النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ ج - ٧ بيان مسافة القصر بلفظ: ((فوق ثلاث)) فى حديث ابن عمر والمحفوظ ما رواه يحيى القطان، عن عبيد الله، وتابعه عبد الله بن نمير فى رواية ابنه عنه عن عبيد الله، بلفظ: ((لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم))، أخرجهما مسلم (نفس المرجع) وتابعهما ابن المبارك عند البخارى، فروى عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا مثله، وأبو أسامة قد وافق الجماعة أيضًا عند البخارى، فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلی (وهو ابن راهويه) قال: قلت لأبى أسام: حدثكم عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضى الله عنهما، عن النبى عَ لّه قال: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام)) الحديث، وفى مسند إسحاق فى آخره: ((فأقر به أبو أسامة، وقال: نعم!)) كذا فى "الفتح" (٤٦٨:٢) فلم يبق إلا تفرد ابن أبى شيبة بهذا اللفظ، فإن شيخه أبا أسامة وعبد الله بن نمير قد وافقا لفظ يحيى القطان وابن المبارك فى رواية غيره عنهما، ثم روی عن یحیی القطان جماعة، منهم زهير بن حرب، ومحمد بن مثنی عند مسلم، ومسدد عند البخارى والطحاوى، وأحمد بن حنبل عند أبى داود كلهم رووه بلفظ: "ثلاثة" أو "ثلاثة أيام" أو "ثلاث"، لم يقل أحد منهم "فوق ثلاث"، فلا بد من الترجيح أو الجمع، والترجيح إنما هو للفظ الجماعة دون ما تفرد به ابن أبى شيبة من بينهم، لا سيما وقد روى الضحاك، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا بلفظ: ((لا يحل لامرأة تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا معها ذو محرم)» عند مسلم (نفس المرجع). ويمكن الجمع بأن لفظ ابن أبى شيبة مختصر عن قوله: ((لا تسافر المرأة ثلاثا أو فوقه)، فجعله فوق ثلاث، يؤيد ذلك ما أخرجه مسلم عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى سعيد، قال قال رسول الله عَّ له: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها)). الحديث، وهذا مفسر فيحمل ما رواه ابن أبى شيبة عليه، فإن المفسر يقضى على ما دونه، وهذا هو الجواب عن رواية قتادة فى حديث أبى سعيد بلفظ: ((فوق ثلاث أو أكثر من ثلاث)) هذا، وقد ورد لفظ الثلاث فى روايات أخرى أيضاً، فلنذكرها للتأیید. منها ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله عرّ له مثله، أى مثل ما رواه يحيى القطان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: ((لا ٢٨٢ بيان مسافة القصر إعلاء السنن تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا مع ذى محرم)) أخرجه الطحاوى بسند صحيح (٣٥٧:١). ومنها ما رواه الدار قطنى عن جابر الجعفى، عن أبى معشر، عن سالم بن أبى الجعد، عن أبى أمامة، مرفوعًا: ((لا تسافر امرأة سفر ثلاثة أيام أو تحج إلا معها زوجها))، کذا فی " نصب الراية" (١: ٤٧٠) وسنده حسن. ومنها ما رواه ابن جرير، عن عمر رضى الله عنه، قال: ((تقصر الصلاة فى مسيرة ثلاث ليال))، كذا فى "كنز العمال" (٢٣٩:٤) ولم أقف على سنده وذكرته تأییدا، وروى إبراهيم بن عبد الله، قال: سمعت سويد بن غفلة الجعفى، يقول: ((إذا سافرت ثلاثا فاقصر))، رواه محمد بن الحسن فى "الحجج" وإسناده صحيح، كذا فى "آثار السنن". (٦٤:٢). وسويد بن غفلة ذكره بعضهم فى الصحابة، وقيل: إنه صلى مع النبى معدّلّ. ولكن لا يصح، وإنه من كبار التابعين، كما يظهر من "التهذيب" و"التقريب" وكان مسلما فى حياته معّ ◌ُلّهِ، وقول مثله حجة عندنا كقول الصحابة. فهذا أحاديث وآثار قد تواترت فى تحديد السفر الشرعی بمسيرة ثلاث أمیال، وبهذا تبين صحة ما قاله الطحاوى رحمه الله: اتفقت الآثار التى فيها مدة الثلاث عن رسول الله عَظُّه كما تقدم، فافهم ولا تعجل وكن من الشاكرين، وخذ أنت بلا شئ ما حصل لنا بالتعب الشديد والمشقة العظيمة، وأحمد الله عز وجل على ذلك، اللهم فلك الحمد فى الأول والآخرة حمدا يريد قائله إلا رضاك. قال فى "الهداية": وعن أبى حنيفة: التقدير بالمراحل وهو قريب من الأول، ولا معتبر بالفراسخ هو الصحيح، قال المحقق فى "الفتح": قوله: "هو الصحيح" احتراز عما قيل: يقدر بها، فقيل: بأحد وعشرين، وقيل: بثمانية عشر، وقيل: بخمسة عشر. وكل من قدر بقدر منها اعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام، وإنما كان الصحيح أن لا يقدر بها لأنه لو كان وعرا (١) بحيث يقطع فى ثلاثة أميال أقل من خمسة عشر فرسخا قصر بالنص، وعلى التقدير بأحد هذه التقديرات لا يقصر، فيعارض فلا يعتبر سوى سير الثلاثة اهـ (٤:٣). (١) بالفتح ذو مشقة - منتهى الأرب -. 5 ج - ٧ بيان مسافة القصر ٢٨٣ وفى "الكفاية": قوله: "وهو قريب من الأول" أى التقدير بثلاث مراحل قريب إلى التقدير بثلاثة أيام، لأن المعتاد من السير فى كل يوم مرحلة واحدة خصوصًا فى أكثر أيام السنة، كذا فى "المبسوط". ثم قال: إن عامة المشائخ قدروها بفراسخ(١) أيضًا، ثم اختلفوا فيما بينهم بعضهم قالوا: أحد وعشرون فرسخًا (وقد مر منقولا عن "النيل" عن أبى حنيقة رحمه الله أربعة وعشرون فرسخا) وبعضهم قالوا: ثمانية عشر، وبعضهم قالوا: خمسة عشر فرسخًا، والفتوى على ثمانية عشر، لأنها أوسط الأعداد، كذا فى "المحيط" (٥:٢) وفى "البحر" عن "المجتبى": فتوى أكثر أئمة خوارزم على خمسة عشر فرسخا (٢: ١٤٠)، قلت: وهذا أقرب إلى ما علقه البخارى ونصه: كان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران فى أربعة برد، وهو ستة عشر فرسخا اهـ (١٤٧:١). قال العينى فى "العمدة": قال أبو عمر: هذا عن عباس معروف من نقل الأثبات متصل الإسناد عنه من وجوه (٥٣٨:٣). قلت: وقد روى ذلك عن ابن عباس مرفوعًا أيضًا بلفظ: ((يا أهل مكة ألا تقصروا الصلاة فى أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان)). رواه الطبرانى فى "الكبير" من رواية ابن مجاهد عن أبيه وعطاء، قال الهيثمى: ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات اهـ. من مجمع الزوائد" (٢٠٥:١). قلت: أخرجه الدار قطنى أيضًا (١٤٨:١) بطريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، وعطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس مرفوعًا اهـ. وعبد الوهاب هذا قال الحافظ فى "التقريب": متروك وكذبه الثورى، من السابعة اهـ (ص-١٣٤) وإسماعيل بن عياش روايته عن الحجازيين ضعيفة عند عامة المحدثين كما مر غير مرة، فالمرفوع ضعيف، وضعفه الحافظ فى "الفتح" أيضًا (٤٢٧:٢) نعم! صح ذلك عن ابن عباس من قوله: ففى "التلخيص الحبير" (١٢٩:١): قال الشافعى: أنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس رضى الله عنهما، أنه سئل أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: ((لا! ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف))، وإسناده صحيح اهـ. وقال مالك فى (١) كل ثلاثة أميال فرسخ، الكفاية. ٢٨٤ بيان مسافة القصر إعلاء السنن "الموطأ" (ص-٥٢) ((أنه بلغه عن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة فى مثل ما بين مكة والطائف، وفى مثل ما بين مكة وعسفان، وفى مثل ما بين مكة وجدة)). قال يحيى: قال مالك: وذلك أربعة برد اهـ)). قلت: قد مر الجواب عن كل ذلك أنه قريب من مسافة ثلاثة أيام بسير وسط، فلا يترك به ما ثبت عن ابن عمر مرفوعا فى نهى المرأة عن السفر ثلاثة أيام إلا بمحرم، وما ثبت عنه من قوله: ((إن الصلاة تقصر من المدينة إلى السويداء وهى ثلاثة ليال قواصد اهـ)). فتلك مسافة القصر تحديداً، وما ذكره البخارى عن ابن عمر وابن عباس، وما رواه غيره عن ابن عباس، فالتحديد فيه تخمينى فلا تعارض، ولكن لما كان مسافة ثلاثة أيام لا يقدر العوام على تحديدها وضبطها بل تختلف ظنونهم فى ذلك، قدرها المشائخ بالفراسخ، والفتوى على خمسة عشر منها كما تقدم، فإنها أربعة برد أو نحوها، وقد ورد هذا التحديد عن ابن عباس وغيره، وورد ذلك مرفوعًا أيضًا وإن كان ضعيفًا، واختاره مالك، فأفتى به المتأخرون منا تسهيلا للعوام، فإن أربعة برد هى قدر مسافة ثلاثة أيام تقريبًا، وهذا كما فعلوه فى باب المياه، حيث قدروا لكثير منها بما كان عشرا فى عشر فافهم. وأما ما روى عبد الرزاق عن ابن عباس بسند صحيح قال: ((لا تقصروا الصلاة إلا فى اليوم، ولا تقصروا فيما دون اليوم)). ولابن أبى شيبة بوجه آخر صحيح عنه قال: ((تقصر الصلاة فى مسيرة يوم وليلة))، فالجمع بينه وبين ما تقدم من الروايات عنه بأن مسافة أربعة برد يمكن سيرها (١) فى يوم وليلة، كذا قاله الحافظ فى "الفتح" (٤٦٧:٢). قال العينى فى "العمدة": وما ذكره صاحب "الهداية" هو مذهب عثمان، وابن مسعود، وسويد بن غفلة. وفى "التمهيد": وحذيفة بن اليمان، وأبو قلابة، وشريك بن عبد الله، وابن جبير، وابن سيرين، والشعبى، والنخعى، والثورى، والحسن بن حی اهـ (٥٣٩:٣). وفى "مختصر المزنى": قال الشافعى: وإذا سافر الرجل سفرا يكون ستة وأربعين ميلا بالهاشمى فله أن يقصر الصلاة، سافر رسول الله عّ لّله أميالا فقصر، وقال ابن (١) أى للراكب المجد. ٢٨٥ ج - ٧ باب وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام ١٩٧٦- عن: ابن عمر، قال: صحبت رسول الله عګے فكان لا یزید فى السفر على ركعتين، وأبا بكر رضى الله عنه، وعمر رضى الله عنه، وعثمان رضى الله عنه)). رواه البخارى (١٤٩:١)، ولفظ مسلم فى "صحيحه" عباس: ((أقصر إلى جدة وإلى الطائف وعسفان)). قالْ الشافعى: وأقرب ذلك إلى مكة سنة وأربعون ميلا بالهاشمى، إلى أن قال: فأما أنا فلا أحب أن أقصر فى أقل من ثلاثة أيام احتياطا على نفسى اهـ (١٢١:١). وقال الإمام الشافعى فى "الأم": ولم يبلغنا أن يقصر فيما دون يومين، إلا أن عامة من حفظنا عنه لا يختلف فى أن لا يقصر فيما دونهما، فللمرء عندى أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك (١) ستة وأربعون ميلا بالهاشمى، ولا يقصر فيما دونها، وأما أنا فأحب أن لا أقصر فى أقل من ثلاث احتياطا على نفسى اهـ (١٦٢:١). وفى ذلك دليل على قوة قول الحنفية فى الباب، وأن الاحتياط فيما ذهبوا إليه، والله تعالى أعلم. باب وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام. قوله: "عن ابن عمر إلخ". لا يقال: إن فى ذكر عثمان وأنه كان يقصر ولا يزيد على ركعتين حتى قبضه الله إشكال، لأنه كان يتم الصلاة فى آخر أمره. لأنا نقول: إنه إنما كان يتم بمنى نازلا، وأما إذا كان سائرا فيقصر، ولذا قيده فى هذه الرواية بالسفر، وقد روى البخارى فى باب الصلاة بمنى عن عبد الله بن عمر، قال: ((صليت مع النبى معَّ له بمنى ركعتين، وأبى بكر، وعمر، وعثمان صدرا من إمارته، ثم أتمها اهـ). فارتفع الإشكال، (١) لعله أى الإمام الشافعى يشترط السير كل اليوم، ولذا جعل الستة وأربعين ميلا مسيرة ليلتين، والصحيح عندنا كما فى "العالمكيرية" أنه لا يشترط سير كل اليوم إلى الليل، فلو بكر فى كل يوم ومشى إلى الزوال ثم نزل يصير مسافرًا، وعلى هذا فالستة وأربعون ميلا هى مسيرة ثلاثة أيام بسير وسط، وعليه قولنا وقول الشافعى رحمه الله متقاربان، وبما أخرجنا فى الباب وذكرنا من أقوال الصحابة والتابعين اندفع ما حكاه البيهقى عن الشافعى فى "المعرفة" ونصه: وأما هم فيقولون: لا تقصر الصلاة فى أقل من مسيرة ثلاث ليال قواصد، ولا نعلمهم يروون هذا عن أحد ممن مضى عن قوله حجة اهـ. كذا فى "التعليق الحسن" (٦٤:٢) قلت: قد ذكرنا أنه مروی عن ابن عمر وعمر وسويد بن غفلة وغيرهم. ٢٨٦ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام إعلاء السنن (٢٤٢:١): صحبت رسول الله عَ لّه فى السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ووضع به معنى حديث المتن أنه كان يقصر فى سفره دائما، وإنما قصر بمنى لعده نفسه هناك مقيما كما سيأتى، ودلالته على وجوب القصر لما فيه من مواظبة النبى عَّ ه وأكابر الصحابة عليه فى السفر دائما، وهى تكفى لإثبات الوجوب عند صاحب "الهداية" ومن وافقه، وأما من لم يكتف بها فله الأحاديث الآتية المشتملة على الإنكار على الإتمام. قال الشوكانى فى "النيل": واعلم أنه قد اختلف أهل العلم هل القصر واجب أم رخصة أو الإتمام أفضل؟ فذهب إلى الأول الحنفية والهادوية، وروى عن على وعمر ونسبه النووى إلى كثير من أهل العلم، قال الخطابى فى "المعالم": كان مذاهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب فى السفر، وهو قول على، وعمر، وابن عمر، وابن عباس، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز (١)، وقتادة، والحسن، وقال حماد بن أبى سليمان: يعيد من يصلى فى السفر أربعًا، وقال مالك: يعيد ما دام فى الوقت اهـ. قال: واحتج القائلون بوجوب القصر بحجج، الأولى ملازمته مد يره للقصر فى جميع أسفاره، كما فى حديث ابن عمر المذكور فى الباب، ولم يثبت عنه عدّ له أنه أتم الرباعية فى السفر البتة، كما قال ابن القيم: وأما حديث عائشة الآتى المشتمل على أنه ب ظلّه أتم الصلاة فى السفر فسيأتى أنه لم يصح اهـ (٧٧:٣). قلت: وحديث عائشة الذى أشار إليه هو ما رواه الدار قطنى عنها، قالت: ((أخرجت مع النبى مرّه فى عمرة فى رمضان، فأفطر وصمت وقصر وأتممت، فقلت: بأبى أنت وأمى أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت، فقال: أحسنت يا عائشة!)) قال الدار قطنى: وهذا إسناد حسن، كذا فى "المنتقى"، وأخرجه أيضًا النسائى والبيهقى بلفظ: ((أن عائشة اعتمرت مع رسول الله عَّظّ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة قالت: بأبى (١) روى عنه: الصلاة فى السفر ركعتان لا يصح غيرهما، ذكره ابن حزم محتجا به، كذا فى "العمدة" للعينى (٥٤٧:٣). ٢٨٧. وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام ج - ٧ ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة اه)). أنت وأمي يا رسول الله! أتممت وقصرت))، الحديث. وفى إسناده العلاء بن زهير، عن عبد الرحمان بن الأسود بن یزید النخعی عنها، والعلاء بن زهیر قال ابن حبان: کان یروی عن الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات، فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات. وقد اختلف فى سماع عبد الرحمان منها، فقال أبو حاتم: أدخل عليها وهو صغير ولم يسمع منها، وادعى ابن أبى شيبة والطحاوى ثبوت سماعه منها، وفى رواية الدار قطنی عن عبد الرحمان، عن أبيه، عن عائشة، قال أبو بكر النيسابورى: من قال فيه: عن عائشة فقد أخطأ، واختلف قول الدار قطنى فيه، فقال فى "السنن": إسناده حسن، وقال فى "العلل": المرسل أشبه. قال فى "البدر المنير": إن فى متن هذا الحديث نكارة، وهو كون عائشة خرجت معه فى عمرة رمضان، والمشهور أنه مرّ ◌ُّه لم يعتمر إلا أربع عمر ليس منهن شئ فى رمضان، بل كلهن فى ذى القعدة إلا التى مع حجته، فكان إحرامها فى ذى القعدة وفعلها فى ذى الحجة، قال: هذا هو المعروف فى الصحيحين وغيرهما، واعترض عليه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسى فى كلام له على هذا الحديث، وقال: وهم فى هذا فى غير موضع، وذكر أحاديث فى الرد عليه، وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه وطعن فيه. قال (ابن القيم) فى "الهدى" بعد ذكره بهذا الحديث: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا حديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلى بخلاف صلاة النبى عَ لّةٍ وسائر الصحابة، وهى تشاهدهم يقصرون ثم تتم هى وحدها بلا موجب، كيف؟ وهى القائلة: ((فرضت الصلاة ركعتين، فزيدت فى صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر)) فكيف يظن بها أنها تزيد على فرض الله، وتخالف رسول الله وأصحابه؟ وقال الزهرى لهشام لما حدثه عن أبيه عنها بذلك (الحديث فرضت الصلاة ركعتين إلخ): فما شأنها كانت تتم الصلاة؟ قال: تأولت كما تأول عثمان، فإذا كان النبى معَ لّه قد حسن فعلها فأقرها عليه فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا ٢٨٨ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام إعلاء السنن التقدير اهـ، من "النيل" ملخصًا (٧٩:٣ و٨٠). قلت: فقد رأيت الأئمة الحفاظ کیف تكلموا على هذا الحدیث، وردوه علی راویه، منهم أبو بكر النيسا بورى، (شيخ الدار قطنى) وصاحب "البدر المنير"، والحافظ المقدسى، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، واختلف قول الدار قطنى فيه كما مر، ولكن بعض الناس سعى لتقويته وتصحيحه، وبذل سعيه فى تأييده وتحسينه، وهذا هو دأبه فى كل ما يخالف الحنفية ويرد عليهم. فقال: أما العلاء بن زهير فوثقه ابن معين، وقال عبد الحق: ثقة مشهور، والحديث الذى رواه فى القصر صحيح، ورد الذهبى على ابن حبان بأن العبرة بتوثيق يحيى، كذا فى "تهذيب التهذيب" (١٥٠:٨) وفى "نصب الراية": إسناده صحيح (٣١١:١) والنكارة التى فيه زيادة لفظ "رمضان"، فرواية النسائى سالمة عنها، على أن نكارة أحد الجزئين لا تستلزم نكارة الآخر، ويمكن الجواب عن قول عروة: أنها تأولت كما تأول عثمان أنها قد وجهت الإتمام دراية مع كونها روت فيه رواية، ولا منافاة بينهما، وعن قول ابن تيمية بأنها حملت القصر على الرخصة والإتمام على العزيمة كالصوم، فعملت بالعزيمة ثم أظهرت عند رسول الله مرّ له تحقيقا لما فهمت، وهذا كله ظاهر اهـ ملخصا. قلت: نعم! هذا كله ظاهر عند من لا عقل له ولا علم، أما قوله فى العلاء فمسلم، وهو ثقة عندنا لأن العبرة بتوثيق يحيى، ولكن هذا لا يكفى لصحة الحديث، فإن شرطها السلامة من الشذوذ والعلة مع ثقة الرواة وعدالتهم، وهذا الحديث شاذ بل فيه نكارة كما قاله فى "البدر المنير" وغيره، وأما إن عبد الحق والبيهقى صححاه، فنقول: إن غيرهما من الأئمة طعنوا فيه وردوه، فصار الحدیث مختلفا فى الاحتجاج به، ومثله وإن کان حسنا على أصلنا ولكنه لا يصلح لمعارضة ما فى الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة مما يدل على وجوب القصر، قال الشوكانى فى "النيل": وهذا بعد تسليم أنه حسن كما قال الدار قطنى، فكيف؟ وقد طعن فين بتلك المطاعن المتقدمة، فإنها بمجردها ج - ٧ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام ٢٨٩ توجب (١) سقوط الاستدلال به عند عدم المعارض اهـ (٨٠:٣). وأما قوله: إن رواية النسائى سالمة عن النكارة، فنقول: فيه علة أخرى، وهى كون عائشة صامت فى السفر مع كون النبى مّ لِّ مفطرا بدون إذنه وعلمه بذلك، حيث أخبرته بفعلها حين قدمت مكة، ولا يجوز للمرأة أن تصوم تطوعًا مطلقا أو فرضًا وهى مسافرة مع زوجها إلا بإذنه، كما سيأتى فى بابه، وإذا كان فى علمها أن فرض الله على المسافر ركعتان وهى القائلة: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيدت فى الحضر وأقرت صلاة السفر، وأن رسول الله عَّم كان إذا سافر صلى الصلاة الأولی))، کما ذکرنا کله فی المتن، فكيف جاز لها أن تخالف فرض الله باجتهادها والنبى معَّه معها ولا نخبره بفعلها إلى أن تقدم مكة؟ فإن ذلك بعيد عن مثلها أن تتهاون فى أمر الصلاة بمثل هذا التهاون، فرواية النسائى منكرة أيضا لزيادة ((حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله! بأبى أنت وأمى قرصت وأتممت، وأفطرت وصمت))، فهذه مخالفة لما صح عنها أنها كانت لا تصوم إلا إذا صام رسول الله عَ ليه، فقد روى الجماعة عنها قالت: ((كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضى إلا فى شعبان، وذلك لمكان رسول الله عَ لّه)) وفى لفظ البخارى: ((للشغل بالنبى معَ ◌ّ) كذا فى "النيل" (١١٦:٤ و١١٧) وعنها قالت: ((لم يكن النبى معَّهِ يصوم أكثر من شعبان، فإنه كان يصومه كله)) وفى لفظ: ((ما كان يصوم فى شهر ما كان يصوم فى شعبان، كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله)) متفق على ذلك كله، كذا فى "النيل" أيضًا (١٢٨:٤). وهذا هو السر فى قضاء عائشة ما كان عليها من الصيام فى شعبان، فكيف يتصور عاقل أنها تصوم فى السفر والنبى معٍَّ مفطر بدون إذنه، ولا تخبره بفعلها إلا بعد وصولها إلى مكة من المدينة، وكانت الدواعى متوفرة لأزواج النبى معَّه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية؟ فكيف يتصور لعائشة أنها تصلى صلوات عديدة فى أيام كثيرة خلاف ما (١) وأجاب عنه شيخنا فى تابع الآثار له بعد التسليم بأن قوله عليه السلام لعائشة أحسنت يمكن أن يكون معناه أى فى نفسه مع قطع النظر عن العوارض، لأن هذا القول كان بعد ما صلت وانقضى الوقت، وظاهر أن القضاء غير لازم (عندنا) وما روى عن بعض الصحابة (من لزوم الإعادة) مبنى على اجتهادهم اهـ (ص-٨٣). ٢٩٠ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام إعلاء السنن يصليها النبى عَّهِ، وخلاف ما قاله لها قبل أن فرض الله على المسافر ركعتان، ولا تسأله عن صلاتها إلا بعد عدة أيام؟. وأما قول بعض الناس: ويمكن الجواب عن قول عروة ((أنها تأولت كما تأول عثمان)) بأنها قد وجهت الإتمام دراية مع أنها روت فيه رواية. فنقول: لم يكن ذلك من دأب السلف لا سيما الصحابة رضى الله عنهم، فكانوا لا يوجهون ولا يأولون أفعالهم إذا كان عندهم رواية عن النبى معَّ فيها، فلا يجيب بمثل هذا الجواب إلا الجاهل عن أحوالهم كبعض الناس هذا، ولو كان هذا الحديث عند عائشة عن النبى عّ لِّ لكان عروة أعرف الناس به من بین أصحاب عائشة، فإن صاحب البيت أدرى بما فیه، وحينئذ كان على عروة حمل فعلها على أحسن المحامل دون حمله على تأول عثمان الذى أنكر عليه أجلة الصحابة بل سائر الناس كما سيأتى، ففى ذلك أول دليل على ضعف هذا الحديث وشذوذه، وبعد ذلك كله فلا يخفى أن هذا الخبر لا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة أصلا، فتقدم هى عليه، ولا حاجة إلى الجمع بينها وبينه، فإنما يحتاج إليه بعد تحقق المعارضة كما لا يخفى. وحديث عائشة رضى الله عنها هذا أخرجه الدار قطنى بلفظ آخر أيضًا: ((أن النبى مرٍّ كان يقصر فى السفر ويتم، ويفطر ويصوم)). وقال: إسناده صحيح، كما فى "المنتقى" مع "النيل" (٧٨:٣). قلت: لا حجة فيه أصلا، فإن الحافظ ضبط لفظ تتم وتصوم بالمثناة من فوق (ومعناه أن عائشة: كانت تتم دون رسول الله عَ ليه) كما فى "التلخيص الحبير" (١٢٨:١) قال الحافظ: وقد استنكره أحمد وصحته بعيدة، (أى مع كون لفظ تتم وتصوم بالمثناة من فوق) فإن عائشة كانت تتم، وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان كما فى الصحيح، فلو كان عندها عن النبى معَّ له رواية لم يقل عروة عنها أنها تأولت، وقد ثبت فى الصحیحین خلاف ذلك اهـ. وقال ابن القيم فى "الهدى" بعد ذكر هذا الحديث أيضًا: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله عَ ليه، وقال الشو کانی: لا حجة فیہ لهم، لما تقدم من أن لفظ تتم وتصوم بالفوقانية، لأن فعلها على فرض عدم معارضته لقوله وفعله ٢٩١ ج - ٧ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام ١٩٧٧- وعنه: قال: قال رسول الله عَّ اله: ((صلاة السفر ركعتان، من ترك السنة كفر))، رواه ابن حزم بسند صحيح "عمدة القارئ" (٥٤٨:٣). مَ لّه لا حجة فيه، فكيف إذا كان معارضا للثابت عنه من طريقها وطريق غيرها من الصحابة اه؟ من "النيل" (٨٠:٣). وقال النووى فى "شرح مسلم" له (٢٤١:١): واحتج الشافعى وموافقوه بالأحاديث المشهورة فى "صحيح مسلم" وغيره أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يسافرون مع رسول الله عَ ليه، فمنهم القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض، وبأن عثمان كان يتم، وكذلك عائشة وغيرها، وهو ظاهر قول الله عز وجل: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، وهذا يقتضى رفع الجناح والإباحة اهـ. وأجاب الشوكانى عن الأول: بأنا لم نجد فى "صحيح مسلم" قوله: ((فمنهم القاصر ومنهم المتم))، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار، وإذا ثبت ذلك فليس فيه أن النبى معَّ اطلع على ذلك وقررهم عليه، إلى أن قال: وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب (أى وجوب القصر) وأما دعوى أن التمام أفضل فمدفوعة بملازمته معَّ ◌ُّه للقصر فى جميع أسفاره، وعدم صدور التمام عنه كما تقدم، ويبعد أن يلازم النبى معَّ طول عمره المفضول ويدع الأفضل اهـ (٧٨:٣). وأما قوله: إن عثمان كان يتم وكذلك عائشة إلخ. فسيأتى أن جماعة من الصحابة أنكروا على عثمان لما أتم بمنى، وتأولوا له تأويلات وكذلك أنكروا على عائشة، وأما قول الله عز وجل: ﴿فليس عليكم جناح﴾ فقد سأل يعلى بن أمية عمر رضى الله عنه، وسيأتى بسط الكلام فيه فانتظر. مشوالسنه قوله: "وعنه إلخ". قلت: فيه دلالة صريحة على وجوب القصر على المسافر، لما فيه من قول النبى عَ له: ((صلاة السفر ركعتان))، وهو مشعر بكون القصر فى السفر كالإتمام فى الحضر، فكان المتم فى السفر كالقاصر فى الحضر، وقوله: ((من خالف السنة حادثا بعد عصر النهى عن ، وقال صحاب " الجوهر النقى: مثل هذه العبارة لا يطلق على ترك السنة، فظاهر هذا الأثر يدل على أن القصر متعين، وتركه ممتنع لا مكروه إهـ (٢٢:١). ٢٩٢ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام إعلاء السنن ١٩٧٨- عن: مورق، قال: ((سألت ابن عمر عن الصلاة فى السفر، قال: ركعتين ركعتين، من خالف السنة كفر)). رواه الطبرانى فى "الكبير" ورجاله رجال الصحيح "مجمع الزوائد" (٢٠٣:١). ١٩٧٩- عن: أبى الكنود، قال: ((سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان نزلتا من السماء، فإن شئتم فردوهما)). رواه الطبرانى فى "الصغير" ورجاله موثقون "مجمع الزوائد" (٢٠٣:١). قوله: "عن أبى الكنود إلخ". فيه دلالة على كون القصر عزيمة فى السفر، لقول ابن عمر: ((ركعتان نزلتا من السماء، فإن شئتم فردوهما)) ولو كان الإتمام أفضل أو مباحًا من غير كراهة لقال: أربع نزلت من السماء ويجوز القصر أيضًا، وأصرح من ذلك ما رواه سحنون، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن عبد الرحمان بن جساس، عن لهيعة بن عقبة، عن عطاء بن يسار، قال: ((إن ناسا قالوا: يا رسول الله! كنا مع فلان فى سفر فأبى إلا أن يصلى لنا أربعا أربعًا، فقال رسول الله عَّ: إذا والذى نفسى بيده تضلون اهـ)) (١١٥:١). رجاله كلهم ثقات إلا أنى لم أقف على ترجمة ابن جساس هذا، ولم يذكره الذهبى فى "الميزان" ولا الحافظ فى "اللسان"، فهو ثقة أو مستور، ولهيعة بن عقبة والد عبد الله، ذكره ابن حبان فى الثقات، كما فى "التهذيب" فى حرف اللام والباقون ثقات معروفون، والحديث مرسل كما ترى، وهو حجة عندنا، وفيه قوله عّ لّه: ((إذا والذى نفسى بيده تضلون))، صريح فى الإنكار على الإتمام فى السفر، وأنه ضلالة، وهذا إمارة الوجوب فافهم. وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له بعد ما ذكر أحاديث وآثارا فى القصر ما نصه: فهذه أخبار متواترة عن النبى معَّ له والصحابة فى فعل الركعتين فى السفر لا زيادة علينهما، وفى ذلك الدلالة على أنهما فرض المسافر من وجهين، أحدهما أن فرض الصلاة مجمل فى الكتاب مفتقر إلى البيان، وفعل النبى معَّ إذا أورد على وجه البيان فهو كبيانه بالقول يقتضى الإيجاب، وفى فعله صلاة السفر ركعتين بيان منه إن ذلك مراد الله، كفعله الصلاة الفجر وصلاة الجمعة وسائر الصلوات، والوجه الثانى لو كان مراد الله الإتمام أو القصر على ما يختاره المسافر لما جاز للنبى معَّ لله أن يقتصر بالبيان على أحد الوجهين دون ج - ٧ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام ٢٩٣ ١٩٨٠- معمن: السائب بن يزيد الكندى ابن أخت النمر، قال: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم زيد فى صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر)). رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورجاله رجال الصحيح "مجمع الزوائد" (٢٠٣:١). ١٩٨١- عن: عائشة رضى الله عنها زوج النبى عَ لّه، قالت: ((الصلاة الآخر، وكان بيانه للإتمام فى وزن بيانه للقصر، فلما ورد البيان إلينا من النبى معَّ له فى القصر دون الإتمام دل ذلك على أنه مراد الله دون غيره ألا ترى أنه كما كان مراد الله فی رخصة المسافر فى الإفطار أحد شيئين من إفطار أو صوم، ورد البيان إلينا من النبى عديدة. تارة بالإفطار، وتارة بالصوم. أيضًا: لما صلى عثمان بمنى أربعًا أنكرت عليه الصحابة ذلك، فقال عبد الله بن مسعود: (صليت مع النبی مُّٹّ ر کعتين، ومع أبی بکر ر کعتین، ومع عمر ر کعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، فلوددت أن حظى من أربع ركعتان متقبلتان)). قال ابن عمر: ((صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر)) وقال عثمان: ((إنما أتممت لأنى تأهلت بهذا البلد، وسمعت النبى عّ يقول: من تأهل ببلد فهو من أهله))، فلم يخالفهم عثمان فى منع الإتمام، وإنما اعتذر بأنه قد تأهل بمكة فصار من أهلها، وكذلك قولنا فى أهل مكة أنهم لا يقصرون، ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على أن للمسافر ترك الأخريين لا إلى بدل، ومتى فعلهما فإنما يفعلهما على وجه الابتداء، فدل على أنهما نفل، لأن هذه صورة النفل، وهو أن یکون مخیرا بین فعله وتر که، وإذا تر که تر که لا إلی بدل. واحتج من خير بين القصر والإتمام بأنه لو دخل فى صلاة مقيم لزمه الإتمام، فدل على أنه مخير فى الأصل، وهذا فاسد، لأن الدخول فى صلاة الإمام يغير الفرض، ألا ترى أن المرأة والعبد فرضهما يوم الجمعة أربع، ولو دخلا فى الجمعة صليا ركعتين، ولم يدل ذلك على أنهما مخيران قبل الدخول بين الأربع والركعتين اهـ (٢٥٥:٢). قوله: "عن السائب بن يزيد إلخ". قلت: سيأتى وجه دلالته على الباب فى شرح حديث عائشة بعده. قوله: "عن عائشة وعنها إلخ". قال العنبى فى "العمدة": أخرجه النسائي أيضاً، وذلك فى "الموطأ". قال أبو عمر: كل من رواه عن عائشة قال فيه: ((فرضت الصلاة)) إلا ٤ ٢٩٤ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام إعلاء السن أول ما فرضت ركعتان، فأقرت صلاة السفر وأتممت صلاة الحضر)). قال الزهرى: ((فقلت لعروة: فما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان))، رواه البخارى (١٤٨:١). ١٩٨٢- وعنها: قالت: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب ثلاثا لأنها وتر، قالت: وكان رسول الله عَّ له إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر، والصبح ما حدث به أبو إسحاق الحربى، قال: حدثنا أحمد بن الحجاج، ثنا ابن المبارك، حدثنا ابن عجلان، عن صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة، قالت: ((فرض الله الصلاة ركعتين ر کعتین))، الحدیث. انتهى كلامه. قلت: وفى "مسند" عبد الله بن وهب بسند صحيح عن عروة عنها: ((فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين)). الحديث، وعند السراج بسند صحيح: ((فرض الله الصلاة على رسول الله مَّ له أول ما فرضها ركعتين حينئذ)). وفى لفظ: ((كان أول ما افترض على رسول الله م ◌ّ من الصلاة ر کعتین ر کیتین)). وسنده صحيح، وعند البيهقى من حديث داود بن أبى هند، عن عامر، عن عائشة، قالت: ((افترض الله الصلاة على رسول الله معد له بمكة ركعتين ركعتين إلا المغرب، فلما هاجر (١) إلى المدينة زاد إلى كل ركعتين ركعتين اهـ)) (٥٤٧:٣). قلت: وبمثله أخرجه أحمد عنها ورجاله ثقات كما فى "مجمع الزوائد (٢٠٣:١) وقال أبو عمر بن عبد البر: رواه مالك، عن صالح بن کیسان، عن عروة، عن عائشة، وقال: حديث صحيح الإسناد عند جماعة أهل النقل، لا يختلف أهل الحديث فى صحة إسناده وطرقه عن عائشة متواترة، وهو عنها صحیح، ليس فى إسناده مقال، كذا فى "العمدة" للعينى (نفس المرجع) ملخصا، قال العينى: وهو ينبئ بأن صلاة المسافر التى هى الركعتان فرضت فى الأصل هكذا، والزيادة عليها طارئة، ولم تستقر الزيادة إلا فى (١) قال الدولابى: نزل إتمام صلاة المقيم فى الظهر يوم الثلاثاء اثنتى عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر بعد مقدمه مرا يه بشهر، وأقرت صلاة السفر ركعتين، كذا فى "العمدة" (٥٤٧:٣). ٢٩٥ ج - ٧ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام لأنها يطول فيها القراءة)). رواه أحمد مع روايات أخرى، ورجالها كلها ثقات "مجمع الزوائد" (٢٠٣:١). الحضر، وبقيت صلاة المسافر فرضًا على أصلها وهو الركعتان، فكما لا يجوز الزيادة فى الحضر بالإجماع فكذا المسافر لا يجوز له الزيادة. ولفظ فرضت وإن كان على صيغة المجهول لكن يدل على أن الله هو الذى فرض كما مر صريحًا فى الأحاديث المذكورة آنفًا اهـ. وقال الكرمانى: لا دلالة لهم (أى للحنفية) فيه، لأنه لو كان مجرَّى على ظاهره لما جاز لعائشة إتمامها، ثم إنه خبر واحد لا يعارض القرآن، وهو: ((أن تقصروا من الصلاة)) الصريح فى أنها كانت فى الأصل زائدةً عليه، إذ القصر التنقيص، ثم إن الحديث عام مخصوص بالمغرب وبالصبح، وحجية العام المخصص مختلف فيها، ثم إن راوية الحديث قد خالفت روايتها (لأنها كانت تتم) وإذا خالف الراوى روايته لا يجب العمل بروايته عندهم اهــ من العينى فى "العمدة" (٥٤٨:٣). قلنا: الجواب عن قوله: "لو كان الحديث مجرى على ظاهره لما جاز لعائشة إتمامها" مذكور فى نفس الحديث، فقد أشكل ذلك على الزهرى أيضًا لما سمع الحديث عن عروة عن عائشة، من حيث إنها أخبرت بفرضية الركعتين فى حق المسافر، ثم إنها كيف أتممت؟ فسأل عروة بقوله: ((ما بال عائشة رضى الله عنها تتم؟)) فأجاب عروة بقوله: "تأولت مما تأول عثمان رضى الله عنه". وذكر الحافظ فى "الفتح" ما نصه: والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصا بمن كان شاخصا سائرا؛ وأما من أقام بمكان فى أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، والحجة ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير، فذكر الحديث بطوله، وفيه: ((وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة اهـ)) (٢: ٤٧١). وهذا مما يؤيدنا فإنه يدل على أن عثمان لم يكن يتم مسافرا بل إنما أتم فى حال إقامته، غير أن المسافر متى يكون مقيما فيه خلاف فلا يضرنا هذا وإنما ندعى وجوب ٢٩٦ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام إعلاء السنن القصر فى حق المسافر، وهذا لم يخالفه عثمان ولا عائشة، وإنما أتما بتأويل أن النزول (١) بمكان فى أثناء السفر فى حكم الإقامة، وبالجملة فحديث البخارى ومسلم مع ما فيه من سؤال الزهرى عن عروة يدل على أن الحديث مجرى على ظاهره، وإتمام عائشة كان بالتأويل دون الإنكار كما روته، فسقط ما قاله الكرمانى أولا وآخرا، فإن مخالفة الراوى لروايته إنما تقدح فيها عندنا إذا كانت لا بتأويل، وأماإذا خالفها بتأويل فلا، كما صرح به علماؤنا فى كتب الأصول وذكرناه فى المقدمة. وبهذا سقط ما قاله النووى فى "شرح مسلم" له: إن معنى الحديث: فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد فى صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار اهـ (٢٤١:١). فلو كان معنى الحديث هذا لم يشكل إتمام عائشة على الزهرى أصلا، ولم يجبه عروة بأنها تأولت ما تأول عثمان، بل كان عليه أن يجيب بتفسير الحديث بالمعنى الذى ذكره النووى، حيث أشكل على الزهرى فعل عائشة وأجابه عروة بما أجابه ظهر أن فعلها كان مخالفًا لروايتها، ولكنها خالفت بالتأويل، فافهم، فقد اغتر بعض الناس بقول النووى هذا، ولم يتنبه لما فيه. قال الشوكانى فى "النيل" بعد ما ذكره عن النووى ما نصه: وهو تأويل متعسف لا يعول على مثله اهـ (٧٧:٣). وإن سلمنا أن عائشة خالفت روايتها بلا تأويل فنقول: ما اكتفينا فى الاحتجاج لما ذهبنا إليه بحديثها وحده، بل لنا فى ذلك دلائل أخرى من حديث ابن عمر، والسائب بن يزيد، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وغيرهم كما (١) وهذا هو محمل ما روى البيهقى من طريق شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ((أنها كانت تصلى فى السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختى! إنه لا يشق على؛ انتهى وهذا سند صحيح، كذا فى "نصب الراية" (٣١١:١) فمعناه أنها كانت تتم إذا أقامت بمنزل فى أثناء السفر، وقالت: إنه لا يشق على، وأما أنها كانت تتم سائرة فلا، وقول عروة: ((لو صليت ركعتين)) يدل على إنكاره فعل عائشة، وأن غيرها من الصحابة لم يكن يتم فى السفر أصلا لا سائرا ولا نازلا، ولذا تمنى عروة أنها لو كانت تصلي ركعتين كغيرها وأيضا قول عروة للزهري أنها تأولت ما تأول عثمان)) يدل على أنه حمل قولها «أنه لا يشق على)) على التأويل، ولم يكن معنى الحديث عنده ذلك بل كان القصر عنده لازما، ولولا ذلك لم ينكر على إتمامها ولم يتمن عليها القصر، ولم يحمل فعلها على التأويل فافهم. ج - ٧ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام ٢٩٧ سیأتی. وأما قول الكرمانى: إنه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن وهو ((أن تقصروا من الصلاة إلخ)). فالجواب عنه أولا أنه خبر مشهور، فقد عرفت فى قول ابن عبد البر إن طرقه عن عائشة رضى الله عنها متواترة، وستعرف أن معناه مروى عن جماعة من الصحابة غيرها مرفوعًا، وثانيا أنه لا يعارض لفظ القرآن أصلا، أما أولا فلقول بعض الصحابة إن الآية نزلت فى صلاة الخوف لا فى صلاة السفر. أخرج مالك فى "الموطأ" عن ابن شهاب، عن رجل من آل خالد بن أسيد، أنه سأل عبد الله بن عمر، فقال: ((يا أبا عبد الرحمان إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر فى القرآن ولا نجد صلاة السفر، فقال عبد الله بن عمر: يا ابن أخى! إن الله تعالى بعث إلينا محمدا مٍَّ ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل اهـ)) (ص-٥١). وأخرجه النسائى مسميا الرجل أمية بن عبد الله بن خالد ابن أسيد كما فى "جمع الفوائد" (١٠٣:١)، وكذا أخرجه ابن جرير فى تفسيره (١٥٦:٥) ثم أخرج من طريق شعبة، عن سماك الحنفى، قال: ((سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ قال: يصلى الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيئ هؤلاء مكان هؤلاء ويجبئ هؤلاء مكان هؤلاء فيصلى بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة اهـ)) (١٥٧:٥). وأخرج أحمد عن ابن عباس، قال: لن تقصر (١) الصلاة إلا مرة واحدة حيث صلى رسول الله مد ظله ركعتين وصلى الناس ركعة ركعة)). وفيه حميد بن على العقيلى، قال الدار قطنى: لا يحتج به، وذكره ابن حبان فى الثقات كذا فى "مجمع الزوائد" (٢٠٤:١). قال الطبرى: وأولى هذه الأقوال التى ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: عنى بالقصر فيها القصر من حدودها، وذلك ترك إتمام ركوعها وسجودها، وإباحة أدائها كيف أمكن أداؤها مستقبل القبلة فيها ومستدبرها وراكبا وماشيا، وهى الحالة التى قال الله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾. وأذن بالصلاة المكتوبة فيها راكبا إيماء بالركوع (١) هكذا فى الأصل ولعل الصحيح لم تقصر (المؤلف). ٢٩٨ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام إعلاء السنن والسجود، على نحو ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما من تأويله ذلك، وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بقوله: ﴿وإذا ضربتم فى الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ لدلالة قول الله تعانى: ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾، على أن ذلك كذلك، لأن إقامتها إتمام حدودها من الركوع والسجود وسائر فروضها، دون الزيادة فى عددها التى لم تكن واجبة فى حال الخوف، فإن ظن ظان أن ذلك أمر من الله بإتمام عددها الواجب عليه فى حال الأمن بعد زوال الخوف، فقد يجب أن يكون المسافر فى حال قصره صلاته عن صلاة المقيم غير مقيم صلاته لنقص عدد صلاته من الأربع اللازمة له فى حال إقامته إلى الركعتين، فذلك قول إن قاله قائل مخالف لما عليه الأمة مجمعة من أن المسافر لا يستحق أن يقال له إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها وقصر عددها عن أربع إلى اثنتين أنه غير مقيم صلاته إلى آخر ما قال وأطال وأجاد وأفاد (١٥٩:٥). وأيضًا فالقصر فى الآية مقيد مشروط بالخوف لقوله: ﴿إِن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾، وقصر المسافر غير مقيد به لقصره عّ لّه بمنى وهو آمن ما كان حينئذ فالظاهر أن الآية ليست فى شأن قصر المسافر عدد الصلاة، بل هى فى قصر الخائف حدودها، وكيفية أدائها والله أعلم، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. وأما ثانيا فلو سلم أنها نزلت فى صلاة السفر فالحديث غير معارض لها أيضًا، وإطلاق القصر فيها على صلاة السفر باعتبار ما كان زيد فيها فى الحضر، لا باعتبار أصل هذه الصلاة، وحاصله أنه أطلق عليها للقصر فى الآية باعتبار الصورة دون الحقيقة، فافهم. وأما قوله: إن الحديث عام مخصوص بالمغرب وبالصبح وحجية العام المخصص مختلف فيها إلخ. فغير سديد، لأن المراد من قولها: "فرضت الصلاة" هى الصلاة المعهود فى الشرع، وهى الصلوات الخمس، ومسماها معلوم، فكيف يصدق عليه حد العام؟ فليس هو من العموم والتخصيص فى شئ، ولو نظر الكرمانى فى طريق الحديث وجميع ألفاظها لم يقل إنه عام مخصوص بالمغرب والصبح، فقد ورد عنها عند أحمد بلفظ: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب ثلاثا لأنها وتر، قالت: وكان رسول الله عدّ له ج - ٧ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام ٢٩٩ ١٩٨٣- عن عمر رضى الله عنه، قال: ((صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، والفطر ركعتان، والأضحى ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد عَّ)). رواه ابن ماجة والنسائى وابن حبان، وإسناده صحيح "آثار السنن" (٦١:٢). ١٩٨٤- عن: يعلى بن أمية (١) قال: قلت لعمر بن الخطاب: «ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا))، فقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله عّ لّه عن ذلك؟ فقال: ((صدقة تصدق (٢) الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) رواه مسلم (٢٤١:١)، وفى لفظ لابن إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر، والصبح لأنها يطول فيها القراءة)). ورجاله ثقات كما ذكرناه فى المتن، وهذا صريح بأن المراد من قولها: "فرضت الصلاة" ما عدا المغرب، ومن قولها: ((فزيد فى صلاة الحضر ما عدا المغرب والصبح))، فأين العموم والتخصيص؟. قوله: "عن عمر" وقوله: "عن يعلى بن أمية إلخ". قلت: دلالة الأول على كون صلاة السفر تماما غير قصر كصلاة الجمعة وغيرها ظاهرة، فإن قلت: قال النسائى: فيه انقطاع، لأن ابن أبى ليلى لم يسمع من عمر. قلت: حكم مسلم فى مقدمة كتابه بسماع ابن أبى ليلى من عمر، وصرح فى بعض طرقه، فقال: عن عبد الرحمان بن أبى ليلى قال: سمعت عمر بن الخطاب، فذكره، ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو يعلى الموصلى فى "مسنده" عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبى ثالث، أن عبد الرحمان بن أبى ليلى حدثه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب فذكره. كذا فى "العمدة" للعينى (٢١٢:٢) وقال الزيلعى: ورواه ابن حبان فى "صحيحه" ولم يقدحه بشئ اهـ (٣١٠:١). واحتج بعض ما قال: إن القصر رخصة لا عزيمة بحديث يعلى بن أمية عن عمر، . فإن الظاهر من قوله: "صدقة" أن القصر رخصة فقط، وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على (١) وله صحبة كذا فى الفتح. (٢) أى أعطا كم إياه. ٣٠٠ وجوب القصر فى السفر وكراهة الإتمام إعلاء السنن حبان فى "صحيحه": ((فاقبلوا رخصته)) كذا فى "نصب الراية" (٣١١:١). أنه لا محيص عنها وهو المطلوب، كذا فى "النيل" (٧٦:٣) وقال صاحب "البدائع": إن الحديث دليلنا، لأنه أمر بالقبول فلا يبقى خيار الرد شرعًا، إذ الأمر للوجوب، ومعنى قوله: "تصدق عليكم" أى حكم عليكم، على أن التصدق من الله تعالى فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط كالعفو من الله تعالى اهـ (٩٢:١). وقال بعض الناس: قوله أى الشوكانى: "لا محيص عنها" فيه نظر، فإن المراد بقبول الرخصة أن يعتقدها ثابتة فى الدين، ولا يلوم من أخذ بها، لأن العمل بها واجب ومستحب. وهذا لا يخفى على الفطن، ولا صارف هناك عن هذا المعنى، وهذا لو أراد الشوكانى بالصدقة الرخصة، ولو لم يردها به فلفظ ابن حبان يرد عليه، والأحاديث يفسر بعضها بعضا فافهم أهـ. قلت: فهمنا فظهرنا سخافة هذا القائل، فإن الحديث أخرجه أبو داود بلفظ: ((قلت: لعمر بن الخطاب: أرأيت أقصار الناس الصلاة اليوم؟ وإنما قال الله عز وجل: ﴿إِن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾، الحديث (٢٣٠:٢ مع البذل) وسياقه مشعر بكون السؤال عن العمل دون الاعتقاد، وكيف يمكن أن يشك يعلى بن أمية أو عمر رضى الله عنهما فى ثبوت هذه الرخصة وجواز العمل بها فى الدين وقد رأيا رسول الله مرّ له يقصر الصلاة فى السفر دائما، ولم يتم فى سفر قط، حتى إنه قصر فى حجة وهو آمن ما كان حينئذ؟ وإنما ترددا فى لزومه بعد زوال الخوف لكون القصر مشروطا به فى الآية، فأجاب النبى معَ له بما أجابه، وهو يدل على وجوب العمل بهذه الرخصة فى كل سفر خوفا وأمنا. ويؤيد ما قلنا قول عمر فى الحديث الأول: ((صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم مرّه))، فأخبر أن الفرض ركعتان وأنه ليس بقصر، بل هو تمام كما ذكر فى صلاة الجمعة والأضحى والفطر وعزى إلى النبى معَّه، فصار ذلك بمنزلة قول النبى عَ ◌ّ- صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر، وذلك ينفى التخيير بين القصر والإتمام، فوجب حمل قوله: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) على الوجوب، كيلا تتضاد الآثار المروية عن عمر وحده، فلو كان معنى قوله: ((فاقبلوا صدقته أو رخصته)) أن قبول القصر اعتقادا واجب وقبوله عملا رخصة لم يقل: إن صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر،