النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ ج - ٧ سجود التلاوة وما يتعلق به ابن عمر: أن النبى عَِّ سجد فى صلاة الظهر، ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة)) أهـ (١: ٢٩٦) وأخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٢٢١:١) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره عليه الذهبى، وفيه أمية شيخ لسليمان التيمى، رواه له عن أبى مجلز وهو لا يعرف، قاله أبو داود فى رواية الرملى عنه، وفى رواية الطحاوى عن سليمان، عن أبى مجلز، قال: ولم أسمعه منه، و کذا وقع عند أحمد عن یزید بن هارون، عن سليمان، عن أبى مجلز به، ثم قال: قال سليمان: ولم أسمعه من أبى مجلز، ولكنه عند الحاكم بإسقاطه، ودلت رواية الطحاوى وأحمد على أنه مدلس، كذا فى "التلخيص الحبير" و"تهذيب التهذيب" (١١٤:١ و١-٣٧٣) وكلام أبي داود فى النسخة المعروفة عنه يشعر بأنه لم يعتمد على ذكر أمية بل على إسقاطه، فإنه رواه من طريق معتمر ويزيد وهشيم، وعن سليمان التيمى، عن أمية، عن أبى مجلز، ثم قال: قال ابن عيسى: لم يذكر أمية أحد إلا معتمر اهـ. وقال الذهبى فى "الميزان": والصواب إسقاطه من بينهما اهـ (١٢٨:١). ولكن يعكر عليه ما فى رواية الطحاوى وأحمد من قول سليمان: "ولم أسمعه من. أبى مجلز"، فكيف يكون الصواب إسقاطه من بينهما؟ وإن سلم فالحق ما قاله الحافظ فى "التلخيص": إنه مدلس، فلا يصح للخصم (١) الاحتجاج به على سجود التلاوة فى السرية، لأنه لا يحتج بالمدلس ولا برواية المجهول، والجواب عمن يجوز الاحتجاج بهما ما ذكره فى "البدائع" ونصه) ولنا أن هذا لا ينفك عن أمر مكروه، لأنه إن تلا ولم يسجد فقد ترك الواجب، وإن سجد فقد لبس على القوم، لأنهم يظنون أنه سها عن الركوع واشتغل بالسجدة الصلبية، فيسبحون له ولا يتابعونه، وذا مكروه، وما لا ينفك عن مكروه (١) والعجب من بعض الناس أنه صحح الحديث لمجرد الاعتماد على سكوت المنذرى عنه، وتصحيح الذهبى له، مع أنه لم يقدر على رفع الإشكال الوارد فى سنده، ولكن يرتفع عنه كل إشكال إذا كان الحديث واردًا على الحنفية موافقًا لغيرهم، ويجوز به الالتجاء بأئمة الفن والاعتماد عليهم حينئذ، وأما إذا كان فى حديث يوافق الحنفية ويرد علی خصمهم أقل شبهة وأُدنی کلام فلا پرتفع بشئ أصلا، وحينئذ لا يسوغ له الاعتماد على أحد ولو كان من أجلة أئمة الفن، كما فعل ذلك فى حديث أبى سعيد فى سجدة ص بلفظ: ((فلم يزل يسجد بها بعد اهـ)). فأسقط الاحتجاج به لمجرد قول الزيلعى: ذكر الدار قطنى فى علله اختلافًا اهـ. ولم يبال بتصحيح المنذرى له، وتصويب الدار قطنى إياه، وتصحيح الذهبى له على شرط وهل هذا إلا تحامل. ٢٦٢ إعلاء السنن باب استحباب سجود الشكر ١٩٦٢٠- عن: أبى بكرة رضى الله عنه، عن النبي ◌َّه: ((أنه كان إذا جاءه أمر سرور أويسر به خر ساجدا شكرا لله)). رواه أبو داود وسكت عنه (٤٤:٣) وفى "المرقاة" (٢٨:٣): قال الترمذى: حسن غريب، وصححه الحاكم اهـ. کان مکروها، وفعل النبی مګ محمول على بيان الجواز فلم يكن مكروها، (لكونه فى مقام التشريع) وإن تلاها مع ذلك سجد بها، لتقرر السبب فى حقه وهو التلاوة، وسجد القوم معه لوجوب المتابعة عليهم، ألا ترى أنه سجد رسول الله عّ لّه وسجد القوم معه اهـ (١٩٢:١). وأيضًا: فإن علة الكراهة مخافة التلبيس على القوم، فلا كراهة إذا حصل الأمن منها، وفعل النبى مرِّ محمول على ذلك فافهم. قال فى "الدر": ولو تلا على المنبر سجد وسجد معه السامعون اهـ. قال الطحطاوى: قوله: سجد على الأرض إن لم يتمكن من السجود على المنبر، ذكره ابن حجر فى شرح البخارى، وقواعدنا لا تأبا اهــ "شرح الملتقى"، وتقدم عن "الفتح" من رواية الإمام أنه يتزل إلى الأرض، من غير تفصيل، وهو الذى ينبغى التعويل عليه اهـ (٥٢٣:١). قلت: وقد مر فى المتن أول الباب: ((أنه مرّه قرأ ص وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه))، الحديث. مهمة لكل مهمة فى "الكافى": قيل: من قرأ آى السجدة كلها فى مجلس وسجد لكل منها كفاه الله ما أهمه اهـ. من "الدر" وتفصيله من "الشامية" (٨١٦:١) و"مراقى الفلاح" مع الطحطاوى. باب استحباب سجود الشكر قوله: "عن بكرة رضى الله عنه إلخ". فى سنده بكار بن عبد العزيز، قال المنذرى فى "مختصره" كما فى عون المعبود" (٤٥:٣): فيه مقال اهـ. قلت: قال صاحب "التقريب": صدوق يهم (ص-٢٤) وفى "تهذيب التهذيب" (٤٧٨:١): قال الدورى عن ابن معين: ليس بشئ، وقال إسحاق بن منصور عنه: صالح، وقال ابن عدى: أرجو أنه ٢٦٣ استحباب سجود الشكر ج - ٧ وصححه فى "زاد المعاد" أيضًا بعد عزوه إلى الإمام أحمد (٢١:٢). لا بأس به، وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، قلت: وقال البزار: ليس به بأس، وقال مرة: ضعيف، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف اهـ ملخصا بلفظه. قلت: فتعارض فيه قول ابن معين، وابن عدى، والبزار، ويمكن التوفيق، بأنهم ذكره مرة منفردا فوثقوه، ثم ذكروه مع من هو أوثق منه فضعفوه، فهو تضعيف إضافى، إلا أنه يحتمل تغير الاجتهاد أيضًا. تحقيق آنيق: قال بعض الناس: والأولى هى الأولى عندى إذا كان ذلك الراوى وثقه غير من تعارض كلامه فيه، وأما إذا لم يوثقه أحد غيره فليست بالأولى، ولا يكون الراوى حجة لبقاء حكم التعارض حينئذ، فافهم اهـ. قلت: بل مثله حسن الحديث مطلقًا، سواء وثقه غير من تعارض كلامه فيه أم لا، لأن التعارض يحتمل أمرين، إما أن يكون التوثيق متقدمًا عن التضعيف وهذا يسقط الاحتجاج به، أو يكون التوثيق متأخرا عن التضعيف، وحينئذ لا شك فى الاحتجاج به، والعدالة أصل فى الرواة الحملة للحديث النبوى، فلا تزول بالاحتمال ما لم يثبت كون التضعيف متأخرا. وفى "الرفع التكميل" للعلامة عبد الحى رحمه الله: قال الحافظ ابن حجر فى "بذل الماعون فى فضل الطاعون": وقد وثقه أى أبا بلج يحيى بن معين، والنسائى، ومحمد بن سعد، والدار قطنى، ونقل ابن الجوزى عن ابن معين أنه ضعفه، فإن ثبت ذلك فقد يكون سئل عنه وعمن فوقه فضعفه بالنسبة إليه، وهذه قاعدة جليلة فيمن اختلف النقل عن ابن معين فيه، نبه عليها أبو الوليد الباجى فى كتابه "رجال البخارى" انتهى. وقال تلميذه السخاوى فى "فتح المغيث" مما ينبه عليه أنه ينبغى أن تتأمل أقوال المزكين ومخارجها، فيقولون فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون به أنه ممن يحتج بحديثه ولا ممن يرد، وإنما ذلك بالنسبة لمن قرن معه على وفق ما وجه إلى القائل من السؤال، وعلى هذا يحمل أكثر من ورد من الاختلاف فى كلام أئمة الجرح والتعديل، ممن وثق رجلا فى وقت وجرحه فى وقت، وقد يكون الاختلاف للتغير فى الاجتهاد اهــ ملخصًا بلفظه (ص-١٧ و١٨) والحديث حجة لما صححه الأئمة، والاختلاف لا يضر. ٢٦٤ استحباب سجود الشكر إعلاء السنن وفى "رحمة الأمة" (ص-٢٢): ويستحب عند الشافعى رحمه الله وأحمد رحمه الله لمن حدث عنده نعمة أو اندفعت عنه نقمة أن يسجد شكرا لله تعالى، قال الطحاوى: أبو حنيفة رحمه الله لا يرى سجود الشكر، وروى محمد عنه أنه كرهه، ومالك يقول بكراهته منفردا عن الصلاة، ونقل عنه القاضى عبد الوهاب أنه قال: لا بأس به، وهو الصحيح اهـ. وفى "الدر المختار": وسجدة الشكر مستحبة، به يفتى، وفى "رد المحتار": هو قولهما، وأما عند الإمام فنقل عنه فى "المحيط" أنه قال: لا أراها واجبة، لأنها لو وجبت لوجبت فى كل لحظة، لأن نعم الله تعالى على عبده متواترة وفيه تكليف ما لا يطاق، ونقل فى "الذخيرة" عن محمد عنه: أنه كان لا يراها شيئًا، وتكلم المتقدمون فى معناه، فقيل: لا يراها سنة، وقيل: شكرا تاما، لأن تمامه بصلاة ركعتين كما فعل عليه الصلاة والسلام يوم الفتح، وقيل: أراد نفى الوجوب، وقيل: نفى المشروعية، وإن فعلها مكروه لا يثاب عليه، بل تركه أولى، وعزاه فى "المصفى" إلى الأكثرين، فإن كان مستندا لأكثرين ثبوت الرواية عن الإمام به فذاك، وإلا فكل من عبارتيه السابقتين محتمل، والأظهر أنها مستحبة كما نص عليه محمد، لأنها قد جاء فيها غير ما حديث (أى ظاهره أن المراد السجدة فقط دون الصلاة، وإن كان محتملاً للصلاة أيضاً)، وفعلها أبو بكر رضى الله عنه، وعمر رضى الله عنه، وعلى رضى الله عنه، فلا يصح الجواب عن فعله مرِّ بالنسخ، كذا فى "الحلية" مخلصًا، وتمام الكلام فيها، وفى "الإمداد": فراجعها: وفى آخر "شرح المنية": وقد وردت فيه روايات كثيرة عنه عليه الصلاة والسلام، فلا يمنع عنه لما فيه من الخضوع، وعليه الفتوى. وفى "فروق الأشباه": سجدة الشكر جائزة عنده لا واجبة، وهو معنى ما روى عنه أنها ليست مشروعة وجوبًا، وفيها من القاعدة الأولى: والمعتمد أن الخلاف فى سنیتها لا فی الجواز اهـ. قال بعض الناس: لم تثبت صلاة الشكر يوم الفتح على ما علمت اهـ. قلت: قد حلف بالطلاق أن يرد كل ما قاله الحنفية، وقد ذكر الحافظ فى "الفتح" من حديث ابن أبى أوفى أنه صلى الضحى ركعتين، فسألته امرأته؟ فقال: ((إن النبى معَّهِ صلى يوم الفتح ج - ٧ استحباب سجود الشكر ٢٦٥ ركعتين)). وعزاه إلى الطبرانى، وفيه أيضًا: وحكى عياض عن قوم أنه ليس فى حديث أم هانئ دلالة على ذلك، أى على سنية صلاة الضحى، قالوا: وإنما هى سنة الفتح، وقد صلاها خالد بن الوليد فى بعض فتوحه كذلك اهـ (٤٤:١). وهذا هو الذى قالته الحنفية: إن صلاته مَّ يوم الفتح بالضحى كانت شكرا لما فتح الله عليه، وهذا هو الشكر التام، وهذا الذى جزم به ابن القيم فى "زاد المعاد"، ورد على من ظنها صلاة الضحى، قال: وإنما هذه صلاة الفتح، وفى القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكرا لله تعالى، فإنها أى أم هانئ قالت: ما رأيته صلاها قبلها ولا بعدها اهـ (٤٢٥:١). وعليه حمل أبو حنيفة رحمه الله كل ما ورد فيه سجدة الشكر، أن المراد بها ركعتا الشكر، فإن إطلاق السجدة على الصلاة شائعة فى الشرع، كما فى حديث ثوبان مرفوعًا: ((عليك بكثرة السجود لله)). وفى حديث ربيعة الأسلمى مرفوعًا: ((أعنى بكثرة السجود)). أخرجهما مسلم فى "صحيحه" (١٩٣:١). قال النووى فى شرحه: والمراد به السجود فى الصلاة اهـ. فلما جاز حمل لفظ السجود على الصلاة فى قوله عّ لِّ هذا لمجرد شيوعه فى هذا المعنى شرعًا مع عدم قرينة خاصة تعين إرادة معنى الصلاة، فكيف لا يجوز حمله على هذا المعنى فى أفعاله معَّه وأفعال الصحابة؟ والفعل يحتمل الوجوه من أصله، لا سيما وقد تأيد هذا المعنى بفعله مَّ يوم الفتح، فقد تتابعت الروايات بذكر الصلاة فيه، وتأيد أيضًا بما روى ابن ماجه عن عبد الله بن أبى أوفى رضى الله عنه: ((أن رسول الله معرّ فله صلى يوم بشر برأس أبى جهل ركعتين اه)). وضعفه (١) صاحب "الزوائد" (٣١٨:١ مصرى). قلت: ولكن الضعيف يكفى لتأييد الاحتمال وتفسير الإجمال، لا سيما وهو صالح على أصلنا، كما نبهنا عليه فى الحاشية، فرواية صلاة يوم الفتح ويوم بشر برأس أبى جهل مفسرة لكل ما ورد فيه سجدة الشكر مجملة. (١) قلت: وإنما ضعفه لأن فى سنده شعثاء الكوفية لا تعرف، ولكن نص الذهبى، وكذا الحافظ ابن حجر فى النساء المجهولات قال: لا أعلم فى النساء من اتهمت ولا تركت كما فى "اللسان" (٨٥٣:١) وأيضًا: فإن شعثاء هذه تابعية، والمجهول من القرون الثلاثة مقبول عندنا، وبقية السند رجال الحسن، فالحديث يصلح للاحتجاج به، والله تعالى أعلم. ٢٦٦ استحباب سجود الشكر إعلاء السنن ١٩٦٣- عن: البراء بن عازب رضى الله عنه: ((أن النبى عَبّ سجد حين جاءه کتاب علی رضی الله عنه من الیمن یإسلام همدان)). رواه البيهقى وقال: إسناده صحيح كذا فى "التلخيص الحبير" (١١٥:١). وصححه المنذرى أيضًا، كما فى "عون المعبود" (٤٥:٣). وصححه الحافظ ابن القيم أيضًا فى فاندحض بذلك ما قاله العظيم الآبادى فى "التعليق المغنى" على الدار قطنى (١٥٨:١): وقال مالك: وهو مروى عن أبى حنيفة أنه يكره، إذا لم يؤثر عنه معد له مع تواتر النعم عليه، وإنكار وروده عن النبى معَّ له من مثل هذين الإمامين مع وروده عنه معد له من هذه الطرق التى ذكرناها من الغرائب والمفضى إلى العجب اهـ. قلت: وإنما العجب على سخافة فهمك، حيث حملت كلامهما على عدم علمهما بهذه الآثار، بل مرادهما أنه لم يؤثر عنه مَّ ◌ُلِّ صراحةً ما يدل على السجدة المنفردة عن الصلاة، بل كل ما ورد عنه فى ذلك متحمل إرادة معنى الصلاة بالسجدة، ويؤيدها حديث أم هانئ وابن أبى أوفى فافهم. هذا إذا حملنا كلام أبى حنيفة على نفى المشروعية، وإن حملناه على نفى السنية فلا إشكال أصلا، وروى ابن أبى شيبة والبيهقى عن أسلم (١)، قال: ((بشر عمر بفتح فسجد)) كذا فى "كنز العمال" (٢١٧:٤)، ولم أقف على سنده، ظاهر لفظ كان فى حديث المتن يدل على الاستمرار كما تقدم غير مرة، ومقتضاه تأكيد سجود الشكر، ولم أر من صرح بها، وإنما المنقول عنهم هو الاستحباب، وللعدول عن التأکید وجهان، أحدهما الاختلاف فى اللفظ، ففى "سنن الترمذى" عن أبى بكرة رضى الله عنه: ((أن النبى معَّ أتاه أمر فسر به فخر ساجداً) (١٩١:١) ذكره فى الجهاد فيحتمل أن يكون لفظ كان من تصرف الرواة، فلا حجة فيه على الدوام، وثانيهما أن تمييز النعمة الخاصة من العامة ليسجد على الخاصة قد يكون عسيرًا، فلو كان السجود مؤكدا للزم الحرج، وما جعل الله فى الدين من حرج. قوله: "عن البراء رضى الله عنه إلخ". دلالته على الباب ظاهرة. (١) مولی عمر رضى الله عنه. ٢٦٧ ج - ٧ استحباب سجود الشكر "زاد المعاد" (٩٧:١) حيث قال: إسناده على شرط البخارى اهـ. ١٩٦٤- عن: سعد بن أبى وقاص قال: خرجنا مع رسول الله عَّ له من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عزوزاء نزل، ثم رفع يديه فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدًا فمکث طويلا، ثم قام فرفع یدیه ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا، قال: إنى سألت ربى وشفعت لأمتى، فأعطانى ثلث أمتى، فخررت ساجدا شكرا لربى، ثم رفعت رأسى فسألت ربى لأمتى، فأعطانى ثلث أمتى فخررت ساجدا لربى شكرا، ثم رفعت رأسی فسألت ربی لأمتی، فأعطانى الثلث الآخر، فخررت ساجدا لربی شکزا))، رواه أبو داود (٤٥:٣) وسكت عنه، وصححه فى "زاد المعاد" (٩٧:١ و٢١:٢). ١٩٦٥- عن: عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، قال: خرج رسول الله عَّ له فاتبعته، حتى دخل نخلا، فسجد فأطال السجود، حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه أو قبضه، قال: فجئت أنظر فرفع رأسه، فقال: ما لك يا عبد الرحمن؟ قال: فذكرت ذلك له، قال: فقال: إن جبريل قال لى: ألا يسرك؟ إن الله عز وجل يقول: ((من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سملت عليه)). زاد فى رواية: ((فسجدت لله شكرًا)) رواه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد، كذا فى "الترغيب" (٢٩٨:١). ونقل البيهقى فى "الخلافيات" عن الحاكم قال: هذا حديث صحيح، ولا أعلم فى سجدة الشكر قوله: "عن سعد إلخ". دلالته على الباب ظاهرة، وفى "عون المعبود" (٤٥:٣): قال المنذرى: فى إسناده موسى بن يعقوب الزمعى، وفيه مقال اهـ. قلت: قد تقدم فى صلاة الضحى أنه مختلف فيه حسن الحديث. قوله: "عن عبد الرحمان إلخ". دلالته على الباب ظاهرة، وذكر الاختلاف فى السند صاحب "القول البديع" ولكنه ممكن التوفيق فلا يضر على أصولهم فمن صححه لم يعبأ به ودلالة بقية أحاديث الباب عليه ظاهرة. ٢٦٨ استحباب سجود الشكر إعلاء السنن أصح من هذا الحديث، كذا فى "القول البديع" (ص-٧٩). وصححه ابن القيم فى "زاد المعاد" (٩٧:١ و٤١:٢) بعد عزوه إلى أحمد. ١٩٦٦ - وفى "القول البديع" أيضًا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: ((خرج رسول الله عَ ليه لحاجته، فلم أجد أحدا يتبعه، ففزع عمر فأتاه بمطهرة من خلفه، فوجد النبى ◌ّ ساجدا فى شربة، فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبی مێ رأسه، فقال: أحسنت يا عمر! حین وجدتنى ساجدا فتنحيت عنى، إن جبريل عليه السلام أتانى فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة صلى الله عليه عشرا، ورفعه عشر درجات)). رواه الطبرانى فى "الصغير" من رواية الأسود بن يزيد عن عمر رضى الله عنه، ومن طريق الطبرانى أخرجه الضياء فى "المختارة". قلت: وإسناده جید بل صححه بعضهم اهـ. ١٩٦٧ - "سجد أبو بكر رضى الله عنه حين جاءه قتل مسيلمة". رواه سعید بن منصور. ١٩٦٨- و"سجد على رضى الله عنه حين وجد ذا الثدية فى الخوارج(١)". رواه أحمد فى مسنده. ١٩٦٩- و"سجد كعب بن مالك رضى الله عنه فى عهد النبی عٹ بشر بتوبة الله عليه" وقصته متفق عليها كذا فى "المنتقى" متن " النيل". (٢: ٣٥٥)، وصحح الأثرين، أثر أبى بكر رضى الله عنه، وأثر على رضى الله عنه فى "زاد المعاد" (٩٧:١ و٢١:٢). (١) فى "زاد المعاد": فى قتلى الخوارج. ٢٦٩ ج - ٧ أبواب صلاة المسافر باب مسافة القصر ١٩٧٠- عن: عبد الرحمن (١) بن أبى بكر، عن أبيه: ((أن رسول الله عد اله وقت فى المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، وللمقيم يوم وليلة)). رواه ابن حبان فى "صحيحه" "زيلعى" (٨٧:١) وقال الطحاوى فى "معانى الآثار" (١٥٠:١): قد تواترت الآثار عن رسول الله عَ لّه فى المسح على الخفين باب مسافة القصر قوله: "عن عبد الرحمان بن أبى بكر إلخ". قلت: تقرير الاستدلال به ما قاله فى "الهداية" بما نصه: عم الرخصة الجنس، ومن ضرورته عموم التقدير اهـ. وشرحه ما فى "فتح القدير": ذكر المسافر محلى باللام، فاستغرق الجنس لعدم المعهود، واقتضى تمكن (٢) کل مسافر من مسح ثلاثة أيام ولياليها، ولا يتصور أن يمسح کل مسافر ثلاثة أيام ولياليها إلا وأن يكون أقل مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها، إذ لو كان أقل من ذلك لخرج بعض المسافرين عن استيفاء هذه الرخصة، والزيادة عليها منتفية إجماعًا، فكان الاحتياج إلى إثبات أن الثلاثة أقل مدة السفر، وقد دل عليه وهى مسح ثلاثة أيام الجنس أى جنس المسافرين، لأن اللام فى المسافر للاستغراق، (كما فى المقيم) لعدم المعهود المعين، ومن ضرورة عموم الرخصة الجنس، حتى إنه يتمكن كل مسافر من مسح ثلاثة أيام عموم التقدير بثلاثة أيام لكل مسافر، فالحاصل أن كل مسافر يمكنه ذلك، ولأن الرخصة كانت منتفية بيقين فلا تثبت إلا بتيقن ما هو سفر فى الشرع، وهو فيما عيناه، إذ لم يقل أحد بأکثر منه اهـ (٣:٢ و٤). وحاصله ما قال الشيخ: إن الحديث يدل على أن من أراد قطع مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فهو مسافر حتمًا عند الشارع، وله رخصة المسح ثلاثة أيام ولياليها، وإلا لم يكن (١) هكذا فى الأصل، وفى "آثار السنن" عن أبى بكرة، وعزاه إلى ابن الجارود، فلعل عبد الرحمن هذا هو ابن أبى بكرة الثقفى. (٢) وبلفظ التمكن اندحض ما أورد عليه أن استيفاء مدة ثلاثة أيام ولياليها ليس بلازم للمسافر، فافهم وتأمل. ٢٧٠ بيان مسافة القصر إعلاء السنن للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقیم یوم وليلة اهـ. ١٩٧١- وأخرجه مسلم (١٣٥:١) عن شريح بن هانئ عن عائشة، قال: ((أتيتها أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبى طالب فاسأله، لذكر الثلاث معنًى، وأما إن قاصد مسافة يوم أو يومين مسافر عند الشارع وله رخصة المسح ثلاثة أيام ولياليها فمشكوك، ليس فى الحديث دلالة على عموم الرخصة له، ولا على كونه مسافرا شرعًا، والرخصة كانت منتفية بيقين، فلا تثبت إلا بيقين، وكذا كون الرجل مسافرا کان منتفیا بیقین فلا یکون مسافرا مستحق هذه الرخصة إلا بیقین، ولیس ذلك إلا فيما عيناه، لكون الشارع قد نص على الثلاثة للمسافر، فمريد مسافة الثلاثة مسافر باليقين، ولذا لم يقل أحد بأكثر منه فلا يكون مسافرا بإرادة مسافة أقل منها للشك. قال الشيخ: وتقرير الاستدلال بهذا الوجه أولى من الوجه الذى ذكره فى "الهداية". قلت: المراد بالمسافر فى الحديث من يقطع المراحل بطريق العادة المعروفة فى السفر بسير وسط مع الاستراحات التى اعتدوها، ولا شك أن مثل هذا المسافر إذا نوى قطع مسافة ثلاثة أيام لا يزال مسافرا فى مدة خمس عشر صلوات، ولا ينقطع سفره فى أقل من هذا أبدا، فلا يرد ما أورده المحقق فى "الفتح" بقوله: لكن قد يقال المراد يمسح المسافر ثلاثة أيام إذا كان سفره يستوعبها فصاعدًا، لا يقال: إنه احتمال يخالفه الظاهر فلا يصار إليه، لأنا نقول: قد صاروا إليه على ما ذكروا من أن المسافر إذا بكر فى اليوم الأول ومشى إلى وقت الزوال حتى بلغ المرحلة فنزل للاستراحة وبات بها، ثم بكر فى اليوم ومشى إلى ما بعد الزوال ونزل ثم بكر فى الثالث ومشى إلى الزوال فبلغ المقصد، قال السرخسى: الصحيح أنه يصير مسافرا عند النية، وعلى هذا خرج الحديث إلى (١) غير الاحتمال المذكور، فإن عصر اليوم الثالث فى هذه الصورة لا يمسح فيه تمام اليوم الثالث ملحقا بأوله شرعًا، حيث لم تثبت فيه رخصة السفر ولا هو سفر حقيقة، فظهر أنه إنما يمسح ثلاثة أيام شرعًا إذا كان سفره ثلاثة أيام، وهو عين الاحتمال المذكور من أن بعض المسافرين لا يمسحها، وآل إلى قول أبى يوسف، (أن السفر الشرعى يومان وأكثر الثالث) اهـ ملخصا (٤:٢). (١) فيه تصحيف والصواب عين الاحتمال المذكور كما سيأتى. ج - ٧ بيان مسافة القصر ٢,٧١ فسألناه؟ فقال: جعل رسول الله عّ لّه ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر))، إلخ. ١٩٧٢- أخبرنا: سعد بن عبيد الطائى، عن على بن ربيعة الوالبى فإنا نقول: إن هذا المسافر إنما لم يستوعب المسح ثلاثة أيام لكونه قطع مسافة الثلاثة على خلاف العادة بالتكبير والإسراع مثلا، وبمثله لا يرد النقص أصلا، فهل إذا طوی أحد جمیع الأرض فی ساعة بطريق الکرامة ورجع إلى بلده فى أقل من يوم واحد ولم يستوعب المسح ثلاثة أيام ولياليها تورد النقص بذلك أيضًا؟ كلا! فکذا لا يرد علينا شئ بما ذكروه، فإن هذا المسافر لو قطع مسافة الثلاثة بطريق العادة لاستوعب المسح ثلاثة أيام ولياليبها حتمًا، وإنما يستوعبها لكونه قطعها على خلاف العادة، وإن كان بحيث لو قطعها وفق العادة لم يستوعب المسح ثلاثة أيام ولياليبها فنقول: مثل هذا المسافر لا يقصر الصلاة فى قول أبى حنيفة ومحمد أصلا، وإنما يقصرها فى قول أبى يوسف. ويكون ما ذكروه وصححه السرخسى مبنيا على قوله لا على قولهما إن أراد ومثل ذلك بما ذكروه، والله تعالى أعلم، فإن حكم هذه الجزئية ليس منقولا عن الإمام نصًا، وإنما هو من تفريعات المشائخ، فلا يترك به ما هو منقول عن الإمام بالشهرة والتواتر فى تحديد مسافة القصر. وأما ما قيل: إن هذا أى كون ثلاثة أيام ولياليبها أدنى مدة السفر إنما يلزم أن لو كان ثلاثة أيام ولياليبها ظرفًا ليمسح، ولم لا يجوز أن يكون ظرفًا لقوله و "المسافر"، حتى يكون معناه: والمسافر ثلاثة أيام ولياليها يمسح، وتخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفى ما عداه، ذكره فى "العناية" (٣:٢) فهذا إنما يرد إذا كان لفظ الحديث يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها، كما فى "الهداية"، وأما على اللفظ الذى ذكرناه فى المتن فلا مساغ لهذا الاحتمال أصلا، سلمنا لكن لا يجوز أن يكون ثلاثة أيام ظرفا للمسافر، وإلا لكان فى قوله: يمسح المقيم يومًا وليلة كذلك، لأنه على نسق واحد، ويكون معناه: المقيم يومًا وليلة يمسح وغيره لا، وهذا فاسد كما لا يخفى، وأيضًا: فإن سوق الكلام ليس إلا لبيان كمية مسح المسافر لا لإطلاقه، وعلى تقدير كون الظرف للمسافر والمقيم يكون قوله يمسح مطلقًا، وهو خلاف المقصود. قوله: "أخبرنا سعيد بن عبيد إلخ". قلت: دلالته على معنی الباب ظاهرة، فقد نص ابن عمر على أن سويداء ثلاث ليال قواصد، فإذا خرجنا إليها قصرنا الصلاة، وهو بسياقه ٢٧٢ بيان مسافة القصر إعلاء السنن -الوالبة بطن من بنى أسد بن خزيمة- قال: ((سألت عبد الله بن عمر إلى كم تقصر الصلاة؟ فقال: أ تعرف السويداء (١)؟ قال: قلت: لا!ولكنى قد سمعت مشعر بتحديد مسافة القصر بمسيرة ثلاثة أيام، وهذا أصرح ما روى عنه وأبين، وقد ورد عنه غير ذلك أيضًا، فلنذكره ثم لنطبق بين الجميع. قال الحافظ فى "الفتح": روى عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرنى نافع: ((إن ابن عمر كان أدنى ما يقصر الصلاة فيه مال له بخيبر وبين المدينة وخيبر ستة وتسعون ميلا اهـ) (٤٦٧:٢). وفیه أنه رأی نافع فلا یعارض ما ثبت عنه صراحةً، قال: وروى وكيع من وجه آخر عن ابن عمر أنه قال: ((يقصر من المدينة إلى السويداء وبينهما اثنان وسبعون ميلا اهـ) (نفس المرجع) وهذا هو حديث المتن إلا أن لفظ: ((وبينهما اثنان وسبعون ميلا)) يحتمل أن يكون من قول ابن عمر أو من قول غيره، ويحتمل أن يكون مبنيا على اعتبار بعض المقادر الذى هو أكثر مقادير الميل، فإنها مختلف فيها جدا، كما فصلها الحافظ فى "الفتح" (نفس المرجع) فاندفع ما يتوهم من المخالفة بين هذا الأثر وبین ما قاله فقهاؤنا فى تحديد مسافة ثلاثة أيام على أن أصل المذهب عندنا أن لا معتبر بالفراسخ والأميال، بل المعتبر مسير الثلاثة بسير وسط، وروى عن الإمام التقدير بالمراحل (الثلاثة أيضًا) وهو قريب من الأول فإن الظاهر من عادة المسافرين قطع مرحلة فى يوم، كما فى "فتح القدير". (٤:٢) وعلى هذا فلا مخالفة لهذا الأثر بهذا اللفظ مما ذهبنا إليه. وفى "النيل" عن "البحر" عن أبى حنيفة رحمه الله: أن مسافة القصر أربعة وعشرون فرسخا اهـ (٨٢:٣). وهی اثنان وسبعون میلا کما فى هذا الأثر ... قال الحافظ: ورؤى عبد الرزاق (٢)، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: ((أنه سافر إلى ريم فقصر الصلاة)). قال عبد الرزاق: وهى على ثلاثين ميلا من المدينة اهـ. وفيه أنه واقعة حال تحتمل الوجوه، منها أن تكون ريم من الجهة التى سلكها ابن عمر أزيد من ثلاثين ميلا أو نحوها، ولكن كانت وعرة بحيث يشق قطعها فى أقل من ثلاثة أيام، قال شيخنا: وعلی کل فإن كانت مسافة ثلاثة أيام فلا إشكال، وإن كانت أكثر منها (١) هى موضع بقرب المدينة، القاموس. (٢) رجاله رجال الجماعة. ٢٧٣ ج - ٧ بيان مسافة القصر بها، قال: هى ثلث ليال قواصد، فإذا خرجنا إليها قصرنا الصلاة)). رواه الإمام محمد بن الحسن فى "الآثار" له (ص-٣٤ و٣٥) وفى "آثار السنن": إسناده فهذه واقعة حال لا دلالة فيها على أدنى مسافة القصر، وإن كانت أقل من الثلاثة فيحتمل أنه كان عزمه السفر البعيد ثم رجع لعارض بدا له، كذا حكاه بعض الناس عنه فى "الإحياء". قال: وروى ابن أبى شيبة، عن وكيع، عن مسعر، عن محارب، سمعت ابن عمر . يقول: ((لأسافر الساعة من النهار فأقصر)). وقال الثورى: سمعت جبلة بن سحيم، سمعت ابن عمر يقول: "لو خرجت ميلا قصرت الصلاة". وإسناد كل منهما صحيح (نفس المرجع) والجواب عنهما أن المراد به أن ابتداء السفر بالخروج عن البلدة، وأن القصر لا يتوقف على قطع مسافة السفر، بل يجب بابتدائه، وهذا ظاهر من ألفاظ الأثرين كما لا يخفى على عاقل، فعبر الابتداء بالسفر بقوله: ((لأسافر الساعة من النهار)) مرة، وبالخروج ميلا أخرى. قال: وروى ابن المنذر من رواية يزيد بن أبى حبيب، عن عطاء بن أبى رباح، ((أن ابن عمر وابن عباس کانا يصليان ركعتين يفطران فى أربعة برد فما فوق ذلك» وروی السراج من طريق عمرو بن دينار عن ابن عمر نحوه اهـ (٤٦٦:٢). قلت: ولا خلاف بينه وبين أثر المتن، فإن التحديد بأربعة برد فى هذا إنما هو من عطاء لا من قول ابن عمر، فلا يلزم منه كون ابن عمر قائلا بالتحديد بالبرد والأميال، بل إنما قصر لكون المسافة مسافة ثلاثة أيام عنده، واتفق به كونها أربعة برد أيضًا. قال: وروى الشافعى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم: ((أن ابن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة، قال مالك: وبينها وبين المدينة أربعة برد (١))) ورواه عبد الرزاق عن مالك هذا، فقال: ((بين المدينة وذات النصب ثمانية عشر ميلا اهـ)). قلت: فإذا تعارضا تساقطا، ولعل ما قاله الشافعى عن مالك أرجح مما قاله عبد الرزاق، ولعله وهم فجعل ثمانية وأربعين ثمانية عشر، والجواب عنه ما مر فى الجواب عن أثر عطاء المتقدم، (١) أربعة برد هى ستة عشر فرسخا، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، هذا هو الأشهر، كذا فى "الفتح" فالبريد اثنا عشر ميلا. ٢٧٤ بيان مسافة القصر إعلاء السنن صحيح اهـ (٢: ٦٢). (قلت: رجاله ثقات من رجال الصحيحين). على أن التحديد بأربعة برد وإن كان خلاف أصل المذهب ولكنه يوافق فتوى المشائخ من علمائنا كما سيأتى. قال: وفى "الموطأ" عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: ((أنه كان يقصر فى مسيرة اليوم التام اهـ) (٤٦٦:٢). قلت: هذا هو رأی سالم فى قصر أبيه، فلا تعارض بينه وبين ما ذكرناه فى المتن من قول ابن عمر، فيمكن أن يرى هو فى مسافة أنها مسيرة ثلاثة أيام أى بسير وسط كسير الزاملة من البعير، ويرى ابته أنها مسيرة يوم واحد أى بسير راكب مجد علی راحلة هو جاء. والعجب من الحافظ ابن حجر أنه كيف جعل هذه الأقوال متغائرة جدا، وأورد على الحنفية فى تمسكهم بحديثه المرفوع: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذى رحم محرم)) على أن أقل مسافة القصر ثلاثة أيام: أن الاعتبار عندهم بما رأى الصحابى لا بما روی، وقد اختلف عن ابن عمر فى تحديد ذلك اختلافًا (كثيرا) اهـ. فإن شيئا من الروايات التى سردها لا تعارض ولا تخالف تحديده بثلاثة أيام، وكيف يجوز إبداء الخلاف بجعل أقوال أصحابه أقوالا له، وبالتحكم عليه بظنونهم وآرائهم؟ فالحق أن ابن عمر رضى الله عنهما قائل بتحديد مسافة القصر بمسيرة ثلاثة أيام، ولم يرد عنه التصريح بخلاف ذلك أصلا، وحينئذ فلا يرد على استدلال الحنفية بحديثه المرفوع الاختلاف بين رأى الصحابى وروايته كما زعمه الحافظ. نعم! يرد عليه ما قاله الحافط أولا: إن الحديث ما سيق لأجل بيان مسافة القصر، بل لنهى المرأة عن الخروج وحدها، ولذلك اختلف الألفاظ فى ذلك، ويؤيد ذلك أن الحكم فى نهى المرأة عن السفر وحدها متعلق بالزمان، فلو قطعت مسيرة ساعة واحدة فى يوم تام لتعلق بها النيهي، بخلاف المسافر فإنه لو قطع مسيرة نصف يوم مثلا فى يومين (أو ثلاثة) لم يقصر فافترقا اهـ. وفى "الجوهر النقى": القصد من هذا الحديث الاحتياط على المرأة دون تحديد مدة السفر، ففى الاستدلال بهذا الحديث نظر، والذى استدل به أهل المذهب هو قوله عَ له: ((يمسح المسافر ثلاثة أيام)) سيق لبيان الرخصة للمسافر فيعم جميع المسافرين، فلو ثبت حكم السفر فى أقل من ثلاثة أيام لم يعم الرخصة الجميع اهـ ٢٧٥ ج - ٧ بيان مسافة القصر ١٩٧٣- عن: ابن عمر رضى الله عنهما، أن النبى عّ لّه قال: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذى محرم)). رواه البخارى (ص-١٤٧) وفى رواية مسلم بطريق الضحاك بن عثمان عن نافع: ((مسيرة ثلاث ليال))، "فتح البارى" (٢٢٠:١). وسيأتى الجواب عن كل ذلك فانتظر. قوله: "عن ابن عمر إلخ". قلت: دلالته على تحديد السفر ظاهرة، حيث اعتبرت المسافرة إلى ما دون الثلاث فى حكم المقيمة، فإن النهى عن الثلاث يدل بمفهومه على أن ما دونه غیر منھی عنه، فكان خروج المرأة إلیه کخروجها من دار إلی دار فی بلدتها حیث لا يشترط لها المحرم فكانت كالمقيمة، والمسافرة إلى مسيرة ثلاثة أيام مسافرة شرعًا، حيث افترقت عن المقيمة فى الأحكام، وبما ورد فى لفظ الحديث عند مسلم: من مسيرة ثلاث ليال، اندفع ما قاله الحافظ فى "الفتح": إن الحكم فى نهى المرأة عن السفر وحدها متعلق بالزمان، فلو قطعت مسيرة ساعة واحدة مثلا فى يوم تام لتعلق بها النهى، بخلاف المسافر فإنه لو قطع مسيرة نصف يوم مثلا فى يومين لم يقصر فافترقا اهـ. قلنا: لم يفترقا، فإن نهى المرأة عن السفر وحدها متعلق بالمسافة أيضًا كالمسافر دون الزمان كما زعمه، لما فى طريق أخرى من لفظ: ((مسيرة ثلاث ليال)) والعجب من الحافظ كيف غفل عن هذا اللفظ مع ذكره إياه بعد صفحة؟. ودلالة حديث أبى هريرة وأبى سعيد على معنى الباب بالوجه الذى ذكرناه ظاهرة. وبهذا اندفع ما قاله الحافظ وصاحب "الجوهر النقى" أيضًا: إن الحديث ما سيق لأجل بيان مسافة القصر، بل لنهى المرأة عن الخروج وحدها، ففى الاستدلال به نظر. لأنا نقول: طريق الاستدلال بالنص لا تنحصر فى الاستدلال بعبارته، بل يعم طرقا سواها من الاستدلال بدلالته وإشارته واقتضائه أيضًا، فلو سلمنا أنه سیق لأجل ما ذکرتموه. فهو يدل بعبارته على كون المسافرة مختصة بهذا الحكم دون المقيمة أيضًا، لكون النهى مقيدا بالمسافرة (١) كما لا يخفى، فلما قيد السفر بأن يكون ثلاثة أيام فصاعدا دل بمفهومه على (١) قال فى "النيل" عن الحافظ فى "الفتح": أطلق السفر ههنا وقيده فى الأحاديث المذكورة بعده، وقد عمل أكثر العلماء فى هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقديرات، قال النووى: ليس المراد من التحديد ظاهره بل كل ما يسمى سفرا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم اهـ (١٧١:٤). قلت: فقد ثبت اتفاقهم على كون النهى مختصا بالمسافرة دون المقيمة. ٢٧٦ بيان مسافة القصر إعلاء السنن (٤٦٨:٢). ١٩٧٤- عن: أبى هريرة، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثا إلا ومعها ذو محرم منها)). أخرجه مسلم (٤٣٤:١) وعزاه فى "النيل" إلى أحمد ومسلم بلفظ: ((مسيرة ثلاثة أيام)) اهـ (١: ٤٧٠). أن ما دون ذلك ليس بسفر، فتم الاستدلال به على حد السفر، وهو المطلوب. لا يقال: إن التقديرات مختلفة فقد روى البخارى عن أبى هريرة مرفوعًا: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة اهـ)) (١٤٨:١)، وأخرجه مسلم فى "صحيحه" أيضًا (٤٣٣:١ و٤٣٤). وأخرجا جميعا عن عبد الملك بن عمير، سمعت قزعة مولى زياد قال: سمعت أبا سعيد الخدرى رضى الله عنه يحدث بأربع عن النبى معَّ له، فأعجبنى وآنقننى، قال: ((لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم)). الحديث كذا فى "الفتح" (٥٧:٣) و"صحيح مسلم" (٤٣٣:١). لأنا نقول: إن حديث أبى هريرة فى ذلك مضطرب الإسناد والمتن كليهما، أما الاضطراب فى الإسناد فإن ابن أبى ذئب والليث بن سعد روياه عن سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة، ورواه يحيى بن أبى كثير وسهيل ومالك عن المقبرى عن أبى هريرة، فرجح البخاری رواية ابن أبی ذئب، ورجح الدار قطنی أنه عن سعید عن أبى هريرة لیس فيه عن أبيه، كما رواه معظم رواة "الموطأ" (وهذا الاختلاف ممكن التوفيق). وأخرجه ابن خزيمة من طريق خالد الواسطى وحماد بن سلمة، وأخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم من طريقٍ جرير، كلهم عن سهيل بن أبى صالح، عن سعيد، عن أبى هريرة، وقال بشر بن المفضل: عن سهيل، عن أبيه، عن أبى هريرة، أبدل سعيدا (المقبرى) بأبى صالح، وخالف فى اللفظ أيضًا: فقال: ((تسافر ثلاثا))، أخرجه مسلم، وقال جرير فى روايته: "بريدا" بدل "يومًا" (أخرجه أبو داود) وهذا هو الاضطراب فى المتن، كذا يتحصل من كلام الحافظ فى "الفتح" (٤٦٩:٢). وهذا الاختلاف غير ممكن التوفيق إلا بتعسف وتكلف بتصحيح الطرق كلها كما فعله الحافظ، وقال: ولكن المحفوظ عن أبى صالح عن أبى سعيد، ولا يخفى بعده، فإن مسلما أودع فى "صحيحه" طريق سهيل عن أبى صالح، عن أبى هريرة، فكيف يكون ٢٧٧ ج - ٧ بيان مسافة القصر ١٩٧٥- عن: أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله عَّ له: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها)). أخرجه مسلم (ص-٤٣٤)، وعزاه فى "النيل" إلى الجماعة إلا البخارى والنسائى اهـ (١٧٠:١). المحفوظ خلافه؟ فلا بد من الترجيح أو طرح الروايات كلها. وأما حديث أبى سعيد الخدرى فهو مضطرب المتن أيضا، فروى عبد الملك بن عمير، عن قزاعة عن أبى سعيد بلفظ: ((نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين)) كما مر، وتفرد بهذا اللفظ، لم نعلم له متابعا فى ذلك عن قزعة، وخالفه ثقتان، سهم بن منجاب وقتادة عند مسلم (٤٣٣:١) فرويا كلاهما عن قزعة عن أبى سعيد بلفظ: ((لا تسافر امرأة ثلاثا» لفظ قتادة: ((فوق ثلاث إلا مع ذي محرم)) وهذا أرجح، لأن عبد الملك بن عمير وإن كان من رجال الجماعة ثقة لكن قال أحمد: عبد الملك مضطرب الحدیث جدا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط فى كثير منها، وقال إسحاق بن منصور: ضعفه أحمد جدا، قال صالح بن أحمد عن أبيه: إن عبد الملك يختلف عليه الحفاظ، وقال ابن منصور عن ابن معين: مخلط اهـ من "تهذيب التهذيب" (٤١٢:٦) لا سيما إذا تأيد لفظ. سهم بن منجاب وقتادة بما رواه أبو صالح عن أبى سعيد مرفوعًا بلفظ: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها)) الحديث. أخرجه مسلم كما ذكرناه فى المتن، فلا يلتفت إلى لفظ عبد الملك وقد تأيد لفظ الثلاثة بمثل هذا التأييد، وكذا الراجح عندنا فى حديث أبى هريرة ما ذكرناه فى المتن من لفظ: ((لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثا إلا ومعها ذو محرم منها))، لأنه لما تحقق الاضطراب فى متنه وإسناده، واحتيج لرفعه إلى الترجيح فاللفظ الذى يوافق حديث ابن عمر الذى لم يختلف الرواة فى لفظه ولا فى سنده أرجح مما يخالف هذا الحديث الصحيح السالم من العلل کلها. وبالجملة فالأصل فى الاحتجاج حديث ابن عمر، وأما حديثا أبى هريرة وأبى سعيد فإنما يجوز الاحتجاج من طرقهما ولفطهما بما وافق لفظ حديث ابن عمر لا بما خالفه، فإن ٢٧٨ بيان مسافة القصر إعلاء السنن الاضطراب فى حديث أبى هريرة أشد، وحديث أبى سعيد بلفظ: "يومين" تفرد به عبد الملك وفیه مقال، وخالفه الثقات فى ذلك، فافهم. لا يقال: إنما يحتاج إلى الترجيح إذا لم يمكن الجمع وههنا الجمع ممكن بحمل الاختلاف فى مواطن بحسب السائلین. لأنا نقول: إنما يتمشى ذلك إذا كان الاختلاف فى حديثين فصاعدًا، وما كان فى حديث واحد برواية صحابى واحد فلا، لأنه يبعد من الصحابى أن يكون عنده علم باختلاف ألفاظ النبى مب لله ثم يقتصر منها على لفظ مرة وعلى لفظ أخرى، وإن كان ذلك جائزا لم يوجد فى الدنيا حديث مضطرب أصلا، وأيضًا: فكيف يمكن حمل هذا الاختلاف فى مواطن بحسب السائلين وتحديد المسافة المنهية عن الخروج إليها للمرأة بلا محرم لازم شرعًا؟ لا بد من تعيينها لتعذر الاحتراز عنها بدون ذلك. فإن قيل: إن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر، وهى رواية ابن عباس مرفوعًا: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم، فقام رجل يا رسول الله! إن امرأتى خرجت حاجة وإنى اكتتبت فى غزوة كذا وكذا، قال: فانطلق وحج ومع امرأتك))، متفق عليه كما فى "المنتقى" مع "النيل" (١٧٠:٤) فينبغى الأخذ بها، ونهى المرأة عن كل سفر مطلقا إلا مع ذى محرم بدون تقييده بمدة دون مدة، أو يقال: إن الرواية المطلقة مقيدة بأقل ما ورد، وهو رواية الثلاثة الأميال إن صحت، أخرجها الطبرانى عن ابن عباس بلفظ: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذى محرم اهـ)) كما فى "النيل" (١٧١:٤). وإلا فرواية البريد أخرجها أبو داود عن أبى هريرة كما تقدم فى كلام الحافظ. قلنا: فى كل ذلك حرج لا يخفى، أما فى النهى عن كل سفر مطلقا فظاهر، وكذا عن ثلاثة أميال، فإن التحديد بها أشد من الإطلاق لما فيه من الحرج على الأمة، والحرج مدفوع بالنص، وأيضًا: فإن ذلك أى الخروج إلى مسافة ثلاثة أميال لا يسمى سفرا عرفا ولا عادة، وقد يكون البعد بين المحلتين من البلدة الكبيرة نحو ثلاثة أميال بل أزيد منها، ولا يقال للذاهب من محلة لها إلى محلة أخرى مسافرا، فهذه مدينة الرسول مَ لآم كانت حولها منازل بنى قريظة، والنضير، وقباء، والعوالى، ولم يثبت فى أثر ما أنه خطر لنساء ج - ٧ بيان مسافة القصر ٢٧٩ المسلمين عن الخروج من المدينة إليها، أو منها إلى المدينة إلا بمحرم. وقد ورد فى الصحيح عن أسماء أنها كانت تنقل النوى لفرص الزبير من أرض له أقطعها له رسول الله عّ لّه وهى منها على ثلثى فرسخ اهـ (٧٨٦:٢). ولا شك أن التقاط النوى لا يتيسر من موضع واحد، فالظاهر أنها كانت تبعد من المدينة فرسخا ونحوه، وظنى أن فيه أى فى لفظ ثلاثة أميال تصحيفا عن ثلاثة ليال، ولما سمعت عائشة رضى الله عنها أن أبا سعيد الخدرى يفتى أن رسول الله مرّ له قال: (لا يصلح للمرأة أن تسافر إلا ومعها محرم، فقالت: ما لكلهن ذو محرم)). أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" له (٣٥٨:١) بسند صحيح، فأنكرت عليه لما أطلق بالنهى عن السفر للمرأة، وحاشاها أن تنكر حديث رسول الله عَّه إلا وعندها علم بحقيقة ما قاله عَّه، فالظاهر أنها أنكرت إفتائه بالإطلاق، والنهى مقيد بمدة معلومة عندها لما فى الإطلاق من الحرج. ورواية البريد لا تصلح للأخذ بها، لما فى معنى البريد من الجهالة والإبهام، قال فى "القاموس": والبريد الفرسخان أو اثنى عشر ميلا أو ما بين المنزلين اهـ (١٧٢:١). وما بين المنزلين مختلف جدا، وأيضًا: فإن حمل هذا المطلق لا يجوز إلا على المتيقن، لما تقرر فى الأصول أن اليقين لا يزول إلا بمثله لا بالمحتمل، وقد كان السفر مباحًا للمرأة قبل النهى مطلقًا، لكون الإباحة هى الأصل، ولأن النهى عن شئ يقتضى إباحته قبله، ولإطلاق قوله تعالى: ﴿قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين﴾. وقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر﴾. وقوله تعالى: ﴿فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ الآيات، والرجال والنساء فى الخطاب بها سواء لم يقل أحد باختصاصها بالرجال دون النساء، فلا يجوز تقييد هذا المطلق إلا بالمتيقن، وهو فيما قلنا لما قال الطحاوى رحمه الله: اتفقت الآثار التى فيها مدة الثلاث كلها عن النبى عَّ له فى تحريم السفر ثلثة أيام (بلياليها) على المرأة بغير محرم، واختلف فيما دون الثلاث، فنظرنا فى ذلك فوجدنا أن حديث ما دون الثلاث لم يخل من أن يكون متقدما على خبر الثلاث أو متأخرا، فإن كان متقدما فيكون خبر الثلاث المتأخر ناسخا، وإلا لما كان لذكره الثلاث معنى، فإن كان متأخرا فلم يمكن أن يقال: إنه ناسخ لخبر الثلاث بل يكون مثبتا لحرمة ٢٨٠ بيان مسافة القصر إعلاء السنن زائدة، وهى حرمة ما دون الثلاث مع بقاء حرمة الثلاث وما فوقها، فحديث الثلاث واجب استعماله على الأحوال كلها، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان متأخرا لا أن كان متقدما، فالأخذ بما يجب استعماله فى كلا الحالين أولی مما يجب استعماله بحال وتركه بحال، انتهى كلام الطحاوى ملخصا من "شرح الآثار" له (٣٥٨:١). هذا كلامنا فى الترجيح وإن سلكنا مسلك الجمع، وصححنا کل ما ورد فى روايات أبى هريرة وأبى سعيد مع كونها مشتملة على المقادير المختلفة المستلزمة لاضطرابها، ولم نجترئ على رد شئ منها لكون البخارى ومسلم صححاها جميعا، فلنا أن نجمع بينها بما قاله شيخنا: إن النهى عما دون الثلاثة ليس بكونه سفرا معتبرا عند الشرع، بل لعارض خوف الفتنة، بخلاف السفر مسيرة ثلاثة أيام فإن النهى عنه لكونه سفرا معتبرا شرعًا سواء خافت الفتنة أولا، ولا يجوز كونه لعارض وإلا لزم عدم تحديد السفر الذى نهى الشارع المرأة عنه إلا بمحرم، وهو ليس بجائز لما ذكرنا، فلو لم يكن السفر الشرعی محدودا بالثلاثة لو جب أن یرد نص آخر يحدده ویذ کر فیه النهى عن السفر مسيرة أكثر من ثلاثة أيام، كالأربعة أو الخمسة، وحيث لم يرد فكان دليلا على أن السفر الشرعى المتعلق به النهى للمرأة إلا بمحرم هو هذا السفر مسيرة ثلاثة أيام، وأما ما دونه فمبنى على العوارض فافهم اهـ. من كلام بعض الناس فى "الإحياء" مع تغيير يسير فى التعبير. لا يقال: لانسلم قوله: ((حيث لم يرد)» بل نقول: قد ورد نص يدل على تعلق هذا النهى بأكثر من ثلاث لا بالثلاث، وهو ما أخرجه مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، وأبو سلمة، عن عبيد الله بهذا الإسناد (أى عن نافع، عن ابن عمر)، أن رسول الله مَّه قال: ((لا تسافر المرأة فوق ثلاث إلا ومعها ذو محرم اهـ)) (٤٣٣:١). وله شاهد من حديث قتادة، عن قزعة، عن أبى سعيد الخدرى، أن نبى الله مَ له قال: ((لا تسافر المرأة فوق ثلاث ليال إلا مع ذي محرم)»، وفى رواية عنه: ((أكثر من ثلاث إلا مع ذى محرم)) أخرجهما مسلم أيضًا. قلت: قد تفرد ابن أبى شيبة عن أبى أسامة، وعبد الله بن نمير كلاهما عن عبيد الله