النص المفهرس

صفحات 301-320

ج - ٧
وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام
٣٠١
بل قال إن صلاة السفر أربع كالحضر، والقصر جائز. وقد تقدم عن ابن عمر يقول:
(صحبت رسول الله عَ ليه، فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر
وعثمان))، فلو كان معنى قوله: ((فاقبلوا صدقته)) ما قاله بعض الناس لأتم عمر ولو مرة فى
العمر بيانا لمعنى القبول الذى ذكره، ولكنه لم يتم فى سفر قط، فثبت أن معنى القبول
عنده ما قلنا دون ما قاله.
وقد أخرج مالك فى "موطأ" عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه ((أن عمر بن
الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة! أتموا صلاتكم فإنا
قوم سفر اهـ)) (ص-٥٢). فلو كان فرض المسافر عنده أربعًا لم يحرمهم فضيلة الجماعة
معه، ولو كان الإتمام جائزا لفعله مرة لبيان الجواز، لا سيما وهو إمام فى البلدة وخلفه فئة
من أهلها مقيمون فافهم. فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضا، والآثار عن عمر كلها
متواطئة على أن معنى القبول عنده لزوم العمل بالقصر دون الاعتماد بجوازه فحسب.
وسيأتى آخر الباب عن أنس أنه أنكر على من أتم فى السفر بقوله: ((قبح الله الوجوه، فوالله
ما أصابت السنة ولا قبلت الرخصة إلخ)). وهو صحیح أو حسن كما سنذكره. وهو
صريح فى أن معنى قبول الرخصة إنما هو القصر عملا دون اعتقاد ثبوته وجوازه شرعًا،
فهل ترى أن أصحاب أنس الذى أنكر عليهم كانوا غير معتقدين جوازه؟ كلا فإن ذلك
لم يقل به أحد من السلف، وهذا کله ظاهر لا يشك فيه إلا قاصر.
فإن قيل: إن قول الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن
تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ يدل على الرخصة من الله تعالى
لهم فى التقصير، لا على الحتم لهم بذلك.
قلنا: إن هذا اللفظ قد يكون على ما ذكروا، وقد يكون على غير ذلك، قال الله
تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. وذلك على الحتم
عند جميع العلماء، لأنه ليس لأحد حج أو اعتمر أن لا يطوف بهما، فلما كان نفى الجناح
قد يكون على التخيير، وقد يكون على الإيجاب، لم يكن لأحد أن يحمل ذلك على أحد
المعنيين دون الآخر إلا بدليل يدله على ذلك، من كتاب، أو سنة، أو إجماع. وقد جاءت

٣٠٢
وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام
إعلاء السنن
الآثار متواترة عن رسول الله عّ لّه بتقصيره فى أسفاره كلها، ثم قد روى عن أصحابه من
بعدهم أنهم كانوا فى أسفارهم يفعلون ذلك، قاله الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٤٢:١
و٢٤٣) وسرد أحاديث كثيرة وآثارا عديدة فى تأييد ما قاله فمن شاء فليراجعه، على أنه
قد سبق منا أن الآية واردة فى قصر الحدود وهيئة الصلاة عند الخوف، وهذا هو الأولى
بتأويلها كما قاله الطبرى دون قصر العدد فى السفر.
وإذا صح بما وصفنا أن المراد بالقصر ذلك لم تكن فى الآية دلالة على فرض
المسافر، ولا على أنه مخير بين الإتمام والقصر، إذ لا ذكر له فى الآية.
فإن قيل: إن حديث يعلى بن أمية عن عمر يدل على أن القصر المذكور فى الآية هو
القصر فى عدد الركعات، وأن ذلك كان مفهومًا عندهم من معنى الآية.
قيل له: لما كان اللفظ محتملا للمعنيين أى القصر من أعداد ركعات الصلاة،
أو من صفتها على الوجه الذى بينا، لم يمتنع أن يكون قد سبق فى وهم عمر ويعلى بن
أمية ما ذكره القائل، ولكن اللازم النظر فى جوابه مَّه بقوله: ((صدقة تصدق الله بها
عليكم فاقبلوا صدقته)) أنه هل ورد فى تفسير هذه الآية بحمل القصر الذى فيها على
قصر عدد الصلاة للمسافر أو ورد فى غير ذلك، فنقول: قوله عّ لّه هذا يحتمل أن
يكون معناه أن قصر العدد للمسافر وإن كان مشروطًا بالخوف فى الآية ولكن الله
قد تصدق عليكم بأن أسقط عنكم فرض الركعتين فى السفر مطلقا فى حال الخوف
والأمن جميعًا، ويحتمل أن معناه إن قصر عدد الصلاة للمسافر صدقة مستقلة من
الله تعالى عليكم، وليس هو بالقصر المشروط فى الآية بالخوف، وتأيد الثانى بما روى عمر
عن النبىِ مَّه فى صلاة السفر أنها تمام غير قصر فإنه على المعنى الأول لا يصح كونها
تمامًا غير قصر، ولا كونها كالجمعة والفطر والأضحى، فلا دلالة فى الحديث على أن
القصر فى الآية هو القصر فى عدد الركعات، بل غاية ما فيه أن عمر رضى الله عنه
ظن ذلك بديًا، وكذلك يعلى، وأما النبى معَّه أقره على ذلك الظن فلا، فافهم، فإنه من
المواهب وأصله للإمام أبى بكر الرازى فى "أحكام القرآن" له (٢٥٢:٢) ولكن من

ج - ٧
وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام
٣٠٣
١٩٨٥- عن: أبى هريرة رضى الله عنه، قال: ((سافرت مع رسول الله
عَّهِ، ومع أبى بكر، وعمر، كلهم صلى من حين يخرج من المدينة إلى أن يرجع
إليها ركعتين فى المسير والمقام بمكة)). رواه أبو يعلى والطبرانى فى "الأوسط"،
ورجال أبى يعلى رجال الصحيح "مجمع الزوائد" (٢٠٤:١).
١٩٨٦- عن: ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم، أنهما قالا: ((سن
رسول الله عّ لّ الصلاة فى السفر ركعتين وهى تمام، والوتر فى السفر سنة)).
قلت: فى "الصحيح" بعضه، رواه البزار وفيه جابر الجعفى، وثقه شعبة والثورى
وضعفه آخرون، "مجمع الزوائد" (٢٠٤:١) قلت: فالحديث حسن.
١٩٨٧- عن: ابن عباس، قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم عند الله
غير (١) هذا الوجه. ولعل الوجه الذى اخترته فى الجواب أولى وأحسن.
قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قلت: فيه دلالة على مواظبة النبى عدّه وصاحبيه على
الركعتين فى السفر نازلين وسائرين، خلاف ما ذكره الحافظ عن عثمان رضى الله عنه، أنه
کان یری القصر مختصا بمن کان شاخصًا سائرا دون من كان نازلا فى أثناء سفره بمكان،
وعندى أن ذلك عن عثمان بعيد، فإنه كان مع النبى مرّ ◌ُّه فى أکثر مشاهده وغزواته،
وكان معه فى حجته، ورآه يقصر نازلا وسائرا إلى أن يرجع إلى المدينة، فكيف يظن القصر
مختصا بالسائر الشاخص؟ وسيأتى فى سبب إتمامه ما هو الحق عندنا إن شاء الله تعالى.
قوله: "عن ابن عباس وابن عمر إلخ". فيه دلالة على أن ركعتى المسافر تمام غير
قصر، وأنه ◌ِّ أمر بذلك، فإن المراد بقولهما "سن" هو ذلك دون السنة المصطلحة، وفيه
دلالة على سنية الوتر فى السفر أيضًا، ولا حجة فيه للخصم على نفى وجوبه لما ذكرنا.
قوله: "عن ابن عباس إلخ". قلت: قوله: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم
(١) وحاصل ما قاله الجصاص أنه جائز أن يكون عمر قال للنبى مرَّةٍ: كيف نقصر وقد أمنا؟ من غير أن ذكر له تأويل
الآية اهـ. وبيانه أن يعلى بن أمية وإن كان قد ذكر لعمر تأويل الآية ولكن لا دلالة فى الحديث على أن عمر أيضًا
ذكر الآية للنبى معَّ، بل يحتمل أنه بنى قصر المسافر عدد صلاته على الحاجة والضرورة برأيه، ثم تردد فى بقائه
بعد زوال الضرورة، فذكر ذلك النبى معَّ له، فأجابه بقوله: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته))، وإذا جاء
الاحتمال بطل الاستدلال.

٣٠٤
وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام
إعلاء السنن
فى الحضر أربعًا، وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعة (١)). رواه مسلم
(٢٤١:١) وفى لفظ له: ((إن الله تعالى فرض الصلاة على لسان نبيكم على
المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعًا)). الحديث.
١٩٨٨- عن: موسى بن سلمة الهذلى، قال: ((سألت ابن عباس كيف
أصلى إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: ركعتين، سنة أبى القاسم
مرّة)). أخرجه مسلم (١: ٢٤١).
١٩٨٩- وعنه: ((أن النبى عَّه خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا
رب العالمين، فصلى ركعتين)). أخرجه الترمذى وغيره، وقال الترمذى: حديث
صحيح (-٧١).
١٩٩٠- وعنه: قال: ((صلى رسول الله عَ لّه حين سافر ركعتين ركعتين،
وحين أقام أربعًا)). قال (٢): وقال ابن عباس: ((فمن صلى فى السفر أربعا كمن
صلى فى الحضر ركعتين)). قلت: فى "الصحیح" بعضه، رواه أحمد وفيه حميد
ابن على العقيلى، قال الدار قطنى: لا يحتج به وذكره ابن حبان فى الثقات،
"مجمع الزوائد" (٢٠٤:١) مختصرا. قلت: وقال أبو زرعة: كوفى (٣) لا بأس
السفر ركعتين)) فافهم.
قوله: "وعنه" برواية الترمذى، فيه دليل على أن قصر عدد الصلاة فى السفر لا
يختص بالخوف، وهو الذى ذهب إليه الجمهور.
قوله: "وعنه" برواية أحمد إلخ. قلت: فيه دلالة واضحة على لزوم القصر فى
السفر وعدم جواز الإتمام، لقول ابن عباس: ((فمن صلى فى السفر أربعًا كمن صلى فى
(١) قال النووى: تأولوه على أن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتى بها منفردا، لما جاءت الأحاديث الصحيحة فى
صلاة النبى ◌ّه وأصحابه فى الخوف. وهذا التأويل لابد منه للجمع بين الأدلة والله أعلم.
(٢) أى الراوى.
(٣) وفى "الميزان": حميد بن على الكوفى قال ابن معين: ليس حديثه بشئ، وهو غير هذا نبه عليه الحافظ فى "تعجليل
المنفعة".

20
ج - ٧
وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام
٣٠٥
.٥
به، ولم يذكر البخارى فيه جرحا، كذا فى "تعجيل المنفعة" (ص-١٠٦)
الحدیث حسن.
.. ١٩٩١- عن: إبراهيم، أن ابن مسعود رضى الله عنه قال: ((من صلى فى
السفر أربعا أعاد الصلاة)). رواه الطبرانى فى "الكبير" وإبراهيم لم يسمع من ابن
مسعود. "مجمع الزوائد" (٢٠٤:١) قلت: ولكن مراسيله عنه صحاح كما مر
غير مرة.
١٩٩٢- عن: عبد الرحمن بن يزيد، يقول: ((صلى بنا عثمان بن عفان
رضى الله عنه بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه،
الحضر ركعتين))، وهذا لا يجوز فى الحضر إجماعا، فكذا الإتمام فى السفر.
قوله: "عن إبراهيم إلخ". فيه دلالة أيضًا على ما دل عليه الأثر السابق، فإن الإتمام
لو كان جائزا أو أفضل لم يكن لإعادة الصلاة معنى، والمذهب عندنا أن المسافر إذا أتم ولم
يقعد على رأس الركعتين فصلاته فاسدة، وإن قعد فصحيحة وعليه الإعادة، لتمكن
الكراهة فيها لأجل تأخير السلام عن موضعه، إلا إذا قام للثالثة سهوا وسجد للسهو فلا
إعادة، والله تعالى أعلم، والأثر محمول على الصورة الأولى.
قوله: "عن عبد الرحمان بن يزيد إلخ". قلت: فيه دلالة أيضًا على لزوم القصر
صريحة، لإنكار ابن مسعود إتمام عثمان واسترجاعه حين سمع بذلك، وقوله: ((فليت
حظى من أربع ركعات ركعتان متقبلتان)»، ولا يخفى أن مثل هذا الإنكار لا يكون على
فعل المباح فضلا عن الأفضل، فثبت أن إتمام المسافر مكروه وهو المطلوب.
وتعقبه الحافظ فى "الفتح" فقال: وهذا يدل على أنه أى ابن مسعود كان يرى
الإتمام جائزا وإلا لما كان له حظ من الأربع ولا من غيرها، فإنها كانت تكون فاسدة كلها،
وإنما استرجع ابن مسعود لما وقع عنده من مخالفة الأولى، ويؤيده ما روى أبو داود، ((أن
ابن مسعود صلى أربعًا، فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعا؟ فقال: الخلاف شر،
وفى رواية البيهقى: إنى أكره الخلاف)).

٣٠٦
وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام
إعلاء السنن
فاسترجع، قال: صليت مع رسول الله عَ ظّه بمنى ركعتين، وصليت مع أبى بكر
الصديق رضى الله عنه ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه
ركعتين، فليت حظى من أربع ركعات ركعتان متقبلتان)). أخرجه البخارى
ومسلم "آثار السنن" (٦١:٢).
ولأحمد من حديث أبى ذر (١) مثل الأول، وهذه يدل على أنه لم يكن يعتقد أن
القصر واجب كما قال الحنفية، ووافقهم القاضى إسماعيل من المالكية، وهى رواية عن
مالك وأحمد اهـ (٤٦٥:٢).
والجواب عنه أنه لو لم يكن القصر واجبًا عنده لما استرجع، ولما أنكر بقوله:
((صليت مع رسول الله مَّ له بمنى ركعتين)) إلى آخر الحديث، فإن مثل هذا الإنكار لا يكون
على مخالفة الأولى، بل على مخالفة الواجب، لا سيما وعثمان أمير المؤمنين، فلا يمكن
التسارع إلى الإنكار عليه بمثل هذا الإنكار بمجرد مخالفة (٢) الأولى. وأما إن قوله:
((فليت حظى من أربع ركعتان)) يدل على جواز الإتمام وإلا لما كان له حظ من الأربع ولا
من غيرها، فإنها كانت تكون فاسدة كلها. ففيه أن صلاة المسافر إنما تفسد بالإتمام عندنا
إذا ترك الجلوس للتشهد فى الثانية وإلا لا، فلا يصح قوله: إنها كانت تكون فاسدة كلها،
ما لم يثبت أن ابن مسعود صلى أربعًا بترك التشهد فى الثانية، وإذا لم تكن فاسدة كلها فلا
إشكال فى قوله: ((فليت حظى من أربع ركعتان)).
والظاهر من سياق أبى داود أن ابن مسعود رضى الله عنه صلى أربعًا منفردا كما
فعله أبو ذر، فلم يكن فى إتمامهما سوى كراهة تأخير السلام، ولكنهما احتملاها حذرا
عن كراهة هى أشد منها، وهى كراهة الخلاف على الإمام وإن كان صلى أربعا مقتديا
بعثمان فلا إشكال أيضا، فإن صلاة المسافر المؤتم بالمسافر المتم لا تفسد عندنا إذا جلس
(١) قلت: ذکره الهيثمی فی "مجمع الزوائد" مطولا وفیه: قیل له أی أبى ذر: إن عثمان صلى أربعا، فاشتد ذلك على
أبى ذر، وقال قولا شديدا، وقال: ((صليت مع رسول الله مَّ فصلى ركعتين، وصليت مع أبى بكر وعمر، ثم قام
أبو ذر فصلى أربعا، فقيل له: عبت على أمير المؤمنين شيئا ثم تصنعه؟ قال: الخلاف أشد»، فذكر الحديث. رواه
أحمد وفيه رجل لم يسم اهـ (٢٠٤:١). قلت: ولكن سكوت الحافظ عنه يشعر بصحته أو حسنه عنده.
(٢) قال ابن القيم فى "الهدى": ولم يكن ابن مسعود ليسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما بل الأولى
على قول وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبى مَّه وخلفائه على ركعتين اهـ (١٢٣:١).

ج - ٧
وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام
٣٠٧
الإمام فى الثانية كما تقدم، وإنما تفسد صلاة المقيم المؤتم به إذا تيقن بكون الإمام قد أتم مع
عده نفسه مسافرًا، وأما إذا تردد بين عده نفسه مسافرا أو مقيما فلا، فاندفع بذلك ما عسى
أن يختلج فى صدور بعض الناس من فساد صلاة أهل مكة المقيمين خلف عثمان، ووجه
الاندفاع کونهم ترددوا فى إتمامه مع عده نفسه مسافرا، أو إنه أتم لبعده نفسه مقيما، أو
تحقق عندهم كونه مقيما هناك، فلا وجه لفساد صلاتهم مؤتمين به فافهم. قال الحافظ:
ونقل الداودی عن ابن مسعود أنه کان یری القصر فرضًا، وفيه نظر لما ذكرته، ولو كان
كذلك لما تعمد ترك الفرض حيث صلى أربعًا، وقال: إن الخلاف شر اهـ (٢: ٤٦٦).
قلت: لعله أراد بالفرض الواجب المصطلح عند الحنفية، والنظر الذى رآه الحافظ قد أجبنا
عنه، فلا علة فى ما نقله الداودى.
تتمة فی بیان سبب إتمام عثمان فى حجته
قال ابن القيم فى "زاد المعاد": إن عثمان قد أتم فى آخر خلافته، وكان ذلك أحد
الأسباب التى أنكرت عليه، وقد خرج لفعله تأويلات:
أحدها أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة فأراد أن يعملهم أن فرض الصلاة
أربع لئلا يتوهموا أنها ركعتان فى الحضر والسفر، ورد هذا التأويل بأنهم كانوا أخرى
بذلك فی حج النبی مګے، فكانوا حدیثی العهد بالإسلام والعهد بالصلاة قریب، ومع هذا
فلم يرجع بهم النبى مدّ لّ
الثانى أنه كان إماما للناس والإمام حيث نزل فهو عمله (١) ومحل ولايته، فكأنه
وطنه، ورد هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله عّ لّه كان أولى بذلك،
وكان هو الإمام المطلق ولم يربع.
(١) وأما ما نسب إلى بعض الحنفية أن السلطان إذا طاف فى ولايته لا يقصر، فمعناه إذا خرج لتفحص أحوال الرعية
وقصد الرجوع إذا حصل مقصوده، ولم يقصد مسيرة سفر، حتى إنه فى الرجوع يقصر لو كان من مدة سفر،
ولا اعتبار لمن علله بأن جميع الولاية بمنزلة مصره، لأنه تعليل فى مقابلة النص مع عدم الرواية عن الأئمة الثلاثة،
فلا يسمع، قاله الشامى نقلا عن "البزازية" (:٨٣٣).

٣٠٨
وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام
إعلاء السنن
١٩٩٣- عن: خلف بن حفص، عن أنس، انطلق بنا إلى الشام إلى عبد
الملك ونحن أربعون رجلا من الأنصار ليفرض لنا، فلما رجع وكنا بفج الناقة
التأويل الثالث أن منى كانت قد بنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن فى عهده،
ولم يكن ذلك فى عهد رسول الله عَّ ◌ُّه بل كانت فضاء، فتأول عثمان أن القصر إنما يكون
فى حال السفر، ورد هذا التأويل بأن النبى عرّ للّه أقام بمكة عشرا يقصر الصلاة.
التأويل الرابع أنه أقام بها ثلاثا، وقد قال النبى عدّ له: ((يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه
ثلاثا))، فسماه مقيما والمقيم غير مسافر، ورد هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيدة فى أثناء
السفر ليست بالإقامة التى هى قسيم السفر، وقد أقام مرّ ظهر بمكة عشرا يقصر الصلاة، وأقام
بمنى بعد نسكه أيام الجمار الثلاث يقصر الصلاة.
التأويل الخامس أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى واتخاذها دار الخلافة،
فلهذا أتم، ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة، وهذا التأويل أيضا مما لا يقوى، فإن عثمان من
المهاجرین الأولین، وقد منع مګآ المهاجرین من الإقامة بمكة بعد نسكه، ورخص لهم فيها
ثلاثة أيام، فلم يكن عثمان ليقيم بها وقد منع النبى معَّه من ذلك.
التأويل السادس أنه كان قد تأهل بمنى (أو بمكة) والمسافر إذا أقام فى موضع وتزوج
فيه أو كان له به زوجة أتم، ويروى فى ذلك حديث مرفوع عن النبى مرّ لآه، فروى عكرمة
ابن إبراهیم الأزدی، عن أبی ذناب، عن أبيه، قال: ((صلی عثمان بأهل منی أربعًا، وقال: یا
أيها الناس! لما قدمت تأهلت بها، وإنى سمعت رسول الله عَّه يقول: إذا تأهل الرجل
ببلدة فإنه يصلى بها صلاة مقيم)). رواه الإمام أحمد رحمه الله فى "مسنده"، وعبد الله بن
الزبير الحميدى فى "مسنده" أيضًا، وقد أعله البيهقى بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن
إبراهيم، وقال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخارى ذكره
فى "تاريخه" ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين وقد نص أحمد وابن عباس
قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام، وهذا قول أبى حنيفة رحمه الله ومالك وأصحابهما،
وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان اهـ (١٣٢:١ و١٣٣). قلت: وسيأتى بسط الكلام
فى إسناد هذا الحديث فانتظر.
قوله: "عن خلف بن حفص إلخ". قلت: فيه قول أنس: ((قبح الله الوجوه فوالله ما

ج - ٧
وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام
٣٠٩
صلى بنا الظهر ركعتين، ثم دخل فسطاطه، وقام القوم يضيفون إلى ركعتيهم
ركعتين أخريين، فقال: قبح الله الوجوه، فو الله ما أصابت السنة، ولا قبلت
الرخصة، فأشهد لسمعت رسول الله عَّ له يقول: ((إن قوما يتعمقون فى الدين
يمرقون كما يمرق السهم من الرمية)) رواه أحمد، وخلف بن حفص لم أجد من
ترجمه "مجمع الزوائد" (٢٠٤:١) قلت: قال الحافظ فى "تعجيل المنفعة"
(ص-١١٨): إن هذا هو خلف بن خليفة المترجم فى "التهذيب"، ولكن وقع
فيه تصحيف نشأ عنه هذا الوهم، والذى فى "المسند": حدثنا حسين، ثنا
خلف، عن حفص، عن أنس، فذكر الحديث المذكور فى صلاة السفر، وبهذا .
السند عدة أحاديث أخرى، فخلف هو ابن خلیفة، وحفص هو ابن عمر بن عبد
الله بن أبى طلحة، فتصحفت "عن" فصارت "بن"، فنشأ من ذلك خلف بن
حفص، ولا وجود له فى الخارج، اهـ قلت: خلف بن خليفة من رجال مسلم
والأربعة، وثقه ابن معین وغيره، كذا فى "التهذيب" (١٥١:٣) وحفص هو ابن
أخى أنس، وثقه أبو حاتم والدار قطنى وابن حبان كما فيه أيضًا (٤٢١:٢)
فالحدیث صحیح أو حسن.
أصابت السنة ولا قبلت الرخصة)) إنكارا على من أتم الصلاة فى السفر، وهذا إنكار
شديد لا يجوز مثله على من فعل المباح أو الأفضل، فدل على أن الإتمام فى السفر مكروه،
وأن قبول هذه الرخصة التى تصدق الله بها على المسافر واجب، ولولا ذلك لم يرم أنس
من أتمها فى السفر بالتعمق فى الدين والمراق منه كما يمرق السهم من الرمية، وقد فرغنا من
الكلام على إسناد الحديث فى المتن.
وبهذا تبين ضعف ما روى عن أنس رضى الله عنه قال: ((كنا أصحاب رسول الله
مَّ ◌ُلِّ نسافر، منا الصائم، ومنا المفطر، ومنا من يتم، ومنا من يقصر)). وفى طريقه زيد
العمى لا يحتج به، وقال أبو الفرج بن الجوزى: المعروف: "منا الصائم ومنا المفطر"،
والزيادة من قول زيد العمى اهــ كذا فى "شرح المنية" لابن أمير حاج (ص-٥٠٠)
قلت: ولو كان عند أنس أن أصحاب رسول الله معدّ لّه كانوا يتمون فى السفر ويقصرون
وأن كل ذلك جائز لما أنكر على من أتم فى السفر معه بمثل هذا الإنكار الذى رواه خلف

٣١٠
إعلاء السنن
باب القصر إذا فارق البيوت
١٩٩٤- عن: أبى هريرة رضى الله عنه، قال: ((سافرت مع رسول الله
عَّ ◌ُله ومع أبى بكر وعمر، كلهم صلى من حين يخرج من المدينة إلى أن يرجع
إليها ركعتين فى المسير والمقام بمكة)). رواه أبو يعلى والطبرانى فى "الأوسط" ،
ورجال أبى يعلى رجال "الصحيح" "مجمع الزوائد" (٢٠٤:١) وفى "فتح
الباری" بعد عزو الحدیث إليهما: إسناده جيد (٤٧١:٢).
١٩٩٥- عن: أبى حرب بن أبى الأسود الديلى، ((أن عليا خرج من
عن حفص عن أنس فافهم.
هذا وقد روى الطحاوى فى "معانى الآثار": حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال:
ثنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: "أى أصحاب رسول الله عَّ كان يوفى الصلاة فى
السفر؟ فقال: لا أعلمه إلا عائشة رضى الله عنها وسعد بن أبى وقاص اهـ" (٢٤٦:١)
وهذا سند صحيح، وفيه دلالة على أن جمهور الصحابة كانوا يقصرون، وأما سعد بن أبى
وقاص فقد روى عنه الزهری وحبيب بن أبی ثابت خلاف ما قاله عطاء، قال الطحاوى:
حدثنا ابن مرزوق، ثنا وهب، ثنا شعبة، عن حبيب بن أبى ثابت، عن عبد الرحمان بن
المسور، قال: " كنا مع سعد بن أبى وقاص فى قرية من قرى الشام، فكان یصلى ركعتين
فتصلى نحن أربعا، فنسأله عن ذلك؟ فيقول سعد: نحن أعلم اهـ" (٢٤٤:١). وهذا أيضًا
سند صحيح، فلم يبق فى الصحابة من ثبت عنه الإتمام فى السفر غير عائشة، وأما عثمان
فقد تقدم أنه لم يكن يتم فى السفر أصلا، بل كان يتم لعده نفسه مقيما بمنى لتأهله بها،
فقول أبى حنيفة ومالك فى المسألة هو القوى المؤيد بالسنة وآثار الصحابة، فاعلم ذلك والله
یتولی هداك.
باب القصر إذا فارق البيوت
قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قلت: محل الترجمة منه قوله: "كلهم صلى من حين
يخرج من المدينة"، ففيه دلالة ظاهرة على معنى الباب أن القصر ابتداءه من حين يخرج
المسافر من بلده، والخروج من البلد إنما يتحقق بمفارقة بيوته وعمرانه، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن أبى حرب إلخ". وسنده كما فى "التعليق الحسن": قال: حدثنا عباد بن

٣١١
ج - ٧
البصرة (١) فصلى الظهر أربعا، ثم قال: إنا لو جاوزنا هذا الخص (٢) لصلينا
ركعتين)). رواه ابن أبى شيبة ورواته ثقات "آثار السنن" (٦٤:٢).
باب القصر إلى أن يدخل موضع الإقامة
١٩٩٦- عن: ابن عمر رضى الله عنهما: ((أنه كان يقصر الصلاة حين
يخرج من شعب المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخلها)). رواه عبد الرزاق،
وإسناده لا بأس به "آثار السنن" (٦٤:٢).
العوام، عن داود بن أبى هند، عن أبى حرب بن أبى الأسود الديلى فذكره اهـ. ودلالته
على الباب ظاهرة، فإن عليا رضى الله عنه علق القصر على مجاوزة العمران
ومفارقة البيوت.
فائدة:
فإن قيل: فناء المصر فى حكم المصر فى حق صلاة الجمعة والعیدین، حتى جازت
الصلاة فيه مع كون المصر شرطًا لجواز هذه الصلاة، فكيف أعطى الفناء حكم غير المصر
فى حق القصر للمسافر؟ قلنا: فناء المصر إنما يلحق بالمصر فيما كان من حوائج أهل المصر،
وصلاة الجمعة والعيدين من حوائجهم، فأما قصر الصلاة فليس من حوائج أهل المصر، فلا
يلحق الفناء بالمصر فى حق هذا الحكم، كذا فى "الكفاية" (٨١٢:٣) قال الشيخ: وإن
شئت قلت مكان قوله: فأما قصر الصلاة إلخ". فأما السفر فليس من المصالح المتعلقة
بالمصراهـ. كذا حكاه بعض الناس عنه، قلت: أى بل السفر من المصالح المتعلقة بغير المصر
لعدم إمكان تحققه داخل المصر فافهم، فإنه کلام نفیس.
باب القصر إلى أن يدخل موضع الإقامة
قوله: "عن ابن عمر إلخ". قلت: وسنده كما فى "التعليق الحسن" قال: أخبرنا عبد
الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، وعبد الله هو أبو حفص العمرى قد تكلم فيه
ابن المدينى والنسائى، وضعفه ابن حجر فى "التقريب"، ووثقه ابن معين وهو من رجال
(١) إلى صفين.
(٢) الخص بيت يعمل من الخشب والقصب كذا فى "النهاية" (٣٣٢:١).

٣١٢
إعلاء السنن
١٩٩٧- أخبرنا: الثورى عن وقاء(١) بن إياس الأسدى، قال: حدثنا على
ابن ربيعة الأسدى، قال: خرجنا مع على رضى الله عنه ونحن ننظر إلى الكوفة،
فصلى ركعتين وهو ينظر إلى القرية، فقلنا له: ألا تصلى أربعا؟ قال: لا حتى
ندخلها)). رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" "زيلعى" (٣٠٨:١) ورجاله رجال
الجماعة إلا وقاء فلم أقف عليه، إلا أن الحافظ أورد الأثر بهذا الإسناد فى
"الفتح" (٤٦٩:٢). وعزاه إلى الحاكم بلفظ: ((خرجنا مع على بن أبى طالب
فقصرنا الصلاة ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا فقصرنا الصلاة ونحن نرى
البيوت))، ولفظ البيهقى: ((خرجنا مع على متوجهين ههنا، وأشار بيده إلى
الشام، فصلى ركعتين ركعتين، حتى إذا رجعنا ونظرنا إلى الكوفة حضرت
الصلاة، قالوا: يا أمير المؤمنين! هذه الكوفة أتم الصلاة! قال: لا، حتى ندخلها))
اهـ. فهو صحيح أو حسن على قاعدته، وعلقه البخارى مختصرا (١٤٨:١).
باب القصر ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يوما
١٩٩٨- عن: مجاهد، قال: ((إن ابن عمر كان إذا أجمع على إقامة
خمسة عشر يومًا أتم الصلاة)). رواه أبو بكر بن أبى شيبة، وإسناده
مسلم، فالحق أنه صالح الحديث اهـ. قلت: وثقه أحمد وكان عبد الرحمان (بن مهدى)
یحدث عنه، ووثقه يعقوب بن شيبة، وحسن حديثه فی "مسنده"، ووثقه ابن عدی وابن
عمار الموصلى وغيرهم، كما فى "التهذيب" (٣٢٧:٥ و٣٢٨). وكنيته أبو عبد
الرحمان، كما فى "التهذيب"، وكان يكنى أبا القاسم فتركها واكتنى أبا عبد الرحمان
اهـ. فلا أدرى من أين كناه النيموى بأبى حفص؟ ودلالته على الباب ظاهرة، وكذا
دلالة ما بعده.
باب القصر ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا
قوله: "عن مجاهد إلخ". قال المؤلف، دلالته ودلالة اللذين بعده على الباب ظاهرة،
وإن لم يكن فى الأولين ما يدل على أنه لا يتم فى أقل من خمسة عشر ولكن الحديث
(١) بالكسر.

ج - ٧
القصر مالم ينو الإقامة خمسة عشر يوما
٣١٣
صحيح "آثار السنن" (٦٦:٢).
١٩٩٩- عن: مجاهد، عن ابن عمر: ((أنه إذا أراد أن يقيم بمكة خمسة
عشر سرح ظهره وصلى أربعًا)). رواه محمد بن الحسن فى "كتاب الحجج"،
وإسناده صحيح "آثار السنن" (٦٦:٢).
الثالث يدل عليه وهو الأصل فى الباب والأولان مؤيدان له، قال الإمام أبو بكر الرازى
الجصاص فى "أحكام القرآن" له: واختلفوا فى المدة التى يتم فيها الصلاة، فقال أصحابنا
والثورى: إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا أتم الصلاة، وإن كان أقل قصر، وقال مالك،
والليث، والشافعى: إذا نوى إقامة أربع تم، وقال الأوزاعى: إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوما
أتم، وإن نوى أقل قصر، (قلت: وحكى عنه الترمذى: إذا أجمع على إقامة ثنتى عشرة أتم
الصلاة) (٧٢:١). وقال الحسن بن صالح: قصر الصلاة ما لم يقم عشرا وإن أقام عشرا أتم
الصلاة. (قلت: روى مثله عن على أنه قال: ((من أقام عشرة أيام أتم الصلاة)). علقه
الترمذى، وأخرجه عبد الرزاق بلفظ: ((إذا أقمت بأرض عشرة فأتمم، فإن قلت: أخرج
اليوم أو غدا فصل ركعتين، وإن أقمت شهرا)) كذا فى الشروح الأربعة للترمذى
(٥٠٩:١) وكذا حكاه فى "النيل" عنه، وقال: وهو مروى عن ابن عباس ((أنه لا يتم
الصلاة إلا من نوى إقامة عشر اهـ)) (٨٤:٣). ولم أقف على سند شئ منه).
قال أبو بكر: وروى عن ابن عباس وجابر: ((أن النبى مُ لّه قدم مكة صبيحة الرابعة
من ذى الحجة)) فأقام بها والرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح فى اليوم
الثامن، ثم خرج إلى منى، ومعنى ذلك كله فى الصحيحين وغيرهما، قاله فى "المنتقى"
مع "النيل" ٨٤:٣) فكان مقامه إلى وقت خروجه أكثر من أربع، وكان يقصر الصلاة،
فدل على سقوط اعتبار الأربع (وأشار إلى ذلك صاحب "المنتقى" أيضًا كما قاله فى
"النيل") وأيضًا روى أبو حنيفة، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، عن ابن عباس وابن عمر،
قالا: ((إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفى نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل
الصلاة بها، وإن كنت لا تدرى متى تظعن فأقصرها))، ولم يرو عن أحد من السلف
خلاف ذلك فثبتت حجته اهـ (٢٥٦:٢).
قلت: حديث أبى حنيفة رحمه الله هذا موجود فى جامع المسانيد له (٤٠٤:١)

٣١٤
القصر مالم ينو الإقامة خمسة عشر يوما
إعلاء السنن
٢٠٠٠- عن: مجاهد، عن عبد الله بن عمر، قال: ((إذا كنت مسافرا
فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يومًا فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدرى
بلفظ: أبو حنيفة، عن موسى بن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر وابن عباس رضى الله
عنهم، قالا: ((إذا هممت بإقامة خمسة عشر يومًا فأتم الصلاة اهـ)). وشيخ أبى حنيفة فيه
موسى بن مسلم دون عمر بن ذر، فلعل أبا حنيفة رواه عن عمر بن ذر أيضًا، فإنه روی
عنه الكثير، وقد ذكر الحافظ الزيلعى فى "نصب الراية" والحافظ ابن حجر فى "الدراية"
والعينى فى "العمدة" (٥٣٠:٣) والشوكانى فى "النيل" (٨٥:٣) والزرقانى فى " شرح
الموطأ" (٢٦٨:١) إن التحديد بخمسة عشر يوما مروى عن ابن عباس وعن ابن عمر
كليهما دون ابن عمر فقط، فقد روى ذلك الطحاوى عنهما وأبو حنيفة، فما قاله صاحب
"الهداية": وهو (أى مذهبنا) مأثور عن ابن عباس وابن عمر إلخ. لا شك فى صحته بعد
عزو هؤلاء الأعلام ذلك إليهما، لا سيما الحافظ ابن حجر فإنه لم يكن ليعزو القول به إلى
ابن عباس رضى الله عنهما إلا وقد ثبت ذلك عنه عنده.
فما قال بعض الناس: إن المروى عن ابن عباس لم أقف عليه فى "شرح معانى
الآثار" للطحاوى، وإنما وقفت عليه فى "الجوهر النقى" قول ابن عمر فقط، حيث قال: ثم
ذكر الطحاوى فى اختلاف العلماء عن ابن عمر: ((أن من نوى الإقامة خمسة عشر يومًا أتم
الصلاة)). قال: لم يرو عن أحد من السلف خلافه اهـ. قلت: بل ثبت خلافه عن ابن عباس
فى "صحيح البخارى" وإن ثبت عنه ما عزاه إليه صاحب "الهداية" فما ثبت عنه فى
"الصحيح" أولى، أو تساقط القولان، انتهى قول بعض الناس.
قلت: لا شك فى صحة ما عزاه صاحب "الهداية" إلى ابن عباس لما عرفت من
عزو الأئمة الأعلام الحفاظ ذلك إليه، وقد صرح الإمام أبو بكر الرازى بأن أبا حنيفة رواه
أيضًا عن عمر بن ذر، عن مجاهد، عنها. فلم يبق إلا لتعارض بينه وبين ما رواه البخارى
عنه، قال: ((لما فتح النبى مّ له مكة أقام فيها تسع عشرة يصلى ركعتين، قال: فنحن إذا
: سافرنا فأقمنا تسع عشرة قصرنا، وإن زدنا أتممنا اهـ)) كذا فى "النيل" (٨٥:٣). وعزاه إلى
البخارى وأحمد وابن ماجة. قلنا فى الجواب عنه: إن مبنى هذا القول هو إقامة رسول الله
عَّ ◌ُله بمكة تسع عشرة يومًا، ولا حجة فيه ما لم يعلم أن عزمه عَّ ماذا كان؟ فإن المدار
على العزم دون القيام، فلما اطلعنا على مبنى قوله وهو ضعيف علمنا ضعف قوله هذا، ولم

ج - ٧
القصر مالم ينو الإقامة خمسة عشر يوما
٣١٥
فاقصر)). رواه محمد بن الحسن فى "الآثار"، وإسناده حسن، "آثار السنن"
(٦٦:٢). وأخرجه الحافظ فى "الدراية" (ص-١٢٩) عن ابن عمر وابن
عباس رضى الله عنهم، وعزاه إلی الطحاوی وسكت عنه.
یکن مثل هذا المبنی فی قوله: بخمسة عشر يومًا، فأخذنا به لا سيما وقد وجدنا ابن عمر
وافقه فى التحديد بذلك، ولم يوافقه فى التحديد بتسعة عشر يومًا أحد من الصحابة.
لا يقال: إن قول ابن عباس هذا محله فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه
المدة المذكورة وجب عليه الإتمام. لأنا نقول: إن ابن عباس لم يحدد لمن يزمع الإقامة حدا،
بل أمره بالقصر ولو أقام سنين، يدل على ما روى جمرة نصر بن عمران قال: ((قلت لابن
عباس: إنا نطيل القيام بخراسان، فكيف ترى؟ قال: صلى ركعتين وإن أقمت عشر سنين))
رواه أبو بكر بن أبى شيبة وإسناده صحيح، كذا فى "آثار السنن" (٦٥:٢) فلا يصح
حمله على من لم يزمع الإقامة، بل الظاهر حمله على عازم الإقامة، ولكن لم يقم ابن
عباس دليلا على عزمه عّ لّ للإقامة حينئذ وما صرح بأنه أقام كذلك عازمًا لها.
وإن سلمنا أن قيامه مرّ لّه بمكة عام الفتح كان بنية الإقامة فنقول: قد اضطربت
الروايات فى بيان مدة إقامته إذ ذاك، فروى البخارى من طريق عاصم، وحصين، عن
عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((أقام رسول الله مرّ لله تسعة عشر يقصر)) كما مر، وأخرجه
أبو داود من طريق حفص بن غياث، عن عاصم، عن عكرمة، عنه: ((أن رسول الله سر له
أقام سبع عشرة بمكة يقصر الصلاة)). قال ابن عباس: ((ومن أقام سبع عشرة قصر، ومن أقام
أكثر أتم اهـ). ثم أخرجه بطريق ابن الأصبهاني، عن عكرمة، عنه كذلك، بلفظ: " سبع
عشرة" (٤٧٥:١). وإسناد الأول قال النووى فى "الخلاصة": على شرط البخارى، كما
فى "الزيلعي" (٣٠٨:١).
وفى "الدراية": إسناده صحيح اهـ. ورواه ابن حبان فى "صحيحه" كما فى
"التلخيص الحبير": (١٢٩:١) ولأبى داود أيضاً من طريق محمد بن سلمة، عن ابن
إسحاق، عن الزهرى، عن عبيد الله، عن ابن عباس: ((أقام رسول الله عَ ليه بمكة عام الفتح
خمس عشرة يقصر الصلاة)). قال الحافظ فى "الفتح": وضعفها النووى فى "الخلاصة"
وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائى من رواية

٣١٦
القصر مالم ينو الإقامة خمسة عشر يوما
إعلاء السنن
عراك بن مالك، عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فيحمل على أن الراوى ظن
أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومى الدخول والخروج، فذكر أنها خمس
عشرة اهـ (٤٦٣:٢).
قلت: وبهذا ظهر الجواب عن قول ابن أبى داود: روى هذا الحديث عبدة بن
سلیمان، وأحمد بن خالد الوهبی، وسلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق لم یذ کروا فیه ابن
عباس اهـ (نفس المرجع). وغرضه بهذا الكلام أن ما روى محمد بن سلمة، عن ابن
إسحاق، مسندا غير محفوظ، والصحيح ما رواه الجماعة عن ابن إسحاق مرسلا، وكذا
قال البيهقى فى "سنته" وزاد: ورواه عراك بن مالك عن النبى مطلّه مرسلا، قال: ورواه
عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزهرى، من قوله، الصحيح مرسل. قلت: قد
أخرج الطحاوى حديث ابن إدريس مسندا، قال: ثنا ابن أبى داود، ثنا أبو بكر بن أبى
شيبةٍ، ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهرى، عن عبيد الله، عن ابن عباس:
((أن رسول الله عَّ أقام حيث فتح مكة خمس عشرة يقصر الصلاة)). وأخرجه البيهقى
أيضًا بسنده بطريق الأشج: ثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزهرى، عن عبيد الله،
عن ابن عباس، مسندا.
وأما حديث عراك بن مالك فأخرجه النسائى مسندا، فقال: أنا عبد الرحمان بن
الأسود البصری، ثنا محمد بن ربيعة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن یزید بن حبیب، عن
عراك بن مالك، عن عبيد الله، عن ابن عباس، الحديث. كذا فى "بذل المجهود"
(٢٤٣:٢). فثبت أن الذين أسندوهم جماعة من الحفاظ، محمد بن سلمة، وعبد الله بن
إدريس، وعراك بن مالك، فلا ترجيح لإرسال عبدة، وأحمد بن خالد الوهبى، وسلمة بن
الفضل، على إسنادهم.
عادة المحدثين فى تحسين الأحاديث:
قال الحافظ فى "التلخيص": وروى عبد بن حميد فى "مسنده": ثنا عبد الرزاق،
أنبأ ابن المبارك، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى الله عنهما: ((أن رسول الله
عَ لّه لما افتتح مكة أقام عشرين يومًا يقصر الصلاة)). وهى صحيحة الإسناد إلا أنها شاذة،

٣١٧
ج - ٧
القصر مالم ينو الإقامة خمسة عشر يوما
اللهم إلا أن يحمل على جبر الكسر اهـ (١٢٩:١). وروى أبو داود والترمذى والبيهقى
من حديث على بن زيد بن جدعان، عن أبى نضرة، عن عمران بن حصين، قال: ((غزوت
مع رسول الله معدّ ل. وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثمانى عشرة لا يصلى إلى ركعتين)).
حسنه الترمذى، وعلى ضعيف، وإنما حسن الترمذى حديثه لشواهده، ولم يعتبر
الاختلاف فى المدة كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون
السياق اهـ، كذا فى "التلخيص الحبير" (١٢٩:١).
وقال فی "فتح البارى": وأخذ الشافعى رحمه الله بحدیث عمران بن حصین لکن
محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام،
فإن أزمع الإقامة فى أول الحال على أربعة أيام أتم اهـ (٤٦٣:٢). قلت: وسيأتى أن قوله
ذلك فيمن لم يزمع الإقامة أول الحال خلاف الإجماع، بل الصواب أنه يقصر أبدا، ولذا
قال الترمذى: أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه
سنون، وكذا قال ابن المنذر، وقد أخرج البيهقى وأبو داود بسند على شرط "الصحيح".
عن جابر، قال: ((أقام عليه السلام بتبوك عشرين يومًا))، فإن كان إقامته عليه السلام دليلا
فى هذه المسألة كان الواجب أن يعتبر الشافعى إقامته بتبوك، لأن مدتها أزيد من مدة إقامته
بمكة عام الفتح اهـ. كذا فى "الجوهر النقى" (٢٢٢:١) قلت: لا سيما وحديث عمران
ضعيف، قال الحافظ فى "التلخيص الحبير": ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من
حيث الإسناد كما قدمنا، ودعوى صاحب "التهذيب" أنها سالمة من الاختلاف أى على
راويبها، وهو وجه من الترجيح يفيد لو كان راويها عمدة اهـ (١٢٩:١) وأيضًا فرواية
إقامته مرّ ◌ُّ بمكة عام الفتح عشرين يومًا أصح من رواية عمران إسنادا، وأوثق منها رجالا،
فإن إسنادها على شرط "الصحيحين" كما مر، هذا.
فلما اضطربت الروايات فى مدة إقامته عّ لّه بمكة عام الفتح أخذ الثورى وأهل
الكوفة وأصحابنا الحنفية برواية خمس عشرة، لكونها أقل ما ورد، والأقل المتيقن، فيحمل
ما زاد على أنه وقع اتفاقا، وهذه وإن لم تكن من رواية البخارى ولا كرواية تسع عشرة
فى قوة الإسناد ولكن رواتها كلهم ثقات، وهى راجحة على سائر الروايات دراية كما
قلنا لا سيما وقد أيدها فتوى ابن عباس وابن عمر التى ذكرها صاحب "الهداية"،

٣١٨
القصر مالم ينو الإقامة خمسة عشر يوما
إعلاء السنن
وأخرجها الطحاوى وأبو حنيفة كما تقدم، فلا وجه لقول بعض الناس: إن ما ثبت عنه أى
عن ابن عباس فى "الصحيح" يكون أولى أو تساقط القولان اهـ. بل الساقط ما تردد فيه،
والمتيقن هو الأولى فافهم.
وفى "رحمة الأمة" (ص-٢٧): لو نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يومى(١)
الدخول والخروج صار مقيمًا عند مالك والشافعى، وقال أبو حنيفة: إذا نوى إقامة خمسة
عشر يومًا صار مقيما، وإن نوى أقل فلا، وعن أحمد رواية أنه إن نوى إقامة مدة يفعل فيها
أكثر من عشرين صلاة أتم اهـ. وفى "المصفى" ما نصه: "در حديث شيخين آمده است
که: ((یقیم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا)) از اينجا بطريق فحوا معلوم ميشود كه اقامت
زائد از ثلاث را در احكام شرعيه اثرى هست اهـ". قلت: وإليه ذهب مالك فى
"موطئه" (ص-٥٢) وفى "فتح البارى" (٤٦٤:٢): وزعم الطحاوى أن الشافعى لم
يسبق إلى أن المسافر يصير بنية إقامته أربعة أيام مقيما، وقد قال أحمد نحو ما قال الشافعى
وهی روایة عن مالك اهـ.
وفى "الجوهر النقى": استدل (البيهقى) على ذلك بحديث العلاء بن الحضرمى:
(يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا)). ثم ذكر عن الشافعى قال: رأينا أربعًا كأنها
بالمقيم أشبه، لأنه لو كان للمسافر أن يقيم أكثر من ثلاث كان شبيهًا أن يأمر النبى عليه
السلام به للمهاجر. قلت: ذكر ابن حزم أنه ليس فى هذا الخبر نص ولا إشارة إلى المدة
التى إذا أقامها مسافر يتم صلاته، وإنما هو فى حكم المهاجر لا يقيم أكثر من ثلاثة ليحاز
شغله وقضى حاجته فى الثلاث، ولا حاجة إلى أكثر منها، ولا يدل على أنه يصير مقيما
فى الأربعة، ولو احتمل لا يثبت حكم شرعى بالاحتمال، وما زاد على ثلاثة أيام للمهاجر
داخل عندهم فى حكم أن يكون مسافرا لا مقيما، وما زاد على الثلاثة للمسافر إقامة
صحيحة فلا يتقاسان، وأيضًا فإن إقامة قدر صلاة واحدة زيادة على الثلاث مكروهة
للمهاجر فينبغى عندهم إذا قاسوا عليه المسافر أن يتم، وهو خلاف مذهبهم. والأربعة لا
(١) قال الحافظ فى "الفتح" حكاية عن مذهب الشافعى: فإن أزمع الإقامة فى أول الحال على أربعة أيام أتم على خلاف
بين أصحابه فى دخول يومى الدخول والخروج فيها أولى اهـ (٤٦٣:٢). وفيه إشعار بأن إخراج يومى الدخول
والخروج عن الأربعة ليس منصوصًا عن الشافعى.

ج - ٧
القصر مالم ينو الإقامة خمسة عشر يوما
٣١٩
دليل عليها، ثم ذكر (البيهقى) أن عمر ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة ثلاثة أيام
يتسوقون فيها، قلت: لأن هذه المدة أدنى المدة التى يتمكنون فيها من التصرف فقدر بها
تضييقا عليهم اهـ (٢٢١:١). وأيضًا: فلو قاسوا المسافر عليهم ينبغى عندهم أن يتم بإقامة
قدر صلاة واحدة زيادة على الثلاث، فإن المقيس عليهم يتمكنون من الزيادة عليها، وهو
خلاف مذهبهم فى المسافر. والجواب عما قاله ابن حزم مشكل.
ويرد عليهم أيضًا ما رواه البخارى فى باب التقصير عن أنس رضى الله عنه، يقول:
(خرجنا مع النبى ګ من المدينة إلى مكة، فکان یصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى
المدينة))، قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا اهـ)). قال الحافظ فى "الفتح": لا
يعارض ذلك حديث ابن عباس (وفيه أنه مَّ أقام تسعة عشر يقصر إلخ). لأن حديث ابن
عباس كان فى فتح مكة، وحديث أنس فى حجة الوداع، ولا شك لو خرج من مكة صبح
الرابع عشر، فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بليالها كما قال أنس رضى الله
عنه، وتكون إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه خرج منها فى اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى
اهـ (٤٦٣:٢). وفيه أيضًا فى باب كم أقام النبى مرّ له فى حجته ما نصه: والمقصود بهذه
الترجمة بيان ما تقدم من أن المحقق فيه نية الإقامة هى مدة المقام بمكة قبل الخروج إلى منى
ثم إلى عرفة، وهى أربعة أيام ملفقة، لأنه قدم فى الرابع وخرج فى الثامن، فصلى بها
إحدى وعشرين صلاةً من أول ظهر الرابع إلى آخر (١) ظهر الثامن اهـ (٢: ٤٦٦).
وقال الزيلعى: لا يقال: يحتمل أنهم عزموا على السفر فى اليوم الثانى أو الثالث
واستمر بهم ذلك إلى عشر، لأن الحديث إنما هو فى حجة الوداع فتعين أنهم نووا الإقامة
أكثر من أربعة أيام لأجل قضاء النسك اهـ (٣٠٨:١). وأجاب عنه البيهقى(٢) بإخراج
يومى الدخول والخروج كما فى "الجوهر النقى" ونصه: قال البيهقى: والأخبار الثابتة تدل
على أنه عليه السلام قدم مكة فى حجة الوداع لأربع خلون من ذى الحجة، فأقام بها
(١) فيه نطر، فإنه مَّه صلى الظهر بمنى فى الثامن فعدد إحدى وعشرين صلاة بمكة إنما يستقيم من أول فجر الرابع إلى
آخر فجر الثامن.
(٢) وبمثله قال النووى فى "شرح مسلم" (٢٤٣:١).

٣٢٠
القصر مالم ينو الإقامة خمسة عشر يوما
إعلاء السنن
يقصر، ولم يحسب اليوم الذى قدم فيه مكة، لأنه كان فيه سائرا، ولا يوم التروية لأنه
خارج فيه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والعشاء والصبح. قلت: أقام بمكة أربعة أيام
يقصر، فإنه عليه السلام قدم صبح رابعة من ذى الحجة كذا فى الصحيحين من حديث
جابر، فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع وبعض الثامن ناويا للإقامة بلا شك، ثم
خرج إلى منى يوم التروية وهو الثامن قبل الزوال، وهذا يبطل تقديرهم بأربعة أيام، ولهذا
حكى ابن رشد عن أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتم.
قال: واحتجوا بمقامه عليه السلام فى حجته بمكة مقصرا أربعة أيام، وذكر صاحب
"التمهيد" عن الأثرم قال أحمد: أقام عليه السلام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع،
وصلى الصبح بالأبطح فى الثامن، فهذه إحدى وعشرون صلاة قصر فيها، وقد أجمع على
إقامتها، وظهر بهذا بطلان قول البيهقى فى آخر هذا الباب: فلم يقم رسول الله معدّ لّه فى
موضع واحد أربعا يقصر، وكيف يقول: كان سائرا فى اليوم الرابع مع أنه قدم فى
صبيحته فأقام بمكة كما تقدم؟ كيف لا يحسب يوم الدخول مع أن الأحكام المتعلقة
بالسفر لينقطع حكمها يوم الدخول إذا نوى الإقامة ويلحق بما بعده؟ أصله رخصة المسح
والإفطار، فلا معنى لإخراجه بعد نية الإقامة بغير دليل شرعى، وكذا يوم الخروج قبل
خروجه، وفى اختلاف العلماء للطحاوى: روى ابن عباس وجابر أنه عليه السلام قدم مكة
صبيحة رابعة من ذى الحجة، فكان مقامه إلى وقت خروجه أكثر من أربع وقد كان يقصر
الصلاة، فدل على سقوط الاعتبار بالأربع اهـ (٢٢٢:١).
قلت: والأصل فى اعتبار الأربع ما رواه مالك فى "الموطأ" عن عطاء الخراسانى، أنه
سمع سعيد بن المسيب يقول: "من أجمع إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة اهـ"
(ص-٥٢). ولكن قال الترمذى: وروى داود بن هند عن ابن المسيب خلاف هذا اهـ
(٧١:١). قلت: أخرجه ابن أبى شيبة، عن هشيم، عن داود بن أبى هند، عن ابن المسيب
أنه قال: "إذا أقام المسافر خمس عشرة ليلةً أتم الصلاة وما كان دون ذلك فليقصر". كذا
فى "العمدة" للعينى (٥٣:٣) ورواه الإمام محمد بن الحسن فى "الحجج" وإسناده
صحيح كما فى "آثار السنن" (٦٦:٢). ولا يخفي أن داود بن أبى هند أقوى من عطاء
الخراسانی، فداود ثقة متقن، وعطاء اخراسانی صدوق یهم کثیرًا ويرسل ويدلس، كذا فى