النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
ج - ٨
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
السحاب يتقطع يمينا وشمالا يمطرون، ولا يمطر أهل المدينة. رواه البخارى
(١٣٨:١). وفى لفظ ذكره البخارى فى باب رفع الناس أيديهم مع الإمام فى
الاستسقاء: " ورفع الناس أيديهم مع رسول الله عّ لّ يدعون اهـ".
٢١٧١- عن: عامر بن خارجة بن سعد عن جده أن قوما شكوا إلى النبى
مّ لٍ قحط المطر فقال: ((اجثوا على الركب ثم قولوا: يا رب يا رب)) الحديث
رواه أبو عوانة فى "صحيحه" من زياداته، كذا فى "التلخيص الحبير"
(١٤٨:١). ونقله فى "عمدة القارئ" (٤٤١:٣) وأتمه بزيادة، قال: ((ففعلوا
فسقوا، حتى أحبوا أن یکشف عنهم) اهـ.
٢١٧٢ - عن: ابن عباس رضى الله عنهما قال: جاء أعرابى إلى النبى عَّه
فقال: "يا رسول الله! لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع، ولا يخطر لهم
فحل". فصعد المنبر(١) فحمد الله، ثم قال: ((اللهم أسقنا غيثا مغيثا مرئيا طبقا
مربعا غدقا عاجلا غير رائث)). ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا
قالوا: "قد أحيينا (أى مطرنا لما كان المطر سببا للحياة عبر عن نزوله بالإحياء.
"نيل الأوطار")". رواه ابن ماجة. وفى "الزوائد": إسناده صحيح، ورجاله
ثقات، كذا فى "تعليق السندى على ابن ماجة" (١٩٩:١). وفى "عمدة
القارئ" (٤٤١:٣): وفى "التلخيص الحبير" (١٥١:١): رواه أبو عوانة فى
"صحيحه". وفى "نيل الأوطار" (٢٣٦:٣): رجاله ثقات اهـ.
قوله: "عن عامر" إلخ فى الحديث كلام، ففى لسان الميزان: عامر بن خارجة عن
جده سعد بن مالك، قال البخارى: "فى إسناده نظر". وذكره ابن حبان فى الثقات فقال:
يروى عن جده حديثا منكرا فى المطولات". وأورد الحديث(٢) المذكور أبو عوانة فى
صحيحه من طريقه اهـ ملخصا (٢٢٣:٣).
قلت: لم يورده المحدث أبو عوانة فى صحيحه وهو من أهل الفن إلا بعد أن يكون
(١) هذه واقعة الاستسقاء بالدعاء فى المسجد دون الجبانة كما يشعر به لفظه، فلا دليل فيه لخطبة الاستسقاء على المنبر
فى الجبانة، حتى يرد على فقهائنا حيث منعوا من ذلك، والله تعالى أعلم.
(٢) وهو ما نقلته فى المتن.
١٨٢
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
إعلاء السنن
٢١٧٣- عن: الشعبی قال: خرج عمر رضى الله عنه یستسقى، فلم يزد
على الاستغفار. فقالوا: "ما رأيناك استسقيت". فقال: ((لقد طلبت الغيث
بمجاديح(١) السماء التى يستنزل بها المطر)). ثم قرأ ﴿استغفروا ربكم ثم توبوا
إليه﴾ الآية. رواه سعيد بن منصور فى "سننه" ("عمدة القارئ" ٤٤١:٣). قال
العينى فى "العمدة": وفى سنن سعيد بن منصور بسند جيد إلى الشعبى قال:
خرج، فذكره قلت: وهو منقطع، فإن الشعبى عن عمر مرسل، (أى منقطع) ..
كما "تهذيب التهذيب" (٦٦:٥) وفيه أيضًا: قال العجلى: لا يكاد الشعبى
يرسل إلا صحيحا اهـ.
٢١٧٤- حدثنا: عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن
عمرو بن شعيب أن رسول الله عّ لّه ح وحدثنا سهل بن صالح نا على بن قادم
نا سفيان عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «کان
رسول الله عَّ ◌ُّه إذا استسقى قال: اللهم أسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك
وأحيى بلدك الميت)). هذا لفظ حديث مالك رواه أبو داود (٤٥٧:١) وسكت
عنه هو والمنذرى كما فى "عون المعبود". وقال النووى فى "الأذكار": إسناده
صحيح اهـ.
٢١٧٥- عن: عباد بن تميم عن عمه رضى الله عنه قال: ((رأيت النبى عَ له
صحيحاعنده، وقد نقل فى خطبة "كنز العمال" (١-٣) من الإمام الحافظ السيوطي ما
محصله: أن جميع ما فى صحيح أبى عوانة صحيح وغايته أن يكون الحديث مختلفا فى
صحته ولا غير، فقد علمت غير مرة أن مثله حسن.
قوله: "عن عباد" إلخ قال المؤلف: دلالته على كيفية صلاة الاستسقاء ظاهرة. وقال
الشيخ: وفيه كما فيما بعده عن أبى داود تقديم الدعاء، والخطابة، والتحويل على الصلاة.
وفى بعض الأحاديث عكسه، فروى ابن ماجة عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: "خرج
رسول الله عَّه يوما يستسقى، فصلى بنا ركعتين بلا أذان وإقامة، ثم خطبنا ودعا الله،
(١) بجيم ثم دال مهملة ثم حاء مهملة أيضا جمع مجدح كمنبر، قال فى "القاموس": مجاديح السماء أنواؤها انتهى.
والمراد بالأنواء النجوم التى يحصل عندها المطر عادة، فشبه الاستغفار بها كذا فى "نيل الأوطار" (٢٣٤:٣).
١٨٣
ج - ٨
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
يوم خرج(١) يستسقى. قال: فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم
حول ردائه، ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة)). رواه البخارى
(١٣٩:١). وفى لفظ (١: ١٤٠) له: استسقى فصلى ركعتين، وقلب ردائه اهـ.
وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه. فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر
على الأيمن (وهذه كيفية القلب، قال بها محمد فى موطأه)". قال السندى: وفى الزوائد:
إسناده صحيح، ورجاله ثقات (١٩٨:١).
وفى التلخيص الحبير بعد ذكره (١٥٠:١) ما لفظه: أحمد وابن ماجة وأبو عوانة
(فى صحيحه) والبيهقى. قال البيهقى: تفرد به النعمان بن راشد. وقال فى الخلافيات:
رواته ثقات اهــ فيؤيد الجموع الإمام أبا حنيفة أنه لا يسن فيه كيفية خاصة، وإنما فيه
وسعة. نعم! العمل عند الأكثر على الكيفية الأخيرة. وفى العالمكيرية (٩٨:١): يصلى
بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ويخطب خطبتين (هذا عند محمد). بعد الصلاة،
ويستقبل الناس بوجهه قائما على الأرض لا على المنبر (سيأتى ما فيه). ويفصل بين
الخطبتين بجلسة وإن شاء خطب خطبة واحدة (هذا عند أبى يوسف). ويدعو الله،
ويسبحه، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات وهو متكئ قوسا. فإذا مضى صدر من خطبة قلب
ردائه (وهو ظاهر الحديث وبه أقول) كذا فى المضمرات. وفى التحفة: وإذا فرغ الإمام من
الخطبة يجعل ظهره إلى الناس، ووجهه إلى القبلة، ويقلب رداه، ثم يشتغل بدعاء
الاستسقاء قائما والناس قعود مستقبلون وجوههم إلى القبلة فى الخطبة والدعاء إلخ انتهى
كلام الشيخ.
وفى عمدة القارى: إن التحويل والقلب بمعنى واحد (يعنى ههنا) اهـ (٤٣٨:٣)
وفى العينى شرح الهداية (١٠٥٨:٢): والتحويل أعم من التقليب، وقال الزيلعى
(٣٣٥:١): إن القلب غير التحويل، ولكن الثوب إذا كان له طرفان كالكساء، ونحوه
يمكن فيه الجمع بين القلب والتحويل اهـ وفى المصباح: حولته تحويلا نقلته من موضع إلى
موضع، وحولت الرداء نقلت كل طرف إلى موضع الآخر اهـ ملخصا (٧٣:١، ٧٤)،
(١) ذكر ابن حبان كان خروجه مية إلى المصلى للاستسقاء فى شهر رمضان سنة ست من الهجرة، كذا فى" عمدة
القارئ" (٤٣٨:٣).
١٨٤
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
إعلاء السنن
وفيه أيضا: قلبته من باب ضرب وقلبت الرداء حوّلته وجعلت أعلاه أسفله اهـ ملخصا،
وفى منتهى الأرب: قلب الشئ بشت آن بجانب شکم کردانید من نصر وضرب اهـ.
ويؤيد ما فى عمدة القارى أن الذى ثبت فى رواية ابن ماجة (تقدم قريبا). من
تفسير القلب(١) هو الذى ورد فى تفسير التحويل، فقد روى أبو داود فى حديث عبد الله
ابن زيد رضى الله عنه "وحول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه
الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله عز وجل (وفى بعض طرقه عند أبى داود ذكرت
الصلاة أيضا). اهـ (٤٥٢:١) وسكت عنه أبو داود وفى نيل الأوطار (٢٣٨:٣): "رجال
أبى داود رجال الصحيح" اهـ وقال القسطلانى: إسناده حسن كذا فى حاشية البخارى
(١٣٩:١). وروى أبو داود وسكت عنه عن عبد الله بن زيد رضى الله عنه قال: استسقى
رسول الله عَّه وعليه خميصة له سوداء، فأراد رسول الله مَّ يّ أن يأخذ بأسفلها، فيجعله
أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقيه اهـ. وفى نيل الأوطار (٢٣٨:٣): رجال أبى داود
رجال الصحيح اهـ. وروى الإمام أحمد فى مسنده (٤: ٤١) عن عبد الله بن زيد "قال:
رأيت رسول الله عَ ◌ّه حين استسقى لنا أطال الدعاء، وأكثر المسئلة. قال: ثم تحول إلى
القبلة، وحول رداءه، فقلبه ظهر(٢) البطن (أى إلى بطن). وتحول الناس معه" اهـ. وفى
"التلخيص الحبير" بعد نقل هذا الحديث ما نصه: قال فى الإمام، إسناده على
شرط الشيخين اهـ (١٥١:١).
ثم اعلم أنه هكذا بالتاء لفظ " وتحول الناس معه" نقله من المسند فى المنتقى للشيخ
مجد الدين ابن تيمية، وفى نصب الراية (٣٣٥:١) أيضا. واستراح القاضى الشوكانى
حيث قال: "ورواه غير ابن تيمية بلفظ وحول" اهـ (٢٣٩:٣). ولم يعين الغير، ولم
يراجع المسند، وهو تسامح عظيم. والعجب من صاحب فتح القدير حيث نقل الحديث
بالتاء (٢: ٦١) ثم اشتغل بتأويل بما لا طائل تحته. والحق الصراح أن الرواية بلفظ "وحول
الناس معه" تصحيف ووهم صدر ممن نقلها، فلو ثبتت لكانت حجة لمالك، وغيره واللفظ
(١) ثم رأيت الشوكانى أفاد نحوه.
(٢) أى جعل ظاهره باطنا، وباطنه ظاهرا. كذا فى نيل الأوطار.
ج - ٨
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
١٨٥
الثابت لا حجة فيه. ولا يقال: إن لفظ تحول بمعنى حول، فإنه إن ثبت ذلك فى اللغة، فإنه
يحتمل أن يكون مجازا أو حقيقة، وعلى الأول لا يحتاج إليه مع صحة المعنى الحقيقى.
فإن قلت: كيف يصح تحولهم وأنهم قد كانوا إلى القبلة متوجهين إلى رسول الله؟
ولعل هذا الإشكال جر ابن الهمام إلى تسليم استدلال الخصم، ثم الجواب عنه. قلت: إن
المشاهدة تدل على أن السامعين للخطبة، وغيرها قد يتحول بعضهم أو أكثرهم عن القبلة
مع كونهم متوجهين إلى الإمام فى الجملة، فيحتمل أن يكونوا كذلك، فتحولوا حين تحوله
عَّهِ. فلا حجة لمن قال بتحويل أردية المأمومين، فإن الاحتمال لا يصح معه الاستدلال.
والله تعالى الحمد على ما أنعم.
وفى الهداية: "ويقلب رداءه لما روينا. قال: وهذا قول محمد، أما عند أبى حنيفة
فلا يقلب رداءه لأنه دعاء فيعتبر بسائر الأدعية وما رواه كان تفاؤلا". وفى العناية: ليس
بحرام بلا خلاف، إنما الكلام فى كونه سنة. وفى فتح القدير: قوله: "وما رواه كان
تفاؤلا" اعتراف بروايته، ومنع استنانه، لأنه فعل الأمر لا يرجع إلى معنى العبادة اهـ
(٦١:٢). وفى رد المختار (٨٨٤:١): وعن أبى يوسف روايتان، واختار القدورى قول
محمد، لأنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك نهر. وعليه الفتوى كما فى
"شرح درر البحار" اهـ.
قلت: قول صاحب فتح القدير: "إنه فعل الأمر لا يرجع إلى معنى العبادة" لا ينفى
الاستحباب مطلقا، بل ما يكون على طريق العبادة، فأقول: إن القلب على رأى الإمام
مستحب، لكن استحبابه كاستحباب السنن العادية. ويدل على أن القلب كان تفاؤلا ما
فى سنن الدار قطنى (١٨٩:١). عن جعفر بن محمد عن أبيه (هو الإمام الباقر التابعى).
قال: "استسقى رسول الله عَ ◌ّه وحول رداءه ليتحول القحط" اهـ. وفى فتح البارى
(٤١٤:٢): ورد فيه حيث رجاله ثقات أخرجه الدار قطنى، والحاكم من طريق جعفر بن
محمد بن علی عن أبيه عن جابر رضى الله عنه، ورجح الدار قطنى إرساله اهـ واختلفت
الروايات فى وقت تحويل الرداء، ففى رواية ابن ماجة المارة قريبا التحويل بعد الخطبة،
والدعاء، وهو الذى اختاره صاحب التحفة كما مر قريبا، ولكن فيه الدعاء بعد التحويل.
ولكن قد تقدم قريبا فى حديث أبى داود التحويل قبل الدعاء. وفى فتح البارى
١٨٦
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
إعلاء السنن
٢١٧٦- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: شكى الناس إلى رسول الله
مَّ الِّ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له فى المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون
فيه. قالت عائشة: فخرج رسول الله عَّ لم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على
المنبر، فكبر وحمد الله عز وجل، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم،
(٤١٤:٢): ولمسلم من رواية يحيى بن سعيد عن أبى بكر بن محمد "وأنه لما أراد أن
يدعو استقبل القبلة، وحول رداءه". وله من رواية الزهرى عن عباد: فقام، فدعا الله قائما،
ثم توجه قبل القبلة، وحول رداءه" فعرف بذلك أن التحويل وقعة، أثناء الخطبة عند إرادة
الدعاء اهـ.
قلت: حديث الزهرى فى صحيح مسلم ليس باللفظ الذى ذكره الحافظ، بل لفظه:
"خرج رسول الله عَّةٍ يوما ليستسقى، فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله، واستقبل القبلة،
وحول رداءه، ثم صلى ركعتين" اهـ (٢٩٣:١). فالله تعالى أعلم أن الحافظ سهى، أو أراد
أن يذكر لفظ غير مسلم فسبق القلم، وكتب لمسلم، وقد ذكر قلب الرداء فى أثناء الخطبة
فى المضمرات، كما تقدم قريبا، والكل يجوز. وفى فتح البارى: وقال القرطبى: يعتضد
القول بتقديم الصلاة على الخطبة لمشابهتها بالعيد (كما سيأتى من الحديث)، وكذا ما تقرر
من تقديم(١) الصلاة أمام الحاجة (٤١٦:٢).
قلت: تفصيل وجه الحكمة فى الترتيب المنقول عن العالمكيرية أنه قد ثبت تقديم
الصلاة أمام الحاجة. ثم الخطبة تناسب لإزالة الغفلة، لأنه يحتمل أن يشغلوا بعد الصلاة فى
أمور تؤدى إلى الغفلة، والدعاء من توابع الصلاة، ومحله بعدها، وقدمت الخطبة على
الدعاء ليتضرعوا إليه تعالى بالقلب الحاضر. وأما الجواب عن اختلاف الروايات فالأحسن
أن تحمل على تعدد الواقعة، والكل يجوز. ولعل الأرجح دراية ما قررناه. والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عائشة" إلخ قال المؤلف: فى الزيلعی: ورواه ابن حبان فى صحيحه فى
النوع الثانى عشر من القسم الخامس، والحاكم فى المستدرك وقال: " حديث صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه" انتهى (٣٣٤:١). ودلالته على الجزء الثانى من الباب
ظاهرة. وفى هذا الحديث الخطبة قبل الصلاة، وقد مر الحديث برواية ابن ماجة الذى فيه
(١) كما قد مر فى صلاة الحاجة فى هذا الكتاب.
١٨٧
ج - ٨
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
واستئخار (١) المطر عن إبان (بكسر همزة وتشديد موحدة بمعنى وقت معين
ومعهود مر هر چيزى را. "أشعة الدمعات") زمانه عنكم، وقد أمركم الله عز
وجل أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم" ثم قال: الحمد لله رب العالمين
الرحمن الرحيم ملك (بقصر الميم حاشية أبى داود) يوم الدين. لا إله إلا الله
يفعل ما يريد. اللّهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت الغنى ونحن الفقراء، أنزل علينا
الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين" ثم رفع يديه، فلم يزل فى
الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره. وقلب أو (شك راوى
ست در لفظ أو معنى هر دو يكى ست، "أشعة اللمعات") حول ردائه وهو
رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين. فأنشأ الله سحابة فرعدت،
وبرقت ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى
سرعتهم إلى الكن ضحك معَّ حتى بدت نواجذه(٢)، فقال: أشهد أن الله على
الخطبة بعد الصلاة، ومر هنا لك ما يتعلق بهذه المسئلة. قال الشيخ كما ذكره بعض الناس:
وفى الحديث خطبة الاستسقاء على المنبر. وما قال الفقهاء من كونها على الأرض لا على
المنبر كما نقلنا لك عن العالمكيرية، فلعل مرادهم بنفيه، هو الذى أراد الإمام بنفى صلاة
الاستسقاء أى نفى السنية لا المشروعية. والأحوط القول بمندوبية المنبر اعتقادا وتركه عملا
تحرزا عن التشويش اهـ والله تعالى أعلم.
قلت: لا دليل على مندوبيته اعتقادا، بل غايته أنه لا بأس به، كما فى العيدين،
وحديث عائشة شاذ، كما أشار إليه أبو داود بقوله: "حديث غريب". وقد ثبت أنه مرّ.
كان يخطب فى العيدين، فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم أخرجه
البخارى عن أبى سعيد، قال: "فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو
أمير المدينة فى أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منير بناه كثير بن الصلت" إلخ قال
الحافظ فى الفتح: وفى رواية ابن حبان: "فينصرف إلى الناس قائما فى مصلاه". ولابن
خزيمة فى رواية مختصرة "خطب يوم عيد على رجليه" هذا مشعر بأنه لم يكن بالمصلى
(١) قال الطبيبى: والسين للمبالغة يقال: استأخر الشىء إذا تأخر تأخرا بعيدا كذا فى "عون المعبود".
(٢) فى "القاموس": أقصى الأضراس، أو هى الأنياب أو التى تلى الأنياب، وهى الأضراس كلها.
١٨٨
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
إعلاء السنن
كل شىء قدير، وأنى عبد الله ورسوله". قال أبو داود (٤٥٥:١): "هذا حديث
غريب إسناده جيد اهـ". وقال النووى فى "الأذكار": "إسناد صحيح اهـ".
ورواه أبو عوانة (فى "صحيحه") وصححه أيضا أبو على بن السكن
("التلخيص الحبير" ١٤٩:١). وفى "الدراية": صححه ابن حبان والحاكم اهـ.
٢١٧٧- عن: هشام بن إسحاق وهو ابن عبد الله بن كنانة عن أبيه قال:
أرسلنى الوليد بن عقبة وهو أمير المدينة إلى ابن عباس أسأله عن استسقاء رسول
فى زمانه مرّ منبر، ويدل على ذلك قول أبى سعيد: "فلم يزل الناس على ذلك" إلخ
ومقتضاه أن أول من اتخذه مروان اهـ (٣٧٤:٢). فلو كانت الخطبة على المنبر سنة أو
مستحبة خارج المسجد لكانت صلاة العيدين أولى بذلك، لتكرارهما فى كل سنة دائما
بخلاف الاستسقاء. ولذا قال فى البدائع: ولا يخرج المنبر فى الاستسقاء، ولا يصعده، لو
كان فى موضع الدعاء، لأنه خلاف السنة، وقد عاب الناس على مروان عند إخراجه المنبر
فى العيدين، ونسبوه إلى خلاف السنة اهـ (٢٨٣:١).
قوله: "عن هشام" إلخ قال المؤلف: وفى جامع الآثار: الظاهر أن المراد نفى مطلق
الخطبة واحدا کان کما قال أبو یوسف، أو اثنین کما قال به محمد. ويدل عليه قوله بعده:
"ولكن لم يزل" إلخ (ص: ٥٥). وفى تابع الآثار: وما روى من الخطبة يحمل على الدعاء
والذكر مجازا (ص: ٨٦).
قال الشيخ: هذا هو الموافق لقول الإمام، وأما عند صاحبيه وقولهما هو المأخوذ به،
فالمعنى لم يخطب خطبتين، وهذا على قول أبى يوسف القائل بخطبة واحدة، أو لم
يخطب بالإسجاع والتكلف، بل بالتضرع، وهذا على قول محمد القائل بالخطبتين. قال
الزيلعى بعد ذكر هذا الحديث: قلنا: مفهومه أنه خطب لكنه لم يخطب خطبتين، كما
يفعل فى الجمعة، ولكنه خطب خطبة واحدة فلذلك نفى النوع ولم ينف الجنس، ولم يرو
أنه خطب خطبتين فلذلك قال أو يوسف: يخطب خطبة واحدة (هو الصحيح عندى)،
ومحمد يقول: يخطب خطبتين، ولم أجد له شاهدا (٣٣٤:١ و ٣٣٥).
قلت: لا دلالة لحديث ابن عباس هذا على نفى الخطبتين لاحتماله نفى الأسجاع
والتكلف الذى أحدثه الخطباء بعده عرّ له، وقد نقلنا عن العالمكيرية التوسع فى الخطبة
١٨٩
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
ج - ٨
الله عَّه، فأتيته، فقال: ((إن رسول الله عَّ ◌ُله خرج مبتذلا متواضعا متضرعا حتى
أتى المصلى فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل فى الدعاء والتضرع
والتكبير. وصلى ركعتين كما كان يصلى فى العيد)). رواه الترمذى (٧٣:١)
وقال: "حسن صحيح". وفى "نصب الراية" (٧٣:١): رواه أيضا
ابن حبان فى "صحيحه".
الواحدة والخطبتين ولعل الأولى أولى للاعتقاد، والثانية للعمل تحرزا عن التشويش. وقوله:
"كما كان يصلى فى العيد" محمول أن التشبيه فى الجهر، وعدد الركعتين وهو المذهب
كما نقلنا عن العالمكيرية اهـ كلام الشيخ.
وفى النيل: تأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد فى العدد، والجهر بالقراءة،
وكونها قبل الخطبة (٢٣٢:٣). ولا يراد التشبيه فى كونها مشتملة على التكبيرات
كالعيدين، قاله الشيخ. وأما ما أخرجه الحاكم فى المستدرك، والدار قطنى، ثم البيهقى فى
السنن عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمان بن عوف عن أبيه عن طلحة
قال: أرسلنى مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: "سنة الاستسقاء سنة
الصلاة فى العيدين، إلا أن رسول الله عَّ له قلب رداءه، فجعل يمينه على يساره، ويساره
على يمينه. وصلى ركعتين، كبر فى الأولى سبع تكبيرات، وقرأ (بسبح اسم ربك الأعلى)
وقرأ فى الثانية ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ وكبر فيها خمس تكبيرات" انتهى. قال
الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" كما فى الزيلعى (٣٣٣:١).
فالجواب عنه ما أفاده الزيلعى: والجواب عنه من وجهين، أحدهما ضعف الحديث،
فإن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخارى: "منكر الحديث". وقال النسائى: "متروك
الحدیث". وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، ليس له حديث مستقيم". وقال ابن حبان
فى كتاب الضعفاء: "يروى عن الثقات المعضلات، وينفرد بالطامات عن الإثبات، حتى
سقط الاحتجاج به" انتهى. وقال ابن القطان فى كتابه: هو أحد ثلاثة إخوة كلهم ضعفاء،
محمد، وعبد الله، وعمران بنو عبد العزيز بن عمر بن عمر بن عبد الرحمان بن عوف.
وأبوهم عبد العزيز مجهول الحال، فاعتل الحديث بهما" انتهى كلامه.
والثانى أنه معارض بحديث رواه الطبرانى فى معجمه الوسط حدثنا سعدة بن سعد
١٩٠
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
إعلاء السنن
٢١٧٨- عن: عمير مولى بنى أبى اللحم ((أنه رأى النبى معَّ ◌ُلم يستسقى
عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء قائما يدعو يستسقى رافعا يديه قبل وجهه
ولا یجاوز ہہما رأسه». رواه أبو داود (٤٥٣:١) وسكت عنه.
العطار ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا محمد بن فليح حدثنى عبد ايرلله بن حسين بن عطاء عن
دلود بن بكر بن أبى الفرات عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر عن أنس بن مالك، "أن
رسول الله ێ استسقى، فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم نزل،
فصلى ركعتين، ولم يكبر فيهما إلا تكبيرة انتهى (٣٣٤:١).
قلت: والمعارضة لا تكون إلا بين المثلين، فكلام الزيلعى مشعر بمساواة رواية
الطبرانى لرواية الحاكم على أن صاحب البدائع قال: ولا يكبر فيها فى المشهور من الرواية
عنهما، وروى عن محمد أنه يكبر اهـ (٢٨٣:١).
ثم اعلم أنه قال صاحب الهداية: ولا خطبة عند أبى حنيفة لأنهما تبع للجماعة ولا
جماعة عنده اهـ. وفى عمدة القارى (٤٢٩:٣): قال صاحب الهداية: فإن صلى الناس
وحدانا جاز اهـ. وهذا لم يذكره صاحب الهداية صريحا، وإنما هو مستفاد من قوله
المذكور، ويرد عليه ما نقلناه من رواية ابن ماجة "خرج رسول الله عَ ليه يوما يستسقى،
فصلی بنا ركعتين" الحديث.
وأجاب عنه صاحب البدائع بأنه لم ينقل عن النبى ◌ّ فى الروايات المشهورة أنه
صلى فى الاستسقاء، وإنما الثابت المشهور عنه الدعاء، وكذا عن عمر رضى الله عنه وما
روى أنه مرّ له صلى بجماعة حديث شاذ ورد فى محل الشهرة، لأن الاستسقاء يكون بملأ
من الناس، ومثل هذا الحديث يرجح كذبه على صدقه أو وهمه على ضبطه فلا يكون
مقبولا مع أن هذا مما تعم به البلوى فى ديارهم، وما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام
إلى معرفته لا يقبل فيه الشاذ. والله تعالى أعلم (٢٨٣:١).
قوله: "عن عمير" إلخ. دلالته على كيفية الدعاء ظاهرة. وقوله: "لا يجاوز" إلخ
یعارضه ما تقدم قریبا من حديث عائشة رضى الله عنها "فلم یزل فى الرفع حتى بدا بیاض
إبطيه " اهـ فإنه يدل على المبالغة فى الرفع وحديث عمير على خلافه. والتوفيق بأنه مرّ- قد
فعل ما فی حدیث عائشة وقد فعل ما فی حدیث عمیر.
١٩١
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
ج - ٨
٢١٧٩- عن: أنس بن مالك رضى الله عنه ((أن النبى معَ ◌ّ استمتى فأشار
بظهر كفيه إلى السماء)). رواه مسلم (٢٩٣:١). ورواه أبو داود (٤٥٤:١)
وسكت عنه بلفظ: (( كان يستسقى هكذا يعنى ومد يديه وجعل بطونهما مما يلى
الأرض حتى رأيت بياض إبطيه اهـ)).
قوله: عن أنس رضى الله عنه إلخ. دلالته على ما فيه ظاهرة. وقال الإمام النووى:
قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة فى كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه أن يرفع
يديه، ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسوال شئ وتحصيله جعل بطن كفيه إلى
السماء واحتجوا بهذا الحديث اهـ. قلت: تقدم ذلك بأدلة فى الدعاء والذكر بعد الصلاة.
فائدة:
قال العلامة الشامى فى رد المحتار: الاستسقاء لغة طلب السقى، وشرعا طلب إنزال
المطر بكيفية مخصوصة عند شدة الحاجة بأن يحبس المطر، ولم يكن لهم أودية وآبار
وأنهار يشربون منها ويسقون مواشيهم وزرعهم، أو كان ذلك إلا أنه لا يكفى. فإذا كان
كافيا لا يستسقى، كما فى المحيط قهستانى اهـ (٨٨٣:١). قلت: ودليل التقييد بشدة
الحاجة ما فى التلخيص الحبير تحت قول الرافعى: إن رسول الله عّ لٍّ لم يصل صلاة
الاستسقاء إلا عند الحاجة، ما نصه: "لم أجده صريحا، لكن بالاستقراء يتبين
صحة ذلك" اهـ (١٤٩:١).
واستحب الشافعى أن يستسقى إمام الناحية المخصبة لأهل الناحية المجدبة ولجماعة
المسلمين، ويسأل الله الزيادة لمن أخصب مع استسقائه لمن أجدب كما فى الأم (٢١٨:١).
وعزاه العلامة الشعرانى فى كشف الغمة إلى الصحابة أنهم كانوا يستسقون النواحى
الأرض وأطراف المدائن إذا بلغهم قحط بلادهم، وكانوا يقولون: "دعوة المرأ المسلم لأخيه
بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك مؤكل كلما دعا لأخيه قال الملك المؤكل به: آمين
ولك بمثل" اهـ (١٣٨:١). قلت: والحديث أخرجه مسلم عن أم الدرداء عن أبى الدرداء
عن رسول الله عَّ كما فى التلخيص الحبير (١٤٩:١).
واستدل الشافعى بحديث ابن عباس عند ابن ماجة قال: جاء أعرابى إلى النبى معَّ كلّه
فقال: ((يا رسول الله! لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع، ولا يخطر لهم فحل".
١٩٢
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
إعلاء السنن
فصعد المنبر، فحمد إليه، ثم قال: اللهم أسقنا غيثا مغيثا)) إلخ وسنده صحيح، كما مر فى
المتن. وهو محمول على الاستسقاء بالدعاء فقط فى المساجد دون الجبانة، كما هو ظاهر
الحديث. وعليه يحمل ما عزاه الشعرانى إلى الصحابة ودعاء أهل الخصب لأهل الجدب
مستحب اتفاقا، وإنما الكلام فى الاستسقاء بالصلاة على الهيئة الخاصة من غير احتياج
المستسقين إلى المطر إذا استسقوا لحاجة غيرهم إليه، فلا دليل فى الحديث عليه.
هذا، وتفسير الحاجة(١) عندى أن يخاف غلاء السعر من قلة المطر بحيث يضطرب
به فقراء الناس وعامتهم، ولا عبرة بأغنياءهم. وأما ما فى بعض الحواشى "إن معنى الحاجة
أن لا ينزل من السماء قطر، ولا يبدو فى الآفاق قزعة من سحاب، ولا كقدر الشبر" فلا
أصل له فى الفقه. فإن قليل المطر لا يغنى، وظهور السحاب فى الآفاق لا يجدى ما لم
يمطر بقدر الكفاية، وعليها المدار فى الاستسقاء كما يشعر به كلام "المحيط" الذى
ذ کرناه أولا.
قالوا: ويستحب أن يخرجوا ثلاثا متابعات، وأكثر من ذلك لم ينقل. قلت: قد
صرح الشافعى فى الأم باستحباب الخروج ثلاثا. وأما رسول الله مَّ ◌ُّ فلم يخرج قط إلا
مرة، فإنه كان إذا استسقى سقى أولا، كما ثبت بالأحاديث صراحة، وكذا الصحابة
رضى الله عنهم فيما أعلم. ويمكن أن يستأنس للخروج ثلاثا بما ورد أن الدعاء يستحب فيه
التكرير، وأقله التثليث، كما فى الحصن الحصين معزيا إلى أبى داود، فلم يتجاوزوا فى
الاستسقاء أقل عدد التكرير لكونه على هيئة خاصة خلاف القياس فافهم.
(١) وهذا ما أجيب به فى واقعة الفتوى حين سألنى بعض الأكابر عن معنى الحاجة إلى الاستسقاء، وأنها هل تحققت
فى بلادنا أم لا؟ حيث أمطروا فى أول الربيع، وقحطوا فى وسطه عند الحاجة إليه، فأجبت بما كتبته ههنا،
وصححه سيدى حكيم الأمة وقلت: ظنى أن مثل تلك الحاجة قد تحقق فى بلادنا هذه، فقد تشوشت العباد،
واضطربت الزراع، وبلغت قلوب العامة الحناجر من مخافة الغلاء الشديد إن لم يمطروا فى المدة القريبة والله
المستعان. قلت: وقد أحاطه السحاب بآفاق السماء فى وقت كتابة هذا المقام، ونرجو الله تعالى أن يسقينا غيثا مغيثا
غدقا طبقا نافعاً غير ضار بمحض الفضل منه والإنعام، وأن يتجاوز عن سيئاتنا، ويغفر لنا ذنوبنا، ولا يهلكنا بالآثام،
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم أفضل الصلاة، وأزكى السلام الذى قال فيه أبو طالب ولله دره.
٨ ربيع الأول ١٣٤٧ هـ.
ثمال اليتامى وعصمة للأرامل
:( وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ج - ٨
الاستسقاء بالدعاء وبالصلوة
١٩٣
قالوا: ويأمرهم الإمام بصوم ثلاثة أيام قبل يوم الخروج، وبالخروج عن المظالم
وبالتقرب بالخير، ثم يخرجون فى الرابع صياما. ولكل منهما أثر فى الإجابة على ما ورد
فى أخبار نقلت، وذكرها الحافظ فى التلخيص الحبير بالتفصيل.
قالوا: ويخرجون الشيوخ، والصبيان، والبهائم، لأن دعاءهم إلى الإجابة أقرب،
كما فى البخارى عن مصعب بن سعد، قال: رأى سعد أن له فضلا على من دونه فقال
عَ ظُله: "هل ترزقون، وتنصرون إلا بضعفائكم؟" وفى المستدرك من طريق حماد بن سلمة
عن ثابت عن أنس: كان أخوان أحدهما يحترف، والآخر يأتى النبى سَّهِ، فشكا المحترف
أخاه فقال: "لعلك ترزق به". ذكره الحافظ فى التلخيص أيضا. وأخرج الدار قطنى،
والحاكم من حديث أبى هريرة مرفوعا قال: "خرج نبي من الأنبياء، وفى لفظ لأحمد:
خرج سليمان عليه السلام يستسقى، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال:
ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة". وروى أبو يعلى، والبزار، والبيهقى من
حديث أبى هريرة، وأبو نعيم فى المعرفة من طريق مالك بن عبيدة بن مسافع عن أبيه عن
جده مرفوعا، وأبو نعيم أيضا فى المعرفة من حديث معاوية بن صالح عن أبى الظاهرية أن
النبى معَّه قال: ما من يوم إلا وينادى مناد: مهلا أيها الناس فإن الله سطوات. ولو لا رجال
خشّع، وصبیان رضّع، ودواب رتع لصب علیکم العذاب صبا، ثم رضضتم به رضا" .
ذكره الحافظ فيه أيضا، وهذه طرق عديدة يقوى بعضها بعضا.
وقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة العيد سواء، لما تقدم من حديث عائشة أنه خرج
حين بدا حاجب الشمس" وقال ابن عباس: "سنة الاستسقاء سنة الصلاة فى العيدين" إلخ
أخرجه الحاكم وصححه. وقال الذهبى: "ضعف عبد العزيز (راويه)" اهـ (٣٢٦:١).
وفى الصحيح لمسلم عن أنس "أن النبى معَّ لّ- استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء".
قاله الحافظ فى التلخيص.
وفيه أيضا: "أن عمر رضى الله عنه استسقى بالعباس رضى الله عنه"، أخرجه
البخارى من حديث أنس عن عمر وأخرج أبو زرعة الدمشقى فى تاريخه بسند صحيح
"أن معاوية استسقى بزيد بن الأسود" وروى أحمد فى الزهد أن نحو ذلك وقع لمعاوية مع
أبى مسلم الخولانى اهـ (١٥١:١)، وفيه الاستسقاء بالصالحين، والتوسل بالكاملين.
١٩٤
إعلاء السنن
٠٣
أبواب صلاة الخوف
باب کیفیة صلاة الخوف
١٢٨٠- عن: عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: ((غزوت مع رسول
وذكر الشافعى فى الأم تعليقا فقال: وروى عن سالم عن أبيه أن النبى مرّ ◌ُّه كان إذا
استسقى قال:(١) اللهم اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا مرئيا مربعا، غدقا مجللا عاما طبقا سحا
دائما. اللهم أسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. اللهم إن بالعباد، والبلاد والبهائم،
والخلق من اللّواء، والجهد، والضنك ما لا نشكو إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا
الضرع، وأسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض. اللهم ارفع عنا الجهد
والجوع، والعرى واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك. اللهم إنا نستغفرك، إنك
كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا" اهـ (٢٢٢:١).
قال الحافظ فى التلخيص: لم نقف له على إسناد، ولا وصله البيهقى فى مصنفاته،
بل رواه فى المعرفة من طريق الشافعی. قال: ویروی عن سالم به، ثم قال: وقد روينا بعض
هذه الألفاظ، وبعض معانيها فى حديث غيرهم. ثم ساقها بأسانيده اهـ (١: ١٥٠).
قلت: وتعليق مثل الشافعى مقبول، فيستحب أن يستسقى بهذا الدعاء، كما
استحبه الشافعى. ولكن هذا آخر ما أردنا إيراده، فى باب الاستسقاء، ولله الحمد رب
الأرض والسماء وله الثناء الحسن الجميل، والعظمة، والكبرياء.
باب كيفية صلاة الخوف
قوله: "عن ابن عمر" إلخ. دلالته على الباب ظاهرة. وفى الدر المختار: فيجعل الإمام
(١) ومن عجائب الاتفاق أنى كتبت باب الاستسقاء حين اشتداد الاحتياج إليه، ولما وصلت إلى كتابة هذا الدعاء أحاط
السحاب بآفاق السماء وأمطرنا بفضل الله وطوله ومنه وكرمه ساعة قليلة، ونرجوه أن يسقينا بقدر الحاجة، وأوسع
منه ببركة سيدى حكيم الأمة المحمدية رحمة الله على العالمين فى زمانه آمين. اللهم إنا نتوسل إليك؟" فأقبل دعاءنا،
ولا تردنا خائبين آمين، وبعد ذلك بيومين أو ثلاثة استجاب الله لنا، وسقانا بفضله، ومنه غيثا مغية غدقا طبقا، فله
الحمد، وله الشكر.
١٩٥
كيفية صلوة الخوف
ج - ٨
الله عَ ◌ّه قبل نجد فوازينا العدو، فصاففنا لهم. فقام رسول الله عَ ◌ّه يصلى لنا،
فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله عګآه بمن معه،
وسجد سجدتين. ثم انصرفوا مكان الطائفة التى لم تصل، فجاؤوا، فركع
رسول الله مطّ بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم. فقام كل واحد منهم،
فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين)). رواه البخارى (١٢٨:١ و١٢٩).
طائفة بإزاء العدو إرهابا له، ويصلى بأخرى ركعة فى الثنائى، ومنه الجمعة، والعيد،
وركعتين فى غيره لزوما، وذهبت إليه، وجاءت الأخرى، فصلى بهم ما بقى، وسلم
وحده، وذهبت إليه ندبا، وجاءت الطائفة الأولى وأتموا صلاتهم بلا قراءة لأنهم لا
حقون، وسلموا، ثم جاءت الطائفة الأخرى، وأتموا صلاتهم بقراءة لأنهم مسبوقون اهـ.
وفى رد المحتار: قوله: "ندبا" فلو أتموا صلاتهم فى مكانهم صحت. قوله:
"وجاءت الطائفة الأولى" مجيئها ليس متعينا، حتى لو أتمت مكانها، ووقفت الطائفة
الذاهبة بإزاء العدو صح. وهل الأفضل الإتمام فى مكان الصلاة أو فى محل الوقوف تقليلا
للمشى؟ ينبغى أن يجرى فيه الخلاف فيمن سبقه الحديث. ومشى فى الكافى على أن العود
أفضل، أفاده أبو السعود (٨٨٦:١).
قلت: وأصل الكيفية فى رواية ابن عمر رضى الله عنه والزيادة المندوبة فى أثر ابن
عباس. وأما ما فى الهداية بعد بيان كيفية صلاة الخوف المذكورة فى الدر المختار ما لفظه:
"والأصل فيه رواية ابن مسعود رضى الله عنه أن النبى مَّ ◌ُِّ صلى صلاة الخوف على
الصفة التى قلنا" اهـ فلا يصح. فإن روايته رضى الله عنه لا تنطبق على الكيفية التى ذكرها
صاحب الهداية.
وقد روی حدیث ابن مسعود رضى الله عنه أبو داود، وسكت عنه عن خصيف
عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: "صلى بنا رسول الله عٍَّ صلاة الخوف،
فقاموا صفين. صف خلف رسول الله عَّ له، وصف مستقبل العدو، فصلى بهم رسول الله
سَِّ ركعة. ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم. واستقبل هؤلاء العدو، فصلى بهم النبى
عَ ◌ّه ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا، فقاموا
مقام أولئك مستقبلى العدو، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم
١٩٦
کیفیة صلوة الخوف
إعلاء السنن
٢١٨١- أخبرنا: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم (كلهم ثقات) فى
صلاة الخوف قال: ((إذا صلى الإمام بأصحابه فلتقم طائفة منهم مع الإمام
وطائفة بإزاء العدو، فيصلى الإمام بالطائفة الذين معه ركعة، ثم تنصرف الطائفة
الذين صلوا مع الإمام من غير أن يتكلموا حتى يقوموا فى مقام أصحابهم، وتأتى
الطائفة الأخرى، فيصلون مع الإمام الركعة الأخرى، ثم ينصرفون من غير أن
يتكلموا حتى يقوموا فى مقام أصحابهم، وتأتى الطائفة الأولى حتى يصلوا
ركعة وحدانا، ثم ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم، وتأتى الطائفة الأخرى،
حتى يقضوا الركعة التى بقيت عليهم وحدانا)). رواه الإمام محمد فى " كتاب
الآثار" (ص-٣٥). ثم قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا الحارث بن
عبد الرحمن عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما مثل ذلك اهـ.
قلت: الحارث هذا مقبول من أتباع التابعين كما فى "التقريب"
(ص٢٦٩) فالإسناد منقطع، وهو مما لا يدرك بالرأى.
سلموا" (٤٨٢:١). وفى لفظ له بعد هذا الحديث، وسكت عنه أيضا ما لفظه: حدثنا تميم
ابن المنتصر نا إسحاق يعنى ابن يوسف عن شريك عن خصيف بإسناده ومعناه قال: فكبر
نبى الله عَّهِ، فكبر الصفان جميعا". قال أبو داود: "رواه الثورى بهذا المعنى عن
خصيف، وصلى عبد الرحمن بن سمرة هكذا إلا أن الطائفة التى صلى بهم ركعة، ثم
سلم مضوا إلى مقام أصحابهم، وجاء هؤلاء، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم رجعوا إلى مقام
أولئك فصلوا لأنفسهم ركعة. قال أبو داود: حدثنا بذلك مسلم بن إبراهيم نا عبد الصمد
ابن حبيب أخبرنى أبى "أنهم غزوا مع عبد الرحمان بن سمرة كابل فصلى بنا صلاة
الخوف" اهـ (٤٨٣:١). وخصيف مختلف فيه، وتقدم الاختلاف فى سماع أبى عبيدة
عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، فالحديث حسن.
وقول صاحب فتح القدير (٦٣:١): ولا يخفى أن كلا من الحديثين (أى حديث
ابن عمر وابن مسعود) إنما يدل على بعض المطلوب وهو مشى الطائفة الأولى، وإتمام
الطائفة الثانية فى مكانها من خلف الإمام وهو أقل تغيرا. وقد روى تمام صورة الكتاب
(يعنى الهداية) موقوفا على ابن عباس من رواية أبى حنيفة ذكره محمد فى كتاب الآثار
١٩٧
ج - ٨
كيفية صلوة الخوف
وساق إسناد الإمام، ولا يخفى أن ذلك مما لا مجال للرأى فيه، لأنه تغيير بالمنافى فى
الصلاة، فالموقوف فيه كالمرفوع اهـ. وقوله: "وإتمام الطائفة الثانية" إلخ ليس من مطلوب
الکتاب فتدبر.
وقال العینی فی عمدة القاری (٣٤١:٣). هذا الحدیث (أی حدیث ابن عمر رضى
الله عنه) حجة لأصحابنا الحنفية فى صلاة الخوف، وحديث ابن مسعود أيضا اهـ.
فائدة: بيان طرق صلاة الخوف
ثم اعلم أن طريق صلاة الخوف قد وردت مختلفة، والعمل بكل منها يجوز إذا
صح بسند یحتج به. قال الحافظ فى الفتح (٣٥٩:٢): وقد ورد فى كيفية صلاة الخوف
صفات كثيرة. ورجح ابن عبد البر هذه الكيفية الواردة فى حديث ابن عمر رضى الله عنه
على غيرها لقوة الإسناد، ولموافقة الأصول فى أن المأموم لا يتم صلاة قبل إسلام إمامه.
وعن أحمد قال: ثبت فى صلاة الخوف ستة(١) أحاديث أو سبعة أيها فعل المرأ جاز. ومال
إلى ترجيح حديث سهل بن أبى حثمة الآتى فى المغازى (فى البخارى) وكذا رجحه
الشافعى. ولم يختر إسحاق شيئا على شىء، وبه قال الطبرى وغير واحد منهم ابن المنذر،
وسرد ثمانية أوجه. وكذا ابن حبان فى صحيحه، وزاد تاسعا. وقال ابن حزم: صح فيها
أربعة عشر وجها(٢) وبينها فى جزء مفرد. وقال ابن العربى فى "القبس" (شرح الموطأ):
جاء فيها روايات كثيرة أصحها ستة عشر رواية مختلفة، ولم یبینها. وقال النووى نحوه
فى شرح مسلم، ولم يبينها أيضا، وقد بينها شيخنا الحافظ أبو الفضل فى شرح الترمذى،
وزاد وجها آخر، فصارت سبعة عشر وجها، لكن يمكن أن تتداخل. قال صاحب الهدى
(أى ابن القيم): أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف
الرواة فى قصة جعلوا ذلك وجها من فعل النبى معَّ ليه وإنما هو من اختلاف الرواة اهـ. وهذا
هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا بقوله: "يمكن تداخلها" اهـ.
وفى عمدة القارى (٣٤٢:٣): قال القدورى فى شرح مختصر الكرخى، وأبو
(١) نقل ابن الجوزى عن أحمد أنه قال: "ما أعلم فى هذا الباب حديثا إلا صحيحا" كذا فى التلخيص.
(٢) بعضها فى صحيح مسلم، ومعظمها فى سنن أبى داود، كذا فى التلخيص.
١٩٨
إعلاء السنن
باب جواز صلاة الخوف بعد النبى
عليه أفضل الصلاة والسلام
٢١٨٢- عن: حبيب "أنهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة رضى الله
عنه کابل، فصلی بنا صلاة الخوف". رواه أبو داود (٤٨٣:١)، وسكت عنه.
٢١٨٣- عن: ثعلبة بن زهدم قال: "كنا مع سعيد بن العاص رضى الله
عنه بطبر ستان، فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله مَّ له صلاة الخوف؟ فقال
حذيفة: أنا. فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا (أى مع الإمام)".
رواه أبو داود (٤٨٣:١) وسكت عنه. وفى النيل (٢١٢:٣): "رجال إسناده
رجال الصحيح اهـ".
٢١٨٤- حدثنا: عبد الأعلى عن يونس عن الحسن "أن أبا موسى رضى
نصر البغدادى فى شرح مختصر القدورى: الكل جائز، وإنما الخلاف فى الأولى اهـ. وفى
رد المحتار (٨٨٦:١): وفى المستصفى: إن كل ذلك جائز، والكلام فى الأولى اهـ.
باب جواز صلاة الخوف بعد النبى
عليه أفضل الصلاة والسلام
قوله: "عن حبيب" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة بأن فتح كابل كان
بعد النبى معَّ وفيه صلى الصحابى صلاة الخوف، فعلم من فعله أنها تجوز بعد
النبى عَّ أيضا.
قوله: "عن ثعلبة" إلخ دلالته على الباب ظاهرة بالتقرير المذكور.
قوله: "حدثنا عبد الأعلى "إلخ. قال المؤلف: قال البزار كما فى نصب الراية
(٤٧:١) قال البزار فى مسنده: روى الحسن عن أبى موسى الأشعرى، وأبو موسى إنما
کان بالبصرة أيام عمر رضى الله عنه، فلا أحسبه سمع منه اهـ. وفى تهذيب التهذيب
(٢٦٧:٢): قال ابن المدينى: لم يسمع من أبى موسى. وقال أبو حاتم وأبو زرعة:
لم يره اهـ.
١٩٩
ج - ٨
الله عنه(١) صلى بأصحابه بإصبهان، فصلت طائفة منهم معه، وطائفة مواجهة
العدو، فصلى بهم ركعة، ثم نكصوا، وأقبل الآخرون يتخللونهم، فصلى بهم
ركعة، ثم سلم، وقامت الطائفتان، فصلتا ركعة". رواه ابن أبى شيبة (عون
المعبود ٤٨٢:١)، ورجاله ثقات.
باب طريق الصلاة الرباعية فى الخوف
وترك الصلاة عند التحام الحرب
٢١٨٥- عن: جابر رضى الله عنه قال: ((كنا مع النبى عَّ له بذات الرقاع،
قلت: صلاة أبی موسی رضی الله عنه هذه قد علقها أبو داود بعد ذکر حدیث ابن
عمر رضى الله عنه ولفظ: "وكذلك روى يونس عن الحسن عن أبى موسى أنه فعله" اهـ.
فجزم الإمام أبى داود على الظاهر يدل على أنه سمعه منه. فاختلف فى الأصل،
والاختلاف غير مضر على أن الانقطاع أيضا لا يضر عندنا. ودلالة الأثر على الباب
ظاهرة بالتقرير المذكور. وكون صلاة المذكورين من الصحابة المذكورة فى المتن بعد وفاة
النبى أفاده الرافعى، وأقره عليه الحافظ فى التلخيص (١٤٢:١).
فائدة:
قال الشيخ: ولم يفتح شىء من العجم فى زمنه صلى الله تعالى عليه وآله
وأصحابه وسلم اهـ.
باب طريق الصلاة الرباعية فى الخوف
وترك الصلاة عند التحام الحرب
قوله: "عن جابر" إلخ. دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. وفى بعض طرق
(١) عن أبى العالية الرياحى: "أن أبا موسى رضى الله عنه كان بالدار من إصبهان وما بهم يومئذ كبير خوف (هكذا فى
الأصل). ولكن أحب أن يعلمهم دينهم، وسنة نبيهم مَّه، فجعلهم صفين، طائفة معها السلاح مقبلة على
عدوها، وطائفة من ورائها، فصلى بالذين يلونه ركعة ثم نكصوا على أدبارهم حتى قاموا مقام الآخرين يتخللونهم
حتى قاموا ورائه، فصلى بهم ركعة أخرى، ثم سلم، فقام الذين يلونه والآخرون، فصلوا ركعة ركعة، ثم سلم
بعضهم على بعض، فتمت للإمام ركعتين، وللناس ركعة ركعة". رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورجاله رجال
الصحیح، کذا فی "مجمع الزوائد".
٢٠٠
إعلاء السنن طريق الصلوة الرباعية فى الخوف وترك الصلوة عند الالتحام
وأقميت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى
ركعتين، فكان للنبى عدّ له أربع، وللقوم ركعتان)). متفق عليه، كذا فى
"النيل" (٢٠٩:٣).
الحديث أنه مٍّ سلم بعد الركعتين ثم بعد الركعتين. فروى النسائى وسكت عنه (٢٣١:١):
عن الحسن عن جابر رضى الله عنه بن عبد الله "أن النبى معَّ صَلى بطائفة من أصحابه
ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين أيضا ركعتين ثم سلم" اهـ. وروى أبو داود، وسكت
عنه (٤٨٤:١) عن الحسن عن أبى بكرة قال: "صلى النبى معَّه فى خوف الظهر(١) فصف
بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فانطلق الذين صلوا
معه، فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم.
فكانت لرسول الله عَ ◌ّ أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين (أى معه مرّ). وبذلك كان
يفتى الحسن" اهـ. وصححه فى نصب الراية (٢٢٧:١). ففى هذه الألفاظ ما يدل على أنه
مَّه صلى مرتين والصحابة خلفه مرة، فيلزم اقتداء المفترض بالمتطوع فى المرة الثانية.
والجواب عنه أنه لم يصل مرتين، فإن المراد بالسلام هو التشهد(٢) لأن السلام فى
وسط الصلاة لا يجوز، والصلاة كانت رباعية فى الحضر. ففى الزيلعى (٣٣٧:١): وقال
بعضهم: "كان فى حضر ببطن نخلة على باب المدينة، وكان خوف، فخرج
منه محترسا" اهـ.
قال بعض الناس: وأما ما فى الزيلعى أيضا، وقال غيره: لم يحفظ عن النبى عليه
السلام أنه صلى صلاة الخوف قط فى حضر، ولم يكن له حرب قط فى حضر اليوم إلا
يوم الخندق، ولم يكن آية الخوف نزلت بعد اهـ. فلا يضر، فإن كون الصلاة فى حضر قد
ثبت بما رواه الشافعى فى مسنده (ص: ٣١): أخبرنى الثقة ابن علية(٣) أو غيره عن يونس
(١) رواه أيضا ابن حبان، والحاكم، والدار قطنى، ففى رواية أبى داود، وابن حبان أنها الظهر، وفى رواية الحاكم،
والدار قطنى أنها المغرب كذا فى التلخيص (١: ١٤٠). وقال البيهقى فى المعرفة: هو وهم، كما فى عون المعبود:
أى المغرب وهم.
(٢) ولا يقال: إن عدم نقل إتمامهم الركعات الباقية ينافى هذا التأويل، فإن عدم نقل شىء لا يستلزم عدم ذلك الشىء،
وقال الشيخ: والأمر أظهر من أن ينبه عليه فإن من المعلوم الضرورى فى الدين أن الاختصار فى الفرض لا يجوز.
(٣) معناه أخبرنى الثقة، ولا أحضره معينا وهو ابن علية أو غيره، فافهم.