النص المفهرس
صفحات 161-180
11
ج - ٨
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
١.٦١
الله عَّ ◌ُله: «ما من أيام أفضل عند الله، ولا العمل فيهن أحب إلى الله عز وجل من
التكبير فقط، لأنه ثبت أنها أيام أكل، وشرب، وبعال، وثبت تحريم صومها، وورد فيه
إباحة اللهو بالحراب، ونحو ذلك، فدل على تفريغها لذلك مع الحض على الذكر،
والمشروع منه فيها التكبير فقط. وتعقبه الزين ابن المنير بأن العمل إنما يفهم منه عند
الإطلاق العبادة وهى لا تنافى استيفاء حظ النفس من الأكل، وسائر ما ذكر، فإن ذلك لا
يستغرق اليوم، والليلة. وقال الكرمانى: بل المتبادر إلى الذهن منه أنه المناسك من الرمى،
وغيره الذى يجتمع مع الأكل، والشرب. قال الحافظ: والذى يجتمع مع الأكل والشرب
لكل أحد من العبادة هو الذكر المأمور به، وقد فسر بالتكبير كما قال ابن بطال. وأما
المناسك فمختصة بالحاج، وقد وقع فى رواية ابن عمر من الزيادة فى آخره "فأكثروا فيهن
من التهليل، والتحميد" وللبيهقى فى حديث ابن عباس "فأكثروا فيهن من التهليل،
والتكبير " وهذا يؤيد ما ذهب إليه ابن بطال اهـ (٣٨٤:٣).
قلت: ومقتضاه استحباب التكبير فى أيام العشر كلها فى جميع الأحوال دون ما
وراء الصلوات خاصة؛ ولا ينافى ذلك مذهب أبى حنيفة، فإنه إنما قيده، بما وراء الصلوات
من صبح عرفة إلى عصر يوم النحر أو إلى آخر أيام التشريق بوصف الوجوب، والجهر.
وأما بدونها، فيعم أيام العشر كلها، فإن الذكر سرا لا يمنع عنه مانع، وقد كان رسول الله
عَِّ يذكر الله فى جميع أحيانه. والله تعالى أعلم.
فائدة ثالثة:
قال أصحابنا الحنفية: ويستحب أن يستفتح (الخطبة) الأولى (فى العيدين) بتسع
تكبيرات تترى أى متابعات، والثانية بسبع هو السنة، وأن يكبر قبل نزوله من المنبر أربع
عشرة، كذا فى الدر أى فصار مجموع التكبيرات أربعين. ولعلهم ذهبوا فيه إلى عموم
قوله عَ ليه: ((زينوا أعياد كم بالتكبير)) وهو حديث حسن، كما قد ذكرناه وإلى خصوص
ما أخرجه الشافعى فى الأم أخبرنا إبراهيم بن محمد عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد
الله عن إبراهيم بن عبد الله عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "السنة فى التكبير يوم
الأضحى، والفطر على المنبر قبل الخطبة أن يبتدئ الإمام قبل أن يخطب وهو قائم على
المنبر بتسع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام، ثم يخطب، ثم يجلس جلسة، ثم يقوم
.
١٦٢
تكبيرات التشريق وأنها لا تجب إلا على أهل المصر
إعلاء السنن
هذه الأيام يعنى من العشر، فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، وذكر الله)).
الحدیث. قلت: حديث حسن.
فى الخطبة الثانية، فيفتحها بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام، ثم يخطب". قال
الشافعى: أخبرنا إبراهيم قال: أخبرنى إسماعيل بن أمية (ثقة ثبت من السادسة تق) "أنه
سمع أن التكبير فى الأولى من الخطبتين تسع، وفى الآخرة سبع". قال الشافعى: "وبقول
عبد الله بن عبد الله نقول: اهـ (٢١١:١).
قلت: "عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله وإبراهيم بن عبد الله لم أقف عليهما،
ولهما ذكر فى "تعجيل المنفعة" مجمل. وإبراهيم بن محمد شيخ الإمام مكشوف الحال،
وثقه هو، وضعفه آخرون. ولكن الحديث أخذ به الإمام الشافعى، فلا أقل من أن يكون
حسنا عنده، وقد تقدم أن قول التابعى: "السنة كذا" مرفوع مرسل عند بعضهم، فلا بأس
بالأخذ به فى فضائل الأعمال ويجوز إثبات الاستحباب بمثله.
قال الشافعى: أخبرنى الثقة من أهل المدينة "أنه أثبت له كتاب عن أبى هريرة فيه
تكبير الإمام فى الخطبة الأولى يوم الفطر، ويوم الأضحى، إحدى أو ثلاثا وخمسين تكبيرة
فى فصول الخطبة بين ظهرانى الكلام" قال الشافعى: أخبرنى من أثق به من أهل العلم من
أهل المدينة قال: "أخبرنى من سمع عمر بن عبد العزيز وهو خليفة يوم فطر فظهر على
المنبر فسلم ثم جلس ثم قال: إن شعائر هذا اليوم التكبير، والتحميد. ثم كبر مرارا الله أكبر
الله أكبر ولله الحمد. ثم تشهد للخطبةة ثم فصل بين التشهد بتكبيرة" اهـ (٢١١:١).
قلت: فهذه دلائل ما ذهب إليه أصحابنا الحنفية فى الباب.
وقال الشامى تحت قول الدر: "ويستحب أن يستفتح الأولى بتسع" إلخ ما نصه:
وقال فى "الخانية": إنه ليس للتكبير عدد فى ظاهر الرواية (لأنه لم يرد فيه أثر ثابت قوى).
لكن ينبغى أن لا يكون أكثر الخطبة التكبير ويكبر فى الأضحى أكثر من الفطر اهـ. قال
الشامى: وإطلاق العدد فى ظاهر الرواية لا ينافى تقييده بما ورد فى السنة، وقال به الشافعى
رحمه الله تعالى اهـ (١١-٨٧٤). قلت: الذى ورد فى السنة وقال به الشافعى إنما هو
استفتاح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع وأما أنه يكبر قبل نزوله من المنبر أربع عشرة
فلم يرد ذلك فى السنة معينا، ولم يقل به الشافعى، بل الظاهر فيه الإطلاق بدليل إطلاق
قوله عَ ليه: ((زينوا أعيادكم بالتكبير)) وفعله أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة يكثر التكبير،
كما تقدم ذلك كله. والله تعالى أعلم.
١٦٣
ج - ٨
باب صلاة الكسوف والخسوف
٢١٥١- عن: أبى بكرة رضى الله عنه قال: كنا عند النبى علّمه
فانكسفت الشمس، فقام رسول الله عَ لّه يجر ردائه حتى دخل المسجد،
فدخلنا، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس فقال: ((إن الشمس والقمر لا
ينكسفان لموت أحد. وإذا رأيتموها فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم)). رواه
البخارى (١٤١:١). وفى "التلخيص الحبير" (١٤٦:١): ورواه ابن حبان،
باب صلاة الكسوف والخسوف
قوله: "عن أبى بكرة" إلخ فيه مسائل. الأولى: صلاة الكسوف فى المسجد، وكذا
الخسوف، فإنه معَِّ أمر بالصلاة عندهما ولم يفرق. الثانية: أنها ركعتان بالجماعة، الثالثة:
الدعاء فيها. الرابعة: أنها كالصلاة المعهود، فلا يتعدد الركوع وسيأتى تفصيله. الخامسة:
استحباب تلك الصلاة، والدعاء حملا للأمر عليه.
قال صاحب "العناية" (٥٦:٢): فإن قيل: هذا أمر، والأمر للوجوب، فكان ينبغى
أن تكون صلاة الكسوف واجبة. قلنا: قد ذهب إلى ذلك بعض أصحابنا، واختاره
صاحب الأسرار. والعامة ذهبت إلى كونها سنة. لأنها ليست من شعائر الإسلام، فإنها
توجد بعارض، لكن صلاها النبى معَّ له ثمكانت سنة والأمر للندب اهـ. وفى الدر المختار عن
العينى: أنه سنة. فحصل فى المذهب ثلاثة أقوال، الوجوب للأمر، والندب بحمل الأمر
على الندب، والسنة، والأخير هو الصحيح. فإنه مرّ واظب عليها. فقد روى الطبرانى
فى الكبير بإسناد حسن كما فى العزيزى (١١٩:٣) " كان (صلى الله تعالى عليه وآله
وسلم) إذا انكسفت الشمس أو القمر صلى حتى تنجلى" اهـ.
وفرق أصحابنا بين الخسوف، والكسوف فى باب الجماعة وغيرها. قال صاحب
"الهداية": وليس فى خسوف القمر جماعة لتعذر الاجتماع فى الليل أو الخوف الفتنة،
وإنما يصلى كل واحد بنفسه اهـ. وفى "تعليق البحر": قال العينى: (أى فى " شرح
الكنز"). والتفصيل فيه أن صلاة الكسوف سنة أو واجبة وصلاة الخسوف حسنة، وكذا
البقية اهـ (أى صلاة الظلمة والريح والفزع) (١٦٧:٢ و١٦٨)، وفى "البحر الرائق":
وذكر فى "البدائع" أنهم يصلون فى منازلهم. وفى "المجتبى": وقيل: الجماعة
١٦٤
صلوة الكسوف والخسوف
إعلاء السنن
والحاكم، ولفظهما: ((فإذا انكسف أحدهما فأفزعوا(١) إلى المساجد)) وفيه:
(فصلی ہہم ر کعتین مثل صلاتکم)) اهـ.
٢١٥٢- عن: ابن عباس رضى الله عنهما ((أن رسول الله عّ لّه صلى فى
كسوف الشمس والقمر ثمانى ركعات (أى ركوعات) فى أربع سجدات،
يقرأ فى كل ركعة)). رواه الدارقطنى فى "سننه" (١٨٨:١). وفى "نصب
الراية" (٣٢٩:١): إسناده جيد. سكت عنه عبد الحق فى "أحكامه"، ثم ابن
القطان بعده، وقال: ثابت بن محمد الزاهد (الراوى فى هذا السند) صدوق اهـ.
٢١٥٣- عن محمود بن لبيد قال: كسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن
رسول الله عَّ له، فقالوا: كسفت الشمس لموت إبراهيم رضى الله عنه. فقال
رسول الله عَّ له: ((إن الشمس، والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، ألا وإنهما لا
ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها كذلك فأفزعوا إلى المساجد)). ثم
جائزة عندنا لكنها ليست بسنة.
قلت: الجماعة فى الخسوف لم تنقل، فلا تسن. وأما كونها فى المنازل فغير مسلم،
لما مر فى حديث المتن فأفزعوا إلى المساجد. وأما كون صلاة الخسوف حسنة غير سنة فلا
تصح أيضا، لما ثبت من مواظبته بێے عليها، كما مر قريبا.
فإن قيل: إن الأولى فى النوافل إذا صلاها وحده غير التى استثنيت أداءها فى
البيت، فأمره عَّه بالفزع إلى المساجد عند الخسوف يتضمن الأمر بالجماعة فيه. قلنا:
الحديث ليس بنص فيه، بل يحتمل أن يكون الأمر بالذهاب إلى المسجد لأن يطلع عليه
غيره، فإن الخسوف مما لا يشهر، فإنه يكون بالليل، هكذا أفاده شيخى، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ دلالته على مسائل الباب ظاهرة. وسيأتى الجواب عن
تعدد الركوع.
قوله: "عن محمود" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة. قال الشيخ: ودل
أيضا على عدم تعدد الركوع، فإن عدم البيان فى موضع البيان بيان للعدم.
(١) أى بادروا إليها، كما فى مجمع البحار، وفى "منتهى الأرب": بادروا إليه بيشى گرفت او را وبشتافت سوئى آن.
١٦٥
ج - ٨
صلوة الكسوف والخسوف
قام، فقرأ فيما نرى بعض الكتاب، ثم ركع ثم اعتدل، ثم سجد سجدتين، ثم
قام، ففعل مثل ما فعل فى الأولى. رواه أحمد (٤٢٨:٥) ورجاله رجال
الصحيح (مجمع الزوائد ٢٤٤:١).
٢١٥٤- عن: قبيصة الهلالى قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله
عَّ، فخرج فزعا يجر ثوبه، وأنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين، فأطال
فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت فقال: ((إنما هذه الآيات يخوف الله عز وجل
فائدة:
فى "عمدة القارى" تحت رواية البخارى " كسفت الشمس على عهد رسول الله
عَّ- يوم مات إبراهيم" إلخ ما نصه: فإن قلت: اليسوف فى الشمس إنما يكون فى الثامن
والعشرين أو التاسع والعشرين من آخر الشهر العربى، فكيف يكون وفاته فى العاشر(١)؟
قلت: هذا التاريخ يحكى عن الواقدى، وهو ذكر ذلك بغير إسناد، فقد تكلموا فيما
يسنده الواقدى، فكيف فيما يرسله؟ (٤٧٧:٣). قال الشيخ: أو يقال: إن لهذه الزيادة من
وقوعها فى يوم وفات إبراهيم من بعض الرواة.
قوله: عن قبيصة إلخ قال المؤلف: وفى الزيلعى: رواه الحاكم فى "المستدرك" وقال:
"حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". قال: والذى عندى أنهما عللاه
بحديث يرويه ريحان بن سعد عن عباد بن منصور عن أيوب عن أبى قلابة عن هلال بن
عامر عن قبيصة. وهذا لا يعلل حديثا رواه موسى بن إسماعيل عن وهيب عن أيوب عن
أبى قلابة عن قبيصة. انتهى كلامه. وفيه: وقال البيهقى: سقط بين أبى قلابة وقبيصة رجل
وهو هلال بن عامر. قال النووى فى "الخلاصة": وهذا لا يقدح فى صحة الحديث، فإن
هلالا ثقة اهـ (٣٢٨:١ و٣٢٩). قلت: أخرج أبو داود وطريق هلال أيضا. وسكت عنه.
وأبو قلابة قد روى عن قبيصة فيقال: إنه قد سمع منه مرة بغير واسطة، ومرة بواسطة وبين
الواسطة. وهذا أولى مما قاله النووى لو صح طريق هلال، فإن ريحان متكلم فيه.
ودل الحديث على عدم تعدد الركوع فى هذه الصلاة حيث قال: "فصلوا
كأحدث صلاة صليتموها" كما فى الجوهر النقى. فإن صلاة الكسوف كانت ضحى،
(١) أى من ربيع الأول، كما فى "التلخيص الحبير" عن الزبير بن بكار فى "كتاب الأنساب" (١٤٨:٢).
١٦٦٠
صلوة الكسوف والخسوف
إعلاء السنن
بها. فرذا رأيتموها فصوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)). رواه أبو داود
(٤٦١:١) وسكت عنه هو والمنذرى. وفى النيل (٢٢٢:٣): "رجاله رجال
الصحيح اهـ".
كما ذكره البيهقى فيما مر فى باب كيف يصلى فى الخسوف، وعزاه إلى البخارى.
فأحدث الصلاة من المكتوبة حينئذ صلاة الصبح، فدل ذلك على أن الركوع فى
الكسوف، كالركوع فى صلاة الصبح. وهذا قول، والذى فى بقية الأحاديث فعل،
والقول مرجح على الفعل. وهذا الوجه أيضا أشبه بأصول الصلوات، فكان أولى .
(٢٥٧:١). قلت: ويدل على أنها صلاة الصبح ما فى التلخيص الحبير أيضا، ورواة
النسائى بلفظ "فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة ركعتين". (١: ١٤٦)
وسيأتى. قال الشيخ: والحديث الآتى عن سمرة الذى فيه "حتى إذ كانت الشمس قيد
رمحين" صريح فى كون ذلك الوقت ضحى، فتعين به مصداق أحدث صلاة أنه هو
الفجر وأيضا اضطربت الروايات فى عدد ركوعاته، ولم ينقل تاريخ فعله المتأخر(١) فاقتضى
ذلك كله ترجيح ما ذهبنا إليه.
وفى فتح البارى (٢: ٤٤٠): واستدل بحديث عائشة (عند البخارى) على أن
لصلاة الكسوف هيئة زائدة تخصها من التطويل الزائد على العادة فى القيام وغيره، ومن
زيادة ركوع فى كل ركعة. وقد وافق عائشة على رواية ذلك عبد الله بن عباس، وعبد الله
ابن عمر ومتفق عليهما ومثله عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه كما تقدم (فى
البخارى) فى صفة الصلاة، وعن جابر عند مسلم، وعن على عند أحمد، وعن أبى هريرة
رضى الله عنه عند النسائى، وعن ابن عمر رضى الله عنه عند البزار وعن أم سفيان عند
الطبرانى. وفى رواياتهم زيادة رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك
قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا. وقد وردت الزيادة فى ذلك من طرق أخرى، فعند
مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر "أن فى كل ركعة ثلاث ركوعات".
وعنده من وجه آخر عن ابن عباس رضى الله عنه "أن فى كل ركعة أربع ركوعات"
(١) قلت: العلم بالتقدم والتأخر لا يكفى للنسخ، كما تقدم فى هذا الكتاب، بل لا بد مع ذلك من دليل يدل عليه.
١٦٧
ج - ٨
صلوة الكسوف والخسوف
٢١٥٥- عن: ثعلبة بن عباد العبدى من أهل البصرة أنه شهد خطبة يوما
لسمرة بن جندب قال: قال سمرة: ((بينما أنا والغلام من الأنصار نرى غرضين
لنا حتى إذا كانت الشمس قيد رمحين أو ثلاثة فى عين الناظر من الأفق اسودت
حتى آضت، كأنها تنومة. فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فو الله
ليحدثن شأن هذه الشمس لرسول الله عّ لّه فى أمته حدثا. قال: فدفعنا، فإذا هو
بارز، فاستقدم، فصلى، فقام بنا كأطول ما قام بنا فى صلاة قط لا نسمع له
صوتا. قال: ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا فى صلاة قط لا نسمع له صوتا.
قال: ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا فى صلاة قط لا نسمع له صوتا. ثم فعل
فى الركعة الأخرى مثل ذلك. قال: فوافق تجلى الشمس جلوسه فى الركعة
الثانية. قال: ثم سلم، ثم قال: فحمد الله، وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله،
ولأبى داود من حديث أبى بن كعب، والبزار من حديث على رضى الله عنه(١) "أن فى
كل ركعة خمس ركوعات". ولا يخلو إسناد منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقى،
وابن عبد البر. ونقل صاحب الهدى عن الشافعى، وأحمد، والبخارى أنهم كانوا يعدون
الزيادة على الركوعين فى كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن
رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم وإذا اتحدت القصة تعين
الأخذ بالراجح، وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدد الواقعة، وأن الكسوف وقع
مرارا (وبه قال صاحب "الجوهر النقى" وعزاه إلى جماعة من المحققين). فيكون كل من
هذه الأوجه جائزا. وإلى ذلك نحا إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع
ر کوعات اهـ.
قوله: "عن ثعلبة" إلخ دلالته على الإخفاء بالقراءة فى الكسوف وغيره ظاهرة.
وسيأتى بحثٍ الخطبة.
: (١) فى كنز العمال (٤: ٢٨٧) عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: "انكسفت الشمس، فقام على رضى الله عنه فركع
خمس ر کعات، وسجد سجدتین. ثم فعل فی الر کعة الثانیة مثل ذلك ثم سلم، ثم قال: ما صلاها أحد بعد رسول
الله ◌َ ◌ّ أحد غيرى" رواه ابن جرير، وصححه وفى مجمع الزوائد (١: ٢٢٤) بعد عزوه إلى البزار ما لفظه:
"رجاله رجال الصحيح اهـ.
١٦٨
صلوة الكسوف والخسوف
إعلاء السنن
وشهد أنه عبده ورسوله)). ثم ساق أحمد بن يونس خطبة النبى عّ لّ رواه أبو
داود (٤٦٠:١) وسكت عنه. ورواه ابن حبان فى "صحيحه" بهذا
اللفظ (زيلعي ٣٣٠:١).
٢١٥٦- عن: بلال رضى الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول
الله عَ ◌ّه فقال: ((إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته. ولكنهما
آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها)). رواه
البزار والطبرانى فى "الأوسط والكبير". وعبد الرحمن بن أبى ليلى لم يدرك
بلالا رضى الله عنه. وبقية رجاله ثقات كذا فى "مجمع الزوائد" (٢٢٤:١).
٢١٥٧- أخبرنا: محمد بن المثنى عن معاذ بن هشام قال: حدثنى أبى عن
قتادة عن أبى قلابة عن النعمان بن بشير أن النبى عّ لّم قال: ((إذا خسفت الشمس
والقمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها)). رواه النسائى (٢١٩:١) وسكت
عنه. ولفظه فى "التلخيص الحبير" (١٤٦:١): ((صليتموها من المكتوبة
ركعتين)). وأخرجه أحمد، والحاكم، وصححه ابن عبد البراهـ. فذلك اللفظ إما
فى بعض نسخ "الصغرى" المسمى بـ "المجتبى" أو فى "الكبرى". وعند أحمد
أيضا ليس هذا اللفظ، ولفظ الحاكم لم أقف عليه.
قوله: "عن بلال رضى الله عنه" إلخ. قلت: عبد الرحمن بن أبى ليلى ثقة أخرجو
له، كما فى التقريب (ص: ١٢٥). والحديث له شواهد ذكرناها فى هذا الكتاب، فانجبر
بها الانقطاع. وحديث النعمان الآتى فيه زيادة، وهو صريح فى المذهب، وهذا يحمل
على أن الراوى اختصره.
وفى التلخيص الحبير (١: ١٤٦) بعد نقل حديث النعمان بعبارته التى نقلتها منه ما
نصه: وأعله ابن أبى حاتم بالانقطاع، وبحديث قبيصة بن المخارق، وفيه: "فصلى ركعتين"
(تقدم) أخرجه أبو داود والحاكم اهـ. وفى نصب الراية (١: ٣٢٧): قال ابن أبى حاتم فى
علله: قال أبى: قال يحيى بن معين: "أبو قلابة عن النعمان بن بشير رضى الله عنه مرسل".
قال أبى: قد أدرك أبو قلابة النعمان بن بشير، ولا أعلم أسمع منه أولا، وقد رواه عفان عن
١٦٩
ج - ٨
صلوة الكسوف والخسوف
٢١٥٨- عن: سمرة بن جندب رضى الله عنه قال: ((صلى بنا رسول الله
مَّ الِّ فى كسوف لا نسمع له صوتا)). رواه الترمذى (٧٣:١)، وقال: "حسن
علىوسيٌ
صحيح غريب ".
٢١٥٩- ثنا: على (لم أقف عليه) بن (محمد بن) المبارك ثنا زيد بن
عبد الوارث عن أيوب عن أبى قلابة عن رجل عن النعمان بن بشير، وروى عنه عن قبيصة
بن المخارق الهلالى، (تقدم) وروى عنه عن هلال بن عامر (تقدم) عن قبيصة بن المخارق
انتهى. قال النووى فى الخلاصة: ورواه أبو داود بلفظ "كسفت الشمس على عهد النبى
عَ ◌ّه فجعل يصلى ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت". قال: وإسناده صحيح(١) إلا
أنه بزيادة رجل (لم يذكر فى رواية أبى داود) بين أبى قلابة والنعمان، ثم اختلف فى ذلك
الرجل اهـ.
قلت: أبو قلابة قد سمع(٢) من النعمان، كما فى "تهذيب التهذيب" فى ترجمته.
والتوفيق بين الطرق الأربعة ممكن بأن يقال أنه سمعه من النعمان بغير واسطة مرة، ومرة
روى عنه بواسطة رجل، وسمعه مرة عن قبيصة، ومرة روى عنه بواسطة هلال. وفى
الجوهر النقى (١: ٢٥٨): قال ابن حزم: أبو قلابة أدرك النعمان رضى الله عنه، فروى هذا
الخبر عنه، ثم رواه عن آخر عنه، فحدث بكلتا روایتیه اهـ.
قوله: "عن سمرة" إلخ و"ثنا على" إلخ و"حدثنا حسن الخّ دلالتها على المخالفة
بالقراءة فى الكسوف ظاهرة. وقد ورد الجهر أيضا، فقد أخرج إمام الدنيا أبو عبد الله
البخارى عن عائشة رضى الله عنها "جهر النبى معَ له فى صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ
. من قراءته، الحديث.
وفى فتح البارى (٢: ٤٥٤): أن إسماعيل روى هذا الحديث (فى مستخرجه على
البخارى) من وجه آخر بلفظ "كسفت الشمس فى عهد رسول الله عّ لّه" فذكر الحديث
اهـ. وفيه أيضا: وقد ورد الجهر فيها عن على رضى الله عنه مرفوعا، وموقوفا أخرجه ابن
خزيمٌ وغيره. وقال به صاحبا(١) أبى حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر،
(١) وسکت عنه أبو داود.
(٢) صرح صاحب الكمال بسماعه من النعمان، كذا فى الجوهر النقى.
١٧٠
صلوة الكسوف والخسوف
إعلاء السنن
المبارك (صدوق عابد. "تقريب") ثنا موسى بن عبد العزيز (مختلف فيه). ثنا
الحكم بن أبان (مختلف فيه). عن عكرمة (ثقة ثبت. "تقريب") عن ابن عباس
رضى الله عنهما قال: ((صليت إلى جنب رسول الله عَ ليه يوم كسفت الشمس،
فلم أسمع له قراءة)). رواه الطبرانى فى "معجمه" ("نصب الراية" ٣٣٠:١).
وفى "آثار السنن" (١١٤:٢): إسناده حسن اهـ.
٢١٦٠- حدثنا: حسن بن موسى الأشيب أنبأ ابن لهيعة (مختلف فيه
حسن الحديث كما مر غير مرة). ثنا يزيد بن أبى حبيب عن عكرمة عن ابن
عباس، قال: ((صليت مع النبى معَّ الكسوف فلم أسمع منه فيها حرفا من
القراءة)). رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى فى مسنديهما ("نصب الراية"
١: ٤٣٠). قلت: "إسناده حسن، فإن ابن لهيعة قد تقدم أنه مختلف فيه حسن
الحديث. وبقيتهم مات أخرجوا لهم".
وغيرهما من محدثى الشافعية، وابن العربى من المالكية. وقال الطبرى: يخير بين الجهر
والإسرار. وقال الأئمة الثلاثة: يسر فى الشمس، ويجهر فى القمر إلى أن قال: فمثبت
الجهر معه قدر زائد، فلأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد فيكون فعل ذلك لبيان الجواز.
وهكذا الجواب عن حديث سمرة رضى الله عنه عند ابن خزيمة، والترمذى "لم يسمع له
صوتا" أنه إن ثبت لا يدل على نفى الجهر. قال ابن العربى: الجهر عندى أولى، لأنها صلاة
جامعة ينادى لها ويخطب، فأشبهت العيد، والاستقاء اهـ.
وفى التلخيص الحبير (١٤٨:١): قال البخارى: "حديث عائشة فى الجهر أصح من
حديث سمرة رضى الله عنه". قلت: لأن حديث سمرة مختلف فى صحته. قال فى
التلخيص (١٤٧:١): صححه الترمذى، وابن حبان، والحاكم، وأعله ابن حزم بجهالة
ثعلبة بن عباد راويه عن سمرة رضى الله عنه وقد قال ابن المدينى: إنه مجهول. وقد ذكره
ابن حبان فى الثقات مع أنه لا راوى له إلا الأسود بن قیس اهـ.
وقد عرفت ما فی حدیثی ابن عباس، وحديث عائشة فى الصحيحين، فلا ريب فى
١١/ عن محمد روايتان كما فى رد المحتار وفى الهداية.
١٧١
ج - ٨
صلوة الكسوف والخسوف
ترجيحه، وقد كانت فى الصلاة معه عرّ ضله. يدل عليه ما رواه البخارى عن أسماء رضى
الله عنها" أتيت عائشة حين خسفت الشمس، فإذا الناس قيام يصلون، فإذا هى قائمة
تصلى". الحديث. (٣٠:١).
وما تقدم من حديثها "فقلت لعائشة: ما قال؟" إلخ فإنه يدل على أنها كانت عند
الخطبة، وهى من توابع الصلاة، وما رواه أبو داود، وسكت عنه عن عائشة قالت:
"كسفت الشمس على عهد رسول الله مرّ ◌ُله، فخرج رسول الله عّ لّه فصلى بالناس، فقام،
فحرزت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة، وساق الحديث، ثم سجد سجدتين، ثم قام،
فأطال القراءة فحرزت قراءته، فرأيت أنه قرأ بسورة آل عمران" اهـ (٤٦١:١).
ومعلوم أن قيامهن فى الصلاة يكون فى آخر الصفوف، فسماعهن أظهر دليل على
الجهر بالقراءة، ولا دليل فى حديث عائشة عند أبى داود على الإسرار بالقراءة كما فهمه
الخطابى.
قال فى عون المعبود (٤٦١:١): قال الخطابي: هذا يدل على أنه لم يجهر بالقراءة
فيها، ولو جهر لم تحتج فيها إلى الحرز والتخمين اهـ. وذلك لاحتمال سماعها القراءة،
وعدم فهمها، لبعدها عنه عَّه. وإذا ثبت هذا فلا تعارض هذه الرواية روايتها الأخرى فى
الصحیحین، وتقدمت قریبا.
وذكر فى فتح القدير فى ترجيح الإسرار بالقراءة (٥٦:٢) ما نصه: إذا حصل
التعارض وجب الترجيح بأن الأصل فى صلاة النهار الاخفاء اهـ. وفى تابع الآثار لشيخنا
(ص: ٨٦): وما روى من الجهر محمول على ما كان من عادته عرّه من الجهر بأية أو آيتين
فى السرية للتعليم فظنه الراوى البعيد أن كل القراءة لعله كان جهرا وهو لم يسمع، فروى
الجهر اهـ.
قلت: والمراد بالعادة ما كان عَّه يفعله تارة ويتركه أخرى، وقد تقدم فعله معد له فى
أبواب القراءة، فإن العادة بمعنى المواظبة وهو المراد عند الإطلاق لم تثبت، فاحفظه.
١٧٢
إعلاء السنن
خطبة الكسوف برواية جماعة من الصحابة
٢١٦١- عن: عائشة رضى الله عنها أنها قالت: خسفت الشمس فى
عهد رسول الله عَّ ◌ُلّه، فصلى رسول الله عَّ بالناس، فوصفت صلاته. ثم
قالت: ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم
قال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد، ولا لحياته.
فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبروا، وصلوا، وتصدقوا)). ثم قال: ((يا أمة محمد!
والله ما من أحد أغير من الله أن يزنى عبده (أى لأجل أن يزنى. قاله السندى فى
تعليقه على النسائى). أو تزنى أمته. يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلا ولېکیتم کثیرا)). رواه البخارى (١٤٢:١).
٢١٦٢- عن: أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه قالت: دخلت على
عائشة والناس يصلون إلى أن قالت: فانصرف رسول الله عَّه وقد تجلت
الشمس. فخطب الناس، فحمد الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، قالت: ولغط
نسوة من الأنصار، فانكفأت إليهن لأسكتهن فقلت لعائشة: ما قال؟ قالت:
قال(١): ما من شىء لم أكن أريته إلا وقد رأيته فى مقامى هذا حتى الجنة والنار.
وأنه أوحى إلى أنكم تفتنون فى القبور مثل (بترك التنوين لأن تقديره مثل فتنة،
فحذف المضاف إليه، وترك على هيئة قبل الحذف. "مسوى") أو قريبا من فتنة
المسيح الدجال. يؤتى أحدكم، (أى يأتيه الملائكة). فيقال له: ما علمك بهذا
الرجل، فأما المؤمن أو قال: المؤقن فيقول: ((هو رسول الله، هو محمد، جاءنا
قوله: "عن عائشة" إلخ و"عن أسماء" إخ و"ثنا أبو كامل" إلخ قال المؤلف:
دلالتها على الخطبة فى الكسوف ظاهرة.
وفى التلخيص الحبير (١٤٧:١): قال صاحب الهداية من الحنفية: ليس فى
(١) وعند مسلم من حديث عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله مرّ له: رأيت فى مقامى هذا كل شىء وعدتم
(٢٩٦:١). وفى "مجمع البحار" (٤٥٥:١): ((لم أكن أريته فى مقامی» أى مما يصح رؤيته عقلا، کرؤية البارى
تعالى ويليق عرفا من أمور الدين وغيره اهـ.
د
١٧٣
ج - ٨
خطبة الكسوف
بالبينات والهدى فآمنا وأجبنا، واتبعنا وصدقنا)). فيقال له: ((نم صالحا (أى لا
ردع عليك. "مسوى")، قد كنا نعلم أن كنت لمؤمنا به)). وأما المنافق أو المرتاب
فيقال له: ((ما علمك بهذا الرجل؟)) فيقول: ((لا أدرى، سمعت الناس يقولون
شيئًا (أى بطريق الإجمال). فقلت)). رواه البخارى (١٢٦:١).
٢١٦٣ - ثنا: أبو كامل ثنا زهير ثنا الأسود بن قيس ثنا ثعلبة بن عباد
العبدى من أهل البصرة قال: شهدت يوما خطبة لسمرة بن جندب فذكر فى
خطبته حديثا عن رسول الله عَّ له فقال: بينا أنا، وغلام من الأنصار نرمى فى (١)
غرضين لنا على عهد رسول الله عَ لّه حتى إذا كانت الشمس قيد رمحين أو
ثلاثة فى عين الناظر اسودت حتى آضت (أى رجعت وصارت. "عون") كأنها
تنومة (نوع من النبات فيها وفى ثمرها سواد قليل. "مجمع البحاز") قال: فقال
أحدنا لصاحبه: "انطلق بنا إلى المسجد، فو الله ليحدثن شأن هذه الشمس
لرسول الله عَّه فى أمته حديثا (٢) (أى أمرا حديثا أى جديدا)" قال: فدفعنا إلى
المسجد، فإذا هو بارز، قال: ووافقنا رسول الله عَ ◌ّه حين خرج إلى الناس،
فاستقدم، فقام بنا كأطول ما قام بنا فى صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم ركع
كأطول ما ركع بنا فى صلاة قط لا نسمع له صوتا، ثم فعل فى الركعة الثانية
مثل ذلك، فوافق تجلى الشمس جلوسه فى الركعة الثانية. قال زهير: حسبته
(لعل الشك فى قوله: فسلم فقط). قال: فسلم، فحمد الله، وأثنى عليه، وشهد
أنه عبد الله ورسوله، ثم قال: ((أيها الناس! أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أنى
الكسوف خطبة لأنه لم ينقل، فيتعجب منه مع ثبوت ذلك. ثم ساق ما سقته فى المتن.
وفى نصب الراية (٣٣٢:١): "وأجاب الأصحاب بأنه عليه الصلاة والسلام لم
يقصد الخطبة، وإنما قال ذلك دفعا لقول من قال: "إن الشمس انكسفت لموت إبراهيم
وإخبارا عما رأه من الجنة والنار". واستضعفه الشيخ تقى الدين، فقال: "إن الخطبة لا
(١) فى "مجمع الزوائد": بحذف فى، وكذا فى رواية أبى داود التى تقدمت قريبا.
(٢) فى "مجمع الزوائد": "حدثا" وكذا فى رواية أبى داود التى تقدمت قريبا.
١٧٤
خطبة الكسوف
إعلاء السنن
قصرت عن شىء من تبليغ رسالات ربى عز وجل لما(١) أخبر تمونى ذاك، فبلغت
(أى فأبلغ). رسالات ربى، كما ينبغى لها أن تبلغ. وإن كنتم تعلمون أنى بلغت
رسالات ربى لما أخبر تمونى ذاك)). قال: فقام رجال، فقالوا: "نشهد أنك قد
بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضیت الذی علیك". ثم سكتوا. ثم
قال: أما بعد! فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه الشمس، وكسوف هذا
القمر، وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض،
وأنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله تبارك وتعالى، يعتبر بها عباده،
فينظر من يحدث له منهم توبة. وأيم الله! لقد رأيت منذ قمت أصلى ما أنتم
لاقون فى أمر دنياكم، وآخرتكم. وأنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون
کذابا، آخرهم الأعور الدجال ممسوح العین الیسری کانہا عین اُبی تحی (بکسر
المثناة الفوقانية، كذا فى "فتح البارى") لشيخ (أى قاله شيخ إلخ). من الأنصار
بينه، وبين حجرة عائشة وأنها متى يخرج أو قال: متى ما يخرج، فإنه سوف
يزعم أنه الله فمن آمن به وصدقه، واتبعه لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن
کفر به، و كذبه لم يعاقب بشىء من عمله" وقال حسن(٢) الأشيب: "بشىء من
عمله سلف، وأنه سيظهر أو قال: سوف يظهر على الأرض كلها إلا الحرم(٣)،
وبيت المقدس. وإنه يحصر المؤمنين فى بيت المقدس فيزلزلون زلزالا شديدا، ثم
ينحصر مقاصدها فى شئ معين، سيما وقد ورد أنه صعد المنبر، وبدأ بما هو المقصود من
الخطبة، فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ وذكر. وقد يتفق دخول بعض هذه الأمور فى
مقاصدها مثل ذكر الجنة والنار، وكونها من آيات الله بل هو كذلك جزما"، انتهى.
(١) لما بمعنى إلا أى لا أطلب منكم إلا إخباركم. أخذته من "المرقاة". وهذا إن كان مشددة الميم وإلا فما زائدة واللام
للقسم أخذته من "مجمع البحار".
(٢) هو شیخ الإمام أحمد تقدم قريبا، وهو حسن بن موسى.
(٣) وفى حديث جنادة بن أبى أمية: أتينا رجلا من الأنصار من الصحابة قال: قام فينا رسول الله مٍَّ فقال: أنذركم
المسيح. الحديث وفيه: يمكث فى الأرض أربعين صباحا، يبلغ سلطانه كل منهل، لا يأتى أربعة مساجد الكعبة،
ومسجد الرسول، ومسجد الأقصى، والطور، أخرجه أحمد، ورجاله ثقات ("فتح البارى" ٩٣:١٣).
١٧٥
خطبة الكسوف
ج - ٨
يهلكه الله تبارك وتعالى وجنوده حتى أن جذم الحائط أو قال: أصل الحائط وقال
حسن الأشيب: وأصل الشجرة لينادى أو قال: يقول: يا مؤمن! أو قال: يا
مسلم! هذا يهودى أو قال: هذا كافر، تعال فاقتله. قال: ولن يكون ذلك كذلك
حتى تروا أمورا يتفاقم شأنها فى أنفسكم، وتساءلون بينكم هل كان بينكم
ذكر لكم منها ذكرا؟ وحتى تزول جبال على مراتبها (فى "الصراح" قال
الخليل: المراتب فى الجبل والصحارى هى الأحلام التى ترقب فيها العون
والرقباء). ثم على أثر ذلك القبض" قال: ثم شهدت خطبة لسمرة رضى الله عنه
ذكر فيها هذا الحديث فما قدم كلمة، ولا أخرها عن موضعها. رواه الإمام
أحمد فى "مسنده" (١٦:٥).
وفى "مجمع الزوائد" (٢٢٥:١) بعد عزوه إلى المسند ما نصه:
والطبرانى فى "الكبير"، إلا أنه زاد: وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم،
وبيت المقدس. وقال أيضا: قال الأسود بن قيس: وحسبت أنه قال: "فيصبح
فيهم عيسى ابن مريم عليه السلام فيهزمه الله، وجنوده" والباقى بنحوه. قال
الترمذى فيما رواه منه: "حديث حسن صحيح اهـ".
قلت: وصعود المنبر رواه النسائی وأحمد فى مسنده، وابن حبان فى صحيحه،
ولفظهم: "ثم انصرف بعد أن تجلت الشمس، فقام، فصعد المنبر، فخطب الناس، فحمد
الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إن الشمس والقمر". الحديث. وبمذهبنا قال الإمام
أحمد: إن الخطبة لا تسن فى الكسوف، وأجابوا بما أجاب به أصحابنا. نقله ابن الجوزى
فی التحقیق اهـ.
قلت: الصواب استحباب الخطبة فى الكسوف. وذهب إليه بعض أصحابنا، كما
فى رد المختار تحت قول الدر المختار: "ولا خطبة". ونقله عن التحفة، والمحيط، والكافى،
والهداية وشروحها ما نصه: "لكن فى النظم يخطب بعد الصلاة بالاتفاق، ونحوه فى
الخلاصة وقاضيخان" (٨٨١:١).
قلت: قد ورد مطلق الخطبة، فتراد به خطبة واحدة. قال فى فتح البارى (٤٤٢:٢):
١٧٦
خطبة الكسوف
إعلاء السنن
قلت: رواه مختصرا من طريق سفيان عن الأسود بن قيس، فذكره. وأبو
كامل هو مظفر بن مدرك ثقة متقن، كان لا يحدث إلا من ثقة، كذا فى
"التقريب" (ص-٢٠٩). وزهير هو ابن معاوية من رجال الستة ثقة ثبت إلا أن
سماعه عن أبى إسحاق(١) بآخره، كما فى التقريب (ص-٨٢ و٨٣) أيضا.
فالحديث حسن صحيح وهو مراد صاحب "مجمع الزوائد" من نقل قول
الترمذى. فافهم، واحفظ.
٢١٦٤- وعند مسلم (٢٩٧:١) من حديث جابر رضى الله عنه ((ما من
شىء توعدونه إلا وقد رأيته فى صلاتى هذه، لقد جيئ بالنار، وذلكم حين
رأيتمونى تأخرت مخافة أن يصيبنى من لفحها. وحتى رأيت فيها صاحب
المحجن يجر قصبه فى النار كأن يسرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلق
بمحجنى، وإن غفل عنه ذهب به. وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التى ربطتها
فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعا. ثم جيئ
بالجنة، وذلکم حین رأیتمونی تقدمت حتی قمت فى مقامی، ولقد مددت یدی،
وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لى أن لا أفعل. فما من شىء
توعدونه إلا قد رأیته فی صلاتی هذه اهـ).
٢١٦٥- عن: عبد الرحمن بن سمرة وكان من أصحاب رسول الله مَّ اله
قال: ((كنت أرمى بأسهم لى بالمدينة فى حياة رسول الله عّ لّ إذ كسفت
نازع ابن قدامة فى كون خطبة الكسوف كخطبتى الجمعة والعيدين، إذ ليس فى
الأحاديث المذكورة ما يقتضى ذلك، وإلى ذلك نحا ابن المنير فى حاشية اهـ.
قوله: عن عبد الرحمن إلخ تمسك به الحنفية قاله الحافظ فى التلخيص (١٤٦:١).
وفى نصب الراية (٣٢٨:١): ظاهر هذا الحديث أن الركعتين بركوع واحد اهـ.
وقوله: "رافع يديه" فقال النووى (٢٩٩:١): فيه دليل لأصحابنا فى رفع اليدين
فى القنوت ورد على من يقول: لا ترفع الأيدى فى دعوات الصلاة اهـ. قلت: لا حجة
(١) أى سمع من أبى إسحاق بعد الاختلاط، كما فى "تهذيب التهذيب".
ج - ٨
خطبة الكسوف
١٧٧
الشمس، فنبذتها، فقلت: والله لأنظرن إلى ما حدث لرسول الله عَ ◌ّه فى
كسوف الشمس. قال: فأتيته وهو قائم فى الصلاة رافع یدیه، فجعل يسبح،
ويحمد، ويهلل، ويكبر، ويدعو حتى حسر عنها. قال: فلما حسر عنها قرأ
سورتين، وصلى ركعتين)). رواه مسلم (٢٩٩:١).
٢١٦٦ - وفى "المنتقى" متن "النيل" (٢٢١:٣): وقد روى بإسناد
حسان من حديث سمرة، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن عمر ((وأنه مَ ◌ّ.
صلاها ركعتين، كل ركعة بركوع)). والأحاديث بذلك كله لأحمد، والنسائى.
والأحاديث المتقدمة بتكرار الركوع أصح وأشهر اهـ.
٢١٦٧- عن: عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: "لما كسفت
الشمس على عهد رسول الله عّ لّ نودى أن الصلاة جامعة". رواه البخارى
(١٤٢:١).
٢١٦٨- عن: عائشة رضى الله عنها أن النبى عّ لّه صلى بهم فى كسوف
الشمس أربع ركعات فى سجدتين الأولى أطول. رواه البخارى (١٤٥:١).
فيه، فإنه لم يرو أنه كان فى حال الدعاء، فيحتمل أن يكون فى تكبيرة الإحرام أو فيما
ثبت الرفع فى الصلاة من غير تكبيرة الإحرام، وتقدم بيانه.
وقال النووى: أيضا هذا مما يستشكل ويظن أن ظاهره أنه ابتدأ صلاة الكسوف بعد
انجلاء الشمس، وليس كذلك، فإنه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء، وهذا الحديث
محمول على أنه وجده فى الصلاة، ثم جمع الراوى جميع ما جرى فى الصلاة من دعاء
وتکبیر، وتهلیل، وتسبيح، وتحمید، وقراءة سورتین، و کانت السورتان بعد الانجلاء تتميما
للصلاة، فتمت جملة الصلاة ركعتين اهـ ملخصا. وحاصله أن معنى قوله: "فلما حسر"
إلخ أنه مِّ أتم صلاته التى كان شرع فيها، وحسر عنها فى أثنائه.
قوله: "عن عائشة" إلخ. دلالته على تطويل الركعة الأولى ظاهرة. وبه قال محمد،
وهو المأخوذ للفتوى، كما فى رد المحتار (١: ٥٦٦).
تنبيه:
قال الإمام العلام النقاد الحافظ ابن حجر رحمه الله وأرضاه فى فتح البارى
١٧٨
خطبة الكسوف
إعلاء السنن
٢١٦٩- عن: أبى موسى رضى الله عنه قال: خسفت الشمس، فقام النبى
مَ له فزعا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد، فصلى بأطول قيام، وركوع،
(٤٤٧:٢): وقع فى حديث جابر الذی أشرت إليه عند مسلم تطویل الاعتدال الذی یلیه
السجود، ولفظه: "ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد". وقال النووى: هى رواية
شاذة مخالفة، فلا يعمل بها، أو المراد زيادة الطمأنينة فى الاعتدال لا إطالة نحو الركوع.
وتعقب بما رواه النسائي، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو أيضا، ففيه:
"ثم ركع فأطال حتى قيل: لا يرفع ثم رفع فأطال حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد فأطال
حتى قيل: لا يرفع ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد". لفظ
ابن خزيمة من طريق الثورى عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه، والثورى سمع من عطاء
قبل الاختلاط، فالحديث صحيح ولم أقف فى شئ من الطرق على تطويل الجلوس بين
السجدتین إلا فى هذا.
قوله: "عن أبى موسى" إلخ. دلالته على ما فيه ظاهرة.
تتمة فیما ورد من العبادات عند نزول الآيات:
الأولى: ما رواه الترمذى فى فضل أزواج النبى معَّ له وقال: حسن غريب عن
عكرمة. قال: قيل لابن عباس بعد صلاة الصبح: ماتت فلانة لبعض أزواج النبى مَّلآه،
فسجد. قيل له: أ تسجد هذه الساعة؟ فقال: أليس قال رسول الله معرّ له: "إذا رأيتم آية
فاسجدوا؟" فأى آية أعظم من ذهاب أزواج النبى معَّه؟ اهـ ورواه أبو داود
وسكت عنه (٤٦٤:١).
وقال المنذری کما فى عون المعبود: فی إسناده سلم بن جعفر. قال یحیی بن كثير
العنبرى: كان ثقة وقال الموصلى: متروك الحديث، لا يحتج به، وذكر هذا الحديث اهـ.
ولكن فى التقريب (ص: ٧٥): قال ابن المدينى: من أهل اليمن، صدوق تكلم فيه الأزدى
بغير حجة اهـ. وفى تهذيب التهذيب (١٢٨:٤): ذكره ابن حبان فى الثقات، وذكره ابن
شاهين أيضا فى الثقات اهـ. وفيه حكم بن أبان أيضا. وهو مختلف فيه، كما تقدم فى
المتن. وفى التقريب: صدوق، عابد، وله أوهام أهـ (ص: ٤٤).
فا
2
B
D
١٧٩
خطبة الكسوف
ج - ٨
وسجود رأيته قط يفعله. وقال: ((هذه الآيات التى يرسل الله عز وجل لا تكون
لموت أحد، ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده. فإذا رأيتم شيئا من ذلك
فأفزعوا إلى ذكر الله، ودعائه، واستغفاره)). رواه البخارى (١٤٥:١).
والثانية: ما ذكره فى كنز العمال (٢٨٩:٤) عن جابر رضى الله عنه(١) "أن رسول
الله عَ ◌ّه إذا كانت ليلة ريح شديدة كان مفزعه إلى المسجد (للدعاء أو الصلاة منفردا.)
حتى تسكن الريح وإذا حدث فى السماء حدث من كسوف شمس أو قمر كان مفزعه
إلى المصلى (الصلاة)". رواه ابن أبى الدنيا، وسنده حسن اهـ. وقد ورد الأمر بالفزع إلى
المسجد أيضا عند الكسوف، ففى كنز العمال (١٧٧:٤): "يا أيها الناس! إن الشمس
والقمر آيتان من آيات الله، فإذا انكسف أحدهما فأفزعوا إلى المساجد (للصلاة)". رواه
ابن حبان فى صحيحه عن ابن عمرو مرفوعا اهـ. وكل جائز.
والثالثة: ما قد رواه أبو داود وسكت عنه عن النضر قال: كانت ظلمة على عهد
أنس بن مالك. قال: فأتيت أنسا رضى الله عنه، فقلت: "يا أباحمزة! هل كان يصيبكم
مثل هذا على عهد رسول الله عٍَّ"؟ قال: "معاذ الله! إن كانت الريح تشتد فنبادر
المسجد (للدعاء أو للصلاة) مخافة القيامة" اهـ. وفى عون المعبود: قال المنذرى تحت
حديث أنس رضى الله عنه: حكى البخارى فى التاريخ فيه اضطرابا اهـ (٤٦٤:١).
والرابعة: ما فى كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة (ص: ٢٨): أخرج ابن أبى
شيبة بسند صحيح عن عائشة رضى الله عنها قالت: "صلاة الآيات ست ركعات فى أربع
سجدات" اهـ. وفى التلخيص الحبير (١٤٨:١): قال البيهقى: قد صح عن ابن عباس
رضى الله عنه. ثم أخرجه من طريق عبد الله بن الحارث عنه أنه صلى فى الزلزلة بالبصرة
فأطال فذكره إلى أن قال: فصارت صلاته ست ركعات، وأربع سجدات". ثم قال:
"هكذا صلاة الآيات". ورواه ابن أبى شيبة مختصرا من هذا الوجه "أن ابن عباس رضى
(١) وفى مجمع الزوائد (١-٢٢٥): عن أبى الدرداء رضى الله عنه قال: "كان رسول الله من له إذا كانت ليلة ريح
شديدة كان مفزعه إلى المسجد حتى تسكن الريح وإذا حدث فى السماء حدث من خسوف شمس أو قمر كان
مفزعه إلى الصلاة حتى تنجلى". رواه الطبرانى فى الكبير من رواية زياد بن صخر عن أبى الدرداء. ولم أجد من
ترجمته، وبقية رجاله ثقات اهـ.
١٨٠
إعلاء السنن
باب الاستسقاء بالدعاء وبالصلاة
٢١٧٠- عن: أنس بن مالك رضى الله عنه قال: بينما رسول الله عَ ليه
يخطب يوم الجمعة إذ جاءه رجل فقال: "يا رسول الله! قحط المطر فادع الله أن
يسقينا". فدعا فمطرنا، فما كدنا أن نصل إلى منازلنا. فما زلنا نمطر إلى الجمعة
المقبلة. قال: فقام ذلك الرجل أو غيره فقال: "يارسول الله! ادع الله أن يصرفه
عنا". فقال رسول الله عَّه: ((اللهم حوالينا، ولا علينا)). قال: فلقد رأيت
الله عنه صلى بهم فى الزلزلة كانت أربع سجدات ركع فيها ستا" اهـ.
وفى كشف الصلصلة (ص: ٢٩): قال النووى فى شرح المهذب: قال الشافعى،
والأصحاب: ما سوى الكسوفين من الآيات كالزلازل، والصواعق، والظلمة، والرياح
الشديدة، ونحوها لا يصلى لها جماعة، وآمر بالصلاة منفردين اهـ ملخصا. وفى التلخيص
الحبير (١٤٨:١): قال الشافعى: لا نعلم أن رسول الله مرّ له أمر بالصلاة عند شئ من
الآيات، ولا أحد من خلفائه اهـ. وقد علمت ثبوت صلاة الآيات عن ابن عباس رضى الله
عنه وعن عائشة رضى الله عنها ويمكن للأصحاب أن يجيبوا عما ورد عن ابن عباس رضى
الله عنه، وعائشة رضى الله عنها بأنه يحتمل أنهما قاساها على صلاة الكسوف، فإنها قد
ورد فيها ثلاث ركوعات أيضا كما تقدم فى الحواشى، وإنا لم نسلم الأصل، فكيف نسلم
الفرع فافهم.
فإن قلت: لم تثبت الصلاة فى الآيات غير الكسوفين، فكيف قلتم باستحبابها؟
قلت: الذكر والدعاء مطلوبان فى هذه الأوقات، والصلاة تشتملهما وهى أعظم منهما أو
يقال: قسناها على صلاة كسوف القمر.
باب الاستسقاء بالدعاء وبالصلاة
قوله: "عن أنس" إلخ قال المؤلف: وفى عمدة القارى (٤٤١:٣): فهذه الأحاديث
والآثار كلها تشهد لأبى حنيفة أن الاستسقاء استغفار ودعاء. وأجيب عن الأحاديث التى
فيها الصلاة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم فعلها مرة، وتركها أخرى. وذا لا يدل على
السنية، وإنما يدل على الجواز اهـ. قلت: فيكون كل من الصلاة والدعاء مستحبا. لأنه
عَ ظله لم يواظب على أحد منهما، ولكن الصلاة أحب، لاشتمالها على الدعاء وغيره.