.
(١) قال بعضهم: ليس المراد بعذاب القبر هنا عقوبة. ولا السوال، بل مجرد الألم بالغم، والهم، والحسرة، والوحشة،
والضغطة. وذلك تعم الأطفال وغيرهم، قال الزرقانى: قلت: نفى العقوبة والسؤال لعدم التكليف، وهذا يقتضيه
حديث "رفع القلم عن ثلاثة ومنها الصبى" وهو حديث صحيح كما فى العزيزى (٢: ٢٩٠). والوحشة،
والغم، والهم والحسرة والوحشة ثبوتها بمقتضى العقل، ولم أره فى نص. وأما الضغطة فقد أوردها فى شرح
الصدور بما نصه: أخرج الطيرانى بسند صحيح عن أبى أيوب رضى الله عنه أن صبيا دفن فقال رسول الله مَ لآم ((لو
اقت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبى)) اهـ.
٢٧١
ج - ٨
كيفية صلوة الجنازة
٢٢٤٤- عن: نافع أن عبد الله عمر رضى الله عنهما كان يقول: ((لا
يصلى الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر)). رواه الإمام العلام مالك فى
"موطائه" (ص ٨٠).
قوله: "عن نافع" إلخ. دلالته على اشتراط الطهارة فى صلاة الجنازة ظاهرة من قول
الصحابى والقياس أيضا يقتضيه، فإنها صلاة كالصلاة المطلقة. وفى رحمة الأمة (ص:
٣٨): ومن شرط صحة الصلاة على الجنازة الطهارة، وستر العورة بالاتفاق، وقال الشعبى
ومحمد بن جرير الطبرى: تجوز بغير طهارة اهـ. (وكذلك قال ابن علية، كما فى
عمدة القاري).
تنبيه :..
فى "الدر المختار": وركنها شيئان التكبيرات الأربع والقيام اهـ ملخصا.
قال بعض الناس: فالأمر بالقيام تقدم فی حدیث عمران رضى الله عنه فى باب أن
صلاة الجنازة فرض كفاية، والدليل على وجوب التكبيرات ليس إلا المواظبة الثابتة
بالاستقراء، فإن صلاة من صلوات الجنائز لم ترد عن رسول الله عَ ◌ّه إلا وفيها ذكر
التكبيرات على ما علمت، وقد تقدم غير مرة ما فى الاستدلال على الوجوب بفعله عدّ له،
تأمل.
قلت: تأملنا وأطلعنا على سوء فهمك، وقلة علمك، وسخافة رأيك، فإن الأئمة
الحنفية لم يقولوا بوجوب التكبيرات بمجرد الفعل، بل لوقوع الفعل بيانا لقوله المجمل. ثم
تأملوا ما اشتمل فعله عليه ليميزوا الأركان من غيرها، فلاح لهم أن ركنها شيئان
التكبيرات الأربع، والقيام، بدليل اختلاف الروايات، وخلاف الرواة فيما عداهما، واتفاق
الروايات، وإجماع الصحابة على هذين. وقد تقدم دليل الإجماع فيما ذكرناه سابقا. وقد
روى البخارى فى ترجمة له عن حميد قال: "صلى بنا أنس، فكبر ثلاثا، وسها، وسلم.
فقيل له، فاستقبل القبلة، وكبر الرابعة، ثم سلم" اهـ. وقال الحافظ فى "الفتح": يشترط
فيها ما يشترط فى الصلاة وإن لم یکن فيها ر کوع، ولا سجود، فإنه لا يتكلم فيها،
ويكبر فيها ويسلم منها بالاتفاق، وإن اختلف فى عدد التكبير والتسليم اهـ (١٥٢:٣).
٢٧٢
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
٢٢٤٥- عن: سمرة بن جندب رضى الله عنه قال: ((صليت وراء النبى
عَّه على امرأة ماتت فى نفاسها، فقام عليها وسطها)). رواه البخارى
(١٧٧:١) والجماعة.
قلت: فيحمل القول فى أثر أنس المذكور على التكلم بالإيماء دون اللسان،
والاختلاف فى عدد التكبيرات قد ارتفع بإجماع الصحابة على الأربع كما قدمنا.
وبالجملة فتدارك أنس التكبيرة الرابعة بعد التسليم مشعر بكون التكبيرات واجبة، فإن
السنن لا تستدرك بعد التسلیم کما لا يخفى.
فائدة:
قال السيد محمد أمين فى "تعليقه على البحر الرائق" (١٨٥:٢): قال الرملى: قال
فى "شرح المنية": وفى المفيد: يدعو لوالدى الطفل اهـ. قلت: وهو أحب إلى، ففى الدراية
للحافظ ابن حجر نور الله تعالى مضجعه: روى أصحاب السنن عن المغيرة رضى الله عنه
قال: قال النبى معَّه: ((السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة)). وصححه
الترمذى والحاكم (ص: ١٤٥). والمراد بالسقط هو الطفل، كما سيأتى.
قال بعض الناس: وهذا حديث مرفوع، وأثر أبى هريرة رضى الله عنه موقوف وأثر
الحسن مقطوع، فيرجح عليهما، فيقول مثلا: اللهم اغفر لوالديه اهـ قلت: إنما يحتاج إلى
الترجيح عند التعارض، ولا منافاة بين المرفوع. والموقوف وغيره ههنا، فيجمع بينها كلها.
قوله: "عن سمرة" إلخ. فى "عمدة القارى": فى المبسوط: الصدر هو الوسط، فإن
فوقه يديه ورأسه، وتحته بطنه ورجليه (٢: ١٥٠). وفى "الهداية" ويقوم الذى يصلى على
الرجل والمرأة بحذاء الصدر، لأنه موضع القلب، وفيه تور الإيمان، فيكون القيام عنده
إشارة إلى الشفاعة لإيمانه. وعن أبى حنيفة أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه. ومن المرأة
بحذاء وسطها، لأن أنسا رضى الله عنه فعل كذلك، وقال: هو السنة قلنا: تأويله أن
جنازتها لم تکن منعوشة فحال بينهما وبينهم اهـ.
قلت: حديث أنس رضى الله عنه أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى
(١٨٤:٣) من طريق نافع أبى غالب قال: "كنت فى سكة المربد، فمرت جنازة، ومعها
ناس كثير قالوا: جنازة عبد الله بن عمير، فتبعتها، فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق على
ج - ٨
كيفية صلوة الجنازة
٢٧٣
بريذينته، وعلى رأسه خرقة تقيد من الشمس فقلت: من هذا الدهقانى؟ قالوا: هذا أنس
ابن مالك. فلما وضعت الجنازة قام أنس، فصلى عليها وأنا خلفه لا يحول بينى وبينه
شیء، فقام عند رأسه، فکبر أربع تکبیرات لم یطل ولم یسرع، ثم ذهب يقعد، فقالوا: يا
أبا حمزة! المرأة الأنصارية! فقربوها وعليها نعش أخضر، فقام عند عجیزتها، فصلی عليها
نحو صلاته على الرجل، ثم جلس، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول
الله عَّه يصلى على الجنازة، كصلاتك يكبر عليها أربعا، ويقوم عند رأس الرجل،
وعجيزة المرأة؟ قال: نعم! إلى أن قال: قال أبو غالب: فسألت عن صنع أنس فى قيامه على
المرأة عند عجيزتها، فحدثونى أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش، فكان الإمام يقوم حيال .
عجيزتها يسترها من القوم" اهـ. ورواه الترمذى (١٢٢:١) عن أبى غالب قال: "صليت
مع أنس بن مالك رضى الله عنه على جنازة رجل، فقام حيال رأسه. ثم جاؤوا بجنازة
امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة! صل عليها فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء
ابن زياد: هكذا رأيت رسول الله عَّ له قام على الجنازة مقامك منه؟ قال: نعم! فلما فرغ
قال: "احفظوا". قال أبو عيسى: "حديث حسن" اهـ.
قال بعض الناس: وأما ما قال الشيخ ابن الهمام (٨٩:٢): قلنا: قد يعارض هذا بما
روى أحمد أن أبا غالب قال: صليت خلف أنس رضى الله عنه على جنازة، فقام حيال
صدره اهـ. فليس بشىء" أما أولا فلأنه لم یذ کر سنده، فکیف یعارض ما حسنه الترمذى،
وسكت عليه أبو داود، والمنذرى؟ وأما ثانيا فإن الحديث ليس فى المسند بهذا اللفظ،
والعزو إلى الإمام أحمد على الإطلاق يراد به العزو إلى المسند، ولفظ أحمد: ثنا وكيع
حدثنى همام عن غالب هكذا قال وكيع: غالب وإنما هو أبو غالب عن أنس رضى الله عنه
"أنه أتى بجنازة رجل. فقام عند رأس السرير ثم أتى بجنازة امرأة، فقام أسفل من ذلك
حذاء السریر، فلما صلی قال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! أهكذا كان رسول الله مێ.
يقوم من الرجل والمرأة نحو مما رأيتك فعلت؟ قال: نعم! قال: فأقبل علينا العلاء بن زياد
فقال: "احفظوا" (١١٨:٣). وقد عزاه الزيلعى فى "نصب الراية" (٣٥١:١) إلى الإما
أحمد، ولم يذكر لفظ ابن الهمام، فافهم واحفظه.
٢٧٤
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
قلت: لفظ أحمد ليس بصريح فى القيام عند العجزة، وإنما فيه "أنه قام أسفل من
رأس السرير حذاء السرير" وحذاءه لا يقتضى القيام عند وسط الميت، ويحتمل أن يكون
فى نسخة الشيخ ابن الهمام حذاء الصدر بدل حذاء السرير، فإن حذاء السرير لا معنى له
لعموم الوسط، وما قبله، وما بعده (أى طرفيه).
وقال الشيخ: فإن قيل: قد صرح فى هذا الحديث "فقربوها وعليها نعش أخضر".
فكيف يصح قول صاحب "الهداية": "تأويله أن جنازتها" إلخ؟ وأيضا كيف يصح ما
حدثوا أبا غالب "أنه إنما كان لأنه لم تكن" إلخ؟ قلنا: معنى ما حدثوا به أن أنسا رضى الله
عنه اقتدى بسلفه، وهؤلاء السلف كان الحكمة فى فعلهم هذا لكن لم يعلل أنس فعلهم
بذلك، فقام عند العجيزة مع كونها منعوشة، فهذا معنى ما حدثوا به. نعم! فى عبارة
صاحب "الهداية" تسامح، وإنما كان حق العبارة هكذا " قلنا: إن أنسا رضى الله عنه اقتدى
بمن قبله وهم كانوا يفعلونه، لأن جنازة النسوة لم تكن منعوشة" إلخ.
قال بعض الناس: فيه نظر قوى. فإن المحدثين له مجهولون، ویقویه أن أنسا رضی الله
عنه لم يعمل به. والمعتمد عندى ما ثبت من فعل أنس رضى الله عنه. وفيه تفسير أيضا
لحديث سمرة رضى الله عنه.
قلت: جهالة المحدثين فى القرون الثلاثة لا تضرنا. وأما إن أنسا لم يعمل به ففيه أن
الرواية عن فعل أنس مضطربة. كما قاله الشيخ ابن الهمام: ويؤيده رواية أحمد بلفظ
وكيع الذى ذكرناه. قال فى "نيل الأوطار" (٣: ٣٠٤): ولا منافاة بين هذا الحديث (أى
حديث سمرة رضى الله عنه) وبين قوله فى حديث أنس رضى الله عنه: "وعجيزة المرأة"،
لأن العجيزة يقال لها: "وسط" ولم يصب من استدل بحديث سمرة رضى الله عنه على
أنه يقوم حذاء وسط الرجل والمرأة. وقال: "إنه نص فى المرأة، ويقاس عليها الرجل" لأن
هذا قیاس مصادم للنص وهو فاسد الاعتبار. نعم! لا ینتهض مجرد الفعل دليلا للوجوب،
ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أولى ولا أحسن من الكيفية التى فعلها
المصطفى عّ لّه اهـ ملخصا.
٢٧٥
ج - ٨
كيفية صلوة الجنازة
٢٢٤٦- حدثنا: إبراهيم بن عبد الله(١) ثنا أبو العباس السراج ثنا قتيبة بن
سعيد ثنا محمد بن موسى المخزومى عن عون بن محمد بن على بن أبى طالب
عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله عَ ليه قالت: ((يا
أسماء! إنى أستقبح ما يفعل بالنساء أنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها)). فقالت
أسماء: ((يا بنت رسول الله عَّ ◌ُلّه! ألا أريك شيئا رأيته بالحبشة؟)) فدعت بجرائد
رطبة فلوتها ثم طرحت عليها ثوبا. فقالت فاطمة: "ما أحسن هذا وأجمله!
يعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا مت فأغسلينى أنت، وعلى". غسلها على
وأسماء. رواه الحافظ أبو نعيم فى "كتاب الحلية فى ترجمة فاطمة" (زيلعى
٣٣٩:١). وأخرجه الحاكم أيضا فى "المستدرك فى ترجمة فاطمة" بطريق
الواقدى عن محمد بن عمر بن على عن أبيه عن على بن الحسين عن ابن عباس.
فالحديث حسن وذكر الحافظ فى "التلخيص" (ص١٧٠) سند أبى نعيم هذا،
قلنا: حديث سمرة ليس فيه إلا دونه عّ لّه قام وسطها، وأما إن الوسط هو الصدر
أو العجزة، فمحل تأمل، وقد رجح علماءنا الأول كما مر عن المبسوط، فتذكر. ويؤيدهم
ما رواه سعيد بإسناده عن الشعبى "أن أم كلثوم بنت على، وزيد بن عمر توفيا جميعا،
فأخرجت جنازتاهما، فصلى عليهما أمير المدينة، فسوى بين رؤوسهما، وأرجلهما حين
صلوا عليهما" اهــ ذكره ابن قدامة فى "المغنى" (٣٩٥:٢). فلو كان سنة القيام على
جنازة الرجل، والمرأة مختلفة لما سووا بين رؤوسهما، وأرجلهما، بل جعلوا وسط المرأة
عند صدر الرجل أو رأسه، وروى سعيد أيضا بإسناده عن حبيب بن أبى مالك قال: "قدم
سعيد بن جبير على أهل مكة وهم يسوون بين الرجل والمرأة إذا صلى عليهما، فأرادهم
على أن يجعلوا رأس المرأة عند وسط الرجل، فأبوا عليه". ذكره ابن قدامة فى "المغنى"
أيضا. وبهذا ثبت أن أهل المدينة ومكة كلهم كانوا على تسوية الرجل، والمرأة فى حكم
القيام عليهما، وهو قول إبراهيم، ومذهب أبى حنيفة، ويروى عن ابن عمر أيضا كما فى
"المغنى"، والله تعالى أعلم.
قوله: "حدثنا إبراهيم" إلخ. قال المؤلف: دلالته على استحباب النعش لجنازة المرأة
(١) هو إبراهيم بن عبد الله بن أبى العويم الكوفى فى "تذكرة الحفاظ فى ترجمة الحافظ أبى نعيم" (٢٩٢:٣).
٢٧٦
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
وسكت عنه، وقال: "ورواه البيهقى من وجه آخر عن أسماء بنت عميس.
وإسناده حسن .
٢٢٤٧- عن: ابن أبى ذئب حدثنى صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة
رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّ له: ((من صلى على جنازة فى المسجد فلا
شىء له)). رواه أبو داود (٩٨:٢) وسكت عنه. ورواه ابن أبى شيبة فى
"مصنفه" بلفظ: ((فلا صلاة له)) ("زيلعى" ٣٥١:١). وفى "زاد المعاد"
ظاهرة، ولما كان يحتاج إليه فى حالة الصلاة صح إدخال هذا الأثر فى الباب.
قوله: "عن ابن أبى ذئب" إلخ: قال المؤلف: وفى الزيلعى: ولفظة ابن ماجة "فليس
له شىء " اهـ. قال الخطيب: المحفوظ "فلا شىء له"، وروى "فلا شىء عليه"، وروى "فلا
أجر له" اهـ. قال ابن عبد البر: رواية "فلا أجر له" خطاء فاحش، والصحيح "فلا شىء
له" اهـ. وصالح مولى التوأمة من أهل العلم من لا يحتج به لضعفه، ومنهم من لا يقبل منه
ما رواه ابن أبی ذئب (عنه) خاصة، انتهی (أی کلام ابن عبد البر). ورواه ابن عدی فی
الکامل بلفظ أبى داود، وعده من منكرات صالح ثم أسند إلى شعبة أنه کان لا یروى عنه،
وينهى عنه، وإلى مالك أنه قال: "فيه ضعيف" وأسند عن ابن معين أنه قال: فيه ثقة إلا أنه
اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وممن سمع منه قبل الاختلاط
ابن أبی ذئب، انتہی کلامه.
وفيه أيضا: وقال النووى: أجيب عن هذا (الحديث) بالأجوبة: أحدها: أنه حديث
ضعيف، تفرد به صالح مولى التوامة وهو ضعيف. والثانى: أن الذى فى النسخ المشهورة
المسموعة من سنن أبى داود "فلا شىء عليه" ولا حجة فيه. الثالث: أن اللام فيه بمعنى
على كقوله تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ أى فعليها، جمعا بين الأحاديث، انتهى كلامه.
وقال فى "الخلاصة": وقد ضعف هذا الحديث أحمد بن حنبل، وابن المنذر،
والخطابى، والبيهقى قالوا: وهو من أفراد مولى التوأمة وهو مختلف فى عدالة، ومعظم ما
جرحوه به الاختلاط لكن قالوا: إن سماع ابن أبى ذئب منه كان قبل اختلاطه اهـ كلامه
(٣٥١:١ و٣٥٢).
٢٧٧
ج - ٨
كيفية صلوة الجنازة
(١٤٤:١): وهذا الحديث حسن، فإنه من رواية ابن أبى ذئب عنه، وسماعه منه
قديم قبل اختلاطه، ولا يكون اختلاطه موجبا لرد ما حدث به قبل الاختلاط اهـ.
قلت: فالحديث سالم عن الجرح، وأما لفظ "فلا شىء عليه" غير محفوظ كما
سبق عن الخطيب، ويؤيده رواية ابن ماجة. وإن ثبت تحمل لفظة "على" على معنى اللام
لئلا تختلف الروايات، وفيه الاحتياط كما لا يخفى، دلالته على النهى عن صلاة الجنازة
فى المسجد ظاهرة.
فإن قلت: روى مسلم عن عائشة أنها لما توفى سعد بن أبى وقاص أرسل أزواج
النبى معٍَّ أن يمروا بجنازته فى المسجد، فيصلين عليه. ففعلوا، فوقف به على حجرهن
يصلين عليه ثم أخرج به من باب الجنائز الذى كان إلى المقاعد. فبلغهن أن الناس عابوا
ذلك وقالوا: "ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد" فبلغ ذلك عائشة فقالت: "ما أسرع
الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة فى المسجد، وما صلى
رسول الله عَّه على سهيل بن بيضاء إلا فى جوف المسجد" (٣١٣:١). وفى الزيلعى:
وقال: وقد ثبت أن أبا بكر رضى الله عنه وعمر رضى الله عنه صلى عليهما فى المسجد
ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفى تركهم الإنكار دليل
على الجواز (٣٥٢:١). وفى "الدراية": وقصة أبى بكر أخرجها عبد الرزاق وقصة عمر
أخرجها مالك فى "الموطأ" ورجالهما ثقات (ص: ١٤٤).
قلت: لکن رواية قصة أبی بکر عند عبد الرزاق فيه انقطاع، فإنه مروی عن هشام
ابن عروة، وهو لم يدرك القصة، فهذه الأحاديث تدل على جواز الصلاة فى المسجد.
فالجواب عنه: أما أولا: فإنها واقعات حال لا عموم لها، فيمكن أن يكون ذلك لعذر،
فيقدم القول على الفعل. قال الشيخ: وفى العذر لا نمنع عنه أيضا. كما قال الشامى. إنما
تكره فى المسجد بلا عذر، فإن كان فلا ومن الأعذار المطر خانية اهـ. والغالب أن تركهم
الإنكار لهذا العذر، ولو كان جائزا عندهم مطلقا لما عابوا على عائشة رضى الله عنها،
فالإنكار عليها. وعدم الإنكار فى قصة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما يوفق بينهما
بالإنكار عليها باعتبار نفسه، وعدم الإنكار للعذر اهـ. وأما ثانيا: فبأن النهى محمول على
٢٧٨
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
٢٢٤٨- عن: ابن عباس رفعه ((إذا استهل الصبى صلى عليه، وورث)).
رواه ابن عدى، وإسناده حسن ("دراية" ص-١٤٤).
٢٢٤٩- عن: جابر رضى الله عنه رفعه ((الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث،
كراهة التنزيه، والفعل على الجواز، كما قال فى "فتح القدير": ثم هى كراهة تحريم أو
تنزيه روايتان إلخ (٩٠:٢).
فإن قيل: لما كان سماع ابن أبى ذئب قبل الاختلاط. فما وجه تضعيفهم الحديث؟
قلنا: قد ضعفه بعضهم مطلقا، كابن حبان، واختلف عن أحمد فى أن سماع ابن أبى ذئب
منه قديم أو جديد. أخذته من "تهذيب الحافظ"، وفيه أيضا: عن ابن معين أن صالحا مولى
التوأمة ثقة حجة، وابن أبى ذئب سمع منه قبل أن يخرف. وكذا قال الجوزجاني: إن
حديث ابن أبى ذئب عنه مقبول لسنه، وسماعه القديم. وكذا قال ابن عدى: لا بأس به إذا
روى عنه القدماء مثل ابن أبى ذئب وابن جريج. وقال العجلى: تابعى ثقة اهـ (٤٠٦:٤
ملخصا) فقول الجماعة أولى من قول أحمد، فالحديث حسن، كما قاله ابن القيم.
وفى "تعليق السندى على ابن ماجة" (٢٣٨:١): ويمكن أن يقال: معنى فلا شىء
فلا أجر له، لأجل كونه صلى فى المسجد، فالحديث لبيان أن صلاة الجنازة فى المسجد
ليس لها أجر لأجل كونها فى المسجد كما فى المكتوبات، فأجر أصل الصلاة باق إلخ.
قلت: ولا يخفى ما فيه من التعسف، ويرد هذا التأويل إنكار الصحابة على عائشة
حين صلت على سعد فى المسجد، فلو كان معنى الحديث ما قاله السندى لما أنكروا عليها
بل معناه لا شىء له من الأجر أصلا يؤيده لفظ "فلا صلاة له".
قوله: عن ابن عباس إلخ. قال المؤلف: دلالته على معناه ظاهرة، وهو المذهب عندنا.
قوله: عن جابر إلخ قال المؤلف: وفى الدراية: وقال الترمذى: روى موقوفا
ومرفوعا، وكان الموقوف أصح انتهى. والموقوف عند النسائى برجال الصحيح (ص ١٤٤
و١٤٥). قلت: لعله بناء على أن الحديث إذا روى مرفوعا وموقوفا يحكم بالوقف، ولكن
الصحيح أنه يحكم برفعه، لا سيما هناك، فإن ابن حبان صححه مرفوعا وكذلك الحاكم.
٢٧٩
ج - ٨
كيفية صلوة الجنازة
ولا يورث حتى يستهل)). أخرجه الترمذى، والنسائى، وابن ماجة، وصححه ابن
حبان، والحاكم ("دراية" ص-١٤٤).
٢٢٥٠ - أخبرنا: محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن
وأما ما فى "الدراية": روى أصحاب السنن عن المغيرة قال: قال النبى لعلّه:
"السقط(١) يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة". وصححه الترمذى، والحاكم
(ص: ١٤٥). وفى "التلخيص الحبير" (١٥٧:١): لكن رواه الطبرانى موقوفا على المغيرة،
فلفظ "السقط" فيه محمول على من يستهل للتطبيق، لا سيما وقد رواه الترمذى، وابن
ماجة بلفظ "الطفل". وفى "رحمة الأمة": واتفقوا على أن السقط إذا لم يبلغ أربعة أشهر
لم يغسل(٢) ولم يصل عليه (ص: ٣٤).
ثم اعلم أنه اختلف الروايات فى أنه عّ لّه صلى على ابنه سيدنا إبراهيم رضى الله
عنه أم لا؟ وفى الزيلعى: قال (أى البيهقى): وكونه صلى عليه هو أشبه بالأحاديث
الصحيحة اهـ. وفيه أيضا: رواهما (أى المرسلين الدالين على أنه عّ لّه صلى على ابنه) أبو
داود فى سننه، ورواهما البيهقى وقال: هذه الآثار مرسلة، وهى تشد الموصول وروايات
الإثبات أولى من روايات الترك (٣٥٣:١ و٣٥٤).
قلت: قد صح الترك أيضا، فيحمل على أنه معَّ لم يصل عليه بنفسه الشريفة
إماما، وإنما أمر غيره بالصلاة عليه فصلى عليه، لعارض عذر. وفى تعليق السندى على ابن
ماجة (٢٣٧:١) ما نصه: قال الزركشى: وقد ورد أنه صلى عليه رواه ابن ماجة عن ابن
عباس رضى الله عنه، وأحمد عن البراء، وأبو يعلى عن أنس، والبزار عن أبى سعيد،
وأسانيدها ضعيفة، وحديث أبى داود قوى، وقد صححه ابن حزم اهـ. قلت: ولفظ أبى
داود وقد سكت عنه (١٨١:٣): عن عائشةرضى الله عنها قالت: "مات إبراهيم ابن
النبى معَّه وهو ابن ثمانية عشر شهرا، فلم يصل عليه رسول الله عَ ليه " اهـ.
قوله: "أخبرنا محمد" إلخ قال المؤلف: الحديث رجاله رجال الصحيح. بل أخرج
(١) ولفظ الترمذى وابن ماجة: "الطفل يصلى عليه" فقط.
(٢) لأنه ليس بميت إذا لم ينفخ فيه روح "منتقى".
٢٨٠
كيفية صلوة الجنازة
إعلاء السنن
جريج قال: سمعت نافعا يزعم ((أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعا،
فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة، فصفهن صفا واحدا، ووضعت
جنازة أم كلثوم بنت على رضى الله عنها امرأة عمر بن الخطاب، وابن لها يقال
له: زيد، وضعا جميعا، والإمام (أى الأمير. "تلخيص") يومئذ سعيد بن العاص،
وفى الناس ابن عمر رضى الله عنهما، وأبو هريرة رضى الله عنه وأبو سعيد
رضى الله عنه، وأبو قتادة رضى الله عنه فوضع الغلام مما يلى الإمام، فقال رجل:
فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس، وأبى هريرة، وأبى سعيد، وأبى قتادة،
فقلت: ما هذا؟ قالوا: هی السنة. رواه النسائی (٢٨:١)، وسكت عنه.
وفى "التلخيص الحبير" ١٧١:١): وفى رواية للدار قطنى، والبيهقى من
رواية نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما "أنه صلى على سبع جنائز جميعا رجال
ونساء. فجعل الرجال مما يلى الإمام وجعل النساء مما يلى القبلة، وصفهم صفا
واحدا، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت على رضى الله عنه امرأة عمر رضى الله
عنه، وابن لها يقال له: زيد. قال: والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفى الناس
يومئذ ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو قتادة. فوضع الغلام مما يلى الإمام
فقلت: ما هذا؟ فقالوا: السنة". وكذلك رواه ابن الجارود فى "المنتقى":
وإسناده صحيح اهـ.
لهم الأئمة الستة إلا ابن ماجة عن محمد بن رافع. ودلالته على الباب ظاهرة.
وفى "الدر المختار": وراعى الترتيب المعهود خلفه حالة الحياة، فيقرب منه الأفضل
فالأفضل الرجل مما يليه، فالصبى، فالخنثى، فالبالغة، فالمراهقة إلخ. وفى "الطحطاوى":
قوله: "وراعى الترتيب" الظاهر أن هذا مندوب (٥٩٩:١). وفى "الدراية": وروى ابن
أبى شيبة عن أبى هريرة "أنه قدم النساء مما يلى القبلة، والرجال تلو الإمام" وعن ابن عمر،
وعن زيد بن ثابت نحوه، و کذا من عثمان، وعن وائلة، وعن علی، وعن سعید بن العاص
اهـ (ص: ١٤٣) ولم أقف على أسانيدهم.
فإن قيل: إن فى الدراية (فى الصفحة المذكورة أيضا) ما نصه: ويعارض ذلك ما