النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
حكم صلوة المريض
ج - ٧
فائدة:
الظاهر من حديث عمران أن القادر على القيام العاجز عن الركوع والسجود يجب
عليه القيام للقراءة، ويؤمى للركوع والسجود، لما فيه من تعليق الجواز قاعدًا بشرط العجز
عن القيام، ولا عجز فى هذه الصورة، ولأن القيام ركن فلا يجوز تركه مع القدرة علیه،
وبه قال زفر والشافعى، كما فى "البدائع" (١٠٧:١). وهو مذهب أحمد كما فى
"المغنى" (٧٨٢:١) قال: لم يسقط عنه القيام ويصلى قائمًا فيؤمى بالركوع ثم يجلس
فيؤمئ بالسجدة اهـ. وهو قول مالك كما فى "المدونة" (٧٨:١).
وهذا هو الذى ذكره فى "النهر" من كتبنا معشر الحنفية، فقال: يفرض عليه أن
يقوم للقراءة، فإذا جاء أوان الركوع والسجود أومأ قاعدًا، ذكره فى "رد المحتار"، ثم قال:
وما ذكره من افتراض القيام فلم أره لغيره فيما عندى من كتب المذهب، بل كلهم متفقون
على التعليل بأن القيام سقط لأنه وسيلة إلى السجود، بل صرح فى "الحلية" بأن هذه
المسألة من المسائل التى سقط فيها وجوب القيام مع انتفاء العجز الحقيقى والحكمى اهـ
(٧٩٣:١). قلت: والذى ذكره فى النهر أقره عليه الطحطاوى فى حاشيته على "مراقى
الفلاح" (ص-٢٥٢)، وما ذكروه فى تعليل سقوط القيام اعترضه المحقق فى "الفتح"
بأنه قد يمنع أن شرعيته لهذا على وجه الحصر، بل له ولما فيه نفسه من التعظيم، كما يشاهد
فى الشاهد من اعتباره كذلك، حتى يحبه أهل التجبر لذلك، فإذا فات أحد التعظيمين
صار مطلوبًا بما فيه نفسه، ويدل على نفى هذه الدعوى أن من قدر على القعود والركوع
لا القيام وجب عليه القعود، مع أنه ليس فى السجود عقبيه تلك النهاية(١) لعدم مسبوقيته
بالقيام اهـ (١ : ٤٦٠).
قلت: وهذا إيراد قوى لا يدان لدفعه، وعلله فى "البدائع" ثانيًا بأن السجود معتبر
بدون القيام كما فى سجدة التلاوة، وليس القيام معتبرًا بدون السجود بل لم يشرع
بدونه، فإذا سقط الأصل سقط التابع ضرورة اهـ (١٠٧:١). ولا ترد عليه صلاة الجنازة
حيث لم يلزمه ثمه سقوط القيام بسبب سقوط السجود، لأن صلاة الجنازة ليست بصلاة
(١) أى نهاية التعظيم.
٢٠٢
حكم صلوة المريض
إعلاء السنن
حقيقة بل هى دعاء، "بحر" (١١٢:٢) فاندفع إيراد ابن قدامة فى "المغنى"
بها علينا (٧٨٣:١).
لكن يرد عليه كون القيام معتبراً مع الإيماء للسجود، بأن كان الرجل فى طين
وردغة راجلا، أو فى حالة الخوف من العدو(١) وهو راجل، فإنه يصلى قائمًا بالإيماء فكذا.
ههنا، ويدفع بأن القيام ليس بلازم عليها عندنا، فإن صليا قاعدين بالإيماء جاز، وإنما يقومان.
لمصلحة أنفسهما أو ثيابهما، ولا ننكر جواز الإيماء قائمًا، وإنما الكلام فى وجوب القيام
وعدمه على العاجز عن السجود.
ولقائل أن يقول: إن ركنية القيام قد ثبتت بالنص وهو قوله تعالى: ﴿وقوموا لله
قانتين﴾. وقوله ◌ِّ له لعمران: ((صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا))، وبالإجماع، فلا يسقط
وجوبه عن القادر عليه بالقياس الذى ذكرتموه، فإن القياس أضعف الدلائل لا يجوز
معارضة القطعى له، اللهم إلا أن يقال كما قال صاحب "البدائع" فى تعليل المسألة أولا:
إن الغالب أن من عجز عن الركوع والسجود كان عن القيام أعجز، لأن الانتقال من
القعود إلى القيام أشق من الانتقال من القيام إلى الركوع، والغالب ملحق بالمتيقن فى
الأحکام؛ فصار کأنه عجز عن الأمرین، إلا أنه متی صلی قائمًا جاز، لأنه تكلف فعلا ليس
عليه، فصار كما لو تكلف الركوع جاز وإن لم يكن عليه، إلى أن قال: فأما الحديث فنحن
نقول بموجبه إن العجز شرط لكنه موجود ههنا نظرًا إلى الغالب، لما ذكرنا أن الغالب(٢) هو
العجز فى هذه الحالة، والقدرة فى غاية الندرة، والنادر ملحق بالعدم اهـ (١٧:١).
قلت: وتعليل المسألة بذلك أولى مما عللها به الجمهور من علمائنا، وعلى هذا فلا
يصح ما فى "الحلية": إن هذه المسألة من المسائل التى سقط فيها وجوب القيام مع انتفاء
(١) أى يخالف حملة العدو علیه إذا ركع وسجد.
(٢) لا یقال: قد صرح أصحاب الأصول فی باب المعیار والظرف أن المسافر لو نوی فی رمضان واجبًا آخر وقع عنه عند
أبى حنيفة بخلاف المريض، لأن رخصته متعلقة بحقيقة العجز لا العجز التقديرى كذا فى "نور الأنوار".
(ص-٥٦) لأنا نقول: إن هذا خاص بالصوم وأما فى الصلاة فرخصة المريض متعلقة بالعجز التقديرى، كأنه خاف
زيادة المرض أو بطأه، دون حقيقة العجز كما هو مصرح ههنا، على أن مسألة الصوم للمريض مختلف فيها أيضاً،
كما ذكره فى "نور الأنوار" بعده.
٢٠٣
ج - ٧
حكم صلوة المريض
١٩١٠ - عن: جابر بن عبد الله رضى الله عنه، قال: ((عاد رسول الله
مَّلِ مريضًا وأنا معه، فرآه يصلى ويسجد على وسادة، فنهاه، وقال: إن
استطعت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأوم إيماءً، واجعل السجود أخفض
من الر کوع». رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، كذا فى "مجمع الزوائد"
(٢٠١:١)، وفى "الدراية" (ص-١٢٧) بعد عزوه إلى البزار والبيهقى: ورجاله
ثقات اهـ.
١٩١١- عن: ابن عمر رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من
استطاع منكم أن يسجد فليسجد، ومن لم يستطع فلا يرفع إلى جبهته شيئًا
يسجد عليه، ولكن ركوعه وسجوده يؤمئ إيماء)). رواه الطبرانى فى "الأوسط"
ورجاله موثقون ليس فيهم كلام يضر "مجمع الزوائد" (٢٠١:١).
١٩١٢- عن: ابن مسعود رضى الله عنه: ((أنه دخل على أخيه عتبة وهو
العجز الحقيقى والحكمى اهـ. بل مبناها على سقوط وجوبه للعجز الحكمى، هذا.
والأحوط عندى ما ذكره فى "النهر" من وجوب القيام عليه القراءة، وإنما الخلاف فى
وجوب القيام للإيماء بالركوع والسجود، فالأفضل عندنا الإيماء بهما قاعدًا، ولا يجب
القيام للإيماء بواحد منهما، وعند الشافعية ومن وافقهم يؤمى للركوع قائما وللسجود
قاعدًا كما مر، وهذا وإن تفرد صاحب "النهر" بذكره ولم يوافقه عليه أحد من ناقلی
المذهب، ولكنه قوی من حیث الدلیل، فإن ظاهر حدیث عمران مؤيد له کما لا يخفى،
والله تعالى أعلم.
قوله: "عن جابر إلى قوله عن ابن مسعود إلخ". قلت: حديث جابر أورده الحافظ
فى "التلخيص الحبير" عن البزار، والبيهقى فى "المعرفة" من طريق سفيان: ثنا أبو الزبير،
عن جابر، أن النبى مَ لِّ فذكره، قال الحافظ: قال البزار: لا أعلم أحداً رواه عن الثورى
غير أبى بكر الحنفى، ثم غفل فأخرجه من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سفيان نحوه،
وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: الصواب عن جابر موقوف ورفعه خطأ، قيل له: فإن أبا أسامة.
قد روى عن الثورى فى هذا الحديث مرفوعًا، فقال: ليس بشئ، قلت: فاجتمع ثلاثة، أبو
أسامة، وأبو بكر الحنفى، وعبد الوهاب اهـ (٨٥:١). وفى "نصب الراية" (٣٠٤:١):
٢٠٤
حكم صلوة المريض
إعلاء السنن
يصلى على سواك(١) يرفعه إلى وجهه فأخذه فرمى به، ثم قال: أوم إيماءً، ولتكن
ركعتك أرفع من سجدتك)). رواه الطبرانى فى "الكبير" ورجاله ثقات كذا فى
"مجمع الزوائد" (٢٠١:١).
قال عبد الحق: فى "أحكامه": رواه أبو بكر الحنفى -وكان ثقة- عن الثورى، عن أبى
الزبير، عن جابر رضی الله عنه، ولا يصح من حديثه (٢) إلا ما ذکر فیه السماع، أو كان
من رواية الليث عن أبى الزبير انتهى. فإنه أى الليث لم يسمع منه إلا مسموعه من جابر
كما فى "طبقات المدلسين" (ص-٢١).
قلت: كلام أبى حاتم فى رفع الحديث لا يضر على مذهب المحققين، فإن الرفع زيادة
لا تنافى أصل الحديث، فتقبل من الثقة لا سيما وقد تابعه اثنان ثقتان، أى أبو أسامة عبد
الوهاب فأبو أسامة حماد بن أسامة ثقة، ثبت ربما دلس و کان فی آخرہ یحدث من کتب
غيره، أخرج له الشيخان وأصحاب السنن كلهم، كما فى "التقريب" (ص-٤٥) وفى
"التہذیب" (٣:٣) قال ابن سعد: کان ثقة مأمونا کثیر الحدیث یدلس ویبین تدلیسه اهـ.
وعبد الوهاب بن عطاء قال فى "التقريب": صدوق ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثا فى
فضل(٣) العباس، يقال: دلسه عن ثور، أخرج له مسلم وأصحاب السنن والبخارى تعليقًا،
كما فى "التقريب" (ص-١٣٤). وأبو بكر الحنفى هو عبد الكبير بن عبد المجيد البصرى
ثقة من التاسعة، أخرج له الجماعة كلها، كما فى "التقريب" أيضًا (ص-٤٥).
وأما قول عبد الحق: ولا يصح من حديثه أى أبى الزبير إلا ما ذكر فيه السماع، أو
كان من رواية الليث عنه، فالجواب عنه أن عنعنته من رواية غير الليث عنه لا ينزل عن
الحسن إذا كان الراوى عنه ثقة، فقد قال ابن عدى كما فى "التهذيب" (٤٤٢:٩): روى
مالك عن أبى الزبير أحاديث، وكفى بأبى الزبير صدقا أن يحدث عنه مالك، فإن مالكًا لا
یروی إلا عن ثقة، وقال: لا أعلم أحداً من الثقات تخلف عن أبی الزبير إلا وقد كتب عنه،
(١) أى على حزمة سواك، أفاده الشيخ.
(٢) أی حدیث أبی الزبير.
(٣) قلت: التدليس القليل لم يسلم منه إلا القليل كما فى "طبقات المدلسين" عن شعبة، قال: ما رأيت أحدا من
أصحاب الحديث إلا يدلس، إلا ابن عون وعمرو بن مرة اهـ (ص-٢١).
ج - ٧
حكم صلوة المريض
٢٠٥
١٩١٣- عن: نافع، عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يقول: إذا
لم يستطع المريض السجود أومأ برأسه إيماءً ولم يرفع إلى جبهته شيئًا)). رواه
مالك "آثار السنن" (٦٠:٢).
١٩١٤- عن: عائشة رضى الله عنها: (أنه مرّه لما صلى جالسًا تربع)).
رواه النسائي والدار قطنى، وابن حبان، والحاكم، قال النسائى: ما أعلم أحداً
رواه غير أبى داود الحفرى (وكان ثقة) ولا أحسبه إلا خطأ اهـ. وقد رواه ابن
وهو فى نفسه ثقة إلا أن روى عنه بعض الضعفاء، فيكون ذلك من جهة الضعيف اهـ.
وهذا يشعر بصحة جميع ما رواه الثقات عنه خلا ما روى عنه الضعفاء، والحديث الذى
نحن بصدده رواه عن أبى الزبير سفيان الثورى سيد الحفاظ الثقات فى زمانه، وأيضًا: فقد
ذكره الحافظ فى "طبقات المدلسين" فى المرتبة الثالثة التى اختلف المحدثون فى قبول
عنعنتها (ص-٢) والمختلف فيه حسن كما أثبتناه فى المقدمة، فالحديث حسن مرفوعًا، لا
سیما وقد تأید بحديث ابن عمر مرفوعًا، فيكون صحيحًا مرفوعًا، وفيه وفیما بعده دلالة
على كراهة رفع شئ إلى الوجه عند الإيماء. قال فى "البحر الرائق": استدل للكراهة فى
"المحيط" بنهيه عليه السلام عنه، وهو يدل على كراهة التحريم اهـ (١١٣:٢). قلت:
وللمتأخرين فى ذلك تفصيل محله كتب الفتاوى فلتراجع.
قوله: "عن نافع إلخ". قلت: دلالته على ما دل عليه قبله ظاهرة، وإنما زدته لما فيه
من لفظة أومأ برأسه إيماءً وهو يشعر باختصاص الإيماء بالرأس دون غيره من الحاجب
والعين فافهم.
قوله: "عن عائشة إلخ". فيه دلالة على هيئة الجلوس للعاجز عن القيام فى الفريضة
وغيرها، وللمتطوع جالسًا مع قدرته على القيام، قال ابن قدامة فى "المغنى": ويكون فى
حال القيام متربعًا، ويثنى رجليه فى الركوع والسجود، وجملته أنه يستحب للمتطوع
جالسًا (وكذا للمريض العاجز إذا صلى قاعداً كما صرح به بعد) أن يكون فى حال القيام
متربعاً. روى ذلك عن ابن عمر، وأنس، وابن سيرين، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومالك،
والثوری، والشافعى، وإسحاق وعن أبى حنيفة کقولنا، وعنه یجلس کیف شاء، وروى
عن ابن المسيب، وعروة، وابن عمر، يجلس كيف شاء، لأن القيام سقط فسقطت هيئته.
٢٠٦
حكم صلوة المريض
إعلاء السنن
خزيمة والبيهقى من طريق محمد بن سعيد بن الإصبهانى بمتابعة أبى داود، فظهر
أنه لا خطأ كذا فى "التلخيص الحبير" (٨٥:١).
قلت: وصحح إسناده فى "المعتصر من المختصر" (٤٣:١).
١٩١٥- وروى البيهقى من طريق ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عامر
بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه: ((رأيت النبى معَّ ◌ُلّه يدعو هكذا(١)، ووضع يديه
علی ر کیتیه وهو متربع جالس)).
وروى عن ابن المسيب، وعروة، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء الخراسانى،
أنهم كانوا يحتبون فى التطوع، واختلف فيه عن عطاء والنخعى.
ولنا أن القيام يخالف القعود، فينبغى أن تخالف هيئته فى بدله هيئة غيره، كمخالفة
القيام غيره، وهو مع ذلك أبعد من السهو والاشتباه، وليس إذا سقط القيام لمشقة يلزم
سقوط ما لا مشقة فيه، وهذا الذى ذكرنا من صفة الجلوس مستحب غير واجب، إذا لم
يرد بإيجابه دليل، يثنى رجليه فى الركوع والسجود، فقد قال أحمد: يروى عن أنس
رضى الله عنه أنه صلى متربعًا، فلما ركع ثنى رجله، وهذا قول الثورى، وحكى ابن المنذر
عن أحمد وإسحاق أنه لا يثنى رجليه إلا فى السجود خاصة، ويكون فى الركوع على
هيئة القيام، وذكره أبو الخطاب، وهو قول أبى يوسف ومحمد، وهو أقيس، لأن هيئة
الراكع فى رجليه هيئة القائم، فينبغى أن يكون على هيئته، وهذا أصح فى النظر إلا أن
أحمد ذهب إلى فعل أنس وأخذ به اهـ (١: ٧٨٠ و ٧٨١).
وفى "المعتصر من المختصر من مشكل الآثار" للطحاوى: قد روى عن عائشة رضى
الله عنها بإسناد صحيح قالت: ((رأيت النبى معَّ لّه صلى متربعًا))، وروى الحسن عن أمه:
(أنها رأت أم سلمة تصلى متربعةً من رمد كان بها))، وعن إبراهيم بن أبى عبلة: ((أنه رأى
أم الدرداء تصلى متربعةً)). ويؤيده النظر، وهو تحصيل الفرق بين القعود الذى هو بدل من
القيام وقعود التشهد، كما فرق بين الإيماء للركوع وبين الإيماء للسجود، وفيما ذكرنا
صحة قول أبى حنيفة وصاحبيه فى أمرهم العاجز عن القيام فى الصلاة أن يتربع بدلا من
قيامه، خلاف ما يقوله زفر بالتسوية بينهما اهـ (٣٣:١)
(١) أى فى الصلاة.
ج - ٧
حكم صلوة المريض
٢٠٧
١٩١٦ - وروى عن حميد: ((رأيت أنسًا يصلى متربعًا على فراشه)).
وعلقه البخارى كذا فى "التلخيص" أيضًا (٨٥:١).
قلت: وهذا إحدى الروايات الثلاث عن الإمام فى المتطوع جالسًا، وبه أخذ
محمد، وظاهر الرواية عنه أن يقعد كالمتشهد إذا لم يكن به عذر، وذكر شيخ الإسلام
الأفضل له أن يقعد فى موضع القيام محتبيًا، لأن عامة صلاة رسول الله عرّله فى آخر عمره
كان محتبيًا أى فى النفل اهــ وبه أخذ أبو يوسف، كذا فى "مراقى الفلاح" مع
الطحطاوى (ص-٢٣٥) وفى المريض ظاهر الرواية عنه يقعد کیف تيسر له بغير ضرر من
تربع أو غيره، كاحتباء أو جلوس على ركبتيه كالتشهد كذا فيه (ص- ٢٥٠) وقد رجح
الطحطاوی رواية التربع کما ترى.
ووجه ظاهر الرواية ما رواه مالك والشيخان والنسائى عن عبد الله بن عبد الله بن
عمر: ((كنت أرى ابن عمر يتربع فى الصلاة إذا جلس، ففعلته فنهانى ابن عمر، وقال: إنما
سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثنى رجلك اليسرى. فقلت: إنك تفعل ذلك! قال:
إن رجلاى لا تحملانى))، كما فى "جمع الفوائد" (٨١:١) والظاهر منه أنه كان يتربع
لتعذر الافتراش، ولولا ذلك لافترش لكونه سنةً، وفيه أن ذلك إنما هو فى الجلوس للتشهد،
ولا خلاف فى سنية الافتراش له، ولا دلالة فيه على كون الافتراش سنة فى الجلوس الذى
هو بدل القيام، وقد روى الطبرانى فى "الكبير" عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: ((لأن
يجلس أحدكم على رضفتين خير له من أن يجلس فى الصلاة متربعًا)). قال عبد الرزاق:
يقول: ((إذا كان يصلى قائمًا فلا يجلس يتشهد متربعًا، فإذا صلى قاعدا فليتربع)). رواه
الطبرانى فى "الكبير" عن الهيثم بن شهاب، وقد وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال
الصحيح كذا فى "مجمع الزوائد" (١٩٧:١) وهذا صريح فى أن التربع إنما يكره فى
الجلوس للتشهد لا فی الذی هو بدل عن القيام هذا.
ولكن الآثار التى أخذ الجمهور منها استحباب التربع بدلا عن القيام لا يدل على
ذلك صراحة، أما حديث عائشة فلا دلالة فيه على كونه تربع بدل القيام، بل يحتمل كونه
متربعًا فى الجلوس للتشهد أيضًا، وهو المتعين فى حديث ابن الزبير، لقوله: ((رأيت النبى
عٍَّ يدعو هكذا وهو متربع جالس))، فإن الدعاء إنما هو بعد التشهد، نعم! أثر أنس
بلفظ أحمد كما حكاه ابن قدامة فى "المغنى" يدل على تربعه بدلا عن القيام، وهو
٥
٢٠٨
حكم صلوة المريض
إعلاء السنن
١٩١٧- عن: أم قيس بنت محصن: ((أن رسول الله عّ لّه لما أسن وحمل
اللحم اتخذ عمودا فى مصلاه يعتمد عليه)). أخرجه أبو داود مطولا، كذا فى
"جمع الفوائد" لابن سليمان المغربى (٧٢:١). قلت: وسكت عنه أبو داود
(١٤٤:١) وأوله: ((إن هلال بن يساف رآى وابصة (ابن معبد) وإذا هو معتمد
على عصًا فى صلاته، فقلنا له بعد أن سلمنا، فقال: حدثتنى أم قيس بنت
محصن)) الحديث.
٠٠٠١٫٦
محتمل أنه فعل ذلك لتعذر الافتراش علیه، فلم يبق إلا القياس الذى ذكروه، وهو تحصیل
"الفرق بين القعود الذى هو بدل من القيام وبين قعود التشهد، ولكن الفرق ليس بلازم،
لعدم التفرقة بين القيام للقراءة والقومة من الركوع مع استحباب الذكر الطويل فيها
وإطالتها فى النوافل، وكذا لم يفرقوا بين القعود للتشهد والجلسة بين السجدتين مع ما
ذكرناه فى القومة.
وأيضًا فالفرق غير منحصر فى التربع، فقد روى محمد فى "الآثار": أخبرنا أبو
حنيفة، حدثنا أبو سفيان، عن الحسن البصرى: ((أن رسول الله عَّه كان يصلى وهو
محتب تطوعًا)) اهـ (ص-٢٣). وهذا مرسل حسن، ومراسيل الحسن معدودة فى
الصحاح عند ابن عبد البر وغيره من المحدثين، وفى "المدونة" لمالك بسند حسن: ((إن
سعيد بن جبير كان يصلى قاعداً محتبيًا، فإذا بقى عليه عشر آيات قام قائمًا فقرأ وركع.
قال ابن وهب: وقد كان جابر بن عبد الله وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبى رباح، يصلون
فى النافلة محتبيين)) اهـ (٨٠:١) إذا علمت ذلك فالراجح عندنا ظاهر الرواية عن الإمام أن
المتطوع جالسًا يجلس كالمتشهد مفترشًا لكونه سنة الصلاة، فلا تترك بلا عذر، والمريض
يجلس كيف شاء أى كيفما تيسر له، وإن قدر على الجلوس كالمتشهد فهو أولى والأمر
واسع والله تعالى أعلم.
قوله: "عن أم قيس إلخ". قلت: قال العلامة مولانا محمد يحيى -تغمده برحمته
رب البرايا- عن شيخه وشيخ الكل مولانا رشيد أحمد رأس المحدثين فى زمانه -قدس الله
سره- فى شرح هذا الحديث: وهذا ينبه على أن القادر على القيام باستعانة شئ من العصا
ونحوها لا يعذر عن القيام فى جواز الفريضة قاعدًا انتهى، وقال العلامة الشوكانى فى
14
ج - ٧
حكم صلوة المريض
٢٠٩
١٩١٨- عن: مجزأة بن زاهر، عن أهبان بن أوس -من أصحاب
الشجرة- ((وكان اشتكى ركبته فكان إذا سجد جعل تحت ركبته وسادة)).
أخرجه البخارى (٢: ٦٠٠).
"النيل": حديث أم قيس يدل على جواز الاعتماد على العمود والعصا ونحوهما، لكن.
مقيدا بالعذر المذكور، وهو الكبر وكثرة اللحم، ويلحق بهما الضعف والمرض ونحوهما،
فيكون النهى (فى حديث ابن عمر: ((نهى النبى ◌ّ ◌ُّه أن يصلى الرجل وهو معتمد على
يده). رواه أبو داود أيضًاً) محمولا على عدم العذر، وقد ذكر جماعة من العلماء أن من
احتاج فى قيامه إلى أن يتكئ على عصًا أو عكاز أو يستند إلى حائط أو يميل على أحد
جانبيه جاز له ذلك، وجزم جماعة من أصحاب الشافعى باللزوم عدم جواز القعود مع
إمكان القيام مع الاعتماد، منهم المتولى، والأوزاعى. وكذا قال باللزوم ابن قدامة الحنبلى،
وقال القاضى حسين من أصحاب الشافعى: لا يلزم ذلك ويجوز القعود اهـ (٢٣٣:٢).
قلت: ولعل القاضى حسين الشافعى حمل حديث أم قيس على العزيمة، أو على أن
اتخاذ العمود كان منه مّ ◌ّ فى صلاة التهجد لإطالة القراءة فيها، مذهبنا معشر الحنفية
يوافق جمهور الشافعية فى الباب، فقد قال الطحطاوى فى حاشيته على "نور الإيضاح"
وشرحه: ولو قدر على القيام متكئا أو متعمدًا على عصا أو حائط لا يجزيه إلا كذلك
خصوصًا على قولهما، فإنهما يجعلان قدرة الغير قدرة له اهـ. وفى "الدر المختار": وإن
قدر على بعض القيام ولو متكئاً على عصًا أو حائط قام لزومًا بقدر ما يقدر ولو قدر آية
على المذهب لأن البعض معتبر بالكل انتهى. قال الشامى: وفى "شرح الحلوانى" نقلا عن
الهندوانى: لو قدر على بعض القيام دون تمامه، أو كان يقدر على القيام لبعض القراءة دون
تمامها، يؤمر بأن يكبر قائمًا ويقرأ ما قدر عليه ثم يقعد، وهو المذهب الصحيح، لا يروى
خلافه عن أصحابنا، ولو ترك هذا خفت أن لا تجوز صلاته، إلى أن قال: ونحوه فى
"العناية" بزيادة. وكذلك لو قدر أن يعتمد على عصا، أو كان له خادم لو اتكأ عليه قدر
على القيام اهـ. من "بذل المجهود" (١٠٩:٢) قلت: والناس عن هذا غافلون فليتنبه له.
قوله: "عن مجزأة إلخ". قلت: فيه دلالة على مثل ما دل عليه الحديث السابق أنه
إذا لم يقدر على السجود إلا بجعل الوسادة أو القطن تحت ركبتيه ونحوه، لزم عليه تجشم
٢١٠
إعلاء السنن
باب الصلاة فى السفينة
١٩١٩- أخبرنا: إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: ((الذى يصلى فى السفينة والذى يصلى عريانا، يصلى
جالسًا)). رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" الزيلعى. ورجاله رجال الجماعة إلا
إبراهيم بن محمد فمختلف فيه، أثنى عليه الشافعى وقال: كان ثقة فى
الحديث، وسئل حمدان ابن الإصبهانى أ تدين بحديث إبراهيم بن أبى يحيى؟
قال: نعم! قال ابن عدى: هو ممن یکتب حديثه اهـ. وتركه آخرون، كذا فى
"تهذيب التهذيب"، والحديث قد مر فى الجزء الثانى من "الإعلاء" فليراجع.
١٩٢٠- عن: أنس بن سيرين، قال: ((خرجت مع أنس بن مالك إلی
أرض بلبق(١) سربن، حتى إذا كنا بدجلة حضرت الظهر، فأمنا قاعدًا على
بساط فى السفينة وأن السفينة لتجر بنا جرا)). رواه الطبرانى فى "الكبير"
ورجاله ثقات ("مجمع" ٢٠٧:١).
١٩٢١- عن: ميمون بن مهران، عن ابن عمر، قال: ((سئل النبى ◌ّ لله عن
ذلك، وفى "رد المختار": ولو أضعفه عن القيام الخروج لجماعة صلى فى بيته منفردًا، به.
يفتى خلافًا للأشباه اهـ (٧٩٢:١). وفيه أيضًا عن شرح القاضى: وكذا لو عجز عن
القعود مستويا قالوا: يقعد متكئًا لا يجزيه إلا ذلك اهـ (٧٩٣:١)، والناس
عن كل ذلك غافلون.
باب الصلاة فى السفينة
قوله: "أخبرنا إبراهيم بن محمد إلخ". قلت: سنده حسن فى الدرجة الثانية وإن
ضعفه الحافظ فى "الدراية"، فإن إبراهيم بن محمد حدث عنه الإمام الشافعى أحاديث
كثيرة فى "مسنده"، واحتج به وأثنى عليه، ووثقه هو وابن الإصبهانی ولینه ابن عدى،
ومثله حسن الحديث على الأصل الذى أصلناه فى المقدمة، وفى الحديث حجة لأبى حنيفة
حيث قال بجواز الفريضة فى السفينة الجارية قاعدًا بلا عذر؛ لأن ابن عباس جعل الذى
(١) كذا فى الأصل.
٢١١
ج - ٧
حكم الصلوة فى السفينة
الصلاة فى السفينة فقال: كيف أصلى فى السفينة؟ قال: صل فيها قائمًا إلا أن
تخاف الغرق)) أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٢٧٥:١)، وقال: صحيح
الإسناد على شرط مسلم(١) وهو شاذ بمرة وكذا قال الذهبى فى "تلخيصه" اهـ.
١٩٢٢- وروى البزار نحوه، عن جعفر بن أبى طالب: ((أن النبى عَ له
أمره أن يصلى فى السفينة قائمًا إلا أن يخشى الغرق)). وفيه رجل لم يسم، وبقية
رجاله ثقات كذا فى "المجمع" (٢٠٧:١).
یصلی فی السفينة کالذی یصلی عریانًا، وقال فى كل منهما يصلى جالسًا من غير فضل،
فثبت أن المصلى فى السفينة معفو عنه القيام كالعريان لغلبة العجز فى مثل هذه الحالة،
والغالب ملحق فى الأحكام بالمتيقن كما مر فى الباب السابق، فيصح صلاة من لا عذر له
جالسًا أيضًا، لأن ذلك نادر والنادر ملحق بالعدم، وأيده أثر ابن سيرين عن أنس بن مالك
أنه أمهم فى السفينة قاعدًا ولم يذكر أنهم كانوا عاجزين عن القيام، فالظاهر منه الإطلاق.
ولقائل أن يقول: إذا كان العجز غالبًا فى مثل هذه الحالة فيحمل المطلق فى أثر ابن
عباس وأنس على العاجز، فلا دلالة فيهما على الجواز جالسًا من غير عذر، فلم يبق إلا
القیاس الذی ذ کرتموه، ویعارضه حديث ابن عمر الآتی مرفوعًا، وفيه قوله مێ: (صل
قائمًا إلا أن تخاف الغرق))، وهو وإن كان شاذًا بمرة ولكنه تأيد بحديث جعفر بن أبى
طالب، والشاذ إذا تأيد بمجيئه من طريق أخرى يتقوى، والعمل بالحديث أولى من العمل
بالقياس عند الحنفية ولو ضعيفًا، فالأحوط القول بعدم صحة الصلاة جالسًا إلا بعد تحقق
العجز عن القيام.
قلت: تأويل أثر ابن عباس إلى ذلك لا يخلو عن تمحل، ولعل حديث ابن عمر
وجعفر لم يبلغ الإمام لكونه شاذا كما تراه، فلم يكن ظهر فى عصره، فأجاب فى المسألة
بالقياس المؤيد بظاهر أثر ابن عباس وأنس، وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد بمقتضى
حديث ابن عمر وجعفر، وقالا: لا تصح الصلاة فى السفينة جالسًا إلا بعذر، وهو الأشبه
بالصواب، قال فى "الدر" فى صلاة المريض: صلى الفرض فى فلك جار قاعدًا بلا عذر
(١) قلت: وعزاه فى "المنتقى" إلى الحاكم وقال: على شرط الشیخین، وهو وهم فإن فى سنده جعفر بن يرقان وميمون
بن مهران لم يخرج لهما البخارى فى الصحيح.
٢١٢
حكم الصلوة فى السفينة
إعلاء السنن
١٩٢٣- عن: عبد الله بن أبى عتبة، قال: ((صحبت جابر بن عبد الله، وأبا
سعيد الخدرى، وأبا هريرة فى سفينة، فصلوا قيامًا فى جماعة أمهم بعضهم،
وهم يقدرون على الجد (١) رواه سعيد (بن منصور) فى "سننه" كذا فى
"المنتقى"، وسكت عنه الشوكانى فى "النيل" (٣: ٩٥).
صح لغلبة العجز وأساء، وقالا: لا يصح إلا بعذر وهو الأظهر "برهان"، والمربوطة بالشط
كالشط على الأصح اهـ. وقال العينى فى "البناية" نقلا عن "المحيط": وقال مجاهد: صلينا
مع جنادة بن أبى أمية قعودًا فى السفينة ولو شئنا لقمنا اهـ (٩٣٢:١).
وفى "البدائع" ذكر الحسن بن زياد فى كتابه بإسناده عن سويد بن غفلة أنه قال:
((سألت أبا بكر وعمر رضى الله عنهما عن الصلاة فى السفينة؟ فقالا: إن كانت جاريةً
يصلى قاعداً وإن كانت سائرة يصلى قائمًا)) اهـ (١١٠:١). وهذا من غير فصل بين ما إذا
قدر على القيام أولا ولم أقف على سنده ولا على سند أثر مجاهد، ولو صح واحد منها
لكان صريحًا فيما قاله الإمام، ولعله صح عنده، وعليه فیحمل حديث ابن عمر على
الندب، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عبد الله بن أبى عتبة إلخ". معناه أنهم كانوا يقدرون على الصلاة فى
البر، وقد صحت صلاتهم فى السفينة مع اضطرابها، وفيه جواز الصلاة فى السفينة وإن
كان الخروج إلى البر ممكنا، كذا فى "النيل" (٧٦:٣). قلت: وهو مذهبنا معشر الحنفية،
فتجوز الصلاة فى السفينة قائمًا اتفاقًا، سواء كانت مربوطة بالشط أو كانت سائرة، كما
ذكره فى "الدر" وغيره، قلت: وكذا تجوز فى القطار والطيارة لكونه كالسفينة قال فى
"البدائع": والسفينة كالأرض لأن سيرها غير مضاف إليه، فلا يكون منافيا للصلاة،
بخلاف الدابة فإن سيرها مضاف إليه اهـ. (١٠٩:١). وكذا القطار والطائرة سيرها لا
تضاف إليه فكان بمنزلة الأرض، فتجوز الصلاة فيها قائمًا إن قدر على القيام وقاعدًا إن لم
يقدر، وينبغى جريان الخلاف الذى بين الإمام وصاحبيه فى الصلاة فى السفينة ههنا أيضًا
أى فى الطائرة، والله أعلم.
(١) بضم الجيم وتشديد الدال هو شاطئ البحر "نيل" (٧٦:٣). قلت: ومنه البلدة المعروفة بجدة إلى ساحل البحر
قريبة من مكة زادها الله شرفًا وبر كة.
٢١٣
ج - ٧
باب جواز المكتوبة على الدابة
لعذر بالإيماء وجواز الصلاة بالإيماء للخائف ونحوه
١٩٢٤- عن: يعلى بن أمية، قال: ((كان رسول الله عَّه فى سفر،
فأصابتنا السماء، فكانت البلة من تحتنا والسماء من فوقنا، وكان فى مضيق
فحضرت الصلاة، فأمر (١) رسول الله عَّ طيه بلالا، فأذن وأقام، وتقدم رسول الله
مرّطلّ فصلى على راحلته والقوم على رواحلهم، يؤمى إيماء يجعل السجود
أخفض من الركوع)). قلت: رواه أبو داود من حديث يعلى بن مرة، وهو ههنا
من حديث يعلى بن أمية رواه الطبرانى فى "الكبير"، وإسناده إسناد أبى داود،
باب جواز المكتوبة على الدابة
لعذر بالإيماء وجواز الصلاة بالإيماء للخائف ونحوه
قوله: "عن يعلى بن أمية إلخ". قلت: فيه دلالة على الجزء الأول من الباب، قال ابن
قدامة فى "المغنى": وجملة ذلك أنه إذا كان فى الطين والمطر ولم يمكنه السجود على
الأرض إلا بالتلوث بالطين والبلل بالماء فله الصلاة على دابة يؤمى بالركوع والسجود، وإن
كان راجلا أومأ بالسجود أيضًا، ولم يلزمه السجود على الأرض، قال الترمذى: روى عن
أنس بن مالك ((أنه صلى على دابة فى ماء وطين))، والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه
يقول أحمد وإسحاق، وفعله جابر بن زيد، وأمر به طاوس وعمارة بن غزية، قال ابن
عقيل: وقد روى عن أحمد أنه يسجد على متن الماء، والأول أولى، لما روى يعلى بن أمية
عن النبى ◌ّ له فذكر مثل حديث المتن، ثم قال: قال القاضى أبو يعلى: سألت أبا عبد الله(٢)
الدامغانى فقال: مذهب أبى حنيفة أن يصلى على الراحلة فى المطر والمرض، وقال أصحاب
الشافعى: لا يجوز أن يصلى الفرض على الراحلة لأجل المطر والمرض، وعن مالك
کالمذهبین.
(١) قلت: ولفظ الترمذى: فأذن رسول الله مَّةٍ وأقام اهـ. وبهذا اللفظ عزاه فى "جمع الفوائد" إلى "الكبير
الطبرانى، والله تعالى أعلم .
(٢) من أكابر الفقهاء والمحدثين للحنفية، انتهت إليه الرياسة فى عصره، له ترجمة طويلة فى "الجواهر المضيئة" وفى
"إنجاء الوطن"لي (يعني الجزء الثالث من مقدمات إعلاء السنن المسمى بـ" أبو حنيفة وأصحابه المحدثون")
٢١٤
جواز المكتوبة على الدابة والصلوة بالإيماء للخائف ونحوه
إعلاء السنن
ورجاله موثقون إلا أن أبا داود قال: غريب تفرد به عمر بن الرماح اهـ. "مجمع
الزوائد" (٢٠٦:٢) وفى "جمع الفوائد" (٧١:١): وهو (١) رحمه الله وهم فى
واحتج من منع بحديث أبى سعيد الخدرى: ((فأبصرت عيناى رسول الله مرّ
انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين)). وهذا حديث صحيح، ولنا ما رويناه من
الحديث، وفعل أنس. قال أحمد رحمه الله: قد صلى أنس - وهو متوجه إلى سرابيط(٢) فى
يوم مطر- المكتوبة على الدابة ورواه الأثرم بإسناده، فلم ينقل عن غيره خلافه، فيكون
إجماعاً. وأما حديث أبى سعيد فيحتمل أن الطين كان يسيرًا لا يؤثر فى
تلویث الثياب اهـ. (٦٤:١)
وفى الحديث دلالة على جواز إمامة الراکب للراکب دابة غیر دابة إمامه، لأنه م.
تقدم وصلى على راحلته والقوم على رواحلهم، وكان ذلك بعد الأذان والإقامة، فالظاهر .
أنه أمهم فيها وقد منع ذلك الحنفية كما فى "رد المحتار" (٥٧٥:١) و"مراقى الفلاح")
(ص-١٧١) ولكن ذكر الطحطاوى واستحسن محمد جواز الصلاة إذا قربت دابته من
دابة الإمام (نفس المرجع). قلت: وهو الراجح عندنا لحديث يعلى بن أمية، ورواية المنع
مقيدة بعدم القرب، ودليله ما فى "مراقى الفلاح": إذا كان المقتدى فى سفينة والإمام فى
سفينة أخرى غير مقترنة بها لا تصح الاقتداء لأنهما كالدابتين وإذا اقترنتا صح للاتحاد
الحكمى اهـ، (نفس المرجع). ولا يخفى أنهما بعد الاقتران أيضًا كالدابتين، ولكنهم
جوزوا الاقتداء لاتحاد المكان حكما، فكذا الدابتان القريبتان متحدتان فى المكان حكمًا.
وأصرح منه ما فى "الهندية" عن "محيط السرخسى": فإن كان كل واحد على دابة لم
يجز صلاة المقتدى، لأن بين الدابتين طريقًا مستطرقًا وأنه مانع صحة الاقتداء اهـ (٩٢:١)
دل على أنه لو لم يكن بينهما طريق مستطرق لم يمنع صحة الاقتداء على أن اشتراط اتحاد
المكان للاقتداء مسلم. وأما أن الركوب على الدابتين يوجب اختلافه فمحل نظر، ولم نجده
منصوصا عن الإمام، فيحتمل كونه من تفريعات المتأخرين، فالحق ما ذهب إليه محمد
واستحسنه، والله تعالى أعلم.
قال فى "البدائع": والصحيح إذا كان على الراحلة وهو خارج المصر، وبه عذر
(١) أى الهيثمى.
(٢) لعل فيه تصحيفًا، والصواب إلى الأطيط كما فى حديث المتن.
٢١٥
ج - ٧
جواز المكتوبة على الدابة والصلوة بالإيماء للخائف ونحوه
نسبته لأبى داود، وإنما هو للترمذى فقط اهـ. وفى "التلخيص" (٧٩:١): قال
عبد الحق: إسناده صحيح، وقال النووى: إسناده حسن اهـ.
مانع من النزول عن الدابة من خوف العدو أو السبع، كان فى طين أو ردغة، يصلى الفرض
على الدابة قاعدًا بالإيماء من غير ركوع وسجود، لأن عند اعتراض هذه الأعذار عجز عن
تحصيل هذه الأركان من القيام والركوع والسجود، فصار كما لو عجز بسبب المرض،
ويؤمئ إيماء لما روى فى حديث جابر رضى الله عنه: ((أن النبى عّ لّ كان يؤمئ على راحلته
ويجعل السجود أخفض من الركوع)) (قلت: قد مر فى باب النافلة على الراحلة بتخريج
الزيلعى عن ابن حبان فى "صحيحه"). ولا يجوز الصلاة على الدابة بجماعة، سواء
تقدمهم الإمام أو توسطهم فى ظاهر الرواية، وروى عن محمد أنه قال: استحسن أن
يجوز اقتداؤهم بالإمام إذا کانت دوابهم بالقرب من دابة الإمام على وجه لا يكون بينهم
وبين الإمام فرجة إلا بقدر الصف، بالقياس على الصلاة على الأرض، والصحيح جواب
ظاهر الرواية، لأن اتحاد المكان من شرائط صحة الاقتداء ليثبت اتحاد الصلاتين تقديرا
بواسطة اتحاد المكان، وهذا ممكن على الأرض، لأن المسجد جعل كمكان واحد شرعاً،
وكذا فى الصحراء تجعل الفرج التى بين الصفوف مكان الصلاة، لأنها تشغل بالركوع
والسجود أيضًا، فصار المكان متحدًا، ولا يمكن على الدابة، لأنهم يصلون عليها بالإيماء
من غير ركوع وسجود، فلم تكن الفرج التى بين الصفوف والدواب مكان الصلاة، فلا
يثبت اتحاد المكان تقديرًا، ففات شرط صحة الاقتداء فلم يصح.
قلت: يرد عليه اقتداء المؤمنين بالمؤمئ على الأرض، فإنهم يصلون عليها بالإيماء من
غير ركوع وسجود، فلم تكن الفرج التى بين الصفوفِ مكان الصلاة، فلا يثبت اتحاد
المكان تقديرًا، ومع ذلك يصح اقتداؤهم به، وإن سلمنا الفرق بين المؤمنين على الأرض
وعلى الدابة فنقول: كان مقتضى القياس ما ذكرت ولكنا تركناه بحديث يعلى بن أمية
استحسانا.
قال: وتجوز الصلاة على الدابة لخوف العدو (١) كيف ما كانت الدابة واقفة أو
سائرة، لأنه يحتاج إلى السير، فأما لعذر الطين والردغة فلا يجوز إذا كانت الدابة سائرة،
(١) ومثله السبع واللصوص.
٢١٦
جواز المكتوبة على الدابة والصلوة بالإيماء للخائف ونحوه
إعلاء السنن
١٩٢٥- عن: علقمة بن عبد الله المزنى، عن أبيه، رفعه: ((إذا كنتم فى
القصب أو الثلج أو الرداغ فأومئوا إيماء)). "للكبير" بضعف، كذا فى جمع
الفوائد" للمغربى (٧١:١) وقد التزم أن لا يخرج من أحاديث "مجمع
الزوائد"، والدارمى، وابن ماجة، ما كان بعض رواته كذابًا، أو متهما، أو
متروكا، أو منكرًا، كما صرح به فى خطبته (٦:١) فالضعيف الذى فيه قريب
من الحسن كما يشعر به كلامه.
١٩٢٦٠٠- عن: ابن عمر فى صلاة الخوف مرفوعًا: ((أنه إذا كان خوف
أكثر من ذلك صلى راكبًا أو قائمًا يؤمئ إيماءً، وفى أخرى: مستقبلى القبلة أو
غير مستقبليها))، أخرجه فى "جمع الفوائد" (١٠٤:١)، وعزاه إلى الستة(١) ..
والحديث أخرجه البخارى (ص- ٦٥٠ و٦٥١) بمثل هذا اللفظ كما تقدم فى
الجزء الثانى من "الإعلاء".
١٩٢٧- عن: عزة -وكانت من النساء الأول- قالت: ((خطبنا أبو بكر:
لأن السير مناف للصلاة فى الأصل، فلا يسقط اعتباره إلا لضرورة ولم توجد، ولو
استطاع النزول ولم يقدر على القعود للطين والردغة ينزل ويؤمئ قائمًا على الأرض، وإن
قدر على القعود ولم يقدر على السجود ينزل ويصلى قاعداً بالإيماء، لأن السقوط بقدر
الضرورة، والله الموفق اهـ (١٠٨:١ و١٠٩). قلت: والظاهر من حديث يعلى أن دابته
عّ لِّ ورواحل القوم كانت واقفة إذ ذاك.
قوله: "عن علقمة إلخ". قلت: دلالته على جواز الصلاة بالإيماء لمن عجز عن
السجود بمثل هذه العارض ظاهرة.
قوله: "عن ابن عمر إلخ". دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة، ومر حكم
الاستقبال فى باب شروط الصلاة من الجزء الثانى.
قوله: "عن عزة إلخ". معناه - والله أعلم- لا تصلوا على الأحلاس واللبود التى
(١) قال المغربى فى خطبة "جمع الفوائد": والحديث الذى تعدد من أخرجه أذكره بلفظ أحدهم وسياقه، ثم تارة أذكر
من له اللفظ وتارة لا أذكره اهـ. قلت: فالمراد بعزوه إلى الستة أنهم اتفقوا على إخراج الحديث بسند واحد، لا
أنهم اتفقوا على لفظه، (مؤلف).
ج - ٧
جواز المكتوبة على الدابة والصلوة بالإيماء للخائف ونحوه
٢١٧
لا تصلوا على البرادع))، رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورجاله ثقات إن كانت
عزة صحابية، وهو الظاهر من قول أبى حازم، كذا فى
"مجمع الزوائد (٢٠٦:١).
١٩٢٨ - عن: أنس بن سيرين، قال: ((أقبلنا مع أنس بن مالك من الكوفة
حتى إذا كنا بأطيط(١) أصبحنا والأرض طين وماء، فصلى المكتوبة على دابته، ثم
قال: ما صليت المكتوبة على دابتى قبل اليوم)). ورجاله ثقات أهـ" مجمع
الزوائد" (٢٠٦:١).
١٩٢٩ - عن: عطاء رضى الله عنه بن أبى رباح، أنه سأل عائشة رضى الله
عنها: ((هل رخص للنساء أن يصلين على الدواب؟ قالت: لم يرخص لهن فى
ذلك فى شدة ولا رخاء)). قال محمد (٢): هذا فى المكتوبة. أخرجه أبو داود
وسكت عنه (١٨٠٠١)
تلقى تحت الحل لكونها تتلوث بعرق الدابة ونحوه، والعرق وإن كان طاهرًاً ولكنه مما
يتقذر عنه طبعًا، فالنهى للتنزيه، ولا متمسك فيه لمن يمنع الصلاة على الدابة مطلقًا، لأن
النهى عنها على البرادع لا يستلزم النهى عن الصلاة على الدابة مطلقًا.
قوله: "عن أنس بن سيرين إلخ". دلالته على الصلاة على الدابة لعذر الطين والردغة
ظاهرة، وقوله: ((ما صليت المكتوبة على دابتى إلخ)) يشعر بكون الجواز مقيدًا بالعذر عن
النزول.
قوله: "عن عطاء إلخ". قد يتمسك به من قال بعدم جواز الصلاة على الدابة لغير
الخائف، ومعناه عندنا لم يرخص لهن فى الصلاة على الدابة فى حالة اليسر والعسر، والمراد
بالعسر ما كان فيه نوع مشقة لا يعجز معه عن النزول، وليس المراد منه حالة العذر
والعجز، فإنه مع العذر يجوز للنساء بل وللرجال الصلاة على الدواب، بدلیل حديث يعلى
بن أمية وغيره فافهم، ولولا التأويل بذلك لدل على عدم الجواز للراكب الخائف أيضًا
بعمومه، ولا قائل به.
(١) اسم موضع كما تقدم.
(٢) هو ابن شعيب الراوى.
٢١٨
إعلاء السنن
باب المغمى عليه
١٩٣٠- حدثنا: أحمد بن يونس، ثنا زائدة، عن عبيد الله، عن نافع، قال:
((أغمى على عبد الله بن عمر يومًا وليلة، فأفاق فلم يقض ما فاته واستقبل)).
كذا فى "نصب الراية" (٣٠٥:١) وعزاه إلى إبراهيم الحربى فى أواخر كتابه
"غريب الحديث". قلت: رجاله رجال الصحيح، وفى "الدراية" (ص-١٢٧):
إسناده صحيح، وأخرجه الدار قطنى بطريق سفيان، عن عبيد الله، عن نافع.
وبطريق سفيان، عن أيوب، عن نافع، هكذا بهذا اللفظ، ثم قال:
١٩٣١٠- وعن سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: ((أنه أغمى عليه
أكثر من يومين فلم يقض)). ثم أخرج عن هشام، عن أيوب، عن نافع: ((أن ابن
عمر أغمى عليه ثلاثة أيام ولياليهن فلم يقض اهـ) (١٩٥:١).
١٩٣٢- وروى عبد الرزاق فى "المصنف": أخبرنا الثورى، عن ابن أبى
ليلى، عن نافع: ((أن ابن عمر أغمى عليه شهرا فلم يقض ما فاته)). وكذا رواه
ابن اُبی شیبة: حدثنا و کیع، عن ابن أبی لیلی به.
١٩٣٣- وأخرج مالك فى "الموطأ" عن نافع، عن ابن عمر: ((أنه أغمى
عليه ثم أفاق فلم يقض ما فاته اهـ)). (ولم يذكر اليوم ولا اليومين فصاعدًا) كذا
فى "التعليق المغنى" (١٩٥:١).
١٩٣٤- أخبرنا: أبو حنيفة، عن حماد بن أبى سليمان، عن إبراهيم
النخعى، عن ابن عمر، أنه قال فى المغمى عليه يومًا وليلةً: قال: "يقضى".
باب المغمى عليه
قوله: "حدثنا أحمد بن يونس إلخ". قلت: قال فى "الهداية": (١٤٢:١) ومن
أغمى عليه خمس صلوات أو دونها قضى وإن كان أكثر من ذلك لم يقض، وهذا
استحسان، والقياس أن لا قضاء عليه إذا استوعب الإغماء وقت صلاة كاملا، لتحقق
العجز فشبه الجنون، وجه الاستحسان أن المدة إذا طالت كثرت الفوائت فيحرج فى
الأداء، وإذا قصرت قلت فلا حرج، والكثير أن تزيد على يوم وليلة، لأنه يدخل فى حد
٢١٩
ج - ٧:
باب المغمى عليه
أخرجه محمد الإمام فى "كتاب الآثار" (ص-٣٢). قلت: إسناده صحيح،
ومراسيل النخعى صحاح كما مر غير مرة، قال محمد: وبه نأخذ، حتى يغمى
عليه أكثر من ذلك، وهو قول أبى حنيفة اهـ.
التكرار، والجنون كالإغماء، كذا ذكره أبو سليمان، إلى أن قال: وهو (١) المأثور عن على
وابن عمر اهـ. وفى "نصب الراية" (٣٠٥:١): والرواية عن على رضى الله عنه غريبة اهـ.
وفيه أيضًا ما محصله: قال الشافعى ومالك بسقوط الصلاة بالإغماء قلت أو كثرت (إلا
إذا أفاق فى الوقت) وقالت الحنابلة: يقضى ما فاته من صلاة قلت أو كثرت ولا تسقط،
وتوسط أصحابنا فقالوا: يسقط ما زاد على يوم وليلة سوى ما دون ذلك والله أعلم اهـ.
قلت: واحتج أصحابنا فى وجوب القضاء إذا لم تزد الصلوات على يوم وليلة بأثر
ابن عمر الذى رواه محمد فى "الآثار" واحتج به، وقال: به نأخذ، وهو الحديث الثانى من
الباب، وعارضه بعض الناس بأثر نافع عن ابن عمر، وهو الأول من الباب باللفظ الذى
أخرجه به إبراهيم الحربى، وقال: إن مراسيل النخعى وإن تكن صحاحًا كما تقدم غير مرة
ولكنها يحتج بها عندنا دون المحدثين حيث لم يعارضه أقوى منه، وأثر نافع صحيح
موصول متفق على الاحتجاج به، فهو أرجح وأولى من السند المنقطع حقيقةً الصحيح
حکما المختلف فى الاحتجاج به اهـ.
قلت: أما قوله: "إن مراسيل النخعى إنما يحتج بها عندنا دون المحدثين" فممنوع،
فقد أسند ابن عدى عن ابن معين أنه قال: مراسيل إبراهيم صحيحة إلا حديث تاجر
البحرين وحديث القهقهة، كذا فى "الزيلعي" (٢٨:١) وفى "تدريب الراوى": وأما
مراسيل النخعى فقال ابن معين: مراسيله أحب إلى من مراسيل الشعبى. وعنه أيضًا:
أعجب إلى من مرسلات سالم بن عبد الله، والقاسم، وسعيد بن المسيب، وقال أحمد: لا
بأس بها اهـ (ص-٧٠). ولا شك أن ابن معين وأحمد من أكابر المحدثين، وقال ابن عبد
البر المالكى فى أوائل "التمهيد" (وهو من حفاظ المحدثين): كل من عرف أنه لا يأخذ إلا
عن ثقة فتدليسه وترسيله مقبول، فمراسيل سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وإبراهيم
النخعى، عندهم صحاح اهـ. كذا فى "الجوهر النقى" (٣٤٣:١) فقد صرح بكون
(١) أى ما ذكرنا من الاستحسان.
٢٢٠
باب المغمى عليه
إعلاء السنن
١٩٣٥- عن(١): سفيان، عن السدى، عن يزيد مولى عمار: ((أن عمار بن
ياسر أغمى عليه فى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأفاق نصف الليل، فصلى
مراسيل النخعى ضحاحًا عندهم أى عند المحدثين، ولكن بعض الناس قد أضله الله على علم
فينسى كل ما قد عرفه من قبل لإدحاض أدلتنا معشر الحنفية.
وأما قوله: "إن السند الصحيح الموصول المحتج بها اتفاقًا أرجح وأولى إلخ". ففيه
أن هذا الموصول مضطرب المتن كما ذكرنا فى المتن اختلاف ألفاظه، فمالك رواه عن نافع
بدون ذكر اليوم واليومين، ورواه عبيد الله عنه بذكر اليوم والليلة، ووافقه على ذلك أيوب
مرة بطريق سفيان عنه، وخالفه أخرى فى طريق هشام، وسفيان عنه، فقال: ((أكثر من
یومین وثلاثة أيام))، وروى ابن ليلى عن نافع: "أن ابن عمر أغمى عليه شهراً" فلا يصلح
معارضًا لأثر إبراهيم عن ابن عمر، على أنه يمكن دفع التعارض بأن المراد باليوم والليلة فى
رواية الفعل هما مع شئ زائد بدليل رواية أكثر من يومين والثلاثة، وفى القول هما بدون
الزيادة؛ لأن القول نص فى معناه والفعل يحتمل الوجوه، وأيضًا: فإنما يجب القضاء عندنا
إذا لم تزد الفوائت على خمس صلوات، واليوم بليلة قد تزيد فيه الفوائت عليها وقد لا
تزيد، فيحمل القضاء على الثانى وعدمه على الأول قاله الشيخ. وقول بعض الناس: "إن
فيه تكلفا" تحكم، فإنه يتكلف لإدحاض أدلة الحنفية وتأييد غيرهم ما هو أشد منه كما لا
يخفى على من طالع كتابه، وبالجملة فأثر النخعى مقدم على أثر نافع لوجهين، الأول كونه
قولا والآخر فعلًا، والثانى عدم الاضطراب فيه، وأثر نافع مضطرب وقول ابن عمر
"يقضى" يدل على وجوب القضاء، فإن الخبر فى موضع الجواب أبلغ من الأمر، صرح به
البيضاوى (٨٧:١) وأيضًا: فلا قضاء بدون الوجوب كما سيأتى.
قوله: "عن سفيان إلخ". قلت: فيه دلالة على قضاء المغمى عليه ما كان أقل من
خمس صلوات، فإن عمارا قضى أربع صلوات فائتة للإغماء، ولا يصح حمله على
الندب، فإن قضاء ما لا يجب قضاؤه على العبد غير مندوب، فقد ورد فى "الصحيح" عن
(١) هكذا فى نسخة الدار قطنى عن عبد الرحمن عن سفيان، وفى"سنن البيهقى: عن عبد الرحمن بن سفيان
(٣٨٨:١) ولعل الصحيح ما فى نسخة الدار قطنى فسفيان هو الثورى، وعبد الرحمن هو ابن المهدى، وأحمد بن
سنان روى عن يحيى القطان وطبقته هى طبقة ابن مهدى أيضًا.
: