النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ج - ٧ حكم الشك فى عدد ركعات الصلوة ١٨٨٩- محمد: قال: أخبرنا مالك بن مغول، عن عطاء بن أبى رباح، أنه قال: "يعيد". قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة اهـ. فلا إعادة عليه اهـ (٣١١:١). وإذا كان هذا مذهب جماعة كثيرة من السلف الصالحين أئمة الهدى فحينئذ ليس لتخصيصه قول أبى حنيفة بالتقبيح والتبعيد عن السنة معنى، وليس هذا من دأب أهل العلم، وأيضًا: فقد ذكرنا فى الباب من الأحاديث المرفوعة أقوال الصحابة ما يؤيد قول أبى حنيفة، فكيف يصح الظن بالشافعى رحمه الله أنه قبح القول المؤيد بالحديث وبعده عن السنة؟ مع كونه قول ابن عمر الذى هو علم فى الصحابة لاقتفاء الآثار والسنن، فإلى الله المشتكى. وظنى أن نسبة هذا القول إلى الشافعى رحمه الله فرية بلا مرية، لا يجوز لمقلديه ومحبيه حكايته ولا نقله ولا روايته ولا كتابته. قال العينى: ونقل النووى وابن قدامة وغيرهما عن أبى حنيفة أنه قال: "إن حصل له الشك أول مرة بطلت صلاته" ليس بصحيح، ولا يوجد هذا فى أمهات كتب أصحابنا المشهورة، بل المشهور فيها أنهم قالوا: استقبل ليقع صلاته على وصف الصحة بيقين، وقال أبو نصر البغدادى المعروف بالأقطع: الاستئناف أولى، لأنه يسقط به الشك بيقين اهـ (٩٣٢:١). قلت: وقال محمد فى "الآثار" له بعد تخريجه حديث ابن مسعود فى التحرى: وبه نأخذ، إلا أنا نستحب له إذا كان ذلك أول ما أصابه أن يعيد الصلاة اهـ (ص-٣٢). وظاهره استحباب الإعادة دون وجوبها، وهو المتبادر من قول الأقطع: الاستئناف أولى، ولكن ظاهر المتون إن الإعادة واجبة احتياطًا، فيحمل قول محمد والأقطع على المعنى العام، كما هو دأب السلف أنهم يقولون: ينبغى كذا، ويستحب كذا، ويريدون به الوجوب والله تعالى أعلم. وأما بطلان الصلاة فى هذه الصورة فلم يذكره أصحاب المتون، وإنما هو من تخريجات المصنفين. وإذا تقرر ذلك تبين لك ما فى قول أبى حنيفة من الاحتياط ومن الجمع بين الأحاديث كلها، ووضعها فى موضعها، فلما لم تكن أحاديث الاستئناف بمثابة أحاديث البناء على الأقل أو التحرى مع صلاحيتها للاحتجاج لم يقل ببطلان الصلاة بالشك، بل أوجب إعادتها إذا عرض له الشك من غير عادة، والفرض صار مؤدّى، وإذا كثر له ذلك ١٨٢ حكم الشك فى عدد ركعات الصلوة إعلاء السنن ١٨٩٠- عن: أبى هريرة مرفوعًا: ((لا غرار فى صلاة ولا تسليم)). رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، قال العزيزى (٣: ٤٤٠): بإسناد صحيح . اهـ. قلت: صحح الحاكم (٢٤٤:١) على شرط مسلم، وأقره عليه الذهبى. فعليه البناء على اليقين أو التحرى، كما فى حديثى أبى سعيد، وابن سعيد، وابن مسعود. وإن سلمنا عدم صلاحيتها أى أحاديث الاستئناف للاحتجاج فنقول: يجوز العمل بالحديث الضعيف إذا كان الاحتياط فى الأخذ به، ولا شك فى كون الاستئناف أحوط دائمًا، لا سيما فى أول مرة وهو مبتدأ بالشك لا مبتلى به، فينبغى لزوم الأخذ بالأحوط والحال هذه عملا بالحديث الضعيف وأقوال الصحابة، ولا يلزم منه رد الحديث الصحيح، لأنا لم نقل ببطلان الصلاة بالشك فافهم، فإنك تجد إن شاء الله قول أبى حنيفة ومن وافقه أقرب إلى السنة، وأولى بالحوطة، وأبعد من الرأى بخلاف قول غيره من الأئمة، والله تعالى أعلم. قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قلت: قال فى "النهاية": الغرار فى الصلاة نقصان هيئاتها وأركانها، وقال الخطابى فى "المعالم": أصل الغرار نقصان لبن الناقة، يقال: غارت الناقة غرارًا فهى مغار إذا نقص لبنها، فمعنى قوله: "لاغرار" أى لا نقصان فى التسليم، ومعناه أن ترد كما يسلم عليك وافيًا لا تنقص فيه، مثل أن يقال السلام عليكم ورحمة الله وبر كاته فتقول السلام عليكم ورحمة الله (وبركاته) ولا تقتصر على أن تقول عليكم السلام، وأما الغرار فى الصلاة فهو على وجهين، أحدهما أن لا يتم ركوعها وسجودها، والآخر أن يشك هل صلى ثلاثا أو أربعًا، فيأخذ بالأكثر ويترك اليقين وينصرف بالشك، وقد جاءت السنة فى رواية أبى سعيد رضى الله عنه أن يطرح الشك ويبنى على اليقين، ويصلى ركعة حتى يعلم أنه قد كملها اهـ من "عون المعبود" (٣٤٨:١). قلت: والصحيح عندنا ما قاله صاحب "النهاية": إن الغرار فى الصلاة نقصان هيئاتها وأركانها، وإذا شك فى عدد الركعات ولم يدر أ ثلاثا صلى أو أربعًا، فلا بد من بقاء النقصان وإن أخذ بالأقل وبنى على اليقين، لأنه إذا بنى على اليقين يبقى احتمال خلط النافلة بالفرض قبل تمامه، وهو يورث النقصان فى هيئة الصلاة، فالتحرز عن النقصان بالكلية لا يتأتى إلا بالإعادة حتى يستيقن، فالحديث من حيث اشتماله على النهى عن كل ج - ٧ حكم الشك فى عدد ركعات الصلوة ١٨٣ ١٨٩١- عن: أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه. قال: قال رسول الله مَ لِّ: ((إذا شك أحدكم فى صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين)): رواه مسلم (٢١١:١ و٢١٢). ١٨٩٢- عن: عبد الله رضى الله عنه(١) مرفوعًا: ((إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم يسجد سجدتين)). رواه مسلم (٢١٢:١) وفى رواية له: ((فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب)). وفى أخرى له: ((فلينظر أحرى ذلك للصواب اهـ)). غرار ونقص فى الصلاة يفيد وجوب الاستئناف إذا شك فيها، لما قلنا إن البراءة لا تتأتى إلا بذلك، ولكنا قيدناه بما إذا كان الرجل مبتدأ بالشك لا مبتلى به، لما فى الاستئناف للمبتلى كل مرة من الحرج البين، ولما فيه من إبطال حديث أبى سعيد وابن مسعود بالكلية، ويمثل ما قيدناه به قيده عطاء وطاوس وغيرهما كما تقدم. وإن سلمنا أن معنى الغرار هو الشك، والمراد أن لا ينصرف بالشك، فهو لا يتأتى بدون الاستئناف أيضًا، فإنه إذا بنى على اليقين يبقى مترددا هل صلى أربعة أو خمسةً ونحوها، سلمنا أنه أتم الركعات ولكن لا يخلو عن الشك فى هيئات الصلاة وخلط النافلة بالفرض قبل تمامه، وبالجملة فقوله مرّ له: ((لا غرار فى الصلاة)) يفيد نفى كل نقصان عنها، وما هو إلا بالاستئناف فى صورة الشك، فالحديث حجة لأبى حنيفة ومن وافقه فى هذا . الباب، كما ذكره ابن قدامة فى "المغنى" (٢٧١:١) ثم رد عليه بأن من بنى على اليقين لم يبق فى شك من تمامها، وقد ذكرنا الجواب عنه فافهم. قوله: "عن أبى سعيد وعن عبد الله إلخ". قال المؤلف: وفى "فتح البارى". (٧٦:٣): قال ابن حبان فى "صحيحه": البناء غير التحرى، فالبناء أن يشك فى الثلاث أو الأربع مثلا فعليه أن يلغى الشك، والتحرى أن يشك فى صلاة فلا يدرى ما صلى، فعليه أن يبنى على الأغلب عنده. وقال غيره: التحرى لمن اعتراه الشك مرة بعد أخرى، فيبنى على غلبة ظنه، وبه قال مالك رحمه الله وأحمد، وعن أحمد فى المشهور التحرى يتعلق (١) هو ابن مسعود. : ١٨٤ حكم الشك فى عدد ركعات الصلوة إعلاء السنن ١٨٩٣- عن: عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله عد اله يقول: ((إذا شك أحدكم فى صلاته فلم يدر أ واحدة صلى أم ثنتين فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته))، الحديث، رواه أحمد وابن ماجة والترمذى وصححه اهــ كذا فى "النيل" (٢٦٤:٢). بالإمام فهو الذى يبنى على ما غلب على ظنه، وأما المنفرد فيبنى على اليقين دائما، وعن أحمد رواية أخرى كالشافعية، وأخرى كالحنفية، ونقل النووى أن الجمهور مع الشافعى، وأن التحرى هو القصد. قال الله تعالى: ﴿فأولئك تحروا رشدا﴾ اهـ. وفيه أيضًا: ولفظ الشافعى قوله: "فليتحر" أى فى الذی یظن أنه نقصه فیتمه، فیکون التحری أن یعید ما شك فيه ويبنى على ما استيقن، وهو كلام عربى مطابق لحديث أبى سعيد، إلا أن الألفاظ تختلف اهـ. أى لسعة الكلام فى الأمر الذى معناه واحد اهــ زاده "الزيلعي" عنه (٣٠٣:١). ويؤيد مذهبنا ما ورد فى تفسير الحديث من راويه الصحابى رضى الله عنه، فقد روى الإمام محمد فى "كتاب الآثار": أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن شقيق(١) بن سلمة عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، قال: ((إذا شك أحد کم فی صلاته فلا یدری ثلاثا صلی ام أربعًا فلیتحر، فلينظر أفضل ظنه، فإن كان أكبر ظنه أنها ثلاث، قام فأضاف إليها الرابعة، ثم تشهد فسلم وسجد سجدتى السهو، وإن كان أفضل ظنه أنه صلى أربعاً تشهد، ثم سلم ثم سجد سجدتى السهو)) (ص-٣٢). قلت: إسناده حسن صحيح، وأيضًا: لا معنى للتحرى فيما ذكره الإمام الشافعى، فإن اليقين موجود فى الحال وهو أقل الطرفين، فما الحاجة إلى التحرى؟ وفى "منتهى الأرب" (٣٧٥:١): تحرى رأى صواب ترين جستن أهـ. وفى "الصراح" (٢: ٤٤٠): هو طلب ما أحرى بالاستعمال فى غالب الظن اهـ. وبالجملة فالشافعى رحمه الله لا يقول بالعمل بالظن الغالب، بل يجب عنده البناء على الأقل فى الشك دائما، سواء كان له رأى أو لا، وتأول حديث ابن مسعود بأن (١) هو أبو وائل. ١٨٥ ج - ٧ حكم الشك فى عدد ركعات الصلوة ١٨٩٤- عن: أنس، قال عدّ له: ((إذ شك أحدكم فى صلاته فلم يدر اثنتين صلى أوثلاثا فليلق الشك وليبن على اليقين)). رواه البيهقى ورجال إسناده ثقات، كذا فى "النيل" (٢٦٤:٢). التحرى هو القصد مطلقًا دون غالب الظن، وحديث محمد حجة عليه، وأيضًا: فكيف يجوز القول بوجوب البناء على الأقل دائمًا وجواز البناء على الأقل مشروط بعدم الدراية؟ كما فى حديث أبى سعيد، وعبد الرحمان بن عوف، وأنس وغيرهم، وهذا المتحرى قد حصلت له الدراية، وأمر الشاك بالبناء على ما استيقن، ومن بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى على ما استيقن. فاندفع بذلك ما أورده النووى فى "شرح مسلم" علينا، وقال: فإن قالت الحنفية: حديث أبى سعيد لا يخالف ما قلنا، لأنه ورد فى الشك وهو ما استوى طرفاه، ومن لم يترجح له أحد الطرفين يبنى على الأقل بالإجماع، فالجواب أن تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين، وأما فى اللغة فالتردد بين وجود الشئ وعدمه كله يسمى شكا سواء المستوى والراجح والمرجوح، والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية ولا يجوز حمله على الاصطلاح اهـ ملخصًا (٢١٢:١). وتقرير الدفع: إن سلمنا أن الشك يعم المستوى والراجح والمرجوح لغةً، ولكن لا يجوز حمله على المعنى العام فى حديث أبى سعيد لكونه مقيدًا فيه بعدم الدراية، والشك الذى لا دراية فيه إنما هو المستوى أو المرجوح دون الراجح كما لا يخفى، فنحن لم نحمل الشك فيه على المستوى لأجل الاصطلاح بل بقرينة عدم الدراية التى وقع التقييد بها فى الحديث فافهم. فائــدة: ثم اعلم أن حديث ابن مسعود: «إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم يسجد سجدتين)) بإطلاقه يفيد وجوب السجدتين حال التحرى مطلقًا، وقيده فقهاؤنا بما إذا أطال تفكره، وشغله ذلك عن أداء ركن، أو قطعه عن القراءة والتسبيح فى القيام والركوع مثلا، فإن لم يطل تفكره فلا سهو عليه، لأن الفكر القليل مما لا يمكن التحرز عنه، فكان عفوا دفعًا للحرج، كذا فى "البدائع" (١٦٥:١) ومثله فى ١٨٦ حكم الشك فى عدد ركعات الصلوة إعلاء السنن "البحر" (١١١:٢) و"الهندية" عن "المحيط" (٨٤:١) وقد ثبت عنه عَّ أنه لبس الخميصة التى لها أعلام، فقال: ((اذهبوا بها إلى أبى جهم وأتونى بانبجانيته، فإنها ألهتنى)). وفى بعض الروايات: )) شغلتنى عن صلاتی)). (وروى عن عمر بن الخطاب: ((أجهز جیشی وأنا فى الصلاة)) علقه البخارى). وروى البيهقى عنه: ((إنى لأحسب جزية البحرين وأنا قائم فى الصلاة)). فوقع التفكر فى هذه الصور ولم يثبت أنهما سجدا لذلك، فدل على أن مطلق التفكر لا يوجب السجود، كذا فى "بذل المجهود" (١٤٩:٢) فلعل التفكر لم يطل بهما، أو طال ولم يشتغلا به عن الأركان والقراءة والأذكار. قلت: وفى "المدونة الكبرى": قال مالك فيمن سها فلم يدر أ ثلاثا صلى أو أربعًا ففكر قليلا فاستيقن أنه صلى ثلاثا، قال: لا سهو عليه اهـ (١٢٨:١). ولعل وجه ورود الحديث بالإطلاق أن عروض الشك فى مقدار الركعات وتحرى الصواب فيه لا يخلو فى الغالب عن طول التفكر وقصره نادر، والنادر كالمعدوم. فبنى الكلام على الغالب، وأمر بالسجود عند التحرى مطلقًا، لا سيما إذا نظرنا إلى الاختلاف الواقع بين الأئمة فى تحديد طويل الفكر وقصيره، فعند الإمام طويله ما يمكن فيه أداء ركن ولو بلا سنة، وهو مقدر بسبحان الله مرةً، لكونه قدر آية قصيرة، وهى ﴿ثم نظر﴾. وعند الثانى أى أبى يوسف ما يسع أداء ركن بسنة وهو قدر ثلاث تسبيحات، وهو المختار كما فى "الدرر" اهـ. من حاشية الطحطاوى على "الدر" (٥٠٢:١) ومن حاشيته على (مراقى الفلاح ص ١٩٦). ولا يخفى أن تحرى الصواب لا يكاد يخلو عن التفكر بقدر سبحان الله مرةً فى الأكثر، فلا إشكال فى إطلاق الحديث على قول الإمام، وعليه يحمل ما فى " كتاب الآثار" لمحمد، و"الطحاوى"، و"الكبيرى"، من إيجاب السجود عند التحرى مطلقًا، ولكن لما كان هذا القدر القليل لا يمكن التحرز عنه عادةً والحرج مدفوع بالنص لم يأخذ به المشائخ. واختاروا فى ذلك قول أبى يوسف إن الطويل من الفكر هو ما يكون قدر سبحان الله ثلاثًا، فلا يجب عليه سجود السهو فى أقل من ذلك، يؤيده ما أخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه" عن ابن عمر، قال: ((إذا شك الرجل فى صلاة فلم يدر أ ثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فليبن على أتم ذلك فى نفسه، وليس عليه سجود)). أخرجه فى "كنز العمال" (٢١٤:٤). ولم أقف على سنده تفصيلا ولا ينزل عن الضعيف، ومثله يكفى تأييدا : ١٨٧ ج - ٧ باب فى بقية أحكام السهو ١٨٩٥- عن: عبد الله مرفوعًا: قال: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون». زاد ابن نمیر فی حدیثه: «فإذا نسی أحد کم فلیسجد سجدتین». رواه مسلم فى "صحيحه" (٢١٣:١). ١٨٩٦- وللنسائى عن معاوية مرفوعًا بلفظ: ((من نسى شيئًا من صلاته فلیسجد مثل هاتین السجدتین)) (١٨٦:١) وسنده حسن. ١٨٩٧- وعنه مرفوعًا: قال: ((إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين)). رواه مسلم (٢١٣:١). للقياس، ولا يخفى أن الشك لا يخلو عن قليل تفكر عادةً، والله تعالى أعلم. باب فی بقیة أحکام السهو قوله: "عن عبد الله إلخ". قلت: فى قوله معرّ: ((فإذا نسى أحدكم فليسجد)) وقوله: ((من نسى شيئا من صلاته فليسجد إلخ)). دلالة على أن وجوب سجود السهو مختص بالنسيان، ولا يلزم فى العمد، قال ابن قدامة فى "المغنى": ولا يشرع السجود بشئ فعله أو تركه عامدًا، بهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعى: يسجد لترك التشهد والقنوت عمدًا، لأن ما تعلق الجبر بسهوه تعلق بعمده كجبرانات الحج، ولنا أن السجود يضاف إلى السهو، فيدل على اختصاصه به، والشرع إنما ورد به فى السهو، فقال: ((إذا نسى أحدكم فليسجد سجدتين)). ولا يلزم من انجبار السهو به انجبار العمد، لأنه معذور فى السهو غير معذور فى العمد، وما ذكروه (من القياس) يبطل بزيادة ركن أو ركعة أو قيام فى موضع جلوس أو جلوس فى موضع قيام أهـ (٧٠٢:١). قوله: "وعنه مرفوعًا إلخ". فيه دلالة على وجوب السجود لكل زيادة ونقصان ظاهرا، ولكن المتبادر من السياق أن المراد زيادة الركعات ونقصانها، وألحق بالنقصان ترك التشهد والجلوس فى الثانية، لما ثبت عنه مرّه أنه سهى عن القعود فى الثانية فمضى وسجد سجدتين بعد ما أتم الصلاة، والتشهد فى حكم الجلوس لأنه هو المقصود، صرح به ابن قدامة فى "المغنى" (٦٨٣:١). وإليه ذهب فقهاؤنا كما هو معلوم لكل من نظر فى كتبنا، وقاس فقهاؤنا على المنصوص من الزيادة والنقصان ما عداهما من الزيادة على التشهد فى ١٨٨ بقية أحكام السهو إعلاء السنن ١٨٩٨- عن: ابن عمر مرفوعًا: ((لا سهو فى وثبة الصلاة إلا فى قيام عن جلوس أو جلوس عن قيام)). أخرجه فى "كنز العمال" (١٠٢:٤) وعزاه إلى الحاكم ولم يتعقبه، فهو صحيح على أصله. ١٨٩٩- عن: عائشة رضى الله عنها مرفوعًا: ((سجدتا السهو فى الصلاة تجزئان من كل زيادة ونقصان)). أخرجه فى "كنز العمال" (١٠١:١) وعزاه الثانية، والتأخير فى الواجبات والفرائض وغير ذلك مما هو مبسوط فى الفقه. ولا يجب فى كل زيادة، كما إذا أتى بذكر مشروع فى الصلاة فى غير محله، كالقراءة فى الركوع والسجود، وقراءة السورة فى الأخيرين من الرباعية، أو الأخيرة من المغرب، وزيادة التسبيح فى الركوع والسجود على الثلاث، أو تطويل القراءة على قدر السنة، ولا فى كل نقصان كما لو نقص التسبيح عن الثلاث، أو نقص القراءة عن قدر السنة ونحوها، والضابط فى ذلك أن سبب وجوبه ترك الواجب الأصلى فى الصلاة، أو تغييره، أو تغيير فرض منبها عن محله الأصلى ساهيا، لأن كل ذلك يوجب نقصانا فى الصلاة "بدائع" (١٢٤:١) وأما الأذكار المسنونة التى لم تبلغ درجة الوجوب فلا سهو فى الزيادة عليها والنقصان عنها، والله أعلم. قوله: "عن ابن عمر إلخ". فيه دلالة على عدم السجود فى الوثبة ما لم تكن فيامًا أو أقرب منه، وقد تقدم الكلام فى ذلك، وفيه دلالة أيضًا على وجوب السجود إذا قام عن جلوس أو جلس عن قيام، ولكن لا يجب فى الجلسة الخفيفة قدر جلسة الاستراحة التى استحبها الشافعى رحمه الله، لأنها كالوثبة القليلة، صرح بذلك ابن عابدين فى حاشية : "الدر" فى واجبات الصلاة (٤٨٩:١). وفى "المغنى" لابن قدامة: أن أكثر أهل العلم یرون أن هذا (أی القيام فى موضع الجلوس وبالعكس) يسجد له، وممن قال بذلك ابن مسعود، وقتادة، والثورى، والشافعى، وإسحاق، وأصحاب الرأى، وكان علقمة والأسود يقعدان فى الشئ يقام فيه، يقومان فى الشئ يقعد فيه فلا يسجدان اهـ (٦٨:١). قلت: يحمل فعل علقمة والأسود على الجلسة الخفيفة والوثبة القليلة ما لم يرد التصريح بخلافه عنهما، وإلا فالحديث حجة عليهما. قوله: "عن عائشة إلخ". فيه دلالة على أن السجود لا يتكرر بتكرار السهو، بل ١٨٩ ج - ٧ بقية أحكام السهو إلى البيهقى وأبى يعلى وابن عدى، وذكره الحافظ فى "الفتح" (٨٢:٣) ولم یتعقبه بشئ، فهو حسن أو صحیح على قاعدته. ءَّ الَّه فى الصلاة قال: ١٩٠٠- عن: عبد الله مرفوعًا فى قصة سهو النبى عد ((إنه لو حدث فى الصلاة شئ لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكرونى)). الحديث رواه البخارى (٥٨:١). ١٩٠١- عن: الزهرى، عن سعيد، وعبد الله عن أبى هريرة بهذه القصة (أى قصة ذى اليدين) قال: ((ولم يسجد (رسول الله عَُّّه) سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك)). رواه أبو داود، وذكر الحافظ فى "الفتح" (١٧٢:٢) ولم یتعقبه بشئ، فهو حسن أو صحيح على قاعدته. السجدتان تجزئان عن كل سهو وقع فى الصلاة، وهذا بالاتفاق بين الأئمة خلا الأوزاعى كما فى "رحمة الأمة" (ص-٢٢). قوله: "عن عبد الله إلخ". فيه دلالة على مشروعية تذكير القوم إمامهم إذا سهى، ولا خلاف فى ذلك، وهل يجوز للإمام الأخذ بقولهم؟ ففى "رحمة الأمة": والإمام إذا أخبره من خلفه أنه قد ترك ركعةً هل يرجع إلى قولهم أو يعمل بيقينه؟ والأصح من مذهب الشافعى وهو مذهب أحمد أنه لا يرجع إلى قولهم، بل يعمل على يقينه، وقال أبو حنيفة: يرجع إلى قولهم، واختلفت الرواية فى ذلك عن مالك اهـ (ص-٢٢٠). قلت: فى مذهب أبى حنيفة تفصيل لم يذكره صاحب "رحمة الأمة"، وهى أن الإخبار إن كان والإمام فى الصلاة، والذى أخبره عدلان، يأخذ بقولهما، وكذا إن صلى بقوم فلما صلى ركعتين وسجد السجدة الثانية شك أنه صلى ركعة أو ركعتين، أو شك فى الرابعة والثالثة، فلحظ إلی من خلفه لیعلم بهم إن قاموا قام، وإن قعدوا قعد، يعتمد بذلك فلا بأس به، ولا سهو عليه، كذا فى "المحيط" (الهندية ٨٤:١) وإن كان الإخبار بعد ما سلم الإمام فلو كان الإمام على يقين لم يعد وإلا أعاد بقولهم كذا فى "الدر" (٧٩:١). وبعد ذلك فنقول: إن قوله عَّ: ((فإذا نسيت فذكرونى)) متعلق بالإخبار فى الصلاة وهو بعمومه يفيد لزوم التذكير على القوم، ولزوم الأخذ به على الإمام إذا تذكر، ولأن النبى معَّه أمرهم بالتسبيح ليذكروا الإمام، ويعمل بقولهم إن تذكر أو ترجح تذكير ١٩٠٪ بقية أحكام السهو إعلاء السنن ١٩٠٢- عن أبى العالية، قال: ((رأيت ابن عباس يسجد بعد وتره سجدتين)). أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح، وعلقه البخارى، كذا فى "الفتح" (٨٤:٣) قال الحافظ: إن ابن عباس كان يرى أن الوتر غير واجب ویسجد مع ذلك فیه للسھو اهـ. ١٩٠٣- عن: إبراهيم النخعى، قال: ((سجد إذا أسر فيما يجهر فيه، أو القوم على ظنه إذا كان المذكر عدلين فصاعدًا، لترجيح قولهما على ظن الإمام وحده، بخلاف ما إذا كان المذكر واحدا فلا ترجيح له على الإمام، فيعمل بيقينه، وحديث أبى هريرة متعلق بالإخبار بعد السلام، فإنه مګّ كان قد سلم فى قصة ذى اليدين فلم يأخذ بقول المخبرين حتى يقنه الله تعالى، ومفهومه أنه لو كان على يقين من الإتمام لم يعد الصلاة بقولهم، والله تعالى أعلم. قوله: "عن أبى العالية إلخ". فيه دلالة على وجوب سجود السهو فى النوافل أيضًا، وأن حكمها حكم الفرائض فى ذلك، قال ابن قدامة فى "المغنى": وحكم النافلة حكم الفرض فى سجود السُّهو فى قول عامة أهل العلم، ولا نعلم فيه مخالفًا، إلا أن ابن سيرين قال: لا يشرع فى النافلة، وهذا يخالف عموم قول النبى: ((إذا نسى أحدكم فليسجد · سجدتين))، وقال: ((إذا نسى أحدكم فزاد أو نقص فليسجد سجدتين))، ولم يفرق، ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود فليسجد لسهوها كالفريضة اهـ (٢٠٨:١). وقال الحافظ فى "الفتح": السهو فى الفرض والتطوع هل يفترق حكمه أم يتحد؟ وإلی الثانی ذهب الجمهور، وخالف فى ذلك ابن سیرین وقتادة، ونقل عن عطاء. ووجه أخذه من حديث الباب (وهو حديث أبى هريرة: ((إذا قام أحدكم يصلى جاء الشيطان فليس عليه حتى لا يدرى كم صلى)) الحديث) من جهة قوله: ((إذا صلى)) أى الصلاة الشرعية، وهو أعم من أن تكون نافلةً أو فريضةً، فإن قيل: إن قوله فى الرواية التى قبل هذه: (إذا نودى للصلاة (أدبر الشيطان وله ضراط. فإذا قضى الأذان أقبل، الحديث) قرينة فى أن المراد الفريضة، وكذا قوله: ((إذا ثوب)). أجيب بأن ذلك لا يمنع تناول النافلة، لأن الإتيان حينئذ بها مطلوب لقوله معّ له: ((بين كل أذانين صلاة)) (٨٤:٣). قوله: "عن إبراهيم النخعى إلخ". قلت: فيه دلالة على وجوب السجود بالجهر فى موضع الإسرار، وبالإسرار فى موضع الجهر، وقد قدمنا فى الجزء الرابع أن الجهر فى ١٩١ بقية أحكام السهو ج - ٧ جهر فيما يسر فيه)). ذكره سحنون فى "المدونة" بلا سند جزمًا (١٣٢:١). الصلوات الجهرية والإسرار فى السرية واجب، وقد فرغنا من إقامة الدليل على ذلك هناك فتذكر، ففى الجهر فى السرية وبالعكس ترك الواجب الأصلى فى الصلاة، وتغييره عن هيئته، وهو موجب للنقصان، وقد تقدم قوله مڅآه: ((من زاد فى الصلاة أو نقص فليسجد. سجدتين)). وبه قال مالك وأبو حنيفة فى الإمام، وقال الأوزاعى والشافعى -وهو رواية عن أحمد - أنه لا سهو عليه، واحتجوا بما روى عن أنس: ((أنه جهر فى الظهر أو العصر فلم يسجد)). رواه الطبرانى فى "الكبير" من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عنه، كما فى "التلخيص" (١١٣:١) ولأنه سنة فلا يشرع السجود لتر که کرفع اليدين، كذا فى "المغنى" (٦٨٧:١). ولنا ما مر من الدليل على وجوب الجهر والإسرار فى موضعهما، وما ذكروه يبطل بالقنوت وبالتشهد الأول، فإنه عند الشافعی سنة ویسجد تار که كما تقدم، والجواب عن الأثر أن أنسا لعله جهر بآية أو آيتين ولا سهو بذلك عندنا، فإن القليل عفو، ففى "المدونة" :. قال مالك فیمن أسر فیما یجهر فیه أو جهر فیما یسر فیه قال: يسجد سجدتی السھو، فقلنا لمالك: فلو قال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين أو نحو ذلك (أى جهرا) ثم صمت؟ قال: هذا خفيف ولا سهو عليه، قلت: فإن هو أسر فيما يجهر فيه؟ قال: يسجد سجدتى السهو قبل السلام، إلا أن يكون شيئًا خفيفًا اهـ (١٣٢:١). وهذا هو الحكم عند الحنفية كما صرح به "رد المحتار" نقلا عن "الهداية" و"الزيلعى" و"شرح المنية" أن القليل من الجهر فى موضع المخافتة عفو، ففى حديث أبى قتادة فى الصحيحين: ((أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ فى الظهر فى الأولين بأم القرآن وسورتين، وفى الأخيرين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانًا اهـ) (٧٧٦:١). وقد صرحوا بأنه إذا جهر سهوا بشئ من الأدعية والأثنية ولو تشهد فإنه لا يجب عليه السجود، قال فى "الحلية": ولا يعرى القول بذلك فى التشهد عن تأمل اهـ (الشامى ص السابق). قلت: والدليل على عدم السجود بالجهر بالأذكار ما تقدم من جهر عمر رضى الله عنه بالاستفتاح أحيانا ولم يسجد، وجهر رجل حين رفع النبى ◌ّ بعد ركوعه وقال: سمع الله لمن حمده، بقوله: اللهم ربنا لك الحمد حمداً كثيرا طيبًا مباركا فيه كما تحب ربنا وترضى. ولم يأمره النبى معَّه بالإعادة ولا بالسجود؛ بل أثنى على قوله ذلك، فافهم. ١٩٢ بقية أحکام السهو إعلاء السنن ١٩٠٤- على: بن زياد، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، والمغيرة، عن إبراهيم، أنهما قالا فى الرجل تفوته من صلاة الإمام ركعة وقد سها فيها الإمام: ((فإنه يسجد مع الإمام سجدتى السهو، ثم يقضى الركعة بعد ذلك)). أخرجه سحنون فى "المدونة" (١٣١:١) وسنده صحيح، فإن على بن زياد هو العبسى ثقة كما مر، والباقون لا يسئل عنهم. ١٩٠٥- محمد: قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم فى الرجل يشك فى السجدة الأولى أو التشهد أو نحو ذلك من صلاته ما لم تكن قوله: "على بن زياد إلخ". قلت: فيه دلالة على وجوب السجود على المسبوق بسهو إمامه، وأنه يتابع إمامه فى ذلك، ويؤيده عموم قول النبى عدّ له: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا))، الحديث. رواه الشيخان، وقد تقدم فى باب الإمامة. وقوله فى حديث ابن عمر: ((فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه)). وقد تقدم ذكره فى أوائل أبواب السهو قريبًا، ولأن السجود من تمام الصلاة فيتابعه فیه، قال ابن قدامة فى "المغنى": وإذا كان المأموم مسبوقًا فسها الإمام فيما لم يدر كه فيه، فعليه متابعته فى السجود، سواء كان قبل السلام أو بعده. روى هذا عن عطاء، والحسن، والنخعى، والشعبى، وأبى ثور، وأصحاب الرّأى، وقال ابن سيرين وإسحاق: يقضى ثم يسجد، وقال مالك، والأوزاعى، والليث، والشافعى فى السجود قبل السلام كقولنا، وبعده كقول ابن سيرين، لأنه فعل خارج من الصلاة فلم يتبع الإمام فيه كصلاة أخرى اهـ. (٦٩٩:١) وقد ذكرنا الجواب عن دليلهم بأن السجود من تمام الصلاة يتابعه فيه، وفارق صلاة أخرى فإن غير مؤتم به فيها، بخلاف الصلاة التى سها فيها الإمام وسجد فيها للسهو، فإنه مؤتم به فيها، والله أعلم. قوله: محمد قال: "أخبرنا أبو حنيفة إلخ" أولا. قلت: فيه دلالة على أن الشك فى أفعال الصلاة لا يوجب الاستئناف وإن كان أول ما عرض له ما لم تكن ركعة، فالاستئناف إنما يجب بالشك فى عدد الركعات إذا كان مبتدأ به، لا فيما سواها من الأفعال، بل يقضى ما شك فيه ثم يسجد للسهو، ووجه ذلك أن النص لم يرد بالاستئناف إلا فى الشك فى عدد الركعات، وهو خلاف القياس فلا يتعدى إلى غيره. والقياس أن : 13 ج - ٧ بقية أُحکام السهو ١٩٣ ركعة فإنه يقضى ما شك فيه من ذلك، ويسجد لذلك أيضًا سجدتي السهو، وقال: لأن أسجد لذلك سجدتى السهو فيما لم يحق على أحب إلى من أن أدعهما)). قال محمد: وبه نأخذ، فإن كان يبتلى بذلك كثيرا مضى على أكبر رأيه ويسجد سجدتى السهو، وهذا قول أبى حنيفة. ١٩٠٦- محمد: قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: ((إذا انصرفت من صلاتك فعرض لك شك أو صلاة أو قراءة فلا تلتفت)). قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة. "كتاب الآثار" (٣٢-٣٣). اليقين لا يزول بالشك. فإن قيل. هذا ينتقص بما فى "الدر" وغيره: شك هل كبر للافتتاح أولا، أو أحدث أولا، أو أصابه نجاسة أولا، أو مسح رأسه أولا، استقبل إن كان أول مرة وإلا لا اهـ (٧٩٠:١). قلنا: ليس هذا من الشك فى الأفعال، بل هو من الشك فى صحة شروعه فى الصلاة، والشك فى صحة الشروع يفضى إلى الشك فى صحة الركعات وبطلانها، فكان كمن لم يدر أ ثلاثا صلى أم أربعًا وشك فى عددها، بل ذلك فوقه. فألزموه بالاستئناف دلالة لا قياسًا، فافهم فإنه من المواهب. قوله: "محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة إلخ" ثانيا. فيه دلالة على أن الشك بعد الفراغ من الصلاة لا يلتفت إليه، قال ابن قدامة فى "الشرح الكبير": وإنما يؤثر الشك فى الصلاة إذا وجد فيها فإن شك بعد سلامها لم يلتفت إليه، لأن الظاهر أنه أتى بها على الوجه المشروع، ولأن ذلك يكثر فيشق الرجوع إليه، هكذا الشك فى سائر العبادات اهـ (٦٥٧:١). ولم يذكر فيه خلافًا. قلت: ويستثنى منه ما إذا وقع الخلاف بين الإمام والقوم، وشك الإمام بقولهم فى إتمام الصلاة ونقصها ولم يكن على يقين، فإنه يأخذ بقول عدلین وجوبًا، لأنه مێ رجع إلى قول أبى بكر وعمر رضى الله عنهما فی حدیث ذى اليدين، لما سألهما أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقالا: نعم! ولا يجب الأخذ بقول عدل، لأنه مرّ لم يأخذ بقول ذى اليدين وحده نعم! يعيده بقول عدل عند محمد احتياطًا، ولا يرجع إلى قول الفساق، لأن قولهم غير مقبول فى أحكام الشرع، كذا يظهر من "الهندية" (٨٤:١). ** ١٩٤ إعلاء السنن أبواب صلاة المريض باب إذا لم يستطع القيام يصلى قاعدًا وإلا فعلى جنب أو مستلقيا يؤمى بالركوع والسجود وإلا أخر الصلاة ١٩٠٧- عن: عمران بن حصين، قال: كانت بى بواسير، فسألت رسول الله عن الصلاة؟ فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فعلى جنب)). رواه البخارى (١٥٠:١) وعزاه فى "المنتقى" وكذا فى " نصب الراية" و"الدراية" إلى الجماعة باب إذا لم يستطع القیام یصلى قاعدا وإلا فعلى جنب أو مستلقيًا يؤمئ بالركوع والسجود وإلا أخر الصلاة قوله: "عن عمران إلخ". قلت: وفى "الهداية": فإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره، وجعل رجليه إلى القبلة، وأومأ بالركوع والسجود، لقوله عليه السلام: ((يصلى. المريض قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى قفاه يؤمئ إيماء، فإن لم يستطع فالله تعالى أحق بقبول العذر منه)). وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة فأومأ جاز لما روينا من قبل(١) إلا أن الأولى هى الأولى عندنا اهـ. قال الحافظ فى "الدراية" (ص-١٢٧): حديث: ((يصلى المريض قائمًا)) إلخ. لم أجده هكذا، وللدار قطنى من حديث على نحو أوله، وفيه: ((فإن لم يستطع صلى مستلقيًا رجلاه مما يلى القبلة). ولم یذ کر آخره، وإسناده واه جدًا اهـ. قلت: حدیث علی أیده حدیث عمران بن حصین برواية النسائى، وفيه: ((فإن لم تستطع فمستلقيًا، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)) اهـ. وهو حديث صحيح لسكوت النسائی وسكوت الحافظ عنه، ولو كان فيه علة لصاحا بها، وهذا هو معنى حديث على بعينه، وقوله(٢): ((فإن لم يستطع فالله تعالى أحق بقبول العذر منه))، لم نجده هكذا فى حديث ولا أثر، ولكن معناه ثابت بحديث ابن عباس الآتى والله أعلم. (١) هو حديث عمران. (٢) فى حديث ذكره صاحب الهداية. ١٩٥ حكم صلوة المريض ج - ٧ غير مسلم، ثم قالوا: وزاد النسائى: ((فإن لم تستطع فمستلقيًا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها اهـ)). ولم أجد هذه الزيادة فى "المجتبى"، فلعلها فى بعض نسخه أو أخطأت فى التتبع. بقى أن حديث عمران يفيد جواز الاستلقاء على القفا إذا لم يستطع الاضطجاع على جنبه، فمن أين قالت الحنفية بأولوية عكس هذا الترتيب؟ وأجاب المحقق فى "الفتح" بأن حديث: ((يصلى المريض قائمًا)) إلخ. (الذى استدل به صاحب "الهداية" لمذهبه) غريب، والله أعلم، ثم بتقدير عدم ثبوته لا ينتهض حديث عمران حجة على العموم، فإنه خطاب له (خاصة) وكان مرضه البواسير وهو يمنع الاستلقاء (أى أحيانا) فلا يكون خطابه خطابًا للأمة، (فلا حجة فيه على تقديم الاضطجاع على الجنب على الاستلقاء على القفا، لاحتمال كون الترتيب المذكور بحسب حال المخاطب) فوجب الترجيح بالمعنى، وهو أن المستلقى تقع إشارته إلى جهة القبلة (إذا جعل وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد، إذ حقيقة الاستلقاء يمنع الأصحاء عن الإيماء فكيف بالمرضى) وبه يتأدى الفرض بخلاف الآخر (أى الاضطجاع على الجنب) ألا ترى أنه لو حققه مستلقيًا كان ركوعًا وسجودًا إلى القبلة، ولو أتمه على جنب كان إلى غير جهتها اهـ (٤٥٨:١). وفى. "الكفاية": وما رواه الشافعى رحمه الله (أى حديث عمران) محمول على أنه كان لا يقدر إلا أن يستلقى على قفاه (بسهولة) إذا كان به ناسور(١) والترخيص بعذر الشخص لا يدل على ثبوته لغيره اهـ (٤٥٩:١). وبالجملة فحديث عمران لا يصلح حجة للخصم لما فيه من احتمال التخصيص وهو ظاهر من الخطاب. ولنا ما أخرجه الدار قطنى عن ابن عمر، قال: ((يصلى المريض مستلقيًا على قفاه تلى قدماه القبلة)). ورجاله ثقات كما ذكرناه فى المتن، وهو بعمومه يشمل كل مريض عجز عن القيام والقعود، سواء كان مبسورًا أو غيره، وقول الصحابى حجة عندنا إذا لم یعارض المرفوع، وههنا كذلك، لأن حدیث عمران لا يعارضه لخصوصه، وقد تأيد قول ابن عمر بالمعنى القياسى الذى مر ذكره فى كلام المحقق، ولبعض الناس فى هذا المقام كلام (١) قد ورد فى رواية لأبى داود عن عمران قال: كان بى الناسور فسألت النبى عند الحديث (١: ٣٦٠ مع : " العون " منه. ١٩٦ حكم صلوة المريض إعلاء السنن ١٩٠٨- حدثنا: إبراهيم بن حماد، ثنا عباس بن يزيد، ثنا عبد الرزاق، ثنا أبو بكر بن عبيد الله بن عمر، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ((يصلى المريض مستلقيًا على قفاه تلى قدماه القبلة)). رواه الدار قطنى (١٧٩:١) ورجاله ثقات. مع الحنفية والإمام ابن الهمام، منشأه سوء فهمه وسخافة رأيه، وتحامله على الحنفية السادة الأعلام فضربنا عن ذكره صفحًا، وطوينا عنه كشحًا، والله يهديه ويصلح باله. قوله: "حدثنا إبراهيم إلخ". قلت: دلالته على أولوية الاستلقاء على القفا للعاجز عن القيام والقعود ظاهرة، لكون ابن عمر لم يذكر الاضطجاع أصلاً، فلو كان الاضطجاع على جنب أولى لذكره أولا كما لا يخفى، وبمثل قولنا قال سعيد بن المسيب، والحارث العكلى، (وهو صحابى مقل) وأبو ثور، كذا فى "المغنى" لابن قدامة (٧٨٣:١) وفى "البحر الرائق" تحت قول "الكنز": وإن تعذر القعود أومأ مستلقيًا أو على جنبه ما نصه: وقدم المصنف الاستلقاء لبيان الأفضل، وهو جواب المشهور من الروايات، وعن أبى حنيفة أن الأفضل أن يصلى على شقه الأيمن، وبه أخذ الشافعى، إلى أن قال: وينبغى للمستلقى أن ينصب ركبتيه إن قدر حتى لا يمد رجليه إلى القبلة اهـ (١١٤:٢). قال العينى فى "العمدة": واختلفت الروايات عن أصحابنا فى كيفية الاستلقاء، ففى ظاهر الرواية يصلى مستلقيًا على قفاه ورجلاه إلى القبلة، وروى ابن كأس عنهم أنه يصلى على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، فإن عجز عن ذلك استلقى على قفاه، وهو قول الشافعى. وقول مالك، وأحمد، كظاهر الرواية المذكورة اهـ (٣: ٥٨٠). قلت: والراجح عندى ظاهر الرواية لما ذكرنا، واختار بعض الناس ما يوافق مذهب الإمام الشافعى رحمه الله لموافقته حديث عمران، وهو حديث صحيح مرفوع، وقد تقدم أنه لا يصلح حجة على العموم، وأثر ابن عمر يؤيد حكم ظاهر الرواية لكونه عامًا، وأيده القياس أيضًا فافهم، وفى "رحمة الأمة" (ص-١٦): فإن عجز عن القعود فمذهب الشافعى أنه يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فإن لم يستطع استلقى على ظهره ورجلاه إلى القبلة وهو قول مالك وأحمد اهـ. فإن قلت: قد ذهب بعض الصحابة إلى كراهة الاستلقاء، روى ابن أبى شيبة فى ج - ٧ حكم صلوة المريض ١٩٧ "مصنفه" (ص-٣٩٩): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: لما كف بصره أتاه رجل، فقال له: إن صبرت لى سبعًا لا تصلى إلا مستلقيًا وأوتيك رجوت أن تبرأ عينك، قال: فأرسل ابن عباس رضى الله عنهما إلى عائشة وأبى هريرة وغيرهما من أصحاب محمد سعٍَّ قال: فكلهم يقولون: أرأيت إن مت فى هذه السبع كيف تصنع بالصلاة؟ قال: فترك عينه لم يداوها اهـ. ورجاله رجال الجماعة ثقات، ولكن المسيب عن ابن عباس مرسل، فإنه لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من البراء وأبى إياس(١) عامر بن عبدة، قاله ابن معين كما فى "التهذيب" (١٥٣:١٠). وفى "التلخيص الحبير": رواه الثورى فى "جامعه" عن جابر عن أبى الضحى أن عبد الملك أو غيره بعث إلى ابن عباس بالأطباء على البرد وقد وقع الماء فى عينه، فقالوا: تصلى سبعة أيام مستلقيا على قفاك، فسأل أم سلمة وعائشة فنهتاه، ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم والبيهقى. وقال فى "التنقيح": الصحيح عن ابن عباس أنه كره ذلك، كذا رواه عنه عمرو بن دينار، قلت: والرواية المذكورة عن عمرو صحيحة أخرجها البيهقى اهـ (٨٦:١). وأجاب عنه فى "الجوهر النقى" بما نصه: وذكر القدورى فى "التجريد" عن الحنفية أنه يجوز له الاستلقاء، وابن عباس وغيره إنما كرهوا لمعالجته، ولا كلام فيه(٢) وإنما الخلاف أنه إذا تعالج هل يجوز له الاستلقاء أم لا؟ ولم ينقل عنهم كراهية ذلك اهـ (٧٦:١). وقال ابن قدامة فى "المغنى": إذا كان بعينه مرض فقال ثقات من العلماء بالطب: (١) قلت: يوهم هذا القول كون أبى إياس عامر بن عبدة صحابيا وقد صرح فى "التقريب" بأنه من الثالثة وثقه ابن معين رضى الله عنه (ص-٩٤) وفى "التهذيب" مثله وزاد: قال ابن عبد البر فى كتاب الاستغناء فى الكنى: أبو إياس عامر بن عبدة تابعى ثقة، ثم غفل فذكره فى الصحابة اهـ (٧٨:٥). (٢) فإن المعالجة بما يفضى إلى نقصان الصلاة لا تنبغى بدون الاضطرار إليها ولعل ابن عباس رضى الله عنهما لم يكن مضطرا إلى ذلك، والله أعلم، أو كان مضطرًا ولكنه آثر موافقة القدر والصبر عليه على التدبير رجاء الأجر العظیم، فقه ورد فی الصحیح قال الله عز وجل: ((إذا ابتلیت عبدی بحبیتیه فصبر عوضته منهما الجنة) اهـ. وروى الطيرانى عن ابن عمر: ((: كان حقًا على الله واجبا أن لا ترى عيناه النار وعن أنس ما ثوابه أن النظر إلى وجهى والجوار فى دارى اهـ)). وفيها ضعف فى الإسناد كما يظهر من الترغيب (ص-٥١٥) قلت: وكان الشيخ مولانا رشید أحمد قدس سره علی قدم ابن عباس ذلك ١٩٨ حكم صلوة المريض إعلاء السنن ١٩٠٩- عن: ابن عباس رضى الله عنهما، عن النبى مبلآه، قال: ((یصلى المريض قائما، فإن نالته مشقة صلى جالسًا، فإن نالته مشقة صلى بإيماء يؤمى برأسه، فإن نالته مشقة سبح)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" وقال: لم يروه عن ابن جريج إلا خلس(١) بن محمد الضبعى، قلت: ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات، كذا فى "مجمع الزوائد" (٢٧١:١) قلت: والمستور من القرون الثلاثة مقبول. إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك، فقال القاضى: قياس المذهب جواز ذلك، وهو قول جابر بن زيد، والثورى، وأبى حنيفة. وكرهه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو وائل، وقال مالك والأوزاعى: لا يجوز، لما روى عن ابن عباس فذكره، ولنا أن النبى معَّه صلى جالسًاً لما حجش شقه، والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام لکن کانت علیه مشقة فیه أو خوف ضرر، وأيهما قدر فهو حجة على الجواز ههنا، ولأنا أبحنا له ترك الوضوء إذا لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن المثل حفظا لجزء من ماله، وترك الصوم لأجل المرض والرمد، ودلت الأخبار على جواز ترك القيام لأجل الصلاة على الراحلة خوفًا من ضرر الطين فى ثيابه وبدنه، وجاز ترك الجمعة والجماعات صيانة لنفسه وثيابه من البلل والتلويث، والصلاة على جنبه ومستلقيًا فى حال الخوف من العدو ولا ينقص الضرر بفوات البصر عن الضرر فى هذه الأحوال، فأما خبر ابن عباس إن صح فيحتمل أن المخبر لم يخبر عن يقين، وإنما قال: أرجو، أو أنه لم يقبل(٢) خبره لكونه واحدًا أو مجهول الحال(٣) بخلاف مسألتنا اهـ (٧٨٤:١ و ٧٨٥). قوله: "عن ابن عباس إلخ". قلت: أشار الحافظ فى "التلخيص" إلى ضعف هذا الحديث (٨٥:١) ولعله للمجهول الذى لم يعرفه الهيثمى، ولكن المجهول فى القرون الثلاثة مقبول عندنا، كما ذكرنا فى المقدمة، فالحديث حسن، وفيه دلالة على سقوط الصلاة عن المريض إذا لم يستطع الإيماء بالرأس، فإن قوله عّ له: ((فإن نالته مشقة سبح)) (١) كذا فى الأصل وعندى أن فيه تصحيف من الناسخين. (٢) فيه دليل على اشتراط العدالة فى الطبيب وكونه على يقين فى الشفاء بالتداوى بالمحرم. (٣) أى فاسقًا كافرا. ١٩٩ ج - ٧ حكم صلوة المريض ورد فى مقابلة قوله: ((صلى بإيماء))، فلا يجوز إرادة الصلاة به، بل المراد به الذکر وحده، فدل على أن مثل هذا المريض لا صلاة علیه، بل يذكر الله بقلبه ولسانه، وليس الذكر بواجب عليه إجماعًا، فالأمر للندب، كما قال علماؤنا(١) فى الحائض انها تتوضأ فى وقت كل صلاة وتذكر الله وتسبحه حينًا فى مصلاها كى لا تتعوذ النفس ترك الصلاة، والأصل فى ذلك حديث عمران فإنه مَّ ◌ُلِّ لم يذكر فيه ما عدا الإيماء بالرأس مستليقًا. قال الحافظ فى "الفتح": واستدل به من قال لا يتنفل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالة أخرى كالإشارة بالطرف، ثم إجراء القرآن والذكر على اللسان، ثم على القلب، لكون جميع ذلك لم يذكر فى الحديث. وهو قول الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية، وقال بعض الشافعية بالترتيب المذكور، وجعلوا مناط الصلاة حصول العقل، فحيث كان حاضر العقل لا يسقط عنه التكليف بها، فيأتى بما يستطيعه، بدليل قوله مد ظله: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))، هكذا استدل به الغزالى، وتعقبه الرافعى بأن الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور، والقعود ما يشتمل على القيام، وكذا ما بعده إلى آخر. ما ذكر. وأجاب عنه ابن الصلاح بأنا لا نقول: إن الآتى بالقعود آت بما استطاعه من القيام مثلا، ولكنا نقول: يكون آتيًا بما استطاعه من الصلاة، لأن المذكورات أنواع لجنس الصلاة بعضها أدنى من بعض، فإذا عجز عن الأعلى وأتى بالأدنى كان آتيا بما استطاع من الصلاة، وتعقب بأن كون هذه المذكورات من الصلاة فرع لمشروعية الصلاة بها وهو محل النزاع اهـ (٢ :٤٨٤). وفى "الهداية": ولأن نصب الأبدال بالرأى ممتنع، ولا قياس على الرأس، لأنه يتأدى به ركن الصلاة دون العين وأختيبها اهـ. وقال المحقق فى "الفتح": ولا يخفى أن الاستدلال به موقوف على أن يثبت لغة أن مسمى الإيماء بالرأس ليس غير، وأما بالعين والحاجب فإشارة ونحوه، ثم أجاب بأن الإيماء بالرأس هو المراد فى الحديث، فإنه قال فيه: (١) وفى "البحر" عن "الجنيس" قال أبو حنيفة فى متوضئ لا يقدر على مكان طاهر وقد حضرت الصلاة: صلى بالإيماء قضاء لحق الوقت بالتشبه، ثم يعيد ما صلى بالإيماء اهـ (١١٥:٢) قلت: وكذا ينبغى لمن عجز عن الإيماء بالرأس أن يصلى مؤميا بطرفه وحاجبه وقلبه ثم يعيد، فإن فى التشبه بقدر ما يمكن قضاء لحق الوقت. ٢٠٠٠ حكم صلوة المريض إعلاء السنن ((واجعل سجودك أخفض)) ولا يتحقق زيادة الخفض بالعين بل إذا كان الإيماء بالرأس اهـ (١: ٤٥٩). قلت: أراد بالحديث حديث جابر برواية البزار وغيره، وقد ذكرناه فى المتن، وقد ورد فى حديث على عند الدار قطنى: ((فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه)). كما فى "المنتقى" (٧٤:٣) ولکن إسناده واه، و کذا ورد التصريح به فى حديث ابن عباس هذا بلفظ: ((فإن نالته مشقة صلى بإيماء يؤمى برأسه))، صرح فيه بما يفهم من حديث عمران أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة بلفظ: ((فإن نالته مشقة سبح)) وقد مر تقريره. ثم اختلف المشائخ فى معنى السقوط هل هو سقوط التعجيل أى يجوز له تأخير الصلاة ويجب القضاء إذا صح، أو سقوط بالكلية حتى لا يجب عليه القضاء، فالصلاة القليلة وهى صلاة يوم وليلة فما دونها لا تسقط بالكلية اتفاقًا، وإنما تؤخر ويجب قضاؤها، وإذا زادت على صلاة يوم بليلة فصحح بعضهم وجوب قضائها، والأكثرون على سقوطها بالكلية، وقال فى "الظهيرية": هو ظاهر الرواية وعليه الفتوى، وإن كان يفهم الخطاب كذا فى "نور الإيضاح" (ص-٢٥٢) و "الدر المختار" و"الشامية" (٧٩٥:١): قلت: والحديث يحتمل الأمرين وإن كان المتبادر السقوط بالكلية والأحوط القضاء إذا صح، والإيصاء بأداء الفدية إن مات فى مرضه ذلك وهو يعقل، والله أعلم. فائدة: قال الحافظ فى "الفتح": قال ابن المنير فى الحاشية: اتفق لبعض شيوخنا فرع غريب فى النقل كثير فى الوقوع، وهو أن يعجز المريض عن التذكر ويقدر على الفعل، فألهمه الله أن يتخذ من يلقنه، فكان يقول: أحرم بالصلاة قل: الله أكبر، اقرأ الفاتحة قل الله أكبر للركوع، إلى آخر الصلاة يلقنه ذلك تلقينًا، وهو يفعل جميع ذلك بالنطق أو بالإيماء رحمه الله أهـ (٤٨٤:٢). قلت: وفى "الدر": ولو أداها بتلقين غيره ينبغى أن يجزيه كذا فى "القنية" اهـ. قال الشامى: وقد يقال: إنه ليس بتعليم وتعلم بل هو تذكير وإعلام، فهو كإعلام المبلغ بانتقالات الإمام فتأمل اهـ (٧٩٦:١).