النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن الإشكال، وما سيأتى فى حاتمة الباب عند ذكر المذاهب والأقوال. والإيراد الأول مدفوع بأن الفصل وإن كان قد يكون بالزمان مرةً وبالمكان أخرى. ولكنا اخترنا الفصل بالمكان بآثار الصحابة التى ذكرناها، فإنهم جوزوا أداء سنة الفجر بعد شروع الإمام فى المكتوبة، وفيه الوصل بينهما زمانًا، وإنما اشترطوا الفصل بالمكان فقط كما لا يخفى على من طالعها، وهذا هو الجواب عن الإيراد الثانى والثالث، فإن الصحابة رضى الله عنهم حين ما شرعوا فى سنة الفجر بعد إقامة المكتوبة لم يكتفوا بالفصل بالكلام ولا بالمشى خطوة أو خطوتين، بل كانوا يختارون لذلك مؤخر المسجد، أو ناحية منه حيث يظهر الفصل بالكلية فافهم، وظنى أن مراد الطحاوى بالفصل ما يرتفع به الالتباس بين الفريضة والنفل، والاختلاف مع الإمام والقوم كما قلنا، وحينئذ لا يرد (١) على كلامه ما أورده. و والله تعالى أعلم. فإن قيل: قد مر فى رواية عبد الله بن سرجس عند مسلم، قال: ((دخل رجل المسجد ورسول الله عَّ فى صلاة الغداة، فصلى ركعتين فى جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله عَّ ◌ُلّه، فلما سلم رسول الله عَ ◌ّه قال: يا فلان! بأى الصلاتين اعتددت)). الحديث. ففيه أنه صلاهما خلف الناس وقد نهاه رسول الله عَّه عنهما مع ذلك. قلنا: يحتمل أنه صلاهما فى جانب المسجد لكن متصلا بالصف فكان شبيه المخالط لهم، وهذا مکروه عندنا فلا تعقب. قال الحافظ فى "الفتح" (٢- ١٢٦): واختلف فى كلمة هذا الإنكار، فقال القاضى عياض وغيره: لئلا يتطاول الزمان فيظن وجوبهما اهـ. يدل عليه ما مر قريبا: ((يوشك أحدكم أن يصلى الصبح أربعا)). قال الحافظ: وعلى هذا إذا حصل الأمن لا يكره ذلك اهـ. قلت: يعنى بعد النبى معَّ له، فإن الأحكام قد ضبطت. قال بعض الناس: وفيه أنه لا يبعد ذلك عن الجهال بعده عَّ. أيضًا، فلا أمن، ونظيره ما قاله الفقهاء: لا ينبغى أن يقرأ سورة معينة على الدوام، لئلا يظن بعض الناس أنه (١) فإن رفع الالتباس والاختلاف لا يتوقف على الفصل بينهما زمانا، بل يتأتى بالفصل مكانا مع الوصل زمانًا إلا أن الفصل حينئذ ينبغى أن يكون ظاهرا، وهو بالتقدم من مؤخر المسجد إلى مقدمه، أو بالمشى الزائد دون خطوة أو خطوتين، أو كلمة وكلمتين. ١٢٢ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ج - ٧ واجب، صرح فى "رد المحتار" (٥٦٨:١) قلت: ليس ضبط عدد ركعات الصلاة كضبط أحكام القراءة ونحوها، وأيضًا: فقد قيدنا جواز الركعتين بعد الإقامة للمكتوبة بأن يكون ذلك خارج المسجد أو داخله بعيدا عن القوم منفصلا عنهم، ولا شك فى حصول الأمن. عن ظن الجهال أيضًا بعد هذا القيد، إلا أن يكون أحد متجاهلا مثلك. ثم نقل بعض الناس عن "الفتح" قول ابن عبد البر وغيره: الحجة عند التنازع السنة، فمن أولى بها فقد أفلح، وترك التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله (أى المؤذن) فى الإقامة: حى على الصلاة. معناه هلموا إلى الصلاة أى التى يقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره اهـ. قال بعض الناس: وهذا هو الراجح الحقيق بالقبول عندى اهـ .. قلت: وأى شئ أنت يا غدر؟ حتى تكون من أهل الترجيح. والجواب عن قول ابن عبد البر أنه لا شك أن الحجة عند التنازع السنة والله لكل مسلم، ولكن إذا تعارضت السنتان فهل الحجة ما اتخذتم به أنتم؟ لا تكون السنة الأخرى بحجة ولا الأخذ بها مفلحاً فإن قلتم بذلك فما أقربه من الجور والاعتساف، وأبعده عن الحق والإنصاف، وإن كانت الأخرى حجة أيضًا والمدلى بها مفلحًا فمن أين قلت: إن ترك سنة الفجر عند إقامة المكتوبة أقرب إلى اتباع السنة؟ مع استلزام ذلك ترك العمل بقوله عَ له: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل))، وهو فى حق ركعتى الفجر خاصةً، وقوله: ((إذا أقيمت الصلاة)) ليس فى حقهما بالخصوص ولا يعمهما قطعًا لورود الآثار الكثيرة موقوفها ومرفوعها بتخصيص ركعتى الفجر من هذا الحكم العام کما ذكرنا، ولا شك أن الحکم الخاص بشئ یترجح على ما يعمه وغيره، سيما إذا قامت الآثار الكثيرة قرينة على تخصيص العام، فالإنصاف أن الأخذ بالحديث الخاص بركعتى الفجر أفلح وأقرب إلى اتباع السنة، وأسعد الناس بامتثال الأمر النبوى من الأخذ بالعام المشكوك رفعه. المخصوص عمومه بقرائن، فافهم. وأما تأييده من حيث المعنى الذى ذكره، فالجواب عنه أنه ربما يكون أسعد الناس بامتثال هذا الأمر من يتشاغل عنه بغيرة، بقوله عّ لّ: ((إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه)). أخرجه البخارى عن ابن عمر، وعن ١٢٣ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن أنس، وعن عائشة رضى الله عنهم مرفوعًا بألفاظ متقاربة، كما فى "الفتح" (١٣٥٫١٣٤:٢) فإذا كان الاشتغال بالطعام عند قول المؤذن حى على الصلاة، أحب وأحسن لقول النبى معَّ هذا، فلأن يكون الاشتغال بسنة الفجر عند ذاك أحب وأحسن، لقول النبى معَ له: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل)). ولا شك أن قول المؤذن: حى على الصلاة ليس بأبلغ فى العذر من طراد الخيل أولى وأخرى؛ كما لا يخفى على من له نظر فى فقه الحديث، ولم يكن مقتصرا على الألفاظ والفحص عن الرجال فقط. قال فى "الدر": وكذا يكره تطوع عند إقامة صلاة مكتوبة، الحديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))، إلا سنة فجر إن لم يخف فوت جماعتها ولو بإدراك تشهدها، فإن خاف تركها أصلا اهـ. قال الشامى: قوله: ((عند إقامة صلاة مكتوبة))، أطلقها مع أنه قيدها فى "الخانية" و"الخلاصة". وأقره فى "الفتح" وغيره من الشراح بيوم الجمعة، وتبعهم فى "شرح المنية"، وقال: وأما فى غير الجمعة فلا یکره بمجرد الأخذ بالإقامة ما لم يشرع الإمام فى الصلاة، ويعلم (١) أنه يدركه فى الركعة الأولى، وكان غير مخالط للصف بلا حائل، والفرق أنه فى الجمعة لكثرة الاجتماع لا يمكن غالبًا بلا مخالطة للصف اهــ ملخصًا (٣٩١:١) وفيه أيضًا (٧٤٩:١): وإذا خاف فوت ركعتى الفجر لاشتغاله بسنتها تركها، وإلا بأن رجا إدراك ركعة فى ظاهر المذهب، -وقيل: التشهد لكن ضعفه فى "النهر" - لا يتركها بل يصليها عند باب المسجد إن وجد مكانا، وإلا تركها، لأن ترك المكروه مقدم على فعل السنة. قال الشامى: والحاصل أن السنة فى سنة الفجر أن يأتى بها فى بيته، وإلا فإن كان عند باب المسجد مكان صلاها فيه، وإلا صلاها فى الشتوى أو الصيفى إن كان للمسجد موضعان، وإلا فخلف الصفوف عند سارية، لكن فيما إذا كان للمسجد موضعان والإمام فى أحدهما، ذكر فى "المحيط" أنه قيل: لا يكره لعدم مخالفة القوم، وقيل: يكره، لأنهما كمكان واحد. قال: فإذا اختلف المشائخ فيه فالأفضل أن لا يفعل، قال فى "النهر": وفيه إفادة أنها تنزيهية آهـ. قال الزيلعى: وأما بقية السنن إن أمكنه أن يأتى بها قبل أن يركع الإمام أتى بها خارج المسجد ثم اقتدى، وإن خاف فوت ركعة اقتدى اهـ. (١) عطف على يشرع تحت لم الجاحدة. ١٢٤ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ج - ٧ تنبيه: قال فى "القنية": لو خاف أنه لو صلى سنة الفجر بوجهها تفوته الجماعة ولو اقتصر فيها بالفاتحة وتسبيحة فى الركوع والسجود يدركها، فله أن يقتصر عليها، لأن ترك السنة جائز لإدراك الجماعة فسنة السنة أولى، وعن القاضى الزرتجرى (١): لو خاف أن تفوته الركعتان يصلى السنة ويترك الثناء والتعوذ وسنة القراءة ويقتصر على آية واحدة ليكون جمعًا بينهما وكذا فى سنة الظهر اهـ (١: ٧٥٠). قلت: وتحصل منه الجواب عما أورد على الطحاوى أن النهى إذا كان معللا بما ذكره فقصر الحكم على ركعتى الفجر عند الإقامة غير سديد، وفيه إيفاء لما وعدنا قبل فتذكر. هذا وبمثل قولنا قال مالك، إلا أن قید جواز إتيان الركعتين بأن لا يخاف فوت ركعة. قال فى "المدونة": سألنا مالكًا عن الرجل يدخل المسجد بعد طلوع الصبح ولم يركع ركعتى الفجر فتقام الصلاة أ يركعهما؟ قال: لا! فقلت لمالك: فإن سمع الإقامة قبل أن يدخل المسجد، أو جاء والإمام فى الصلاة، أ ترى له أن يركعهما خارجًا أو يدخل؟ قال: إن لم يخف أن يفوته الإمام بالركعة فليركع خارجًا قبل أن يدخل، فهو أحب إلى، ولا يركعهما فى شئ من أفنية المسجد اللاصقة بالمسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة مع الإمام فليدخل المسجد ولیصل معه اهـ. وقال العينى فى "العمدة": وقالت طائفة: لا بأس أن يصليهما خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرّة مع الإمام، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه والأوزاعى، إلا أن الأوزاعى أجاز أن يركعهما فى المسجد، وقال الثورى: إن خشى فوت ركعة دخل معه ولم يصليهما وإلا صلاهما فى المسجد، وقال صاحب "الهداية": ومن انتهى إلا الإمام فى صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتى الفجر إن خشى أن تفوته ركعة يعنى من صلاة الفجر لاشتغاله بالسنة ويدرك الركعة الأخرى يصلى ركعتى الفجر عند باب المسجد ثم يدخل المسجد، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين. وإنما قيد بقوله عند باب المسجد لأنه لو صلاهما فى المسجد كان متنفلا فيه مع اشتغال الإمام بالفرض، وأنه مكروه اهـ (٢: ٧١٠). قلت: والحق أن علة النهى فى قوله عّ لّهِ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (١) هو إمام حافظ جامع للفقه والحديث، السمعانى فى "الأنساب" (ص-٢٧٤). ١٢٥ إعلاء السنن باب قضاء السنن والأوراد ١٨٤٩- حدثنا: عقبة بن مكرم العمى البصرى، نا عمرو بن عاصم، نا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((من لم يصل ركعتى الفجر فليصلهما بعد ما عندنا كراهة الاختلاف مع الإمام والقوم، يدل عليه ما مر فى حديث أنس برواية ابن خزيمة من قوله: ((فنهى أن تصليا فى المسجد إذا أقيمت الصلاة))، فيجوز التنفل عند الإقامة للمكتوبة إذا خلا عن الاختلاف مع الإمام، أى إذا صلى خارج المسجد، وإن صلى فى المسجد مع التحرز عن الاختلاف بأن صلى فى ناحية منه منعزلا عن القوم فيجوز نظراً إلى العلة مع كراهة يسيرة لما فيه من مخالفة ظاهر قوله: ((فنهى أن تصليا فى المسجد)) إلا أن سنة الفجر يجوز الاشتغال بها كذلك ما لم يخف فوت الركعتين جميعاً، وسائر السنن سواها يجوز الاشتغال بها ما لم يخف فوت الركعة، ووجه الفرق تأكد سنة الفجر وکون لزومها أزيد من غيرها، ولا يرد على ذلك شئ مما أورده بعض الناس وإمامه مؤلف "الأعلام"، وليكن هذا خاتمة الكلام فى هذا المرام والحمد لله الملك العلام. باب قضاء السنن والأوراد تحقيق قول الحاكم " على شرطهما قوله: حدثنا عقبة إلخ. واعلم أن قول الحاكم: "على شرطهما" قد لا يكون على ظاهره، ففى حاشية "التلخيص الحبير" (١٨٤:١) فى حدثين رواهما الحاكم ما نصه: قال: كلا الإسنادين صحيح على شرطهما، واعترض ابن دقيق العيد كونه على شرط البخارى، ودفعه فى "البدر" (١) بأن مراد الحاكم أن الشيخين قد احتجا بمثل رجال الإسنادين لا أنهم من رجالهما معًا انتهى. وقال الشيخ أبو الطيب فى شرح الترمذى له: قوله: ((فليصليهما بعد ما تطلع الشمس)) يفيد أنه لا يصليهما قبل طلوع الشمس اهـ (٤١٤:١). وفى "نيل الأوطار" (٢٦٩:٢): وإلى ذلك ذهب الثورى، وابن المبارك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، حكى (١) أى البدر المنير للشيخ سراج الدين شيخ الحافظ ابن حجر. ١٢٦ قضاء السنن والأوراد ج - ٧ تطلع الشمس)). رواه الترمذى (٥٧:١). وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قلت: رجاله رجال الصحيحين إلا عقبة فمن أفراد مسلم، وعزاه العزيزى ذلك الترمذى عنهم، وحكاه الخطابى عن الأوزاعى. قال العراقى: والصحيح من مذهب الشافعى أنهما يفعلان بعد الصبح ويكونان أداءً، والحديث لا يدل صريحًا على أن من تركهما قبل صلاة الصبح لا يفعلهما إلا بعد طلوع الشمس، وليس فيه إلا الأمر لمن لم يصلهما مطلقًا أن يصليهما بعد طلوع الشمس، ولا شك أنهما إذا تركا فى وقت الأداء فعلا فى وقت القضاء، وليس فى الحديث ما يدل على المنع من فعلهما بعد صلاة الصبح، ويدل على ذلك رواية الدار قطنى والحاكم والبيهقى، فإنها بلفظ: ((من لم يصل ركعتى الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما اهـ)) (٢: ٢٧٠). قلت: ليس أصل استدلال الحنفية ومن وافقهم من المالكية والحنابلة فى هذه المسألة بهذا الحديث، بل أصل استدلالهم بالأحاديث الناهية عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وقد بلغت حد التواتر كما ذكرناه فى المجلد الثانى من الكتاب، وإنما ذكروا هذا الحديث لبيان استحباب قضاء سنة الفجر، وألزموا الخصم بمفهومه أنه يفيد أن لا يصليهما قبل طلوع الشمس، لأن الخصم يجعل المفهوم حجةً دونهم، ولا يخفى أن قوله: ((من لم يصل ركعتى الفجر)) عام كل من لم يصلهما، سواء تركهما نسيانًا، أو لضيق الوقت عنهما، أو الخوف فوات الجماعة بالاشتغال بهما، أو لأجل الإقامة للمكتوبة حين دخوله المسجد ونحوه، وقد أمر النبى عّ لّ كل من لم يصل ركعتى الفجر لعلة من العلل بأن يصليهما بعد طلوع الشمس، فثبت منه بطريق المفهوم والعموم أن من فاتت عنه الركعتان لأجل الإقامة للمكتوبة لا يصليهما قبل الطلوع وإن كان فى الوقت سعة بل بعده، فقول الشوكانى: "ليس فى الحديث ما يدل(١) على المنع من فعلهما بعد صلاة الصبح" ليس بسديد. فإن العموم حجة عند الكل، والاستدلال بالمفهوم حجة عند الخصم، فكيف لا يدل الحديث على المنع من هذا؟. (١) قال الشيخ: وهو كما قال الشوكانى، فإن الحديث يدل على حكم من لم يصل الركعتين، وهو ساكت عمن صلاهما قبل طلوع الشمس، قلت: سلمنا أن الحديث ناطق بحكم من لم يصل الركعتين ولكن قوله: ((من لم يصل)) عام كل من لم يصلهما لم يشذ منه أحد، فإذا كان كل من لم يصلهما بعمومه فى الوقت المعلوم أى قبل المکتوبة مأموراً بأدائهما بعد طلوع الشمس دل على النهى عن فعلهما قبله حتما. ١٢٧ قضاء السنن والأوراد إعلاء السنن (٣٦٢:٣) إلى الترمذى والحاكم، وقال: قال الحاكم: صحيح، وأقروه اهـ. وفى "النيل" (٢٦٩:٢) بعده عزوه إلى الترمذى: أخرجه ابن حبان فى وأما قوله: وليس فيه إلا الأمر لمن لم يصليهما مطلقًا أن يصليهما بعد طلوع الشمس، ويدل على ذلك رواية الدار قطنى والبيهقى والحاكم بلفظ: ((من لم يصل ركعتى الفجر حتى تطلع الشمس فليصليهما إهـ)). فالجواب عنه أنها رواية شاذة تفرد بها أبو بدر عباد بن الوليد العنبرى بهذا اللفظ من بين أصحاب عمرو بن عاصم، فقد رواه عقبة بن (مكرم عنه عند الترمذى، وأبو قلابة عنه عند الحاكم فى "المستدرك" بلفظ: ((من نسى ركعتى الفجر أو من لم يصل ركعتى الفجر فليصلهما إذا طلعت الشمس أو بعد ما تطلع الشمس). كما مر، وأبو بدر وإن كان صدوقًا كما فى "التقريب" (ص-٩٦) ولكنا لم نجد له متابعًا فى اللفظ الذى تفرد به، ولعل متن الحديث قد انقلب عليه، فجعل المقدم مؤخرا والمؤخر مقدمًا، فلا حجة فيما رواه ما لم يتابع عليه، ورواية الجماعة أولى بالأخذ. وأيضًا فلا حجة للخصم فيما رواه، فإن قوله: ((من لم يصل ركعتى الفجر حتى تطلع الشمس فليصليهما)) إنما يفيد حكم من لم يصليهما فقط، وهو ساكت عن حكم من صلاهما بعد فرض الفجر أنه هل يجوز له ذلك أم لا؟ والأحاديث الناهية عن الصلاة بعد صلاة الفجر والعصر تفيد بعمومها كراهة أداء سنة الفجر بعد مكتوبتها، والأخذ بالناطق أولى من الأخذ بالساكت. وأما ما ادعاه مؤلف "أعلام أهل العصر" من تخصيص عمومها بحديث: ((من أدرك ركعةً من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك)) الحديث، وبحديث: ((من نسى صلاةً فليصل إذا ذكره لا كفارة لها إلا ذلك)). الحديث، وبحديث: ((نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزوَّل الشمس إلا يوم الجمعة)). وبحديث: ((لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)). وبحديث إعادة صلاة الصبح فى الجماعة بعد ما صلاها فى بيته، وبحديث قضائه عّلِّ السنة الراتبة بعد صلاة العصر، فقد تقدم الجواب عن كل ذلك فى كتابنا فى أبواب مختلفة، فلا نعيدها تفصيلا، ونشير إليه إجمالا. إن حديث: ((من أدرك ركعةً من الفجر إلخ)). محمول عندنا على المأموم إذا أدرك ركعة مع الإمام قبل طلوع الشمس فى وقت الأداء فقد أدرك الفجر، ولا دلالة فیه علی جواز الفجر وقتٍ الطلوع، وإن سلم دلالته على ذلك فلا دلالة فيه على صحة الصلاة فرضًا بل على الصحة مطلقًا، ونحن نقول بأن الفرض ينقلب نفلا فى هذه الصورة. ١٢٨ ج - ٧ قضاء السنن والأوراد "صحيحه" والحاكم فى "المستدرك" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه اهـ. وكذا رأيته فى "المستدرك" (٢٠٧:١) بلفظ: ((من نسى ركعتى الفجر))، وصححه الحاكم على شرطهما، وأقره عليه الذهبى. وحديث: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها، إذا ذكرها)) مخصوص بما عدا الأوقات المنهى عنها، بدليل قصة ليلة التعريس، فإن النبى معَ ◌ّه أخر قضاء الفجر حينئذ إلى ارتفاع الشمس، وبه استدل ابن عباس على عدم جواز الفجر عند طلوع الشمس كما تقدم بالبسط، وحديث استثناء الجمعة لم يصح. وحديث: ((لا تمنعوا أحدا طاف إلخ)). الظاهر أن معناه لا تمنعوا أحدًا دخل المسجد للطواف والصلاة أية ساعة يريد الدخول فيه، فقوله: ((أية ساعة)) ظرف لقوله: ((لا تمنعوا) لا لطاف وصلى، كيف؟ والظاهر أن الطواف والصلاة حين يصلى الإمام الجمعة بل حين يخطب الخطيب يوم الجمعة، بل حين يصلى الإمام إحدى الصلوات الخمس غير مأذون فيه للرجال. (فكيف يمكن حمل الحديث على إباحة الطواف والصلاة بمكة فى كل ساعة من ليل أو نهار) قاله السندى فى حاشيته على النسائى (٩٨:١). وحديث الأمر بإعادة الصبح فى الجماعة بعد ما صلاها فى بيته مضطرب المتن، فقد رواه أبو حنيفة فى "مسنده" وفيه صلاة الظهر بدل الصبح، وقضاؤه معّ السنة الراتبة بعد العصر مخصوص به بدليل ما فى حديث أم سلمة. قلت: يا رسول الله! أ فنقضيهما إذا فاتتنا؟ قال: لا! ذكره السيوطى فى "الخصائص" وعزاه إلى أحمد، وأبى يعلى، وابن حبان فى "صحيحه". وقال: بسند صحيح، وبدليل ما فى طريق له عند الطحاوى: ((قدم على قلائص الصدقة فنسيتهما، ثم ذكرتهما فكرهت أن أصليهما فى المسجد والناس يرون فصلیتهما عندك)). ذكره الحافظ فى "الفتح" (٨٥:٣) وسكت عنه فهو حسن أو صحیح، وإخفاؤه إياهما عن الناس دليل الاختصاص. وما فى حديث عائشة: ((كان مَّ يصلى بعد العصر وينهى عنه، ويواصل وينهى عن الوصال))، وهو حديث أخرجه أبو داود، وصححه السيوطى والعزيزى، واجتهد صاحب "الأعلام" لتضعيفه ودونه خرط القتاد، أو ما يستحيى هذا المجادل أنه يرمى الطحاوى والعينى ونحوهما من الحنفية بأنهم يضعفون الأحاديث الصحيحة ويردونها لنصرة مذهبهم، ويرتكب هو نفسه ما هو أشد وأشنع؟ فإلى الله المشتكى. وروى الترمذى من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن ١٢٩ قضاء السنن والأوراد إعلاء السنن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما صلى النبى عّ لّه الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الر کعتین بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر ثم لم يعد» قال الترمذى: حديث حسن، كذا فى "فتح البارى" (٥٢:٣). ويويده ما روى النسائى عن أم سلمة أنه عّ لّ صلاهما بعد العصر فى بيتها مرة واحدة، وفى رواية له عنها: ((لم أره يصليهما قبل ولا بعد))، ذكره الحافظ فى "الفتح" أيضًا، (ص-مذكور). وهذا يعارض حديث عائشة رضى الله عنها أنه لم يزل يصليهما، فلا بد من الجمع، والأحسن فيه أن يقال: إنه مرِّ لم يصلهما تشريعًا للأمة بل اختصاصًا بنفسه، كما صرحت بذلك عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما، ولذا صلاهما إخفاءً لا إظهارًا. قال صاحب "الأعلام": ومن المخصصات حديث قيس بن عمرو، قال: ((رأى رسول الله مَّه رجلا يصلى بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله عَ لّه: صلاة الصبح ركعتان! فقال الرجل: إنى لم أكن صليت الركعتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ◌َ ◌ّه)). قال: وما ذهبت إليه الطائفة الأولى وهو التخصيص للنهى العام أمر محقق وقول صحيح، لأن فيه إعمال كل حديث فى موقعه، وإلا يلزم إهمال بعض منه بعد إن سلمت صحة كل من العام والمخصص، وهو أمر قبيح لا يقبله الطبع السليم، وإن فيه إساءة أدب مع صاحب الشريعة اهـ. قلت: إساءة الأدب إنما هو رد الحديث المتواتر الذى ثبت كونه من قول الرسول عَ ظله قطعًا بلا مرية لا بأخبار الآحاد التى كونها من قول الرسول عدّ له محتمل مظنون، كما فعلته أنت وجماعتك، حيث خصصت أحاديث النهى المتواترة بالأحاديث التى فى صحتها كلام لأجلة المحدثين، كحديث قيس بن عمرو هذا وإن له طريقين، إحديهما طريق سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمى، عن قيس بن عمرو، رواه أبو داود، والترمذى، وابن ماجة، وابن أبى شيبة، وأحمد، والدار قطنى، والبيهقى، والحاكم، إلا أنه قال: قيس بن فهد، وهذه الطريقة ضعيفة باتفاق المحدثين. قال النووى فى "تهذيب الأسماء واللغات" فى ترجمة قيس بن فهد وقال: الصحيح ابن عمرو هذا هو الصحيح عند جميع حفاظ الحديث، وذكروا حديثه فى الركعتين بعد الصبح، وهو حديث ضعيف، إلى أن قال: واتفقوا على ضعف حديثه ( ١٣٠ ج - ٧. قضاء السنن والأوراد المذكور فى الركعتين بعد الصبح اهـ. ذكره صاحب "الأعلام" نفسه (ص-٥٩) وثانيهما طریق أسد بن موسى، عن اللیث، عن یحیی بن سعيد، عن أبيه، عن جده قیس بن فهد، أخرجه ابن حبان (كما فى "الأعلام" ص-٥٩) وابن مندة. قال الحافظ فى "الإصابة": قال ابن مندة: غریب تفرد به أسد موصولا، وقال غیره عن اللیث عن يحيى: إن حديثه مرسل أهـ. (٢٦١:٥). قال صاحب "الأعلام": تفرده لا يقدح فى صحة الحديث لأنه ثقة اهـ (ص-٦١). قلت: خطأ أسد بن موسى فى اسم جد يحيى متعين، فإنه قال: قيس بن فهد، وقد تقدم عن النووى أنه خلاف الصحيح عند جميع حفاظ الحديث، والصحيح قيس بن عمرو، وفى "الإصابة": غاير بينهما البخارى، وقال: قيس بن عمرو جد يحيى بن سعيد له صحبة، وقال ابن أبى خيثمة: زعم مصعب الزبیری أن قیس بن فهد جد یحیی بن سعيد، وأخطأ فى ذلك، قال أبو عمرو: هو كما قال (ابن أبى خيثمة) وقد خطأوه كلهم فى ذلك. وأغرب ابن حبان فجمع بين الاختلاف بأنه قيس بن عمرو وفهد لقب عمرو، وقد مهم ذكر البغوى خلاف ذلك، فقال: اسم فهد خالد، وقد أخرج البخارى فى "تاريخه" بسند جید عن قيس بن أبى حازم: أخبرنی قیس بن فهد: "أن إماما لهم اشتکی أیاما قال: فصلینا بصلاته جلوسًا". وأخرجه البغوى من هذا الوجه وقال: لا أعلم روى عن قيس بن فهد غيره ولم يسنده أى لم يرفعه إلى النبى معَ ◌ّه اهـ. (٥: ٢٦١-٢٦٣) فإذا كان أسد قد أخطأ فى قوله: "قيس بن فهد" فى هذا السند عند الحفاظ جميعاً فلا يبعد خطاؤه فى قوله: "عن يحيى بن سعيد عن أبيه"، وإنما هو عن يحيى بن سعيد عن جده مرسلا، كما رواه وغيره .. وقال فى "المعتصر من المختصر" من "مشكل الآثار" للطحاوى: وما روی الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن جده قيس بن فهد فهو من الأحاديث التى لا يحتج بمثلها، لعلة فى رواته ذكرت مفصلة فى المطول اهـ. (ص-٤٢) وإن سلمنا أن أسد بن موسى لم يبهم فى قوله: "عن يحيى بن سعيد عن أبيه" فلا يثبت كون الحديث موصولا ما لم يثبت سماع سعيد والد يحيى عن جده قيس، ودونه خرط القتاد، فقد قال ١٣١ قضاء السنن والأوراد إعلاء السنن الحافظ ابن عبد البر فى "الاستيعاب": يقولون(١): إن سعيدًا والد يحيى بن سعيد لم يسمع من أبيه قيس شيئًا اهـ (٢: ٥٤١). فهذا حال حديث قيس من جهة الإسناد الذى ذكره صاحب "الأعلام" معارضًا لأحاديث النهى عن الصلاة بعد صلاة الفجر التى قد بلغت حد التواتر. وجعله مخصصًا ، لها، وبهذا لاح أن قول الشوكانى فى "النيل": وقول الترمذى: "إنه مرسل ومنقطع" ليس بجید، فقد جاء متصلا من روایة یحیی بن سعید عن أبيه عن جده قیس إلخ ليس بجید. بل الحق أنه بجميع طرقه مرسل، وليس له سند واحد متصل. فإن قيل: غاية حديث قيس هذا أنه مرسل، والمرسل عند الحنفية حجة لا سيما إذا روى من وجوه مرسلا فهو حجة عند الكل. قلنا: نعم! ولكنه لا يصلح معارضًا للحديث الصحيح المشهور والمتواتر ولا مخصصًا له، بل لا بد من إرجاعه إلى المتواتر، وحمله على معنى يوافقه، ولا يؤول المتواتر والمشهور لأجله، لأن الضعيف يرجع إلى القوى ويحمل علیه، لا بالعكس کما لا يخفى، فنقول: غاية ما ثبت من حديث قيس هذا جواز سنة الفجر بعد المكتوبة، ونحن نقول به بمعنى الصحة، وأما الجواز بمعنى الخلو عن الكراهة فلا، لقيام الدليل على كراهتها بالأحاديث الصحيحة المشهورة. قال الحافظ ابن قدامة فى "المغنى": فأما قضاء سنة الفجر بعدها فجائز، إلا أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى، وقال: إن صلاهما بعد الفجر أجزأ، وأما أنا فأختار ذلك إلى أن قال: وحديث قيس مرسل قاله أحمد والترمذى، لأنه يرويه محمد بن إبراهيم (التیمی) عن قیس ولم يسمع منه، وروی(٢) من طریق یحیی بن سعيد، عن جده وهو. مرسل أيضًا، ورواه الترمذى قال: ((قلت: يا رسول الله! إنى لم أكن ركعت ركعتى (١) قال الشوكانى فى "النيل" وأجيب عن ذلك بأن القائل بذلك لم يعرف اهـ. قلت: إن لم يعرف القائل بسماعه عنه ولا شك أن المستدل أحوج إلى الدليل من المانع. وأيضاً فإن الناقد إذا قال: وثقوه أو قالوا: لم يسمع من فلان يريد بيهم أئمة الجرح والتعديل والحفاظ الناقدين من المحدثين. (٢) سكت الحافظ ابن قدامة عن طريق أسد بن موسى عن الليث عن يحيى عن أبيه عن جده، وهذا يشعر بكونها معلولةً عنده غير قابل للالتفات إليه أيضًا. ١٣٢ ج - ٧ قضاء السنن والأوراد الفجر، قال: فلا إذا)) وهذا يحتمل النهى(١)، وإذا كان الأمر هكذا كان تأخيرها إلى وقت الضحى أحسن ليخرج من الخلاف، ولا يخالف عموم الحديث، وإن فعلها فهو جائز لأن هذا الخبر لا يقصر عن الدلالة على الجواز، والله أعلم اهـ (٧٦٢:١). قلت: وظاهره أن قضائبها بعد فرض الفجر يجوز عند أحمد بلا كراهة وإن كان خلاف المختار، وعندنا إنما يجوز مع الكراهة، والوجه ما ذكرنا آنفاً. وقال صاحب "الأعلام": وأخرج ابن حزم فى "المحلى" عن الحسن بن ذكوان، عن عطاء بن أبى رباح، عن رجل من الأنصار، قال: ((رأى رسول الله عَ ◌ّه رجلا يصلى بعد الغداة، فقال: يا رسول الله! لم أكن صليت ركعتى الفجر فصليتهما الآن، فلم يقل له شيئًا)). قال العراقى: وإسناده حسن اهـ (ص-٦١). قلت: يا للعجب! كيف يسكت صاحب "الأعلام" عما يوافق مذهبه ويتكلم على ما يوافق مذهب غيره، فتراه يجهد لتضعيف حديث أبى داود عن عائشة مرفوعًا: ((كان یصلی ر کعتين بعد العصر وینهی عنها، و کان یواصل وینهی عن الوصال» وحديث ابن حبان وأحمد وغيرهما عن أم سلمة: ((قلت: يا رسول الله! أفنقضيهما إذا فاتتنا؟ قال: لا))، مع كونهما موافقين للأحاديث الناهية عن الصلاة بعد الفجر والعصر البالغة حد التواتر، ولكنه يردهما ويبذل كل جهده فى جرحهما ويفرح بأثر عطاء عن رجل من الأنصار، وقول العراقى فيه: إسناده حسن، ولا يكشف علته، ولا ينطق فيه بحرف، ثم يذهب يطعن العینی بأن صنیعه أن الحدیث إذا كان مخالفًا لمذهبه يتكلم فى رواته ویسرد الجرح ويسكت عن التعديل، وإذا كان موافقًا لمذهبه يسكت عن الجرح وإن كان فيه ضعف شدید، وهذا من عیوب کتابه اهـ. ولا يرجع هذا القائل إلى نفسه فيلومها أول بأنك بهذا الصنيع ألصق وأعمل وإن كان شاكًا فى ذلك، لأجل أن القذاة فى عين غيره عنده جبل والجبل فى عينه قذاة، فاسأله (١) قال صاحب "الأعلام": وقوله منّ ي: ((فلا إذا) أى لا أمنعك الآن عن أدائهما، ونظيره ما رواه البخارى عن جابر قال: ((نهى رسول الله صَّ عن الظروف، فقالت الأنصار: إنه لا بد لنا منها قال: ((فلا إذن اهـ)). قلت: وما قاله ابن قدامة محتمل أيضًا، والاحتمال يضر الاستدلال. ١٣٣ قضاء السنن والأوراد إعلاء السنن ١٨٥٠- عن: أبى هريرة رضى الله عنه، قال: ((كان النبى معَّ ◌ُلّه إذا فاتته ركعتا الفجر صلاهما إذا طلعت الشمس)). أخرجه الطحاوى فى "مشكل الاثار" له، وقال: إسناده أحسن من إسناد حديث قيس بن فهد، كذا فى أنه من أين درى أن هذا الرجل من الأنصار الذى روى عنه عطاء صحابى؟ فهل صرح عطاء بأنه سمع رجلا من الأنصار له صحبة؟ وحيث لا فلم لا يمكن أن يكون رجلا تابعيًا من الأنصار؟ لا سيما وقدنص سفيان على أن عطاءً سمع هذا الحديث من سعد بن سعيد (أخى يحيى بن سعيد الأنصارى) كما ذكره صاحب "الأعلام" نفسه قبل ذلك، عن أبى داود والترمذى، وسعد بن سعيد رجل من الأنصار أيضًا، فهو المراد بقول عطاء "عن رجل من الأنصار"، وهو يروى هذا الحديث عن محمد بن إبراهيم عن قيس، وهو ضعيف بالاتفاق كما تقدم، ومن ادعى كون هذا الرجل من الأنصار صحابيًا فليأت على ذلك ببرهان واضح، ودليل ناهض، فإن مجرد قول عطاء "عن رجل من الأنصار" لا يدل على ذلك، بل الظاهر أن المراد به سعد بن سعيد الأنصارى لا غير. وبعد ذلك فقول العراقى: "إسناده حسن" لا يخلو عن النظر، ولا يتم به لصاحب "الأعلام" فرحة أصلا، وإن صح فغايته الدلالة على الجواز، ونحن نقول به مع الكراهة جمعًا بين الأدلة كما مر، ومن هنا يظهر لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد غاية مراعاة الحنفية للجمع بين الأحاديث المختلفة، فإنهم والله لا يتركون شيئًا من الأحاديث إلا ما تبين ضعفه، واشتد وهنه، أو كان مخالفًا صريحًا للنص المتواتر والمشهور، وإلا فالحديث عندهم مقدم على القياس مطلقًا ولو كان ضعيفًا، أو مرسلا، أو مدلسًا، أو منقطعًا، كما هو مشهور مذهبهم، فمن رماهم برد الأحاديث فقد كذب والله وافترى، ولو أنصف لرأى أنه الذى يرد بعض الأحاديث ببعض، كما فعل صاحب "الأعلام" فى هذا المقام، حيث أجاز قضاء سنة الفجر بعد فرضها بلا كراهة، ورد الأحاديث الناهية المتواترة. وخصصها بالأحاديث الضعيفة من الآحاد. قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قلت: فيه دلالة على أنه معَّ كان يقضيهما إذا فاتتا بعد طلوع الشمس، ولا يخفى أن تأخير الصلاة عن وقت الأداء مكروه، فلو كان ما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وقتا لهما لم يؤخرهما ◌َّه عن الوقت، فثبت كراهة ١٣٤ قضاء السنن والأوراد ج - ٧ "المعتصر من المختصر من مشكل الآثار" (ص-٤٢) والطحاوى حافظ حجة إمام فى الجرح والتعديل، عده السيوطى فى حسن المحاضرة له فى حفاظ الحديث ونقاده (١٤٧:١)، فتحسينه إسناد هذا الحديث حجة. أدائهما بعد فرض الفجر قبل طلوع ذكاء. وإن اختلج فى قلبك أنه عّ لّه كان إماما فى مسجده بالمدينة فكيف أمكن أن تفوته الركعتان قبل الفجر، فإن هذا لا يكون إلا إذا كان الإمام غيره. فأزحه بأنه مَّ كان يذهب مرة إلى بنى عمر وفى العوالى، ويتأخر وصوله إلى المدينة عن وقت الصلاة المعتاد، فيقدمون للصلاة غيره، كما ثبت فى الصحيح، وذكره مسلم بطرق متعددة (١٧٩:١) فلعل مثل ذلك وقع له فى صلاة الفجر أيضًا، فقدموا غيره إمامًا وفاتته الركعتان لأجل ذلك. كما أخرجه مسلم عن المغيرة بن شعبة: ((أنه غزا مع رسول الله عَّه تبوك، قال: فتبرز رسول الله عَّ له قبل الغائط، فحملت معه إداوةً قبل صلاة الفجر، فلما رجع رسول الله ◌َُّّ إلى، أخذت أهريق على يديه من الإداوة، وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل يديه ثم ذهب يخرج جبته عن زراعيه، فضاق كما جبته، فأدخل يديه فى الجبة حتى أخرج .. ذراعيه من أسفل الجبة، وغسل ذراعيه إلى المرفقين، ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل، قال المغيرة: فأقبلت معه حتى يجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى لهم، فأدرك رسول الله عَّ إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله مرّ له يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبى معَّه صلاته أقبل عليهم، ثم قال: أحسنتم! أو قال: قد أصبتم، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها اهـ (١٨٠:٢). قال الحافظ فى "الفتح": وللمصنف (أى البخارى) من طريق مسروق عن المغيرة فى الجهاد وغيره، أن النبى عّ لّ هو الذى أمره أن يتبعه بالإداوة، وزاد: ((فانطلق حتى توارى عنى فقضى حاجته، ثم أقبل فتوضأ)). وعند أحمد من طريق أخرى عن المغيرة: ((إن الماء الذى توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية، صبته له من قربة كانت جلد ميتة، وأن النبى مَ ◌ّه قال له: سلها، فإن كانت دبغتها فهو طهور، وأنها قالت: إى والله لقد دبغتها)). وزاد(١) فی الجهاد: ((وعلیه جبة شامیة))، ولأبى داود: «من جبات الروم)) وزاد فى باب لرجل يوضئ صاحبه: ((فغسل وجهه ويديه))، وفى رواية أحمد من طريق عباد بن زياد ١٠) أى البخارى. ١٣٥ قضاء السنن والأوراد إعلاء السنن ١٨٥١- عن: أبى مجلز، قال: ((دخلت المسجد فى صلاة الغداة مع ابن عمر وابن عباس والإمام يصلى، فأما ابن عمر فدخل فى الصف، وأما ابن عباس فصلی ر کعتين ثم دخل مع الإمام، فلما سلم الإمام قعد ابن عمر مكانه حتى طلعت الشمس، فقام فركع ركعتين)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح "آثار السنن" (٣٩:٢). قلت: وذكره مالك فى "موطأه" (ص-٤٥) بلاغًا وبلاغاته صحاح. ١٨٥٢- عن: يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم يقول: ((إذا لم المذكورة: ((أنه غسل كفيه))، وله من وجه آخر قوى: ((فغسلها فأحسن غسلها، قال: وأشك أقال: دلكهما بتراب أم لا))، وللمصنف فى الجهاد: ((أنه تمضعض واستنشق وغسل وجهه)، زاد أحمد: «ثلاث مرات، فذهب یخرج یدیه من کمیه، فكانا ضیقین فأخرجهما من تحت الجبة)). ولمسلم من وجه آخر: ((وألقى الجبة على منكبيه))، ولأحمد: ((فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات))، وللمصنف: ((ومسح برأسه))، وفى رواية لمسلم: ((ومسح بناصيته وعلى عمامته وعلى الخفين اهـ)) (٢٦٥:١) قلت: ولأبى داود من طريق زرارة بن أوفى: ((أن النبى معَّ ◌ُلِّ أراد أن يتأخر، فأومى إليه أن يمضى، قال: فصليت أنا والنبى معَِّ خلفه ركعةً، فلما سلم قام النبى مدّ فصلى الركعة التى سبق بنها، ولم يزد عليها شيئًا اهـ)) (٥٩:١ مع العون). فهذا مغيرة قد تراه ذكر من هذه القصة الدقيق والجليل، حتى ذكر صفة الماء والقربة، وذكر الجبة وضيقها، وأنها كانت من جبات الروم ونحوها، وذكر صفة الوضوء وإخراج الذراعين، ومسحه برأسه وعلى العمامة والخفين، وغير ذلك. ولم يذكر أنه معدّ لّ. صلى ركعتى الفجر قبل لحوقه بالقوم، فالظاهر أنه لم يصل قبله وإلا لذكره مغيرة لذكره ما هو أهون منهما، وأما إنه لم يصلهما بعد الفراغ من المكتوبة فظاهر، لقوله فى رواية أبى داود: ((فصلى الركعة التى سبق بها ولم يزد عليها شيئًا)). وهذه نكرة تحت النفى، وهى تفيد العموم، فدلت على نفى كل زيادة على الركعة، فالظاهر أنه صلى ركعتى الفجر بعد طلوع الشمس، وارتفاعها، کما یشعر به حديث أبى هريرة هذا. ولو کان صلاهما عقیب الفرض مرة لنقل عنه ولو فى رواية، ولم يثبت ذلك بعد، فالحق ما ذهب إليه إمامنا أبو حنيفة وصاحباه أنهما تقضيان بعد طلوع الشمس لا قبله. * *قوله: "أبى مجلد وعن القاسم إلخ". قلت: ولو كان ما بعد المكتوبة إلى الطلوع ١٣٦ ج - ٧. قضاء السنن والأوراد أصلهما حتى أصلى الفجر صليتهما بعد طلوع الشمس)). رواه ابن أبى شيبة وإسناده صحيح "آثار السنن" (٣٩:٢) وذكره مالك فى "الموطأ" (ص-٤٥) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه من فعله. وقد تقدمت الأحاديث الناهية عن الصلاة بعد صلاة الفجر فى الجزء الثانى من الكتاب، فلا نعيدها، وقد ثبت أن النبى عَ ◌ّ قضى سنة الفجر مع الفريضة لما نام عنها فى السفر، أخرجه الشيخان وأبو داود وغيرهم، كما فى "النيل" (٣٢٩:١). وقتًا للركعتين لم يؤخرهما ابن عمر ولا القاسم عن الوقت، فإن تأخير الصلاة عن وقتها مكروه اتفاقًا، فثبت أن ما بعد المكتوبة ليس وقتًا لهما، وهذا هو قولنا معشر الحنفية، قال الشيخ: ولعل دخوله مع القوم كان لأنه كان لا يرجو إدراك ركعة من الفرض، وكان ابن عباس يرجوه، فلا يخالف فعل ابن عمر هذا ما تقدم عنه فى الباب السابق أنه صلى ركعتى الفجر بعد إقامة الصلاة اهـ. وثبت بكل ذلك أن ركعتى الفجر لهما قضاء، أما إذا فاتتا مع الفريضة فهو متفق عليه لثبوته عن رسول الله عَّ ◌ُله فى قصة التعريس عملا، وأما إذا فاتتا بدونها، فذكروا فى قضائهما خلافًا بين الشيخين ومحمد، والظاهر أنه لا خلاف بينهم. قال فى "رد المحتار": لا يقضى سنة الفجر إلا إذا فاتت مع فرض الفجر فيقضيهما تبعًا لقضائه لو قبل الزوال، وأما إذا فاتت وحدها فلا تقضى قبل طلوع الشمس بالإجماع، لكراهة النفل بعد الصبح، وأما بعد طلوع الشمس فكذلك عندهما، وقال محمد: أحب إلى أن يقضيها إلى الزوال، كما فى "الدرر" قيل: هذا قريب من الاتفاق، لأن قوله: أحب إلى، دليل على أنه لو لم يفعل لا لوم عليه، وقالا: لا يقضى وإن قضى فلا بأس به، كذا فى "الجنازية" ومنهم من حقق الخلاف وقال: الخلاف فى أنه لو قضى كان نفلا مبتدأ أو سنة، كذا فى "العناية"، يعنى نفلا عندهما سنة عنده، كما ذكره فى "الكافى" إسماعيل (١: ٧٥٠ و ٧٥١). لهما أن السنن شرعت توابع للفرائض، فلو قضيت فى وقت لا أداء فيه للفرائض لصارت السنن أصلا، وبطلت التبعية، فلم تبق سنة مؤكدة، لأنها كانت سنة بوصف التبعية، ويؤيد هذا القياس ما روت أم سلمة: ((أنها رأت النبى معَّله يصلى بعد العصر ١٣٧ قضاء السنن والأوراد إعلاء السنن ١٨٥٣- عن: عائشة رضى الله عنها، قالت: ((كان رسول الله صَ لّه إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاهن بعد الركعتين بعد الظهر)). رواه ابن ماجة، وكلهم ثقات إلا قيس بن الربيع، ففيه مقال وقد وثق، "نيل الأوطا" (٢٧١:٢). قلت: فهو صالح للاحتجاج، وفى "العزيزى": إسناده حسن اهـ (١٣٣:٣). ركعتين، فقالت: يا رسول الله! ما هاتان الركعتان اللتان لم تكن تصليهما؟ قال: قدم خالد فشغلنى عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر فصليتهما الآن، قلت: يا رسول الله! أ فنقضيهما إذا فاتتنا؟ قال: لا! اهـ)). وهذا نص على أن قضاء السنة ليس على الأمة. وإنما هو شئ اختص به النبى معٍَّ ولا شركة لنا خصائصه، وقياس هذا الحديث أن لا يجب قضاء ركعتى الفجر أصلا إلا أنا استحسنا القضاء إذا فاتتا مع الفرض لحديث(١) ليلة التعريس، كذا فى "البدائع" ملخصًا (٢٨٧:١). ولمحمد ما ذكرناه أول الباب من حديث أبى هريرة مرفوعًا: ((من لم يصل ركعتى الفجر فليصليهما بعد ما تطلع الشمس)). ولعل محط الفائدة فيه عندهما قوله: ((بعد ما تطلع الشمس)) المقصود به النهى عن فعلهما قبله، لا قوله: ((فليصلهما))، والله أعلم. والحق أنه لا خلاف بين أثمتنا فى استحباب الإتيان بالركعتين بعد طلوع الشمس، لقوله عد له: ((فليصليهما))، وإنما الخلاف فى كون ذلك قضاء، والحديث ساكت عنه، ولو وقعتا مؤكدة بعد الطلوع لكان القضاء سنة مؤكدة، ولم يقل به محمد أيضًا، فالظاهر أنهما بعد طلوع الشمس قضاء لسنة الفجر عنده صورة، وعندهما ليس ذلك بقضاء لها أى حقيقة، فالخلاف لفظى لا حقيقى، والراجح عندى كون قضائها بعد الطلوع سنة مؤكدة لورود الأمر، والمواظبة الفعلية على ذلك من النبى معَّ له والصحابة رضى الله عنهم، وإن ذلك قضاء لها حقيقةً لا صورةً فقط، وهذا هو المراد بقول محمد: ((أحب إلى أن يقضيهما إلى الزوال عندى))، فربما يستعمل لفظة "ينبغى" و"أحب إلى" فى الواجب والسنة أيضًا، كما لا يخفى على من نظر فى الفقه فافهم. قوله: "عن عائشة بطريقيه إلخ". قلت: أثر الترمذى فيه دلالة على أنه معّه كان إذا (١) فإنه مَّ قضاهما بمرأى من الصحابة وقضوهما معه، ولم نقل بقضائهما تبعًا للفرض بعد الزوال لورود النص فيما قبل الزوال، وما ورد على خلاف القياس يقتصر على مورده كما عرف فى الأصول. ١٣٨ ج - ٧ قضاء السنن والأوراد ١٨٥٤- عن: عائشة رضى الله عنها، أيضًا: ((أن النبى معَّ له كان إذا لم- يصل أربعًا قبل الظهر صلاهن بعدها)). رواه الترمذى (٥٨:١) وقال: هذا حديث حسن غريب. ١٨٥٥- عن: عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عّ لّه: ((من نام عن حزبه من الليل أو عن شئ منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)). رواه الجماعة إلا البخارى "نيل الأوطار" (٢٩٤:٢). ١٨٥٦- عن: عائشة رضى الله عنها: ((أن رسول الله عَ لّ كان إذا فاتته فاتته الأربع قبل الظهر صلاهن بعدها، وليس فيه تعرض لتقديمهن على الشفع أو التأخير عنه، والأصل فى الراتبة البعدية إيصالها بالمكتوبة، كما ذكرناه فى الجزء الثالث مفصلا، فالظاهر أن المراد بقوله: ((صلاهن بعدها)) فعلهن بعد الشفع. وقد ورد التصريح به فى أثر ابن ماجة، وهذا هو المختار عندنا، قال فى "الدر": بخلاف سنة الظهر، فإنه إن خاف فوت ركعة يتركها ويقتدى، ثم يأتى بها على أنها سنة، (أى اتفاقًا وما فى "الخانية" وغيرها من أنها نفل عنده سنة عندهما، فهو من تصرف المصنفين، لأن المذكور فى المسألة الاختلاف فى تقديمها أو تأخيرها، والاتفاق على قضائها، وهو اتفاق على وقوعها سنة، کما حققه فى "الفتح" شامى) فى وقته أى الظهر قبل شفعه عند محمد، وبه يفتى، (وعند أبى يوسف بعده كذا فى "الجامع الصغير" للحسامى-ش) قوله: "وبه يفتى"، أقول: وعليه المتون، لكن رجح فى "الفتح" تقديم الركعتين، قال فى "الإمداد": وفى فتاوى العتابى: أنه المختار، وفى "مبسوط" شيخ الإسلام، أنه الأصح لحديث عائشة (فذكر حديث المتن بلفظ ابن ماجة) قال: وهو قول أبى حنيفة، وكذا فى "جامع قاضيخان" اهـ. من الشامية (٧٥٢:١). قوله: "عن عمر إلخ". قلت: فيه دلالة على قضاء التهجد وهو قول، وحديث عائشة بعده يدل على ذلك فعلا، وينبغى أن يستحب قضاؤه عند الحنفية أيضًا، كما هو مستحب عند الحنابلة، صرح به ابن قدامة فى "المغني" (٧٧٨:١) وفى "رد المحتار" تحت قول "الدر": وأما ما قبل العشاء فمندوب لا يقضى أصلا اه ما نصه: أقول: وفى هذا ١٣٩ قضاء السنن والأوراد إعلاء السنن الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة)). رواه مسلم (١: ٢٥٦). ١٨٥٧- حدثنا: ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمى، عن حفص بن التعليل نظر، لأنه يوهم أن قضاء سنة الفجر والظهر لسنيتهما ولو كانا مندوبتين لم تقضيا، وليس كذلك، لأن قضائهما ثبت بالنص على خلاف القياس، فيبقى ما وراء النص على العدم، كما صرح به فى "الفتح" حتى لو ورد نص فى قضاء المندوب نقول به اهـ (١ :٧٥٢). قلت: وقد ورد النص فى قضاء التهجد قولا وعملا، فعلينا أن نقول به، لم أره صريحًا فى كتب المذهب، ولكنه مقتضى قواعدنا كما تراه، وبه أقول وأدين الله تعالى به. ثم رأيت الطحاوى منا قد جنح إلى ذلك، فقال: ثم زاد الله فى التفضيل بأن وسع الأمر عليهم فى نيل ثوابه، واستنجاز وعده المحمود إذا قطعهم عن ذلك -أى التهجد- مرض أو سفر أو عائق، وأقام طائفة من النهار مقام طائفة من الليل، وجعل القراءة فيها كالقراءة فيها، والقيام فيها كالقيام فيها، رحمة منه وإشفاقا عليهم، كذا فى "المعتصر من مشكل الآثار " (ص-٣٣). وفى الأثرين دلالة على أن التهجد إنما يقضى بعد طلوع الشمس إلى الزوال لا قبله ولا بعده، لأن الوارد على خلاف القیاس یقتصر على مورده، فما فى "سنن الدار قطنى (٩١:١): ثنا يزيد، ثنا محمد، نا وكيع، نا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، قال: ((كنا نأتى عائشة قبل صلاة الفجر، فأتيناها يومًا وهى تصلى، فقلنا لها: ما هذه الصلاة؟ قالت: نمت عن جزئى الليلة، فلم أكن لأدعه اهـ)). وفى "التعليق المغنى": هذا حديث موقوف إسناده صحيح اهـ. محمول على شروعها فى التهجد قبل الفجر، وامتدت إلى ما بعدها لعارض التطويل، أو ابتدأت فيها بظن أن الفجر لم تطلع وأخطأت فى ظنها، وكان ذلك منها يوما واحدًا، فلا يصح التمسك بمثله على جواز قضاء التهجد بعد طلوع الفجر. كيف؟ وقد ورد النهى عن الصلاة بعد الفجر إلا السجدتين، كما ذكرنا فى الجزء الثالث مستوفی. قوله: عن ابن حميد إلخ. قلت: هو محمد بن حميد الرازى الحافظ، روى عنه أبو ١٤٠ قضاء السنن والأوراد ج - ٧ حيمد، عن شمر بن عطية، عن شفيق، قال: ((جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال: فاتتنى الصلاة الليلة، فقال: أدرك ما فاتك من ليلتك فى نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا)). أخرجه الإمام ابن جرير الطبرى فى "تفسيره" (٢٠:٩)، وسنده حسن، ونترجم رجاله فى الحاشية، وأخرج عن ابن عباس والحسن البصرى نحوه. داود، والترمذى، وابن ماجة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وماتا قبله، أثنى عليه أحمد، والصاغانى، والذهلى، ووثقه ابن معين وقال: وهذه الأحاديث (المناكير) التى يحدث بها ليس هو من قبله إنما هو من قبل الشيوخ الذين يحدث عنهم، ووثقه جعفر بن أبى عثمان الطيالسى، وقال: من يقول فيه هو أكبر منهم اهــ كذا فى "التهذيب" (١٢٨:٩) وهذا تعديل مفسر يشعر بمعرفة المعدل بأقوال الجارحين، وأنها لا تؤثر فيه، فهو حسن الحديث على الأصل الذى أصلناه مرارًا، وحسن له الدار قطنى فى "سننه" (١٣:١). ويعقوب هو ابن عبد الله القمى، روى عنه ابن مهدى وكفى به موثقًا، وآخرون، قال النسائی: ليس به بأس، وقال الطبرانى: كان ثقةً، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال ابن حميد الرازى: دخلت بغداد فاستقبلنى أحمد وابن معين، فسألانى عن أحاديث يعقوب القمى، وقال الدار قطنى: ليس بالقوى (قلت: وهذا تليين هين) كذا فى "التهذيب" أيضًا (٣٩١:١١). وحفص بن حميد هو القمى أبو عبيد، قال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان فى الثقات اهـ. (التهذيب، ٣٩٩:٢) وشمر بن عطية هو الأسدی الکاهلی الکوفی، روی عن زر بن حبيش، وأبى وائل، وشهر بن حوشب وغيرهم، قال النسائى: ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال ابن سعد: ثقة وله أحاديث صالحة، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وابن معين، والعجلى اهـ. من "التهذيب" (٣٦٥:٤). وشقيق هو ابن سلمة الأسدی الکوفی أبو وائل، من رجال الجماعة لا يسأل عنه، فالحديث حسن، وفيه دلالة على قضاء صلاة الليل بالنهار، وبه فسر عمر رضى الله عنه قوله تعالى: ﴿هو الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا﴾ وقال