النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١
من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو شيئا منها صلى الجمعة
ج - ٨
٢٠٦٦- عن: أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى عّ لّه قال: ((إذا سمعتم
الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا. فما أدركتم
فصلوا، وما فاتكم فأتموا)). رواه البخارى (٨٨:١).
(٢٢٤:١): ثم ذكر البيهقى قول ابن مسعود: "وإذا أدركت ركعة من الجمعة فأضف
إليها أخرى، وإذا فاتك الركوع (١) فصل أربعا" وفى رواية أخرى " ومن أدرك القوم
جلوسا صلى أربعا" اهـ ولم يذكر سندهما. فإن صحا يقدم رواية الطبرانى عليهما،
لموافقتها المرفوع الذى سيأتى تقريره. ودلالة الأثر على الجزئين من الباب ظاهرة.
قوله: "عن أبى هريرة" قلت: وفى لفظ عند مسلم "صل ما أدركت واقض ما
سبقك" اهـ (٢٢:١). وفى "الجوهر النقى" (٢٣٤:١): والإتمام إنما يكون لما تقدم، وما
تقدم جمعة، والقضاء فعل مثل الفائت، والفائت جمعة، فوجب إتمامها أو قضاؤها اهـ.
وقال الزيلعى: وبين اللفظين بون من جهة الاستدلال، فاستدل بقوله: "فأتموا" من
قال: إن ما يدر كه المأموم هو أول صلاته، واستدل بقوله "فاقض" من قال: إنما يدركه هو
آخر صلاته. قال صاحب "تنقيح التحقيق": والصواب أنه ليس بين اللفظين فرق. إن هو
القضاء الإتمام فى عرف الشارع، قال الله تعالى: ﴿فإذا قضیتم مناسککم﴾ وقال تعالى:
﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ انتهى (٣١٥:١).
وفى "فتح القدير" (٣٦:١): ولا يخفى أن وروده بمعناه فى بعض الإطلاقات
الشرعية لا ينفى حقيقة اللغوية، ولا يصيره الحقيقة الشرعية فلم يبق إلا صحة الإطلاق.
وكما يصح أن يقال: قضى صلاته على تقدير إدراك أولها ثم فعل باقيبها، كذلك يصح أن
يقال على تقدير إدراك آخرها ثم فعل تكميلها: أتم صلاته. وإذا تكافأ الإطلاقان يرجع إلى
أن المدرك ليس إلا آخر صلاة الإمام حساً، والمتابعة، وعدم الاختلاف على الإمام واجب
على المأموم اهـ.
ودلالة الحديث على الجزء الثانى من الباب بعموم الحديث ظاهرة، لأن جماعة
الجمعة داخلة فى عموم الجماعة: والإدراك يشمل كل جزء من الصلاة.
وفى الهداية: وإن كان أدركه فى التشهد، أو فى سجود السهو بنى عليها الجمعة
(١) أى الركوع الثانية.
٨٢
إعلاء السنن
باب سلام الخطيب على المنبر
٢٠٦٧- حدثنا: محمد(١) بن يحيى ثنا عمر بن خالد ثنا ابن لهيعة عن
محمد بن زيد بن مهاجر عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ((أن النبى
عَّ طِّ كان إذا صعد المنبر سلم)). رواه ابن ماجة (ص-٧٩) ورجاله ثقات إلا أن
ابن لهيعة مختلف فيه حسن الحديث، كما تقدم. وقد صححه السيوطى فى
"الجامع الصغير" (٩٣:٢).
٢٠٦٨- عن: ابن عمر رضى الله عنهما قال: ((كان رسول الله عَ لّه إذا
دخل المسجد يوم الجمعة سلم على من عند منبره من الجلوس، فإذا صعد المنبر
عندهما، وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة، وإن أدرك أقلها
بنى عليها الظهر اهـ.
قلت: قولهما أقوى كما قد عرفت من الاستدلال بالحديث. وأما ما رواه الدارقطنى
مرفوعا ((إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك، وإذا أُدرك ر کعة فلیر کع إليها
أخرى، وإن لم يدرك ركعة فليصل أربع ركعات اهـ. فقال أبو حاتم: لا أصل لهذا الحديث
إنما المتن من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها. ذكر كله فى "التلخيص الحبير"
(١٢٦:١-١٢٧) وأطال الكلام فيه.
باب سلام الخطيب على المنبر
قوله: "حدثنا محمد" إلخ دلالته على الباب ظاهرة. وهو محمول على
الاستحباب.
قوله: "عن ابن عمر" إلخ: قال المؤلف: وفى "مجمع الزوائد": أيضا وفيه عيسى
بن عبد الله الأنصارى وهو ضعيف، ذكره ابن حبان فى "الثقات" اهـ. ولكن فى
"التلخيص الحبير" (١٣٦:١): أورده ابن عدى فى ترجمة عيسى بن عبد الله الأنصارى
وضعفه. وكذا ضعفه به ابن حبان اهـ، وفى "ميزان الاعتدال" (٣١٤:٢): قال(٢) ابن
حبان: لا ينبغى أن يحتج بما انفرد به اهـ. فالحديث ضعيف، ولکن مجموع أحاديث الباب
(١) هو الذهلى.
(٢) أى فى "كتاب الضفاء" كذ فى الزيلعى.
٨٣
:
ج - ٨
،"
يوجه إلى الناس فسلم عليهم)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" ("مجمع الزوائد
١ : ٢١٥).
٢٠٦٩- أخبرنا: ابن جريج عن عطاء قال: ((كان النبى إذا صعد المنبر يوم
الجمعة استقبل الناس بوجهه، فقال: السلام عليكم)). رواه عبد الرزاق فى
"مصنفه" ("نصب الراية" ٣١٨:١). ورجاله رجال الجماعة. ولكنه مرسل
ضعيف، فإن مراسيل عطاء بن أبى رباح ضعيفة عندهم، كما قد تقدم.
٢٠٧٠- ثنا: أبو أسامة ثنا مجالد عن الشعبى قال: ((كان النبى عّ لّه إذا
صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه، وقال: السلام عليكم)). وكان أبو
بكر وعمر، وعثمان يفعلونه". رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" ("نصب الراية"
٣١٨:١). قلت: رجاله لا بأس بهم، وهو مرسل.
باب ما جاء فى استقبال الإمام وهو يخطب
٢٠٧١- عن: عدى بن ثابت عن أبيه قال: ((قال كان النبى عَّه إذا قام
على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم)) رواه ابن ماجة (ص-١٨٠). وفى
يدل على أن الحديث له أصل. وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا. ودلالته على الباب
ظاهرة، وكذا دلالة المراسيل أيضا عليه.
وفى "البحر الرائق" (١٦٨:٢): فاستفيد منه (أى من قول "البدائع") أنه لا يسلم
إذا صعد المنبر. وروى أنه يسلم كما فى "السراج الوهاج" اهـ. قلت: والمختار عندى
للأحاديث المذكورة القول بمشروعيته، وبالله التوفيق.
باب ما جاء فى استقبال الإمام وهو يخطب
قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة. وفى "البحر الرائق" (١٦٠:٢): ثم
قولهم: "إن السنة فى المستمع استقبال الإمام" مخالف لما عليه عمل الناس من استقبال
المستمع للقبلة، ولهذا قال فى التجنيس: والرسم فى زماننا أن القوم يستقبلون القبلة. قال:
لأنهم لو استقبلوا الإمام لحرجوا فى تسوية الصفوف بعد فراغه، لكثرة الزحام. وجزم فى
٨٤
إعلاء السنن
"الزوائد"(١): رجال إسناده ثقات إلا أنه مرسل قاله السندى. وفى "التلخيص
الحبير" (٣٦:١): قال(٢) ابن ماجة: أرجو أن يكون متصلا كذا قال: والعدى لا
صحبة له إلا أن يراد بأبيه جده أبو أبيه فله صحبة على رأى بعض الحفاظ من
المتأخرين اهـ. وقد حسن الحديث السيوطى فى "الجامع الصغير" (٩٣:١).
باب التأذين عند الخطبة
٢٠٧٢- عن: السائب بن يزيد يقول: "إن الأذان يوم الجمعة كان أوله
حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر فى عهد رسول الله عَّ له وأبى بكر
وعمر، فلما كان فى خلافة عثمان وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث
فأذن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك" رواه البخارى (١٢٥:١). وفى
"مسند إسحاق" بن راهويه من هذا الوجه كان النداء الذى ذكره الله فى القرآن
يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر فى عهد رسول الله عَ ليه وأبى بكر وعمر
حتى خلافة عثمان، فلما كثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء
"التلخيص" (١٣٦:١).
الخلاصة بأنه يستحب استقباله إن كان أمام الإمام، فإن كان عن يمين الإمام أو عن يساره
قريبا من الإمام ينحرف إلى الإمام مستعدا للسماع اهـ.
قلت: وبه يحصل التوفيق بين هذا الحديث، وبين حديث البخارى الذى يأتى فى
باب وجوب صلاة العيدين. وفيه "فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم إلخ".
فتحصل من مجموع الحديثين أن لا يكسر الصفوف، ومع ذلك يستقبلون الإمام بشىء
من الاستقبال، بأن ينحرفوا يسيرا بوجوههم إليه. أفاده الشيخ. ولكن فيه نوع تكلف،
فالصحيح عندى أن يعمل بهذا مرة، وبهذا أخرى. والأولى هو الاستقبال، فافهم.
باب التأذين عند الخطبة
قوله: "عن السائب" إلخ برواية البخارى، قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.
(١) لتلميذ العراقى.
(٢) لیس فى النسخ عندى.
٨٥
الأذان عند الخطبة
ج - ٨
٢٠٧٣- عن: السائب بن يزيد قال: كان يؤذن بين يدى رسول الله إذا
جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وأبى بكر وعمر ثم ساق نحو
قوله: "عن السائب" إلخ برواية أبى داود. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة.
وأما قوله: "بين يدى" وقوله: "على باب المسجد" فأفسرهما. فاعلم أن الراغب قال فى
مفرداته: يقال: هذا الشىء بين يديك أى قريبا منك (١٤٢:١ مصرى). وفى أبى داود،
وسكت عنه، وحسنه الترمذى كما قاله المنذرى، كذا فى "عون المعبود"، عن سعيد بن
أبى وقاص "أنه دخل مع رسول الله مَّ على امرأة، وبين يديها نوى أو حصى تسبح به"
إلخ (٥٥٥:١) وعن عائشة زوج النبى ◌ّ أنها قالت: كنت أنام بين يدى رسول الله
مێ، ورجلای فی قبلته، فإذا سجد غمزنى فقبضت رجلى إلخ رواه البخارى (٥٦:١).
فهذه شواهد دلالة على تفسير لفظ "ما بين يديه".
وأما لفظ "على الباب" "فعلى" ههنا بمعنى "فى" وحروف الجر يقوم بعضها
موضع بعض. كما فى قوله تعالى: ﴿على جذوع النخل﴾ عند بعضهم، فيكون معنى قوله
"على الباب" أى فى الباب الذى فى داخل المسجد. وهذا الباب كان قريبا من المنبر. فلا
منافاة بين قوله: "بين يدى رسول الله عَ ليه" بالمعنى الذى مر آنفا، وبين قوله: "على الباب"
كما هو ظاهر. ولا يخفى أن باب المسجد هناك لم يكن خارجه، كما فى زماننا، فإن
العمارة لم تكن من الخارج محيطة بالمسجد هناك، كما يفهم من ظاهر ما رواه أبو داود
عن ابن عمر "كنت أبيت فى المسجد فى عهد رسول الله عّ لّ، وكنت فتى شابا عزبا،
و كانت الكلاب تبول وتقبل، وتدبر فى المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك". وقد
تقدم فى باب طهارة الأرض بالجفاف، وكانت له ثلاثة أبواب. كما فى "عمدة القارى"
(٣٥٨:٢). كان أحد الأبواب محاذيا للمنبر، كما فى البخارى عن أبى نمر أنه سمع أنس
بن مالك يذكر أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله عَ ليه قائم
يخطب فاستقبل رسول الله عّ لّ إلخ (١٣٧:١).
فحاصل هذا الكلام: أن الأذان كان بين يدى رسول الله عَّ فى باب المسجد
داخله، وهو بين يدى المنير محاذيا له، فلم يلزم كون الأذان خارج المسجد. وإن سلمنا أن
"على" بمعناه، وكان الأذان خارج المسجد، فنقول: إن الأذان كان على عهد رسول الله
٨٦
الأذان عند الخطبة
إعلاء السنن
حديث(١) يونس. رواه أبو داود (٤٦٤:١) وسكت عنه فهو صالح عنده
للاحتجاج به.
عٍَّ على الباب للإعلان المطلق فلما كان عثمان، وزاد الأذان الأول للإعلان العام جعل
الثانى عند المنبر قريبا منه للإنصات. كما فى "فتح البارى" ناظرا فى ما قال المهلب:
الحكمة فى جعل الأذان فى هذا المحل (أى قريبا من المنبر) ليعرف الناس بجلوس الإمام على
المنبر. فينصتون له إذا خطب ما نصه: وفيه نظر فإن فى سياق ابن إسحاق عند الطبرانى
وغيره عن الزهرى فى هذا الحديث "أن بلالا كان يؤذن على باب المسجد" فالظاهر أنه
كان لمطلق الإعلام، لا لخصوص الإنصات. نعم، لما زيد الأذان الأول كان للإعلام، وكان
الذى بين يدى الخطيب للإنصات اهـ (٣٢٨:٢).
قلت: وقول المهلب يوافق التوجيه الأول، وقول "الفتح" يوافق التوجيه الثانى. وفى
"العناية": وكان الطحاوى يقول: المعتبر هو الأذان عند المنبر بعد خروج الإمام فإنه هو
الأصل الذى كان للجمعة على عهد رسول الله عَّه، وكذلك فى عهد أبى بكر وعمر
رضى الله عنهما (٣٨:٢). ونحوه فى "الكفاية" (٣٨:٢). فدل على أن الأذان الثانى
محله عند المنبر، وهو المراد بين يديه. وقال الشيخ: وأما إن المعتبر لحرمة البيع هو هذا
الأذان، فهو اجتهاد من الطحاوى، و کونه عند المنبر هو نقل منه، وهو مقصودنا پإيراده.
أما اجتهاده فليس بحجة اهـ. وفى "جامع الرموز" (الكشبورى ١٨:١): إذا جلس الإمام.
على المنبر أذن أذانا ثانيا بين يديه أى بين الجهتين المسامتين ليمين المنبر أو الإمام، ويساره
قريبا منه اهـ ملخصا بلفظه، فهذا القول صريح فى المقصود.
واعلم أن الأذان لا يكره فى المسجد مطلقا كما فهم بعضهم من بعض العبارات
الفقهية، وعمموه هذا الأذان، بل مقيدا بما إذا كان المقصود إعلام ناس غير حاضرين، كما
فى "رد المحتار". وفى "السراج": "وينبغى للمؤذن أن يؤذن فى موضع يكون أسمع
للجيران، ويرفع صوته، ولا يجهد نفسه لأنه يتضرر" اهـ بحر. قلت: والظاهر أن هذا فى
مؤذن الحى. أما من أذن لنفسه أو الجماعة حاضرين، فالظاهر أنه لا يسن له المكان العالى
لعدم الحاجة، تأمل (٣٩٨:١). وفى "جامع الرموز": بأنه يؤذن فى موضع عال وهو سنة،
(١) أی المذ کور من قبل هذا فی سنن أبى داود.
٨٧
ج - ٨
باب أن المصلى عند الزحام يسجد على ظهر أخيه
٢٠٧٤- عن: عمر رضى الله عنه "إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر
أخيه". رواه البيهقى ("التلخيص الحبير" ١٤٣:١)، وصححه العينى فى " شرح
الهداية" (١٠١٦:٢).
٢٠٧٥- عن: ابن عمر رضى الله عنهما، ((صلى رسول الله عَ لّه فقرأ
النجم فسجد فيها، فأطال السجود، وكثر الناس، فصلى بعضهم على ظهر
بعض)) رواه البيهقى ("التلخيص الحبير" ١٤٣:١). ولم أقف على سنده، ولكن
لا ينزل عن رتبة الضعيف، لجلالة ناقله وهو صاحب "التلخيص".
باب كراهة التخطی يوم الجمعة بغير عذر
٢٠٧٦- عن: أبى الزاهرية قال: كنا مع عبد الله بن بسر صاحب النبى
مَّ ◌ُلّه يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بسر: جاء
كما فى "القنية"، وبأنه لا يؤذن فى المسجد فإنه مكروه كما فى النظم، لكن فى
"الجلابى": أنه يؤذن فى المسجد أو ما فى حكمه، لا فى البعيد منه (٥٦:١).
قال الشيخ: فقوله: "فى المسجد" صريح فى عدم كراهة الأذان فى داخل المسجد،
وإنما هو خلاف الأولى إذا مست الحاجة إلى الإعلان البالغ، وهو المراد بالكراهة المنقولة فى
بعض الكتب، فافهم، وقد بسط الكلام فى مسألة الأذان يوم الجمعة داخل المسجد سیدی،
وخليلى مؤلف "بذل المجهود" تغمده الله برحمته ورضوانه فى رسالته " تنشيط الأذان"
فأجاد وأفاد، فليراجع.
باب أن المصلى يسجد عند الزحام على ظهر أخيه
قال المؤلف: دلالة أحاديث الباب عليه ظاهرة.
باب كراهة التخطى يوم الجمعة بغير عذر
قال المؤلف: الحديثان الأولان من الباب يدلان على المنع من التخطى، والحديث
الثالث على الجواز، والضرورة مذكورة فيه. فوفق بينهما بأن المنع عند عدم الضرورة،
والجواز عند وجودها. وفى "الدر المختار" (٨٦٢:١): لا بأس بالتخطى ما لم يأخذ الإمام
٨٨
إعلاء السنن
رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبى عَ ◌ّةٍ يخطب، فقال له النبى عدّ:
((اجلس، فقد آذيت)) رواه أبو داود (٤٣٥:١)، وسكت منه، وفى "الترغيب"
(١٢٦:١) عزاه إلى "صحيحى ابن خزيمة وابن حبان" أيضا، ثم قال: وعند ابن
خزيمة "فقد آذيت وأوذيت" .
٢٠٧٧- عن: عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو العاص
رضى الله عنه أن رسول الله عّ لّه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب
امرأته إن کان لها، ولیس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ
عند الموعظة كان كفارة لما بينهما. ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت(١) له
ظهرا. رواه أبو داود، وابن خزيمة فى صحيحه، كذا فى "الترغيب" (١٢٧:١).
٢٠٧٨- عن: عقبة رضى الله عنه قال: صليت وراء النبى عَّ بالمدينة
العصر، فسلّم، فقام مسرعًا فيتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه. ففزع
الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، فقال:
"ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسنى، فأمرت بقسمته". رواه
البخارى (١٧:١).
باب القراءة فى صلاة الجمعة
٢٠٧٩- عن: ابن عباس رضى الله عنهما ((أن النبى عّ لّه كان يقرأ فى
صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين)). رواه مسلم (٢٨٨:١).
٢٠٨٠- عن: النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: ((كان رسول الله عَز اله
فى الخطبة، ولم يود أحدا إلا أن لا يجد إلا فرجة أمامه فيتخطى إليها للضرورة اهـ.
باب القراءة فى صلاة الجمعة
قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة ولكن لا يداوم عليه بحيث يخاف
منه فساد اعتقاد العوام، بأن يفهموه واجبا.
(١) أى الصلاة والمراد أنه لا يحصله ثواب الجمعة.
٨٩
ج - ٨
يقرأ فى العيدين، وفى الجمعة بـ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث
الغاشية﴾ قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة فى يوم واحد يقرأ بهما أيضا فى
الصلاتين)). رواه مسلم (٤٣٧:١).
٢٠٨١- عن: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن الضحاك بن قيس سأل
النعمان بن بشير رضي الله عنه، ماذا كان يقرأ به رسول الله عّ لّه يوم الجمعة
على أثر سورة الجمعة؟ فقال: ((كان يقرأ ب﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾)). رواه
أبو داود (٤٣٧:١) وسكت عنه وإسناده على شرط مسلم، وقد أخرجه بنحوه ..
باب سقوط الجمعة بسبب مطر شدید
٢٠٨٢- عن: ابن عباس رضى الله عنهما قال لمؤذنه فى يوم مطير: إذا
قلت: أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل: حى على الصلاة، قل: ((صلوا فى
بيوتكم))، فكان الناس استنكروا فقال: ((فعله من هو خير منى. إن الجمعة عزمة،
وإنى كرهت أن أحرجكم، فتمشون فى الطين والدحض)). رواه البخارى
(١٢٣:١). وقد تقدم فى حاشية باب الأعذار فى ترك الجماعة.
باب تعدد الجمعة فی مصر واحد
٢٠٨٣- عن: عمر أنه كتب إلى أبى موسى، وإلى عمرو بن العاص، وإلى
سعد بن أبى وقاص "أن يتخذ مسجدا جامعا، ومسجدا للقبائل، فإذا كان يوم
الجمعة انضموا إلى المسجد الجامع، فشهدوا الجمعة". أخرجه ابن عساكر فى
باب سقوط الجمعة بسبب مطر شديد
قال المؤلف: دلالة الحديث على الباب ظاهرة. وقد تقدم البحث التام فى موضع
قوله: "صلوا فى بيوتكم" فى باب الأعذار فى ترك الجمعة، فانظره.
باب تعدد الجمعة فی مصر واحد
قوله: "عن عمر" إلخ. قلت: سكت عند الحافظ فى التلخيص، وسكوته فيه عن
حديث حجة، كما ذكرناه فى المقدمة، وفيه دلالة على عدم تعدد الجمعة فى مصر واحد.
٩٠
تعدد الجمعة فی مصر واحد
إعلاء السنن .
"مقدمة تاريخ دمشق"، كذا فى "التلخيص الحبير"، ولم يذكر سنده، ولم
يتكلم عليه بشىء. قال: وقال ابن المنذر: لا أعلم أحدا قال بتعدد الجمعة غير
عطاء اهـ.
٢٠٨٤ - عن: أبى إسحاق "أن عليا أمر رجلا فصلى بضعفة الناس يوم
العيد فى المسجد ركعتين". رواه الشافعى، وابن جرير، والبيهقى، كذا فى "كنز
العمال" (٣٣٧:٤) ولم أقف على سنده.
قوله: "عن أبى إسحاق" وقوله: "عن على" إلخ. فيهما دلالة على جواز تعدد
الجمعة فى المصر، قياسا على تعدد العيد. قال فى "البدائع": روى محمد عن أبى حنيفة أنه
يجوز الجمع فى موضعين، أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك وذكر محمد فى "نوادر الصلاة":
لو أن أميرا أمر إنسانا أن يصلى بالناس الجمعة فى المسجد الجامع، وانطلق هو إلی حاجة له،
ثم دخل المصر فى بعض المساجد، وصلى الجمعة، قال: تجزئ أهل المصر الجامع، ولا تجزئه
إلا أن يكون أعلم(١) الناس بذلك، فيجوز، وهذا كجمعة فى موضعين. وقال أيضا: لو
خرج الإمام يوم الجمعة للاستسقاء يدعو وخرج معه ناس كثير، وخلف إنسانا يصلى بهم
فى المسجد الجامع فلما حضرت الصلاة صلى بهم الجمعة فى الجبانة وهى على قدر غلوة
من مصره، وصلى خليفته فى المصر فى المسجد الجامع قال: تجزئهما جميعا (٢). فهذا يدل
على أن الجمعة تجوز فى موضعين فى ظاهر الرواية، وعليه الاعتماد أنه تجوز فى موضعين،
ولا تجوز فى أكثر من ذلك. فإنه روى عن على رضى الله عنه أنه كان يخرج إلى الجبانة
فى العيد، ويستخلف فى المصر من يصلى بضعفة الناس، وذلك بمحضر من الصحابة
رضى الله عنهم. ولما جاز هذا فى صلاة العيد، فكذا فى صلاة الجمعة، لأنهما فى
اختصاصهما بالمصر سيان، ولأن الحرج يندفع عند كثرة الزحام بموضعين غالبا، فلا يجوز
أكثر من ذلك. وما روى عن محمد من الإطلاق فى ثلاث مواضع محمول على موضع
الحاجة، والضرورة اهـ (٢٦:١١).
(١) أی مجتهدا.
(٢) والوجه الفرق بينه وبين الأول ثبوت الحرج فى الثانى، وانتفائه فى الأول، يدل عليه تقييده الثانى بكونه على قدر
غلوة من مصره.
٩١
تعدد الجمعة فی مصر واحد
ج - ٨
٢٠٨٥- عن: على قيل له: إن بالبلد ضعفاء لا يستطيعون الخروج إلى
المصلى، فاستخلف عليهم رجلا يصلى بالناس بالمسجد. قيل: إنه صلى ركعتين
بتكبير، وقيل: بل صلى أربعا بلا تكبير. ذكره ابن تيمية فى "منهاج السنة".
(٢٠٤:٣). واحتج به، وقال: قيل: بل يجوز عند الحاجة أن تصلى جمعتان فى
المصر، كما صلى على رضى الله عنه عيدين للحاجة. وهذا مذهب أحمد بن
حنبل فى المشهور عنه، وأكثر أصحاب أبى حنيفة، وأكثر المتأخرين من أصحاب
الشافعى. وهؤلاء يحتجون بفعل على، لأنه من الخلفاء الراشدين اهـ. قلت:
واحتجاج المجتهدين بأثر تصحيح له. وفى رسائل الأركان (ص-١١٨): هذا
الأثر(١) صحيح، صححه ابن تيمية فى "منهاج السنة".
٢٠٨٦- عن: ابن عمر أنه كان يقول: ((لا جمعة إلا فى المسجد الأكبر
الذى يصلى فيه الإمام)). رواه ابن المنذر، كما فى "التلخيص الحبير"
(١٣٣:١).
قلت: إن نظرنا إلى الدليل الذى استدل به من جوز تعدد الجمعة، فالأظهر عدم
جوازه بدون الحاجة، فإن عليا رضى الله عنه إنما أقام العيد الثانى لحاجة ضعفة الناس إليها.
وإن نظرنا إلى أنه لم يثبت مانع صريح من التعدد، فالأظهر الجواز مطلقا، والعيد فيه سواء
إلا أنه يستحب أن لا تؤدى بغير حاجة إلا فى موضع واحد خروجا من الخلاف.
قوله: "عن ابن عمر" إلخ قلت: لم أقف على سنده، وظاهره عدم جواز الجمعة إلا
فى مسجد واحد. ويؤيده ما مر عن عمر أول الباب. ولكن قول عمر ليس بصريح فى
عدم الجواز، بل يحتمل كون الانضمام إلى المسجد الجامع أولى، وأفضل. وقول ابن عمر
ظاهر فى عدم الجواز لكونه نظير قول على: "لا جمعة، ولا تشريق إلا فى مصر جامع".
ولكن لم أقف على سند قول ابن عمر هذا، وعارضه ما ثبت عن على من إقامته العيد
الثانى، وهو يفيد جواز تعدد الجمعة أيضا كما مر فهو أولى، لكون على أجل من ابن عمر.
(١) واعلم أن صاحب "رسائل الأركان" ذكر الأثر بلفظ: "عن أمير المؤمنين على أنه أمر بتعدد الجمعة". ولعله وهم،
فإن عليا رضى الله عنه، إنما أمر بتعدد العيد، كما يظهر من "منهاج السنة" دون الجمعة، اللهم إلا أن يكون
صاحب "منهاج السنة" ذكره بهذا اللفظ فى موضع لم أطلع عليه.
:
٩٢
إعلاء السنن
٢٠٨٧- عن: بكير بن الأشنج "أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع
مسجده ◌ّ يسمع أهلها تأذين بلال، فيصلون فى مساجدهم". رواه أبو داود
فى مراسیله. زاد يحيى بن يحيى فى روايته "ولم يكونوا يصلون فى شىء من
تلك المساجد (أى الجمعة) إلا فى مسجد النبى معَّ" كذا فى "التلخيص
الحبير " (١٣٣:١). وكلام الحافظ يشعر بصلاحيته للاحتجاج به.
باب إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به
٢٠٨٨- عن: ابن شهاب عن أبى عبيد مولى ابن أزهر أنه قال: شهدت
العيد مع عثمان بن عفان، فجاء، فصلى ثم انصرف، فخطب، وقال: "إنه قد
وفى "التلخيص الحبير" (١٣٣:١): قال ابن المنذر لم يختلف الناس أن الجمعة لم
تكن تصلى فى عهد النبى معَّ ◌ُّه، وفى عهد الخلفاء الراشدين إلا فى مسجد النبى عدّ له.
وفى تعطيل الناس مساجدهم يوم الجمعة واجتماعهم فى مسجد واحد أبين البيان بأن
الجمعة خلاف سائر الصلوات، وأنها لا تصلى إلا فى مكان واحد. وقال أيضا: لا أعلم
أحدا قال بتعدد الجمعة غير عطاء اهـ. قلت: ويؤيد قوله: "وأنها لا تصلى إلا فى مكان
واحد" ما ذكرناه فى المتن.
قوله: "عن بكير بن الأشنج": ولا يخفى أن الاستدلال به لا يتم لما فيه من إثبات
الوجوب بالفعل، ولا يصح الاستدلال على الوجوب بمجرده، فلا نسلم دلالته على عدم
الصحة فى موضعين، وغاية الأفضلية. لا يقال: عدم أمره عَّ بإقامة الجمعة فى غير
مسجده مع كونه صغير! لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين يدل على عدم صحتها فى
غيره. لأنا نقول: الطلب العام يقتضى وجوب صلاة الجمعة على كل فرد من أفراد
المسلمين خلا من استثنى منهم، ومن لا يمكنه إقامتها فى مسجده مّ ◌ٍ لا يمكنه الوفاء بما
طلبه الشارع إلا بإقامتها فى غيره، وما لا يتم الواجب إلا به واجب، كما تقرر فى
الأصول، فانهدم بناء الاستدلال من أصله.
باب إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به
قوله: "عن ابن شهاب" إلخ: قال الإمام محمد فى "الموطأ": (ص: ١٣٦): وإنما
رخص عثمان فى الجمعة لأهل العالية لأنهم ليسوا من أهل المصر وهو قول أبى حنيفة اهـ.
٩٣
إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به
:
ج - ٨
اجتمع لكم فى يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة
فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له". رواه مالك فى "موطائه"
(ص-٦٣). وهذا الإسناد قد أخرجه البخارى (ص-٢٦٧) فى "باب
صوم يوم الفطر".
وكان عثمان قال ذلك بمحضر من الصحابة، فلو كانت للرخصة تعم أهل القرى، وأهل
البلد جميعا، كما زعمه أحمد بن حنبل رحمه الله لأنكروا عليه تخصيصها بأهل العالية،
فثبت أن الرخصة مخصوصة بمن لم تجب عليهم الجمعة، فلا تترك الجمعة بالعيد، كيف؟
وأن فريضة الجمعة ثابتة بالكتاب والإجماع، لازمة على أهل البلد، فلا يجوز اسقاطها
عنهم بما هو دون إلا بنص قطعى مثله. ودونه خرط القتاد، فإن الآثار التى استدل بها
أحمد رحمه الله على سقوط الجمعة بالعيد عن أهل البلد من الآحاد مع احتمال
اختصاصها بأهل القرى، والعوالى.
فمنها ما رواه ابن ماجة (ص: ٢٠٣) عن ابن عباس رضى الله عنه عن رسول الله ..
عَِّ أنه قال: "اجتمع عيدان فى يومكم هذا، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون
إن شاء الله. قال السندی وفى "الزوائد": اسناده صحيح، ورجاله ثقات ورواه أبو داود
فى "سننه" عن أبى هريرة بهذا الإسناد اهـ.
قلت: وفى "التلخيص الحبير": وفى إسناده بقية رواه عن شعبة عن مغيرة الضبى
عن عبد العزيز بن رفيع عن أبى صالح به. وتابعه زياد بن عبد الله البكائى عن عبد العزيز
عن أبى صالح، وصحح الدار قطنى إرساله لرواية حماد عن عبد العزيز عن أبى صالح،
وكذا صحح ابن حنبل إرساله. ووقع عند ابن ماجة عن أبى صالح عن ابن عباس رضى الله
عنه بدل أبى هريرة وهو وهم نبه هو عليه اهـ (١٤٦:١). وإن سلمنا صحته مرفوعا
فنقول: كان أهل القرى يجتمعون لصلاة العيدين ما لا يجتمعون لغيرهما، كما هو العادة،
وكان فى انتظارهم الجمعة بعد الفراغ من العيد حرج عليهم، فلما فرغ رسول الله معدّ له
من صلاة العيد نادى مناديه: "من شاء منكم أن يصلى الجمعة، فليصل، ومن شاء
الرجوع، فليرجع". وكان ذلك خطابا لأهل القرى المجتمعين هناك. والقرينة على ذلك بأنه
قد صرح فيه بأنا مجمعون، والمراد به من جمع المتكلم أهل المدينة بلا شك وفيه دلالة
٩٤
إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به
إعلاء السنن
٢٠٨٩- أخبرنا: إبراهيم بن محمد حدثنى إبراهيم بن عقبة عن عمر بن
عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد النبى معَّ له، فقال: "من أحب أن يجلس
من أهل العالية فليجلس فى غير حرج". أخرجه الإمام الشافعى (ص-٤٤)
واضحة على أن الخطاب بقوله: "من شاء منكم أن يصلى" لأهل القرى، دون أهل المدينة.
ويؤيده ما ذكرنا فى المتن من مرسل عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد النبى
عَ ظّه، فقال: "من أحب من أهل العالية أن يجلس فليجلس فى غير حرج". وكذا هو فى
رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبى صالح عن أبى هريرة مقيدا "بأهل العوالى". وقد ذكرنا
أن مجموع المرسل، والموصول صالح للاحتجاج به حتما على أن إبداء الاحتمال يجوز
بالضعيف أيضا، فلا يصح الاستدلال بظاهر ما فى رواية ابن ماجة، وأبى داود من العموم
فى قوله: "فمن شاء أجزأه من الجمعة" على سقوط الجمعة بالعيد عن أهل البلد، لاحتمال
كونه مختصا بأهل القرى، بقرينة قوله: "وإنا لمجمعون"، وبقرينة مرسل عمر بن عبد العزيز
وموصول أبى هريرة مقيدا لهم، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
واندحض بما ذكرنا ما قاله العلامة الشوكانى فى "النيل": "إن قول عثمان لا
يخصص قوله معَ ◌ّه " اهـ (١٦٤:١) فقد رأيت أنا لم نخصص المرفوع إلا بالمرفوع، وإذا
جاز تخصيص خبر الواحد بدلالة العقل، والعرف، والقياس، كما تقرر فى الأصول،
فجواز تخصيصه بقول الصحابى أولى، لكونه أعرف الناس بمراد الرسول معد ◌ّه، لا سيما
عند من يجعل أقوال الصحابة حجة، فافهم.
وهذا هو الجواب عما رواه الخمسة إلا الترمذى، وصححه ابن خزيمة عن زید بن
أرقم رضى الله عنه قال: صلى النبى معَ ◌ّ العيد ثم رخص فى الجمعة،. فقال: "من شاء أن
يصلى فليصل" كذا فى "بلوغ المرام" (١٨٣:١). فإن قوله: "من شاء أن يصلى فليصل"
مختص بأهل القرى والعوالى، بدليل ما ذكرنا. وفى "التلخيص الحبير": وصححه ابن
المدينى. وقال ابن المنذر: "هذا الحديث لا يثبت، وأياس بن أبى رملة راويه عن زيد
مجهول" اهـ (١٤٦:١). قلت: وصححه الحاكم فى "المستدرك"، والذهبى فى
"تلخيصه" (٢٨٨:١). والعجب منهم كيف صححوه؟ وفيه أياس بن أبى رملة وهو
مجهول. قال الحافظ فى "تهذيب التهذيب": روى عنه عثمان بن المغيرة الثقفى، ذكره
٩٥
ج - ٨
إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به
وإسناده مرسل حسن. وشيخ الإمام ضعيف عند الجمهور، وثقة عنده وعند
حمدان بن الإصبهانى، وقال ابن عقدة: "نظرت فى حديث إبراهيم كثيرا،
وليس بمنكر الحديث". قال ابن عدى: "وهذا الذى قاله كما قال اهـ"
ابن حبان فى "الثقات". (وهذا لا يرفع الجهالة لأن له فى توثيق المجاهيل اصطلاحا خاصا
كما ذكرناه غير مرة. وقال ابن المنذر: "أياس مجهول". قال ابن القطان: "هو كما قال"
اهـ: (٣٨٨:١). وكذا جهله الذهبى فى "الميزان" (١٣١:١). وفى "التقريب"
(ص: ٢٠): "مجهول من الثالثة" اهـ فهذا كما ترى لم يرو عنه إلا عثمان بن المغيرة ليس
له راو غيره، ولا يعرف له إلا هذا الحديث الواحد، ومثله مجهول حتما، ولا يكون للرجل
معروفا عند المحدثين ما لم يرو عنه اثنان من الثقات. فهل حكمهم بصحة الحديث مع ذلك
إلا تحكم، وتمشية لمذهبهم؟ فلو صححنا حديث مثل هذا المجهول لسلخ المحدثون جلودنا
على أبداننا، ورموه عن حلق. والله المستعان. نعم! لو صححه ابن حبان لما نازعناه، فإن له
فی توثيق المجاهیل مذهبا خاصا.
قال بعض الناس: "فتحصل لنا أن حديث زيد قد صححه ابن المدينى شيخ
البخارى وإمام الأئمة ابن خزيمة، ورواه النسائى وسكت عنه، ولم يأت بحجة من لم
يصححه" اهـ. قلت: وأى حجة أقوى من أنه لم يرو عن أياس بن أبى رملة إلا واحد؟
وليس له إلا الحديث الواحد، وهو متفرد به ضمن ادعى صحته فليبين له راويا ثقة غير
عثمان بن المغيرة الثقفى، حتى ترتفع الجهالة برواية الاثنين عنه، وإلا فكيف يقبل التصحيح
مع التزام جهالة راويه؟ كما فعله الذهبى، فإنه جهل أياسا هذا فى" ميزانه"، ثم صحح
حديثه فى "تلخيص المستدرك" له على أن الخصم لا يجد به تصحيحه لكون قوله ما له:
((من شاء أن يصلى (أى الجمعة) فليصل" مختصا بأهل العوالى بالدليل الذى ذكرناه،
فافهم، ولا تكن من الغافلين.
واحتجت الحنابلة أيضا بما رواه مسدد والمروزى فى العيدين، وصحح، كما فى
"كنز العمال" (٣٣٧:٤)، والحاكم فى "المستدرك"، وصححه على شرطهما، وأقره
الذهبى (٢٩٦:١) عن وهب بن كيسان قال: "اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر
الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج، فخطب فأطال ثم نزل، فصلى ركعتين، ولم يصل
٩٦
إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به
إعلاء السنن
"تهذيب" (١٥٩:١) وإبراهيم بن عقبة من رجال مسلم ثقة ("تهذيب"
١٤٥:١) وعمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين من خير التابعين، وإرسال مثله
الناس الجمعة. فعاب ذلك عليه ناس، فذكر ذلك لابن عباس، فقال: أصاب السنة. فذكروا
ذلك لابن الزبير، فقال: رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع على عهده عيدان صنع هكذا
اهـ. وقد رواه النسائى وسكت عنه إلى قوله: السنة (٢٣٦:١). وفى "النيل": "رجاله
رجال الصحيح، وقد رواه أبو داود (٤١٧:١) وسكت عنه. وقال النووى: "إسناده
حسن" كما فى "نصب الراية". وعن عطاء بن أبى رباح عند أبى داود أيضا قال: "صلى
بنا ابن الزبير فى يوم عيد فى يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا
فصلينا(١) وحدانا وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال له، فقال:
أصاب السنة" اهـ قال الزيلعى: قال النووى: "إسناده على شرط مسلم" (٣٢٦:١). وفى
رواية له " فجمعهما جميعا، فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر
اهـ. وفى "النيل": رجاله رجال الصحيح (١٦٤:٣).
قلت: لا حجة لهم فى ذلك أصلا، فإن الناس كلهم أنكروا على ابن الزبير، ولم
يوافقه على فعله من الصحابة غير ابن عباس. وأمر لا يعرفه أكثر الناس فى عهد الصحابة،
بل ينكرونه لا يجوز به إسقاط فريضة قد أجمع عليها، ولا يخفى أن ابن الزبير، وابن
عباس كانا صغيرين فى عهد النبى مرّه، فلعلهما سمعا منادى النبى معَّه ينادى: "من شاء
منكم أن يصلى فليصل ومن شاء الرجوع فليرجع"، وكان ذلك خطابا لأهل القرى، فلم
يفهما المراد به، وظناء عاما لأهل البلد أيضا. فجمع ابن الزبير الجمعة والعيد، وقال فيه ابن
عباس: "إنه أصاب السنة" أى أصاب ما سمعه من منادى النبى عّ لّه من قوله: "من شاء
فليصل" بالمعنى الذى فهمه. وأما قول ابن الزبير: "رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع
عیدان صنع هكذا" فلعل عمر رضى الله عنه فعل ذلك بعذر عرفه الناس، ولم يعرفه ابن
الزبير ولذا أنكروا عليه، ولم ينكروا على عمر وإلا فيبعد كل البعد أن يصنع ابن الزبير
مثل ما صنعه، فعرفه الناس من عمر، وأنكروه منه.
. وأيضا مجموع ما روى فى ذلك عن ابن الزبير لا يدل على ترك الجمعة بالعيد، بل
(١) أى الظهر.
٩٧
ج - ٨
إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به
مقبول حجة عندنا، وله شاهد مرفوع موصول مقيدا بأهل العوالى. رواه
البيهقى من حديث سفيان بن عيينة عن عبد العزيز بن رفيع عن أبى صالح عن
غايته أنه صلى الجمعة قبل الزوال إذا اجتمع العيدان؛ بدليل تقديمه الخطبة على الصلاة
حينئذ وخطبة العيد بعد الصلاة إجماعا، كما سيأتى، وبدليل ما فى رواية لأبى داود
"فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين". فلا يصح الاستدلال به على الرخصة فى ترك
الجمعة بصلاة العيد، بل غاية ما يؤخذ منه جواز تقديم الجمعة عن الزوال فى يوم العيد،
فيؤل البحث إلى وقت صلاة الجمعة وقد فرغنا منه فى الباب المتقدم قبل أبواب، وقد أثبتتا
أن لا حجة للحنابلة فيما استدلوا به على جواز الجمعة قبل الزوال، بل الثابت عن النبى
عَّ ◌ُلِ توَقَيتها بما بعد الزوال. ولا حجة لهم فى أثر ابن الزبير أيضا، فإنه يفيد أن تقديم
الجمعة على الزوال مختص بما إذا اجتمع العيدان لا غير وهم لا يقولون بالتخصيص.
وأيضا، فلا حجة بقول الصحابى، وفعله فى معارضة قول النبى معٍَّ وفعله، لا
سيما وقد ثبت أن الناس أنكروا على ابن الزبير ما صنعه، وعاتبوه عليه فافهم. على أن
الحنابلة يقولون: إنه إذا اتفق عيد فى يوم جمعة سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا
الإمام، فإنها لا تسقط عنه إلا أن لا يجتمع له من يصلى به الجمعة لقول النبى معَّ له " وإنا
لمجمعون"، ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة فى حق من تجب عليه، ومن يريدها ممن
سقطت عنه. ذكره ابن قدامه فى "المغنى" (٢١٢:٢ و٢١٣). فصنع ابن الزبير وقع
خلاف الإجماع لكونه لم يزد على الركعتين قبل الزوال بكثرة حتى صلى العصر مع أنه
قد اجتمع له من يصلى به الجمعة. قال عطاء: "ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا،
فصلينا وحدانا" ، كما تقدم.
قال الأمير اليمانى فى "سبل السلام" (١٦٤:١): وذهب الشافعى وجماعة إلى
أنها أى صلاة الجمعة لا تصير رخصة أى بعد صلاة العيد، مستدلين بأن دليل وجوبها أى
الجمعة عام لجميع الأيام، وما ذكر من الأحاديث والآثار لا يقوى على تخصيصها لما فى
أسانيدها من المقال. قلت: حديث زيد بن أرقم قد صححه ابن خزيمة، ولم يطعن غيره
فیه، فهو يصلح للتخصیص، فإنه يخص العام بالآحاد اهـ.
قلت: قد عرفت أن حديث زيد بن أرقم فيه أياس مجهول. قال ابن المنذر: "هذا
٩٨
إذا اجتمع العيد والجمعة لا تسقط الجمعة به
إعلاء السنن
أبى هريرة، وإسناده ضعيف اهـ "التلخيص الحبير" (٤٦:١). والمرسل إذا تأيد
بموصول ولو ضعيفا، فهو حجة عند الكل، كما مر غير مرة.
الحديث لا يثبت، وأياس بن أبى رملة راويه عن زيد مجهول". وقال ابن القطان: "هو
كما قال: النزاع، فإن العام القطعى لا يخص عندنا بالآحاد. وأيضا فإن حديث زيد هذا
مقيد عندنا بأهل العوالى بدليل ما ذكرناه فى المتن من قول عثمان، ومن مرسل عمر بن
عبد العزيز، وموصول أبى هريرة مرفوعا، فتذكر. وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
قال الأمير اليمانى بعد ما ذكر أثر ابن الزبير "إن عيدين اجتمعا فى يوم واحد
فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر" ما نصه: وعلى القول
بأن الجمعة الأصل فى يومها، والظهر بدل يقتضى صحة هذا القول. لأنه إذا سقط وجوب
الأصل مع إمكان أدائه سقط البدل، وأيد الشارح(١) مذهب ابن الزبير.
قلت: ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة، وليس ذلك
بنص قاطع أنه لم يصل الظهر فى منزله فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر
فى يوم الجمعة يكون عيدا لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال أنه صلى الظهر فى منزله.
بل فى قول عطاء أنهم صلوا وحدانا أى الظهر ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه، ولا يقال: إن
مراده صلوا الجمعة وحدانا، فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعا. ثم القول بأن الأصل فى يوم
الجمعة صلاة الجمعة، والظهر بدل عنها قول مرجوح، بل الظهر هو الفرض الأصلى
المفروض ليلة الإسراء والجمعة متأخرة فرضها. ثم إذا فاتت وجب الظهر إجماعا، فهى
البدل عنه، وقد حققناه فى رسالة مستقلة اهـ (١٦٤:١).
وقال الإمام الشافعى فى "الأم" بعد ما ذكر مرسل عمر بن عبد العزيز، وأثر عثمان
رضى الله عنه ما نصه: قال الشافعى: وإذا كان يوم الفطر يوم الجمعة صلى الإمام العيد
حين تحل الصلاة، ثم أذن لمن حضره من غير أهل المصر فى أن ينصرفوا إن شاؤوا إلى
أهليهم، ولا يعودون إلى الجمعة، والاختيار لهم أن يقيموا حتى يجمعوا، أو يعودوا بعد
انصرافهم إن قدروا حتى يجمعوا، وإن لم يفعلوا، فلا حرج إن شاء الله تعالى قال: ولا
يجوز هذا لأحد من أهل المصر أن يدعوا أن يجمعوا إلا من عذر يجوز لهم به ترك الجمعة
(١) المراد به القاضى العلامة شرف الدين المغربى.
٩٩
ج - ٨
باب جواز الكلام، والعمل للخطيب عند الضرورة
وكراهتهما لغيرها
٢٠٩٠٠- عن: بريدة رضى الله عنه قال: كان النبى عّ لّه يخطبنا فجاء
الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل رسول الله
وإن كان يوم عيد قال: وهكذا إن كان يوم الأضحى، لا يختلف إذا كان ببلد يجمع فيه
الجمعة، ويصلى العيد، ولا يصلى أهل منى صلاة الضحى، ولا الجمعة لأنها ليست بمصر
اهـ (٢١٢:١). قلت: وهذا يشعر باشتراط المصر بوجوب الجمعة عند الشافعى أيضا، ولا
تجب على أهل القرى عنده، فافهم.
وفى "شرح الهداية" للعينى: قال ابن عبد البر: سقوط الجمعة والظهر بصلاة العيد
متروك مهجور، ولا يعول عليه، وتأويل ذلك فى حق أهل البادية، ومن لا تجب عليه
الجمعة اهـ (١٠١٩:٣). والله تعالى أعلم، وعلمه أم وأحكم.
باب جواز الكلام، والعمل للخطيب عند الضرورة
وكراهتهما لغيرها
قوله: "عن بريدة" إلخ قال الترمذى: "حسن غريب، إنما نعرفه من حديث الحسين
بن واقد" انتهى. والحسين المذكور هو أبو على قاضى مرو، واحتج به مسلم فى صحيحه.
وقال المنذري: "ثقة". كذا فى "النيل" (١٥٤:٣).
ودلالة الحديث على جزئى الباب ظاهرة، فإن قطع الخطبة بكلام غيرها، والعمل
فيها إن كان جائزا مطلقا لم يعتذر عنه رسول الله مرّ له بما اعتذر به، فافهم. وفى الباب عن
جابر قال: لما استوى رسول الله عَّ ◌ُله يوم الجمعة (على المنبر) قال: "اجلسوا" فسمع ذلك
ابن مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه رسول الله عَّه، فقال: "تعال يا عبد الله بن
مسعود!" أخرجه أبو داود وقال: هذا يعرف مرسلا إنما رواه الناس عن عطاء عن النبى
عَّم (وخالفهم مخلد بن يزيد، فرواه موصولا). ومخلد هو شيخ اهـ (١٨٠:٢ مع
"البذل"). قال القارى: قال الطيبى: فيه دليل على جواز التكلم على المنبر، وعندنا كلام
الخطيب فى أثناء الخطبة مكروه إذا لم يكن أمرا بالمعروف. قال ابن حجر: الظاهر أنه رأى
١٠٠
جواز الكلام والعمل للخطيب عند الضرورة وكراهتهما لغيرها
إعلاء السنن
عٍَّ من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه. ثم قال: ((صدق الله ورسوله ﴿إنما
أموالكم، وأولاد كم فتنة﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران فلم أصبر
أحدا من الحاضرين قام ليصلى، فأمره بالجلوس لحرمة الصلاة على الجالس بجلوس الإمام
على المنبر إجماعا كذا فى "بذل المجهود" (١٨٢:٢).
قلت: أو كان بعضهم قد قام لاستماع الخطبة، فأمرهم بالجلوس؛ لما فى قيامهم من
التشويش على الخطيب، وعلى الجالسين، كما هو مشاهد، فكان قوله: "اجلسوا" أمرا
بالمعروف، وكذا قوله عليه السلام "يا عبد الله" فإنه دعاه لأنه كان من فقهاء الصحابة
وجلتهم وقد قال مَ ◌ّه: ((ليلينى منكم أولوا الأحلام والنهى))، ولا يلزم منه تخطى الرقاب،
فإن الصفوف لم تكن متصلة إلى الباب، وكان عبد الله يريد أن يتقدم، فلما سمع قوله:
"اجلسوا" جلس من فوره على الباب، امتثالا لأمره الشريف، فافهم.
قلت: وكلامه عَّ سليكا الداخل وهو يخطب: "أصليت؟"، قال: "لا" وكلام
عمر رضى الله عنه عثمان وهو يخطب: "أية ساعة" هذه كله محمول على الضرورة،
والأمر بالمعروف، فلا يرد به شىء على الحنفية، ولا دليل لمن حمله على غير الضرورة كما
لا یخفی.
تتمة:
قد ورد فى بعض الأحاديث كراهة التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وكراهة
الاحتباء. والإمام يخطب، فلنذكره تتمة للباب. وأما كراهة البيع وقت النداء فنذكره، إن
شاء الله تعالى فى باب البيوع.
أما الأول: فأخرجه أبو داود فی "سننه"، وسكت عنه: حدثنا مسدد نا یحیی عن
ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله عَ ◌ّه نهى عن الشراء
والبيع فى المسجد وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر. ونهى عن التحلق قبل الصلاة
يوم الجمعة". قال الشوكانى: أما التحلق يوم الجمعة فى المسجد قبل الصلاة، فحمل النهى
عند الجمهور على الكراهة، وذلك لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين بالتبكير
يوم الجمعة، والتراص فى الصفوف، الأول فالأول. وقال الطحاوى: التحلق المنهى عنه قبل
الصلاة إذا عم المسجد وغلبه، فهو مكروه. (لما فيه من التضييق على المصلين) وغير ذلك لا