النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ إعلاء السنن أبواب قضاء الفوائت باب وجوب قضاء الفوائت ١٨٥٨- عن: أنس بن مالك، عن النبى عَّ له، قال: ((من نسى صلاة فليصل إذا ذكر، لا كفارة لها إلا ذلك، أقم الصلاة لذكرى)). رواه البخارى (٨٤:١). الحاكم فى "المستدرك": ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل عند الشيخين حديث مسند اهـ. (٢٥٨:٢) فالظاهر أن عمر رضى الله عنه سمع رسول الله عَّ ◌ّ يفسر الآية بما فسره، وبعد ذلك فلا شك فى ورود النص بقضاء التهجد وإدراكه بالنهار، والله تعالى أعلم. باب وجوب قضاء الفوائت قوله: "أنس بن مالك إلخ". قال المؤلف: دلالته على وجوب القضاء ظاهرة، حيث دل لفظ الأمر عليه وكذا دلالته على تعجيل القضاء، قال القاضى الشوكانى فى "نيل الأوطار": والأمر بفعلها عند الذكر يدل على وجوب المبادرة بها، فيكون حجة لمذهب من قال بوجوبه على الفور، وهو الهادى، والمؤيد بالله، والناصر، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والمزنى، والكرخى، وقال القاسم، ومالك، والشافعى، وروى عن المؤيد بالله: أنه على التراخى (٣٢٧:١) أقول: واستدلوا فى تراخى قضاء الصلاة بما فى حديث النوم، من أنه لما استيقظ النبى معَ ◌ّه بعد فوات الصلاة بالنوم أخر قضائها، وتقدم فى باب فساد الصلاة بطلوع الشمس فى أثنائها، ورد بأن التأخير لمانع آخر وهو ما قد سبق هناك. بحث متعلق بما ورد فى القضاء من قوله عليه السلام: ((فليقض معها مثلها)) وفى "فتح البارى": ويحتمل أن يكون البخارى أشار بقوله: "ولا يعيد إلا تلك الصلاة" إلى تضعيف ما وقع فى بعض طرق حديث أبى قتادة عند مسلم فى قصة النوم عن الصلاة، حيث قال: ((فإذا كان الغد فليصليها عند وقتها))، فإن بعضهم زعم أن ظاهره ١٤٢ وجوب قضاء الفوائت ج - ٧ إعادة القضية مرتين عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتى، ولكن اللفظ المذكور ليس نصًا فى ذلك، لأنه يحتمل أن يريد بقوله: ((فليصلها عند وقتها)) أى الصلاة التى تحضر لا أنه يريد أن يعيد التى صلاها بعد خروج وقتها(١) لكن فى رواية أبى داود(٢) من حديث عمران بن حصين فى هذه القصة: ((من أدرك منكم صلاة للغداة من غد صالحًا فليقض معها مثلها))، قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليجوز فضيلة الوقت فى القضاء انتهى، ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضًا، بل عدوا الحدیث غلطًا من راویه، وحكى ذلك الترمذى وغيره عن البخارى، ويؤيد ذلك ما رواه النسائى من حديث عمران بن حصين أيضًا أنهم قالوا: (يا. رسول الله! ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ قال مَّ له: لا! ينهاكم الله عن الربوا ويأخذه منکم؟)) (٥٨:٢). قال الشيخ: والأسلم أن يقال من غير تغليط للحديث أنه ليس بتشريع عام وحكم كلى، بل إنما أمر رسول الله عَّه المخاطبين المعينين لحكمة ومصلحة هو أعلم بها أن يصلوا من الغداة ركعات زائدة تطوعًا، ولعل الحكمة تكميل ثوابهم ظهر له ذلك بالوحى فى شأنهم خاصة، فالحكم خاص بهم، فحصل وجه الحديث اهـ. قال بعض الناس: والراجح عندی ما قاله الخطابی ولا ربوا فیه، إذ ليس واجبًا، قلت: قاتلك الله! وكيف تقول: لا ربوا فيه وقد عده النبى ◌ّ ◌ُلّه من الربوا؟ وكيف يصح ما قاله الخطابى؟ ولا يجوز بعد طلوع الفجر إلا الركعتين سنتها والركعتين مكتوبتها كما تقدم، وهو حكم عام لا يجوز تخصيصه بمثل هذا الحديث الذى لم يقل أحد من السلف بمقتضاه، بل عدوه غلطًا من راويه، ويعارضه حديث عمران الصحيح عند النسائى، فإن كان لا بد من التأويل فما قاله الشيخ أولى. (١) قلت: وضحه الإمام النووى فقال: فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها، ويتحول فى المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد فى وقتها المعتاد ولا يتحول (١٣٩:١). (٢) ليس هذا اللفظ فى "سنن أبى داود" من حديث عمران بن حصين رضى الله عنه، بل من طريق خالد بن سمير عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة الأنصارى رضى الله عنه، كذا فى "عون المعبود". ١٤٣ إعلاء السنن باب وجوب الترتيب بين القضاء والأداء ١٨٥٩- عن: جابر بن عبد الله: ((أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله! ما كدت أصلى العصر حتى كادت الشمس تغرب، قال النبى عّ له: والله ما صليتها فقمنا إلى بطحان(١)، فتوضأ للصلاة وتوضأنا بها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب)). أخرجه البخارى (٨٣:١). فائدة تامة باحثة عن وجوب القضاء على المتعمد: ذهب أهل الظاهر إلى أن العامد لا يقضى الصلاة، لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلى، وقال النووى فى جوابه فى شرحه لمسلم (٢٣٨:١): إنما قيد فى الحديث بالتسيان بخروجه على سبب إلخ. ثم قال: وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يجب قضاء الفائتة بغير عذر إلخ. قلت: ومن حجج الجمهور ما ذكره الشوكانى لهم فى "النيل" بما نصه: والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقًا من عموم حديث: ((فدين الله أحق أن (٢) يقضى)) لا سيما عن قول من قال: إن وجوب القضاء بدليل هو الخطاب الأول الدال على وجوب الأداء، فليس عنده فى وجوب القضاء على العامد فى ما نحن بصدده وتردد، لأنه يقول: المعتمد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه تأديتها، فصارت دينًا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه (١: ٣٢٦). باب وجوب الترتيب بين القضاء والأداء قوله: "عن جابر بن عبد الله إلخ". قال المؤلف: دلالته على الترتيب بين القضاء والأداء ظاهرة، لكن لا دلالة على الوجوب، فإن الفعل لا يدل على الوجوب، فيستدل عليه بهذا الحديث مع انضمام حديث آخر، وهو قوله مد ظله: ((فصلوا كما رأيتمونى(٣) أصلى)) (أخرجه البخارى كما فى الزيلعى ٢٩٩:١)، وهذا محصل كلام صاحب (١) ولد بالمدينة "فتح البارى" .. (٢) أخرجه البخارى فى باب من مات وعليه صوم. (٣) عن مولانا شمس الدين الكرورى رحمه الله، أنه قال: لم يقل: كما صليت، إذ ليس فى وسع أحد أن يصلى كما صلى فى الخضوع والخشوع وغيرهما، لكن فى وسعهم أن يصلوا كما رأوا. كذا فى "الكفاية" (٤٢٢:١). ١٤٤ ج - ٧ وجوب الترتيب بين القضاء والأداء ١٨٦٠- عن: ابن عمر رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عّ لّهِ: ((من نسی صلاة فذكرها وهو مع الإمام فلیتم صلاته، ولیقض التى نسى، ثم ليعد التى صلى مع الإمام)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" ورجاله ثقات إلا أن شيخ الطبرانى محمد بن هشام المستملى لم أجد من ذكره، كذا فى "مجمع الزوائد" (١٣٧:١). قلت: وهو أيضًا ثقة على قاعدة مجمع الزوائد، وتقدم فى باب طهارة الأرض بالجفاف، والحديث رواه مالك فى "موطأه" (ص -٥٩) نحوه موقوفًا على ابن عمر رضى الله عنهما بأصح الأسانيد. ١٨٦١- ثنا: موسى بن داود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى "الهداية" (١٣٤:١)، وهو مفيد لوجوب كل ما وقع عليه الرؤية، إلا ما قام الدليل فيه على خلافه من كونه سنة أو أدبا، وستأتى الأحاديث المصرحة بالمقصود. قوله: "عن ابن عمر رضى الله عنهما" الحديث الأول إلخ. قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، فإن ظاهر الأمر للوجوب ولا صارف فافهم. بقى لقائل أن يقول: إن الوجوب لا يدل على الفساد، وأما الأمر بالإعادة فإن حمل على الوجوب باعتبار الظاهر وعدم الصارف يقتضى الكراهة بعدم الإعادة، فأين يلزم الفساد وقد قلتم به؟ فالجواب عنه ما قاله بحر العلوم فى "رسائل الأركان" ونصه: وتقرير كلام القوم أن كيفية قضاء الصلاة مجملة فى الشرائط لا بد لها من البيان، فهذا الأمر بالإعادة يلحقه على وجه البيانية، وبيان المجمل يجوز بخبر الواحد، وليس فيه تقييد المطلق ههنا، فإن نصوص الأداء إنما يوجب بقاء الذمة بالصلاة، ووجوب تفريغ الذمة بالمثل عند الفوات، على ما يراه المحققون القائلون باتحاد سببى الأداء والقضاء، لكن المثل مجمل غير معلوم، فلا يعلم إلا ببيان الشارع، ولم يرد فى القضاء إلا هذا القول، وفعل رسول الله عَ ليه يوم الخندق، فعلم أن المثل الذى به يفرغ الذمة هو الصلاة المتقدمة على الوقتية كما كانت الأداء متقدمة عليها، وكذا الصلوات المرتبات فيما إذا كانت فائتات زائدة على الواحد، وإذا كان المثل المفرغ هذه الصلاة فغيرها مفرغة، فيفسد الوقتية المتقدمة على الفائتة، ليقع الفائتة قبل الوقتية، وكذا الفائتات الغير المرتبة، هذا غاية التقرير لكلامهم، هذا عندى (ص-١١١). قوله: "حدثنا موسى بن داود إلخ". قلت: هو الضبى أبو عبد الله الطرسوسى ١٤٥ وجوب الترتيب بين القضاء والأداء إعلاء السنن حبيب، عن محمد بن يزيد، أن عبد الله بن عوف حدثه، أن أبا جمعة حبيب بن سباع وكان قد أدرك النبى عّ لّ حدث: ((أن النبى عّ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أنى صليت العصر؟ قالوا: يا رسول الله! ما صليتها، فأمر المؤذن، فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب)). أخرجه أحمد فى "مسنده" (١٠٦:٣) ورجاله ثقات كلهم غير بن لهيعة، وهو حسن الحديث كما مر غير مرة. الخلقانی الفقیه، کوفی الأصل سكن بغداد، روى عنه على بن المدينى، وأحمد بن حنبل، والذهلى، وآخرون، وثقه ابن نمير، وابن سعد، وابن عمار الموصلى، والعجلى، والدار قطنی، وابن حبان، وقال أبو حاتم: شیخ فى حديثه اضطراب روی له مسلم (فى صحيحه) حديث أبى سعيد فى الشك فى الصلاة كذا فى "التهذيب" (٣٤٣:١٠)، ويزيد ابن أبى حبيب من رجال الجماعة لا يسأل عنه، ومحمد بن يزيد هذا هو ابن أبى زياد الثقفى الفلسطينى صاحب حديث الصور، روى عنه جماعة ولكن قال أبو حاتم: مجهول، كذا قال الزيلعي (٢٩٨:١). وفى "الميزان": صحح له الترمذى (١٤٩:٣). قلت: وكيف يكون مجهولا وقد روى عنه جماعة؟ ذكر الحافظ فى "التهذيب" منهم سبعة، وبرواية الاثنين ترتفع جهالة العين. وعبد الله بن عوف هو الليالى أبو القاسم القارئ (يقال له الرملى أيضًا لكونه) عامل عمر على الرملة، وثقه ابن حبان، واستعمله عمر بن عبد العزيز على خراج فلسطين، وذكره ابن سميع فى الطبقة الثالثة من تابعی الشاميين، روى عنه الزهرى وغيره، كذا فى "التعجيل" (ص-٢٣١)، وأبو جمعة ذكره ابن حبان فى ثقات التابعين، كما فى "التهذيب" (٦٠:١٢). واستغرب الحافظ قول ابن حبان هذا فى "الإصابة": وذكر أبا جمعة فى القسم الأول من الصحابة، وأثبت رؤيته للنبى معَّه وروايته وسماعه منه (٣٢:٧)، وعبد الله بن لهيعة من رجال مسلم صدوق، كما فى "التقريب" (ص- ١١٠) فالحديث حسن الإسناد، ولكن نظر الحافظ فى صحته لكونه مخالفا لما فى الصحيحين من قوله عّ لّه العمر: ((والله ما صليتها)). قال: ويمكن الجمع بينهما بتكلف اهـ. من "الفتح" (٥٦:٢). ١٤٦ ج - ٧ وجوب الترتيب بين القضاء والأداء قلت: وجه المخالفة أن قوله عّ لّه العمر: ((والله ما صليتها)) يدل على أنه عّ لّ لم ينس صلاة العصر، وحديث أبى جمعة يشعر بأنه كان قد نسيها، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون قوله مّ: هذا لعمر بعد ما صلى المغرب، وتذكر أنه لم يصل العصر لا قبله، وأيضًا: فقد وقع فى "الموطأ" من طريق أخرى أن الذى فاتهم الظهر والعصر، وفى حديث أبى سعيد عند أحمد والنسائى الظهر والعصر والمغرب، وأنهم صلوا بعد هوى من الليل، وفى حديث ابن مسعود عند الترمذى والنسائى: ((إن المشركين شغلوا رسول الله عَ لّه عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله)) وفى قوله: أربع تجوز، لأن العشاء لم تكن فاتت (بل تأخرت عن وقتها المعتاد). قال اليعمرى: من الناس من رجح ما فى الصحيحين، وصرح بذلك ابن العربى، فقال: إن الصحيح أن الصلاة التى شغل عنها واحدة وهى العصر، ويؤيده حديث على عند مسلم: ))شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر))، قال: ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك فى أوقات مختلفة فى تلك الأيام، قال: وهذا أولى. ويقربه أن روايتى أبى سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر، بل فيهما أن قضائه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، كذا قاله الحافظ فى "الفتح" (٥٧٫٥٦:٢) قلت: فيحمل حديث أبى جمعة على غير قصة عمر من تلك الأيام فلا تعارض، والله تعالى أعلم. بعد ذلك فالحديث صالح للاحتجاج، واحتج به ابن قدامة فى "المغنى" على وجوب الترتيب فى قضاء الفوائت (٦٤٥:١) قال: وقال مالك: يجب الترتيب مع النسيان، ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بحديث أبى جمعة وبالقياس على المجموعتين اهـ. قلت: ووجه احتجاجه بحديث أبى جمعة أنه يشعر بعدم تذكره مرّ بأنه لم يصل العصر إلا بعد قول الصحابة له ((ما صليتهما))، ثم أعاد المغرب ثانيا بعد ما صلى العصر مع كونه ناسيا إياها حين صلى المغرب أولا، والجواب عنه أنه يحتمل أن النبى معَّ لّه ذكرها وهو فى الصلاة وغلب على ظنه ذلك، وإنما استفسر الصحابة عن ذلك لمزيد الاستيقان، ١٤٧ وجوب الترتيب بين القضاء والأداء إعلاء السنن والدليل على سقوط الترتيب بالنسيان قوله عّ له: ((من نام(١) عن صلاة أو نسيها فليصها إذا ذكرها))، فجعل الوقت وقتًا للفائتة بالتذكر. وما لم يتذكر لا يكون وقتًا لها ولا مخاطبًا بأدائها، وأيضًا: فهو عذر سماوى مسقط للتكليف، لأنه ليس فى وسعه، وسيأتى تمام الكلام على ذلك فانتظر. فائدة فيما يسقط به الترتيب: قال فى "كنز الدقائق": والترتيب بين الفائتة والوقتية وبين الفوائت مستحق، (قد مر أدلة الأول وستأتى للثانى) ويسقط بضيق الوقت والنسيان وصيرورتها ستا. وفى "البحر": أى يسقط الترتيب المستحق بضيق المكتوبة، لأنه وقت للوقتية بالكتاب، ووقت للفائتة بخبر الواحد، وهو (٢) قوله عليه الصلاة والسلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها))، والكتاب مقدم على خبر الواحد، فلو قدم الفائتة فى هذه الحالة ولم يكن وقت كراهة فهى صحيحة لأن النهى عن تقديمها لمعنى فى غيرها، وهو لزوم تفويت الوقتية وهو لا يعدم المشروعية، واختلف فى المراد بالنهى هنا، فقيل: نهى الشارع لأن الأمر بالشئ نهى عن ضده، وقيل: نهى الإجماع لإجماعهم على أنه لا يقدم الفائتة وهو الأصح كذا فى "المعراج"، وإنما قلنا: صحيحة ولم نقل: جائزة، لأن هذا الفعل حرام، كما لو اشتغل بالنافلة عند ضيق الوقت يحكم بصحتها مع الإثم، وتفسير ضيق الوقت أن يكون الباقى منه لا يسعها معا عند الشروع فى نفس الأمر لا بحسب ظنه، حتى لو ظن ضيقه فصلى الوقتية، فلما فرغ ظهر أن فيه سعة بطل ما أداه (٨٨:٢). وفيه أيضًا: قوله: "والنسيان" أى ويسقط الترتيب بالنسيان، وهو عدم تذكر الشئ وقت حاجته، وهو عذر سماوى مسقط للتكليف، لأنه ليس فى وسعه، ولأن الوقت وقت للفائتة بالتذكر، وما لم يتذكر لا يكون وقتا لها (٨٩:٢). وفيه أيضًا: قوله: ((وصيرورتها (١) زاد الفقهاء فى هذا الحديث لفظ: ((فإن ذلك وقتها)) ولم تر هذه الزيادة فى شئ من طرق الحديث، نعم! قد روى الدار قطنى فى سننه (١٦٢:١) عن أبى هريرة مرفوعًا: من نسى صلاة فوقتها إذا ذكرها)). وفيه حفص ابن أبى العطاف ضعيف. (٢) رواه مسلم (مؤلف). ج - ٧ وجوب الترتيب بين القضاء والأداء ١٤٨ ستا)) أى ويسقط الترتيب بصيرورة الفوائت ست صلوات، لدخولها فى حد الكثرة المفضية للحرج(١) لو قلنا بوجوبه، والكثرة بالدخول فى حد التكرار وهو أن تكون الفوائت ستًا (٩١:٢). ثم اعلم أن حديث ابن عمر رضى الله عنهما قد رواه الدار قطنى أيضاً (١٦٢:١): حدثنا جعفر بن محمد الواسطى، ثنا موسى بن هارون، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا سعيد بن عبد الرحمان الجمحى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: ((إذا نسى أحدكم صلاته فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليصل الصلاة التى نسى، ثم ليعد صلاته التى صلى مع الإمام)). قال أبو موسى (عندى هو موسی المذکور ولفظ أبو غلط): وحدثناه أبو إبراهیم الترجمانی، ثنا سعید به، ورفعه إلى النبی مګ، ووهم فى رفعه، فإن كان قد رجع عن رفعه فقد وفق للصواب اهـ. وفى "نصب الراية": قال ابن عدى: لا أعلم رفعه عن عبيد الله غير سعيد بن عبد الرحمان الجمحى، وقد وثقه ابن معين، وأرجو أن أحاديثه مستقيمة، لكنه يهم فيرفع موقوفًا، ويصل مرسلا لا عن تعمد انتهى. فقد اضطرب كلامهم، فمنهم من ينسب الوهم فى رفعه لسعيد، ومنهم من ينسبه للترجمانى اهـ. قلت: فلا يعتد بهذا الكلام. قال بعض الناس: ولزم النظر فى الإسناد، ولم أقدر على تحقيق بعض رجاله فليتبع اهـ. قلت: أما جعفر بن محمد الواسطى فقد احتج به الدار قطنى فى "سننه" كثيرًا، وصحح له فى (٥٣:١). وأما شيخه موسى بن هارون فهو ابن عبد الله الحمال -بالمهملة- ثقة حافظ كبير بغدادى، من صغار الحادية عشر، كذا فى "التقريب" (ص-٢١٨) ويحيى بن أيوب هو المقابرى، روى له مسلم، ثقة من العاشرة كما فيه (ص-٢٣٣). روى عنه موسى بن هارون، كما فى "التهذيب" (١٨٨:١١) وسعيد بن عبد الرحمان الجمحى، قال عبد الحق فى "أحكامه" وثقه النسائى وابن معين، وذكره الذهبى توثيقه عن جماعة. تعنت ابن حبان فى الجرح: ثم قال: وابن حبان قصاب، قال فيه: روى عن الثقات أشياء موضوعة، وذكر من مناكيره هذا الحديث اهـ. من "التعليق المغنى" (١٦٢:١). (١) فعسى أن يبلغ الفوائت عددا ما يسعه الوقت "رسائل الأركان" (ص-١١١). ١٤٩ إعلاء السنن باب الترتيب بين الفوائت ١٨٦٢- عن: أبى سعيد قال: ((حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوى(١) من الليل كفينا، وذلك قول الله عز وجل: وكفى الله قلت: أخرج الطحاوى هذا الحديث فى "معانى الآثار" له مرفوعًا وموقوفًا: حدثنا ابن مرزوق. قال: ثنا أبو عامر، (هو العقدى) قال: ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ((من نسی صلاةً فذ کرها مع الإمام فلیصل معه، ثم ليصل التی نسی ثم ليصل الأخرى بعد ذلك)) حدثنا ابن أبى عمران، قال: ثنا أبو إبراهيم الترجمانى، قال: ثنا سعيد بن عبد الرحمان الجمحى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبى معَّ مثله اهـ (٢٧٠:١). قلت: ابن أبى عمران شيخ الطحاوى وثقه ابن يونس فى "تاريخه"، كما فى "حسن المحاضرة" (١٩٧:١). وأبو إبراهيم الترجمانى لم تر فيه جرحاً، بل قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائى: ليس به بأس، وقال الحسين بن فهم: كان صاحب سنة وفضل خير كثير. وقال عبد الله بن أحمد: انتقى عليه أبى أحاديث، وذهب وأنا معه فقرأها عليه، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال ابن قانع، ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات اهـ. من "التهذيب" (٢٧٢,٢٧١:١) فالحق أن الحديث لا ينزل رفعه عن رتبة الحسن لكون الرافع ثقة صدوقًا، والرفع زيادة لا تنافى أصل الحديث قتقبل من الثقة، كما مر فى ذكر الأصول مرارا، والله أعلم. قال ابن قدامة فى "المغنى": ويعيد كل صلاة صلاها وهو ذاكر لما ترك من الصلاة، وقد روى عن ابن عمر رضى الله عنهما ما يدل على وجوب الترتيب، ونحوه عن النخعى، والزهرى، وربيعة، ويحيى الأنصارى، ومالك، والليث، وأبى حنيفة، وإسحاق، وقال الشافعى: لا يجب اهـ (٦٤٥:١). قلت: وبمثل قولنا قال الحسن، كما روى عنه ذلك الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٧٠:١) بسند صحيح. باب الترتيب بين الفوائت قوله: "عن أبى سعيد إلخ". قال المؤلف: وفى "النيل": الحديث رجال إسناده (١) بالفتح الزمان الطويل، وقيل: مختص بالليل، كذا فى "مجمع البحار" وفى "القاموس": كغنى ويضم وتهواء من اللیل ساعة. ١٥٠ الترتيب بين الفوائت ج - ٧ المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا. قال: فدعا رسول الله عَ ليه بلالا، وأقام الظهر فصلاها، فأحسن صلاتها كما كان يصليها فى وقتها، ثم أمره، فأقام العصر، فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها فى وقتها، ثم أمره، وأقام المغرب، فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل فى صلاة الخوف: فإن خفتم فرجالا أو ركبانًا)). رواه أحمد والنسائى ولم يذكر المغرب "النيل" (٢٣٠:١). ١٨٦٣- عن: أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: قال عبد الله رضى الله عنه: ((إن المشركين شغلوا رسول الله عرّ ◌ُفّ عن أربع(١) صلاة يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا رضى الله عنه فأذن ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء)). رواه الترمذى (٢٥:١) وقال: ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله اهـ. قلت: قد تقدم أنه سمع من أبيه عند بعض أهل الحديث، فالإسناد حجة متصل. رجال الصحيح، وقال ابن سيد الناس: حديث أبى سعيد رواه الطحاوى(٢) عن المزنى، عن الشافعى: حدثنا ابن أبى فديك، عن ابن أبى ذئب، عن المقبرى، عن عبد الرحمان بن أبى سعيد، عن أبيه، وهذا إسناد صحيح جليل، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحهما، وصححه ابن السكن اهـ ملخصا (٣٣٠:١). قلت: دلالته على الباب بانضمام الحديث الآخر: ((فصلوا كما رأيتمونى أصلى)) ظاهرة، ومر نحو هذا التقرير فى الترتيب بين الفوائت والوقتية. قوله: "عن أبى عبيد إلخ". قال المؤلف: تقريره كما مر فى الأول. (١) ليس كذلك وإنما صلى عليه السلام العشاء فى وقتها ولكن لما أخر عن وقتها المعتاد له سماها الراوى فائتة مجازا. (٢) لم أره فى شرح الآثار له، فلعله فى تأليف آخر له، وقد رواه الشافعى فى "مسنده" (ص-١٧) بهذا الإسناد، وفيه ذكر العشاء أيضًا. ١٥١ الترتيب بين الفوائت إعلاء السنن باب وجوب سجود السهو وكونه بين السلامین ١٨٦٤- عن: محمد بن سيرين، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: ((صلى بنا رسول الله عَّ إحدى صلاتى العشى، إما الظهر وإما العصر، فسلم فى ركعتين)). الحدیث وفيه: «فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع، قال: (أى محمد بن سيرين كما قال النووى) وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم)). رواه مسلم (١ :٢١٣). ١٨٦٥- عن: ابن مسعود رضى الله عنه مرفوعًا: ((إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين)، رواه البخارى (٥٨:١). ١٨٦٦- عن: أبى هريرة رضى الله عنه: ((أن رسول الله عَ ليه سلم ثم سجد سجدتى السهو وهو جالس ثم سلم)). رواه النسائى (١٩٥:١) وسکت عنه. ١٨٦٧- عن: عمران بن حصين رضى الله عنه: ((أن النبى عّ لّ صلى ثلاثا ثم سلم، فقال الخرباق: إنك صليت ثلاثا، فصلى بهم الركعة الباقية ثم سلم، ثم سجد سجدتی السهو ثم سلم)). رواه النسائی (١٩٥:١) وسكت عنه، وروی مسلم نحوه (٢١٤:١). ١٨٦٨- عن: عبد الله بن جعفر، أن رسول الله عَ لّه قال: ((من شك فى باب وجوب سجود السهو وكونه بين السلامين قوله: "عن محمد بن سيرين إلخ". دلالته على السلامين أحدهما قبل السجود والآخر بعد السجود وهو الجزء الثانى من الباب ظاهرة، وهو مذهب أبى حنيفة رحمه الله. قوله: "ابن مسعود رضى الله عنه إلخ". دلالته على وجوب سجود السهو وكونه بعد السلام ظاهرة، ودلالة الروايتين بعده على كون السجود بين التسليمتين أيضًا ظاهرة. قوله: "عن عبد الله إلخ". قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، فإن الأصل فى الأمر هو الوجوب، وفى "البحر": وهو (أى الوجوب) ظاهر الرواية، ٠ ١٥٢ ج - ٧ الترتيب بين الفوائت صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم)). رواه أبو داود والنسائى، ورواه البيهقى، وقال: إسناده لا بأس به، زيلعى (٣٠٠:١) وفى "الدراية": وصححه ابن خزيمة (ص-١٢٥). ١٨٦٩- عن: ثوبان رضى الله عنه، عن النبى عَّ له، قال: ((لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم)). رواه أبو داود (٤٠١:١) ولم يضعفه، فهو حديث حسن. ويشهد له من السنة ما ورد فى الأحاديث الصحيحة من الأمر بالسجود، والأصل فى الأمر أن يكون للوجوب فافهم. قوله: "عن ثوبان إلخ". قال المؤلف: وفى "الزيلعى": وفى رواية لأبى داود عن أبيه، عن ثوبان رضى الله عنه، والاختلاف فيه من الرواة عن ابن عياش، قال البيهقى فى "المعرفة": انفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بالقوى انتهى. قال المؤلف: وفى "شرح صحيح مسلم" للنووى (٢١١:١): حديث ضعيف اهـ. وفى "تهذيب التهذيب" (١٥٤:٦): والصحيح عن أبيه، عن ثوبان رضى الله عنه اهـ. وفى "الجوهر النقى" (١٨٢:١): أخرجه أبو داود وسكت عنه، فأقل أحواله أن يكون حسنا عنده على ما عرف، وليس فى إسناده من تكلم فيه فيما علمت سوى ابن عياش، وبه علل البيهقى، وهذه العلة ضعيفة، فإن ابن عياش روى هذا الحديث عن شامى، وهو عبيد الله الكلاعى، وقد قال البيهقى فى باب ترك الوضوء من الدم (ما روى ابن عياش عن الشاميين صحيح). فلا أدرى من أين حصل الضعف لهذا الإسناد اهـ. وفى "التقريب" (ص-١٧): إسماعيل بن عياش صدوق فى روايته عن أهل بلده، مخلط فى غيرهم اهـ. وجرحه جماعة مطلقا كما فى ترجمته من "تهذيب" الحافظ، وفى حديث ابن جعفر مصعب بن شيبة، وهو من رجال مسلم لين الحديث، كما فى "التقريب" (ص-٢٠٨). ووثقه العجلى وابن معين، وضعفه أحمد وأبو حاتم، والنسائى وابن عدى، والدار قطنى، وأخرجوا له غير البخارى كما فى "تهذيب" الحافظ (١٦٢:١٠). وقد عرفت أن الاختلاف لا يضر، فالحديثان ثابتان حسنان، والظاهر من قوله عليه السلام: ((لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم)) عدم انجبار السهو بدون هذا السجود، وهو ١٥٣ الترتيب بين الفوائت إعلاء السنن المراد بالوجوب، أى توقف الكمال عليه، واستدل البيهقى على كونه نافلة بما رواه أبو داود مرفوعًا وسكت عنه هو والمنذرى: ((إذا شك أحدكم فى صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماما لصلاته وكان السجدتان مرغمى الشيطان)) (٣٩٢:١). ورده صاحب "الجوهر النقى" بأن أمره عليه السلام بسجود السهو فى الأحاديث يدل على وجوبهما، فيحمل لفظ النافلة فى الحديث على الزيادة لغة، والدليل عليه أنه عليه السلام سوى بين الركعة والسجدتين فى كونهما نافلة، مع أن الركعة واجبة عليه عند الشك، فكذا السجدتان (١٨٥:١). وأما ما يدل على سجود السهو قبل التسليم فمنها ما رواه مسلم (٢١١:١) عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه مرفوعًا: ((إذا شك أحد کم فی صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان)). ومنها ما فى "فتح البارى" (٨٤:٣) تحت حديث أبى هريرة مرفوعاً ما لفظه: رواه الدار قطنى من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبى كثير بهذا الإسناد مرفوعا: ((إذا سها أحدكم فلم يدر أ زاد أونقص(١) فليسجد سجدتين وهو جالس ثم يسلم)) إسناده قوى اهـ. ومنها ما روى الترمذى وقال: حسن صحيح مرفوعًا من طريق عبد الرحمان بن عوف رضی الله عنه: «إذا سها أحد کم فی صلاته فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين فليين على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثا فليين على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثا صلى أو أربعا فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم اهـ)) (٥٣:١). ومنها ما رواه البخارى -فى باب ما جاء فى السهو إذا قام من ركعتى الفريضة- عن عبد الله ابن بحينة أنه قال: ((صلى لنا رسول الله عَ ليه ركعتين من بعض الصلاة، ثم قام فلم یجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه کبر قبل التسليم، فسجد سجدتین وهو جالس ثم سلم اهـ)). ومعنى كل ذلك أن يسجد سجدتین قبل سلام التحليل (١) أى قبل السلام وهو ظاهر السياق. ج - ٧ الترتيب بين الفوائت ١٥٤ بنية قطع الصلاة، والسلام قبل سجود السهو ليس للتحليل ولا بتلك النية، والحاصل أنه عَّ قد ثبت عنه من فعله السجود بعد السلام، وصح عنه أيضًا من فعله قبله، وجاء من قوله السجود قبل السلام وبعده. وفى "شرح صحيح مسلم" (٢١٠:١): واختلف العلماء فى كيفية الأخذ بهذه الأحاديث، فقال داود: لا يقاس عليها بل تستعمل فى مواضعها على ما جاءت، وقال أحمد رحمه الله كقول داود فى هذه الصلوات خاصة، وخالفه فى غيرها، وقال: يسجد فيما سواها قبل السلام لكل سهو، وأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا، فقال بعضهم: هو. مخير فى كل سهو، إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله فى الزيادة والنقص، وقال أبو حنيفة رضى الله عنه: الأصل هو السجود بعد السلام، وتأول باقى الأحاديث عليه، وقال الشافعى رحمه الله: الأصل هو السجود قبل السلام، ورد بقية الأحاديث إليه، وقال مالك رحمه الله: إن كان السهو زيادة سجد بعد السلام، وإن كان نقصا فقبله، فأما الشافعى رحمه الله فيقول: قال فى حديث(١) أبى سعيد رضى الله عنه: ((فإن كانت خامسة شفعها)). ونص على السجود قبل السلام مع تجويز الزيادة، والمجوز كالموجود، ويتأول حديث(٢) ابن مسعود رضى الله عنه فى القيام إلى خامسة والسجود بعد السلام، على أنه مَّ ما علم السهو إلا بعد السلام، ولو علمه قبله لسجد قبله(٣). ويتأول حديث ذى اليدين (٤) على أنها صلاة جرى فيها سهو فسها عن السجود قبل السلام فتدار كه بعده، هذا كلام المازرى، وهو كلام حسن نفيس، وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك رحمه الله ثم مذهب الشافعی اهـ. وفيه أيضًا: قال القاضى عياض، وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد نبل السلام أو بعده للزيادة أو للنقص أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم فى الأفضل والله أعلم اهـ. وفى "فتح البارى" (٧٥:٣): (١) تقدم قريبا معناه. (٢) سیأتی قريبًا. (٣) فيه نظر، فإن الحديث فيه قوله عليه السلام: (إذا شك أحدكم فى صلاته))، إلى آخر ما تقدم فى أول الباب. (٤) أخرجه البخارى فى باب من لم يتشهد فى سجدتي السهو. ١٥٥ الترتيب بين الفوائت إعلاء السنن وأما قول النووى: أقوى المذاهب فيها قول مالك ثم أحمد (١) فقد قال غيره: بل طريق أحمد أقوى، لأنه قال: یستعمل کل حدیث فیما ورد فيه، وما لم يرد فيه شئ يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما روى عن النبى عّ لّه فى ذلك لرأيته كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة، فيفعله قبل السلام اهـ. قلت: وحجة أبى حنيفة ما ذكرنا فى المتن عن ابن مسعود مرفوعًا: ((إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين)). رواه البخارى، وما رواه عبد الله بن جعفر مرفوعًا: ((من شك فى صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم))، صححه ابن خزيمة. وما رواه ثوبان مرفوعًا: ((لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم))، وهو حديث حسن، وكل ذلك يعم السهو بالزيادة والنقصان كليهما، وروى المغيرة بن شعبة عن النبى معَّ أنه سجد للنقصان بعد السلام، وكذا فعل ابن زبير رضى الله عنه، وقال ابن عباس: ما ماط عن سنة رسول الله مٍَّ، وكذا سجد عمر بن الخطاب وسعد بن أبى وقاص رضى الله عنه للنقصان بعد السلام، وبه أفتى أنس وابن عباس أنه بعد السلام مطلقًا، كما سيأتى كل ذلك عن قريب، فحجته أقوى من حجة مالك وأحمد كليهما، فإنه إذا تعارض أقوال الرسول مَّه وأفعاله لزم المصير إلى أقوال الصحابة وأفعالهم. وهى تؤيد قول أبى حنيفة، ويؤيد النظر القياسى أيضًا كما سيأتى. وأما المواضع التى سجد فيها رسول الله عّ لّ للسهو فخمسة. أحدهما قام من سنتين (ولم يتشهد) على ما جاء به فى حديث ابن بحينة، والثانى سلم من ثنتين كما جاء فی حدیث ذی الیدین، والثالث سلم من ثلاث کما جاء به فی حدیث عمران بن حصین، والرابع أنه صلى خمسًا كما جاء فى حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، والخامس السجود على الشك كما جاء فى حديث أبى سعيد الخدرى، كذا فى "العمدة" للعینی (٧٣٨:٣). قلت: وذكر هذه المواضع الخمسة ابن قدامة فى "المغنى" نقلا عن الإمام أحمد (٦٦٨:١) قال: وجملة ذلك أن السجود كله عند أحمد قبل السلام إلا ما جاء عن النبى (١) هذا سبق قلم منه. ١٥٦ الترتيب بين الفوائت ج - ٧ عَ ظٍّ أنه سجد فيه بعد السلام، ثم قال أحمد: سجد النبى مَّ فى ثلاثة مواضع بعد السلام، وفى غيرها قبل السلام، قلت: (القائل الأثرم صاحب أحمد) اشرح الثلاثة مواضع التی بعد السلام، قال: سلم من ر کعتین فسجد بعد السلام، هذا حديث ذی الیدین، وسلم من ثلاث فسجد بعد السلام، هذا حديث عمران بن حصين، وحديث ابن مسعود فى مواضع التحرى سجد بعد السلام (٦٧٨:١). وفى المرقات: قال الطيبى: وقال مالك وهو قول قديم للشافعى: إن كان السجود لنقصان قدم، وإن كان لزيادة أخر، وحملوا الأحاديث على الصورتين توفيقًا بينها. قلت: لكن أبو يوسف ألزم مالكا بقوله: فكيف إذا وقع نقصان وزيادة؟ ثم قال الطيبى: واقتفى أحمد موارد الحديث وفصل بحسبها، فقال إن شك فى عدد الركعات قدم، وإن ترك شيئًا ثم تدراكه أخر، وكذا إن فعل ما لا نقل فيه. قلت: هو أيضًا فيما لا نقل فيه مشترك الإلزام اهـ (٤٣:٢). قلت: بل هو ملزم بما فيه نقل أيضًا بأن سها عن الجلوس فى الثانية، ولما سجد للثالثة فى عدد الركعات، فكيف يسجد؟ فالحق أن أقوى المذاهب هناك مذهب أبى حنيفة، ثم الشافعى رحمهما الله تعالى. وأورد بعض الناس على أحمد: أن الساهى إما أن يتذ کر بعد السهو وله ظن غالب أو يقين، فيعمل بحديث ابن مسعود رضى الله عنه ويسجد بعد السلام، وإما أن لا يكون له ظن فيعمل بحديث أبى سعيد وغيره، ويسجد قبل السلام، فلم تبق صورة يحتاج فيها إلى غير ما ورد تأمل، فإنه نفيس جدا ولم أر من ذهب إليه اهـ. قلت: تأملناه فعرفنا أنه كلام جاهل بالحديث وبمذهب أحمد، فإن حديث أبى سعيد خاص بالشك فى عدد الركعات لا يعم ما سواه، كما سيظهر من لفظه الآتى، واستوعب طرقه فى "الجوهر النقى" (١٨١:١) فليراجع، فكيف يؤخذ منه حكم من سها عن التشهد فى القعدة الأخيرة، أو جلس فى الوسط وقرأ الفاتحة مكان التشهد، أو قام فى موضع الجلوس وقعد فى موضع القيام، أو جهر فى موضع تخافت، وخافت فى موضع جهر ثم شك فى كل ذلك؟ فلا دلالة على حكم شئ منه فى حديث أبى سعيد ولا غيره، وأحمد يقول بتقديم السجود فى الصور كلها. والحق أن حديث ابن مسعود المار سابقًا لا يدل على حكم شئ منه أيضًا، ولو حصل له غلبة الظن فحديثه مختص بالشك فى عدد الركعات أيضًا كما ١٥٧ الترتيب بين الفوائت إعلاء السنن ١٨٧٠- عن: عطاء بن أبى رباح، قال: ((صليت مع عبد الله بن الزبير المغرب، فسلم فى الركعتين. ثم قام يسبح به القوم، فصلى بهم الركعة، ثم سلم ثم سجد سجدتين. قال: فأتيت ابن عباس من فورى فأخبرته فقال: الله أبوك! ما ماط عن سنة رسول الله عَ لّه)). أخرجه ابن سعد فى "الطبقات" " عمدة القارئ" (٧٣٦:٣) قال الزيلعى (٣٠١:١): روى ابن سعد فى ترجمة ابن الزبير: أخبرنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، ثنا عسل بن سفيان، عن عطاء، فذكره. قلت: رجاله كلهم ثقات غير عسل، أما عارم بن الفضل فهو محمد بن الفضل يلقب بعارم من رجال الجماعة ثقة ثبت، كذا فى "التقريب" (ص-١٩٣) وحماد بن زيد وعطاء لا يسئل عنهما، وعسل بن سفيان ضعفه ابن معين والبخارى وغيرهما، ولكن روى عنه شعبة، وهو لا يروى إلا عن ثقة عنده، وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: يخطئ ويخالف، وقال ابن عدى: هو مع ضعفه يكتب حديثه، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال يعقوب بن سفيان: ليس بمتروك، ولا هو حجة اهـ. من "التهذيب" (١٩٣:٧) قلت: فهو حسن الحديث. وأخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٥٦:١) حدثنا فهد، قال: ثنا على بن معبد (ابن شداد أبو محمد الرقى نزيل مصر، وثقه أبو حاتم وابن حبان) قال: ثنا عبيد الله، (هو ابن عمر والرقى من رجال الجماعة ثقة) عن زيد (هو ابن أبى أنيسة من رجال الجماعة ثقة) عن جابر (هو الجعفى مختلف فيه، وثقه شعبة وسفيان، وضعفه آخرون، وإن كان جابر بن زيد أبا الشعثاء فهو من رجال الجماعة ثقة، وكلاهما محتمل) عن عطاء نحوه، إلا أنه قال: ((فانطلقت إلى ابن عباس فذكرت له ما فعل ابن الزبير، فقال: أحسن وأصاب اهـ)). وبالجملة فالحديث حسن. ١٨٧١- عن: عبد الرحمن المسعودى، عن زياد بن علاقة، قال: ((صلى يظهر من تتبع طرقه، والتأمل فى سياقه، فافهم. قوله: "عن عطاء" وقوله: "عن عبد الرحمان المسعودى إلخ". قلت: دلالتهما على ١٥٨ الترتيب بين الفوائت ج - ٧ بنا المغيرة بن شعبة، فنهض فى الركعتين، فسبح به من خلفه، فأشار إليهم قوموا، فلما فرغ من صلاته وسلم سجد سجدتى السهو، فلما انصرف قال: رأيت رسول الله عَّ يصنع كما صنعت)). رواه أبو داود وسكت عنه، والترمذى وقال: حديث حسن صحيح، وقال النووى فى "الخلاصة": روى الحاكم فى "المستدرك" نحوه من حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، ومثله من حديث عقبة، قال فى كل منهما: صحيح على شرط الشيخين اهــ كذا فى "نصب الراية" (٣٠١:١) وأخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" (٢٥٥:١) حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا المسعودى، عن زياد، عن المغيرة، قال: ((صلى بنا رسول الله عَّ له، فسها فنهض فى الركعتين، فسبحنا به، فمضى، فلما أتم الصلاة وسلم سجد سجدتى السهو اهـ)). فرفعه صریحًا ورجاله كلهم ثقات وسنده صحيح. : ١٨٧٢ - حدثنا: أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر (١) قال: أنا حماد بن سلمة، أن خالد الحذاء أخبرهم، عن أبى قلابة، عن عمران بن حصین، قال: فی سجدتی السهو يسلم، ثم يسجد ثم يسلم)). أخرجه الطحاوى (٢٥٦:١) ورجاله كله ثقات، وقال النیموی: إسناده حسن (٦٠:٢). ١٨٧٣- حدثنا: سليمان بن شعيب(٢)، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد(٣)، قال: ثنا شعبة، قال: حدثنى عكرمة بن عمار اليمامى، عن ضمضم بن جوس السجود بعد السلام فى صورة النقصان ظاهرة. قوله: "حدثنا أبو بكرة إلخ". قلت: فيه فتوى عمران بن حصين الصحابى بكون السجود للسهو بعد السلام مطلقًا من غير تفصيل. قوله: "حدثنا سليمان بن شعيب إلخ". قلت: سليمان هذا هو الكيسانى مر توثيقه غير مرة، وعبد الرحمان بن زياد ليس هو بالإفريقى، بل الرصاصى أبو عبد الله من أهل (١) هو الحوضى. (٢) هو الكیانی. (٣) هو الرصاصى سكن بمصر. ١٥٩ الترتيب بين الفوائت إعلاء السنن الحنفى، عن عبد الرحمن(١) بن حنظلة بن الراهب: ((أن عمر بن الخطاب صلى صلاة المغرب فلم يقرأ فى الركعة الأولى شيئا، فلما كانت الثانية قرأ فيها بفاتحة القرآن وسورة مرتين، فلما سلم سجد سجدتى السهو)). أخرجه الطحاوى (٢٥٦:١) أيضًا، وسنده حسن، ونترجم رجاله فى الحاشية إن شاء الله تعالى، وقال الحافظ فى "الفتح": رجاله ثقات اهـ (٣: ٧١). ١٨٧٤- حدثنا: سليمان، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن بيان أبى بشر الأحمسى قال: سمعت قيس بن أبى حازم، قال: ((صلى بنا سعد بن مالك رضى الله عنه(٢) فقام فى الركعتين الأوليين، فقالوا: سبحان الله! فقال: سبحان الله! فمضى، فلما سلم سجد سجدتى السهو)). أخرجه الطحاوى (٢٥٦:١) أيضًا، وسنده صحيح، وأخرج بسند صحيح نحوه عن ابن الزبير من فعله. العراق سكن مصر، يروى عن شعبة المسعودى، روى عنه الحميدى، وسليمان بن شعيب الكيسانى، وأهل بلده، ربما أخطأ، هكذا ترجمه ابن حبان فى الثقات، كذا فى "اللسان" (٤١٦:٣) وعكرمة بن عمار اليمامى صدوق، روى عنه شعبة، والثورى، وثقه ابن معين، والساجى، وأحمد، وروى عنه ابن مهدى (وهو وشعبة لا يرويان إلا عن ثقة). ووثقه أيضًا صالح بن محمد، والدار قطنى. وقال ابن عدى: مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة. (قلت: وأى راو أوثق من شعبة وهو الذى يروى حديث المتن عنه) وبالجملة فهو ثقة عند الأكثر إلا أن فى روايته عن يحيى بن أبى كثير مقالا، كما فى "التهذيب" (٢٦٣٫٢٦٢:٧) وضمضم بن جوس هو اليمامى ثقة من الثالثة، كما فى "التقريب" (ص-٩١) وعبد الرحمان بن حنظلة بن أبى عامر الراهب، الصواب عندى فيه عبد الله بن حنظلة كما فى "كنز العمال" (٢١٣:٤) وهو يكنى بأبى عبد الرحمان، فلعل لفظ أبى قد سقط من نسخة الطحاوى، وهو من رجال "التهذيب" له رؤية، وأبوه غسيل الملائكة قتل يوم أحد "التهذيب" (١٩٣:٥). ودلالة الأثر على السجود للنقصان بعد السلام ظاهرة، (١) الصواب عبد الله. (٢) هو ابن أبى وقاص. ١٦٠ ج - ٧ الترتيب بين الفوائت ١٨٧٥- عن: قتادة، عن أنس رضى الله عنه، أنه قال فى الرجل يهم فى صلاته لا يدری أ زاد أم نقص؟. قال: ((یسجد سجدتین بعد ما يسلم)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح، كذا فى "آثار السنن" (٥٩:٢). وكذا دلالة الأثر بعده ورجاله إلى شعبة قد عرفتهم آنفًا، وأما بيان أبي بشر الأحمسى فمن رجال الجماعة ثقة ثبت من الخامسة، كما فى "التقريب" (ص-٢٥). وادعى بعض الشافعية نسخ السجود بعد السلام بما رواه الشافعى فى القديم، عن مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهرى، قال: ((سجد رسول الله عَّ ◌ُلّه قبل السلام وبعده. وآخر الأمرين قبل السلام)). قال البيهقى: إن قول الزهرى منقطع لم يسنده إلى أحد من الصحابة، ومطرف بن مازن غير قوى، وقال صاحب "الجوهر النقى" ألان البيهقى القول فی مطرف ههنا، وضعفه فى باب سهم ذوی القربى، وفی کتاب ابن الجوزى: قال يحيى: كذاب، وقال السعدى والنسائى: ليس بثقة، قال ابن حبان: كان يحدث بما لم يسمع، لا تجوز الرواية عنه إلا للاعتبار اهـ (١٨٣:١). قلت: وعلى العلات فقد رد عمر بن عبد العزيز قول الزهرى هذا، ولو كان عنده حجة فى ذلك لأبداها، فالظاهر أن قوله: ((وآخر الأمرين قبل السلام)) ظن منه وتخمين. قال الطحاوى: حدثنا ابن أبى داود، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثنى الزهرى، قال: "قلت لعمر بن عبد العزيز: السجود قبل السلام، فلم يأخذ به اهـ" (٢٥٦:١) رجاله كلهم ثقات، ولا علة له غير عنعنة بقية بن الوليد، فإنه مدلس، ولكنه ليس بأسوأ حالا من مطرف، والله أعلم. وفى "الهداية": ولأن سجود السهو مما لا يتكرر، فيؤخر عن السلام، حتى لو سها عن السلام ينجبر به. وفى "فتح القدير" (٤٣٦:١) تقريره: أن سجود السهو تأخر عن زمان العلة، وهو وقت وقوع السهو تقاديا عن تكراره، إذا الشرع لم يرد به، فأخر ليكون جبرا لكل سهو يقع فى الصلاة، وما لم يسلم فتوهم السهو ثابت، ألا ترى أنه لو سجد للسهو قبل السلام ثم شك أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا فشغله ذلك حتى أخر السلام ثم ذكر أنه صلى أربعًا فإنه لو سجد بهذا النقص بتأخير الواجب تكرر، وإن لم يسجد بقى نقصًا لازمًا غير مجبور؟ فاستحب أن يؤخر بعد السلام لهذا المجبور، وهذا دليل أن الخلاف