النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ج - ٧ وهذا كله لإلزام الخصم لكون أقوال أئمة الحديث حجة عنده، وأما أنه يتساهل فيما يحتج به فالأمر خلافه، بل إنما يتكلم هو فى إثبات مذهب الحنفية على أصولهم فى الحديث فيما يحتج به، ولا لوم على أحد فى إلزامه الخصم بما هو حجة عليه، وفى أخذه فى حق نفسه بأصول مذهبه، ولو طالع بعض الناس "الجوهر النقى" واطلع على تحامل البيهقى وتعصبه مع جلالة شأنه وعلو كعبه فى الحديث لسكت عن الطعن على النيموى، وبكى على نفسه وعلی البيهقى، هذا. . وقد أظهرنا تعصب بعض الناس هذا وجهله وتحامله وعناده للحنفية مرة غير مرة، كأنه قد حلف بالطلاق أن لا يزال يدحض دلائلنا ولو كانت قوية، فلا يلومن إلا نفسه، وإذا كان عبد العزيز بن مسلم من رجال الصحيحين وصحح الشيخان حديثه فأى لوم على النيموى فى تصحيح حديثه، وهل غضبك عليه فى ذلك إلا لتعصب وفرط جهل نعوذ بالله منه. وفى أثر ابن عباس هذا دلالة صريحة على أن حديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))، محمول على الصلاة متصلا بصفوف القوم، فإن ابن عباس روى عنه الحاكم فى "المستدرك" وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقى والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان فى "صحيحيهما". وأبو داود الطيالسى فى "مسنده": قال: ((أقيمت الصلاة فقمت أصلى الركعتين، فجذبنى رسول الله مرّه، فقال: أتصلى الصبح أربعًا)) كذا فى "أعلام العصر" (ص-٣٤). ومع ذلك فقد ثبت عنه أنه جاء والإمام فى صلاة الغداة فصلى الركعتين خلف الإمام ثم دخل معهم، وإذا تعارض بين رواية الراوى وعمله فالحجة عندنا فى عمله دون روایته. قال العظيم آبادى فى "أعلام العصر": وما فهمه ابن عباس رضى الله عنهما ليس بحجة علينا، لأن فهم الصحابى ليس بحجة خصوصًا فى المواضع الذى يكون فهمه خلاف ما ثبت عن رسول الله عَ ◌ّ اهـ (ص-٣٣). قلت: قاتلك الله! ما أجرأك على تخطئة الصحابة، فهل يكون فهم الصحابى مخالفًا لما ثبت عن الرسول وفهمك أنت موافقًا له؟ فبعدا لك وسحقًا، وأيم الله لن تقدر على إثبات ما ادعيت من أن فهم ابن عباس ١٠٢ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن ١٨٣٧- عن: محمد بن كعب، قال: ((خرج عبد الله بن عمر من بيته فأقيمت صلاة الصبح، فركع ركعتين قبل أن يدخل المسجد وهو فى الطريق، ثم دخل المسجد فصلى الصبح مع الناس)). رواه الطحاوى وإسناده حسن "آثار السنن" (٣٢:٢). ١٨٣٨- عن: زيد بن أسلم، عن ابن عمر: ((أنه جاء والإمام يصلى الصبح، ولم یکن صلی الركعتين قبل الصبح، فصلاهما فى حجرة حفصة، ثم مخالف لما ثبت عن الرسول ◌َّه، فهل لا يمكن حمل النهى فى قوله: ((فلا صلاة إلا المكتوبة)) على أنه لا تجوز صلاة فى المسجد متصلا بصفوف القوم إلا المكتوبة؟ كيف لا؟ وقد حمله ابن عباس، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وغيرهم من الصحابة على ذلك، وفى قوله مَّهِ: ((أتصلى الصبح أربعًا)) إشارة إلى هذا المعنى، فافهم. قوله: "عن محمد بن كعب إلخ". فيه دلالة على جواز الاشتغال بغير المكتوبة حين إقامتها، وأن حديث: ((إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة مخصوص عنده بالنهی عن الاشتغال بغيرها فى المسجد، وأما فى خارجه فلا، قال الطحاوى: فهذا (ابن عمر) وإن كان لم يصلهما فى المسجد فقد صلاهما بعد علمه بإقامة الصلاة فى المسجد، فذلك خلاف قول أبى هريرة: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) إن كان معناه ما صرفه إليه أهل المقالة الأولى اهـ (٢٢٠:١). قوله: "عن زيد بن أسلم إلخ". قال الطحاوى: ففى هذا الحديث عن ابن عمر أنه صلاهما فى المسجد لأن حجرة حفصة رضى الله عنها من المسجد اهـ (٢٢٠:١). قال بعض الناس: لا دليل على أن تلك الحجرة كانت فى ذلك اليوم من المسجد اهـ. قلت: ذكر العلامة السهمودى فى "خلاصة الوفاء" ما نصه: ولابن زبالة عن عبد الله بن عمر بن حفص عمر بن الخطاب جدار القبلة إلى الأساطين التى إليها المقصورة اليوم؛ ثم زاد عثمان أى فى القبلة حتى بلغ جداره اليوم، قال: فسمعت أبى يقول: لما احتيج إلى بيت حفصة قالت: فكيف بطريقى إلى المسجد؟ فقال لها: نعطيك أوسع من بيتك، ونجعل لك طريقًا مثل طريقك، فأعطاها دار عبيد الله بن عمر وكانت مربدا، فالقائل نعطيك عثمان، لأنه أورده فى زيادته اهـ (ص-١٢٨). وفيه أيضًا (ص-١٢٦): وكان أول عمله أى عثمان ١٠٣ ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إنه صلى مع الإمام)). رواه الطحاوى ورجاله ثقات إلا أن يحيى بن أبي كثير يدلس. "آثار السنن" (٣٢:٢) قلت: عداده فى المرتبة الثانية وهى من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له فى الصحيح لإمامته وقلة تدليسه، كما فى "طبقات المدلسين" (١١:٢). فالحديث صحيح الإسناد. ١٨٣٩- عن: أبى الدرداء رضى الله عنه، أنه كان يدخل المسجد والناس صفوف فى صلاة الفجر، فيصلى الركعتين فى ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم فى الصلاة)). رواه الطحاوى وإسناده حسن "آثار السنن (٣٢:٢). فى شهر ربيع الأول من سنة تسع وعشرين، وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ثلاثين، فكان عمله عشرة أشهر، وقال الحافظ ابن حجر: كان بناء عثمان رضى الله عنه سنة ثلاثين على المشهوراهـ. وهذا يفيد أن بيت حفصة أدخل فى المسجد سنة تسع وعشرين أو ثلاثين، فواقعة صلاة ابن عمر فى حجرة حفصة التى رواها زيد بن أسلم كانت بعد ذلك حتمًا، لأن زيد بن أسلم مات سنة ست وثلاثين بعد المائة، ولم يدرك عثمان رضى الله عنه، فصح قول الطحاوى: إن حجرة حفصة كانت من المسجد. ثم قال بعض الناس: وشيخ الطحاوى فى السند لم أقف عليه، وهو على بن شيبة اهـ. قلت: وثقه النيموى فى "آثار السنن" فقال: رجاله ثقات (٣٢:٢). وقال الحافظ فى "الفتح": صح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يتنفل فى المسجد بعد الشروع فى الإقامة، وصح عنه أنه قصد المسجد فسمع الإقامة فصلى ركعتى الفجر فى بيت حفصة، ثم دخل المسجد فصلى مع الإمام أهـ (١٢٧:٢). وهذا يشعر بتوثيق على بن شيبة وصحة حديثه فافهم. واحتج الطحاوى بحديثه فى "معانى الآثار" (٣١:١) وفى كثير من المواضع، فهو حجة، وأما ما روى عن ابن عمر أنه كان يحصب إلخ. فهو محمول على أنه كان يحصب من يصليهما فى المسجد متصلا لصفوف القوم. لا من كان يصليهما منفصلا عنها، لما روينا عنه أنه صلاهما فى حجرة حفصة فى المسجد بعد الإقامة فافهم. قوله: "عن أبى الدرداء إلخ". دلالته على معنى الباب ظاهرة، وعلى أن أبا الدرداء كان يحمل حديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)» بعد صحته على النهى عن الصلاة فى المسجد حين إقامة المكتوبة متصلا بصفوف القوم وكان يجيزها فى ناحية ١٠٤ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن ١٨٤٠- عن: حارثة بن مضرب: ((أن ابن مسعود، وأبا موسى خرجا من عند سعيد رضى الله عنه بن العاص، فأقيمت الصلاة، فركع ابن مسعود ركعتين، ثم دخل مع القوم فى الصلاة، وأما أبو موسى فدخل الصف)). رواه أبو بكر بن أبى شيبة فى "مصنفه". وإسناده صحيح "آثار السنن" (٣٢:٢). وفيه أيضًا فى طريق أخرى: ((فجلس ابن مسعود إلى أسطوانة من المسجد، فصلى الركعتين ثم دخل فى الصلاة)). رواه الطحاوى والطبرانى وفى إسناده لين، لأنه من رواية زهير بن معاوية، عن أبى إسحاق، وزهير ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبى إسحاق بآخرة، كذا فى "التعليق الحسن" (٣٣:٢). ١٨٤١- عن: أبى عثمان النهدى، قال: ((كنا نأتى عمر بن الخطاب قبل أن نصلى الركعتين قبل الصبح وهو فى الصلاة، فنصلى فى آخر المسجد، ثم ندخل مع القوم فى صلاتهم)). رواه الطحاوى وإسناده حسن "آثار السنن" (٣٤:٢). المسجد منفصلا عنها كما هو مذهب الحنفية. قوله: "عن حارثة بن مضرب إلخ". قلت: دلالته على ما دل عليه أثر أبى الدرداء قبله ظاهرة، وابن مسعود هو ابن مسعود من أجلة الصحابة وأقربهم سمتا ودلا إلى النبى مظله، وألزمهم به سفرا وحضرا. قوله: "عن أبى عثمان النهدى إلخ". فيه دلالة على موافقة كبار التابعين للحنفية فى المسألة، وأن عمر رضى الله عنه لم یکن یزجرهم عن ذلك بل يسكت عنه، فإن عدم علمه بحال من يصلى ركعتى الفجر فى آخر المسجد خلفه بعيد، وأما ما ذكره شمس الحق العظيم آبادى فى "أعلام أهل العصر" عن البيهقى أنه قال: "روى عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا رأى رجلا يصلى وهو يسمع الإقامة ضربه اهـ" (ص-٣٨). فلا حجة فيه لكونه لم يذكر سنده، وأيضًا فليس فيه أنه كان يضرب من يصلى ركعتى الفجر، فيجوز حمله على بقية السنن سواهما، وإن سلمنا عمومه لركعتى الفجر فليس فيه أنه كان يضرب من يركعهما فى آخر المسجد، فيحتمل أنه كان يضرب من كان يصليهما فى المسجد متصلا بالقوم. ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ١٠٥ ١٨٤٢- عن: الشعبى، قال: ((كان مسروق يجيئ إلى القوم وهم فى الصلاة، ولم یکن ر کع ر کعتی الفجر، فیصلی الركعتين فى المسجد، ثم يدخل مع القوم فى صلاتهم))، رواه الطحاوى وإسناده صحيح، وفى لفظ له: قال: ((فى ناحية المسجد)) "آثار السنن" (٣٤:٢). ١٨٤٣- عن: يزيد بن إبراهيم، عن الحسن (البصرى)، أنه كان يقول: ((إذا دخلت المسجد ولم تصل ركعتى الفجر فصلهما وإن كان الإمام يصلى، ثم ادخل مع الإمام)). رواه الطحاوى. وإسناده صحيح، وفى لفظ له عن يونس، قال: ((كان الحسن يقول: يصليهما فى ناحية المسجد ثم يدخل مع القوم فى صلاتهم))، إسناده صحيح أيضًا كذا فى "آثار السنن" (٣٤:٢). ١٨٤٤- عن: الحارث، عن على رضى الله عنه، قال: ((كان النبى عليه. يصلى الركعتين عند الإقامة)). رواه ابن ماجة (ص-٨١) فى باب ما جاء فى ر کعتين قبل الفجر. وفيه الحارث ضعفه بعضهم ووثقه آخرون، وهو حسن الحديث كما مر غير مرة، وبقية رجاله ثقات. قوله: "عن الشعبى إلخ". فيه دلالة أيضًا على موافقة كبار التابعين للحنفية فى المسألة. قوله: "عن الحارث عن على إلخ". قلت: فيه جواز ركعتى الفجر عند إقامة المكتوبة للإمام، وحديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) يعم الإمام والمأموم جميعًا، وقد خص منه الإمام لحديث على هذا، وهو حديث حسن الإسناد، فلم يبق العام قطعيًا، فيجوز تخصيصه فى حق المأموم بما إذا صلى مخالطا للصفوف بآثار الصحابة وبالقياس أيضًا، لا سيما بقوله عَِّ: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل))، وهو حديث حسن كما مر أول الباب. فاندحض بذلك ما فى "أعلام أهل العصر" ونصه: فإن قلت: قال العينى وجماعة من الفقهاء الحنفية: إن قوله عّ لّه: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) ليس على عمومه، بل خصت منه سنة الفجر بقوله عرّ له: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل)) فيكره أداء السنن عند إقامة الصلاة إلا سنة الصبح فيجوز أدائها، ويجمع بين الفضيلتين فضيلة ١٠٦ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن السنة وفضيلة الجماعة. قلت: لا عجب من الفقهاء فإنهم ليسوا محدثين، وإنما العجب من العلامة بدر الدين العينى فإنه مع كونه محدثًا كثير العلم وسيع النظر كيف يخصص سنة الفجر من عموم قوله معرّه: (إذا أقيمت الصلاة إلخ". بل لا يجوز تخصيصها، لأنه ورد النهى الصريح فى أداء سنة الفجر عند إقامة الصلاة من غير احتمال ولا تأويل، لحديث عبد الله بن مالك، وعبد الله بن سرجس، وحديث ابن عباس، وأنس بن مالك، ونسيد بن ثابت، وأبى موسى الأشعرى، فلم يصح تخصيص ركعتى الفجر من عموم قوله: ((إلا المكتوبة))، ومن يخصصها فهو معاند متعصب اهـ (ص -٣٥). قلت: يا عدو نفسك! كيف تقول: إن من يخصصها فهو معاند متعصب؟ وقد خصصها ابن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس كما سيأتى، وابن عمر كما مر، وسكت عمر على أدائهما فى آخر المسجد والإمام فى المكتوبة، فهل هؤلاء الصحابة كلهم معاندون متعصبون؟ وإلا فکیف یکون من يتبعهم فى ذلك معاندا متعصبًا؟ وهل ليس من يطعنهم به إلا جاهلا بالسنة معاندا للصحابة مستخفا بشأنهم؟ و كيف له ذلك، وقد ثبت عن رسول الله عَّ له: (أنه كان يصلى الركعتين ركعتى الفجر عند الإقامة)). فقد خصهما رسول الله عَّ بفعله عن عموم قوله: ((إلا المكتوبة))، هذا وقد خصصت عمومه أنت بنفسك فى حق من أدى المكتوبة قبل الإقامة، وأجزت له الشروع خلف الإمام فى النافلة، وقلت: وتفريعه أى تفريع الفاضل أبى الحسن السندى بقوله: وكذا الشروع خلف الإمام فى النافلة لمن أدى المكتوبة قبل ذلك، فلا ينافى الحدیث إلخ. فصحیح بل لا بد منه لأن المأمور بهذا الحكم ليس إلا من عليه تلك المكتوبة كما هو ظاهر السياق اهـ (ص-٣٩). فيا للعجب ولضيعة الأدب، هل صاغ لأحمق مثلك تخصيص عموم الحديث بما سبق إلى ذهنك من ظاهر السياق ولا يجوز لمثل أبى حنيفة تخصيصه بآثار الصحابة، وبقوله عَّه: ((لاتدعوهما وإن طردتكم الخيل)). وبحديث على رضى الله عنه: (( كان رسول الله عَّ ◌ُلِّ يصلى ركعتى الفجر عند الإقامة؟)) فيكون هو معاندًا متعصبًا ولا تكون أنت تخصيصك عموم هذا الحديث جاهلا مجازفًا مستخفا بالشريعة وعلمائها محقراً للصحابة وشاتما أعراضهم، كلا! بل أنت أحق بكل شتم وطعن دون من تمسك فى تخصيص ذلك العموم بآثار الصحابة وقول رسول الله ع . وفعله. ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ١٠٧. ١٨٤٥- عن: أنس رضى الله عنه: ((خرج النبى عَّ حين أقيمت الصلاة، فرأى ناسًا يصلون بالعجلة، فقال: أ صلاتان معًا، فنهى أن تصليا فى المسجد إذا أقيمت الصلاة)) أخرجه ابن خزيمة كذا فى "العمدة" للعينى (٧١١:٢). ١٨٤٦- مالك: عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عبد الله بن مسعود قال: ((ما أبالى لو أقيمت صلاة الصبح وأنا أوتر)). أخرجه فى "موطأه" (ص-٤٤) وسنده صحيح. ١٨٤٧- مالك: عن يحيى بن سعيد، أنه قال: ((كان عبادة بن الصامت يؤم قومًا، فخرج يومًا إلى الصبح فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عبادة حتى أوتر ثم صلى بهم الصبح)). أخرجه فى "الموطأ" أيضًا، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، يحيى بن سعيد لم يسمع من صحابى غير أنس، كذا فى "التهذيب" (٤٢٣:١١). ١٨٤٨- مالك: عن عبد الرحمن بن القاسم، أنه قال: سمعت عبد الله بن قوله: "عن أنس إلخ". قلت: فيه دلالة صريحة على تخصيص النهى عن صلاة الر کعتین بکونهما فى المسجد، فلو صلاهما على باب المسجد لم یکن موردا للنهی، ولما كان الغالب فى الأحكام التعليل فنقول: علة النهى كراهة مخالفة الإمام والقوم، وهى منتفيه فيما إذا صلاهما خارج المسجد رأسًا، وفيما إذا صلاهما فى ناحية من المسجد منعزلا عن القوم فى الجماعة، وهذا هو مذهب الحنفية أنه يجوز إتيانهما خارج المسجد بلا كراهة، وداخله فى موضع منعزل عن القوم بكراهة يسيرة، وأشدها كراهة إذا صلاهما مخالطًا للصفوف، فافهم. فإن الحنفية لم يخصصوا الأثر العام فى الباب بالرأى بل بأثر مثله صحیح. قوله: "مالك إلى آخر رواياته الثلاث". قلت: فيها دلالة على جواز الإيتار عند. إقامة الصلاة صلاة الفجر، وأخرج الطحاوى فى "معانى الآثار" له: حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعى، عن يزيد بن أبى مريم، عن أبى عبيد الله، قال: "رأيت أبا الدرداء، وفضالة بن عبيد، ومعاذ بن جبل، يدخلون المسجد والناس فى صلاة الغداة، ١٠٨ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن عامر بن ربيعة يقول: ((إنى لأوتر وأنا أسمع الإقامة أو بعد الفجر، يشك عبد الرحمن أى ذلك قال)) أخرجه فى "الموطأ" أيضًا، وسنده صحيح، وعبد الله بن عامر ولد فى عهد النبى عَّدٍ، ورآه وهو غلام، كما فى "التهذيب" (٢٧١:٥). فيتنحون إلى بعض السوارى، فيوتر كل واحد منهم بركعة، ثم يدخلون مع الناس فى الصلاة"، كذا فى "أعلام أهل العصر" (ص-٦٦) ورجاله ثقات وإسناده حسن. وهذا كله يفيد تخصيص حديث ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) بما سوى الوتر عند هؤلاء الصحابة، أو النهى محمول عندهم على الصلاة فى المسجد متصلا بصفوف القوم، كما يشعر به ما فى أثر الطحاوى من قوله: "فيتنحون إلى بعض السوارى إلخ". والاحتمال الثانی أولی، ولا يخفى أن ر کعتی الفجر عندنا کالوتر فی التأکید، حتى قال أبو حنيفة بوجوبهما فى رواية، واختلف الأئمة فى ذلك بعد اتفاقهم على أن آكد السنن الرواتب مع الفرائض الوتر وركعتا الفجر، وآكدهما عند مالك والشافعى الوتر، وعند أحمد ركعتا الفجر مع اتفاقهم أنهما سنة، وقال أبو حنيفة: الوتر واجب، كذا فى "رحمة الأمة" (ص-٢٣). فجواز الإيتار عند إقامة فرض الفجر يستلزم جواز ركعتى الفجر عندها أيضًا، لكونهما سنة عند الجمهور، وكون ركعتى الفجر آكد عند أحمد من الوتر. والعجب من صاحب "أعلام أهل العصر" أنه أظهر الغضب على من رأى جواز ركعتى الفجر عند إقامة المكتوبة، وسكت عن من يرى جواز الإيتار عندها، بل احتج بهذه الآثار الواردة فى الإيتار على مشروعية قضاء الوتر إذا فات، ولم يدر أنها كما تدل على ذلك تدل على مشروعية الإيتار عند إقامة المكتوبة، وهو يستلزم مشروعية ركعتى الفجر عندها أيضًا، وهل التفرقة بينهما إلا تحكم باطل. وبعد ذلك فلنذكر ما احتج به الخصم فى المنع عن أداء ركعتى الفجر عند إقامة المكتوبة مطلقًا. ثم لنجب عنه، فمنه ما أخرجه البيهقى عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، قيل: يا رسول الله! ولا ركعتى الفجر؟ قال: ولا ركعتى الفجر)) وقال الحافظ فى "الفتح": وزاد مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار فى هذا الحديث: ((قيل: يا رسول الله! ولا ركعتى الفجر؟ قال: ولا ركعتى الفجر)). أخرجه ابن عدى فى ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب وإسناده حسن اهـ (١٢٥:٢). ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ١٠٩ قلت: مسلم بن خالد ويحيى بن نصر فيهما مقال، ويحيى أسوأهما حالا، قال أبو زرعة: ليس بشئ. وقال أحمد: كان جهميا يقول قول جهيم، وقال أبو جعفر العقيلى: منكر الحديث. وقال أبو حاتم الرازى: قلت له: أيش قصتك أرى أصحاب الحديث منقبضين عنك؟ ووقف الدار قطنى رجال إسناد هو فيهم، وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال ابن عدى: يروى له أحاديث حسنة، وأرجو أنه لا بأس به اهـ من "اللسان" (٢٧٨:٦). وذكر ابن عدى هذا الحديث فى مناكير يحيى بن نصر وقال: رواه جماعة عن عمرو (ابن دينار) ولا أعلم أحداً زاد فيه: ((قيل: يا رسول الله (مَ ◌ّ) إلى آخره)) إلا يحيى بن نصر عن مسلم عنه، كما فى "اللسان" أيضًا (ص-مذكور). فإن سلمنا أنه حسن الحديث كما زعمِه الحافظ فلا نسلم سلامة هذه الزيادة التى تفرد بها عن مسلم بن خالد عن الشذوذ. وأيضًا: یعارضه ما رواه البيهقى من طریق حجاج بن نصیر، عن عباد بن کثیر، عن ليث، عن عطاء، عن أبى هريرة، أن رسول الله عَ لّه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتى الصبح)). كذا فى "عون المعبود" (٤٨٩:١). وقال البيهقى(١): هذه الزیادة لا أصل لها، وحجاج بن نصیر وعباد بن کثیر ضعیفان، انتهى. قلت: نعم! ولكن حجاج بن نصير أحسن حالا من يحيى بن نصير بن حاجب، فإن يحيى لم يخرج له أحد من أصحاب الصحاح الست، وأعرضوا عن إخراج حديثه فى ستنهم، وحجاج بن نصير من رجال الترمذى، قال ابن معين: كان شيخًا صدوقًا لكنهم أخذوا علیه أشیاء فى أحاديث شعبة، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: يخطئ ويهم، وأورد له ابن عدى أحاديثه عن شعبة، وهى ثلاثة أحاديث أخذوا عليه أشياء فى أسانيدها دون المتون، قال ابن عدى: ولحجاج أحاديث وروايات عن شيوخه، ولا أعلم له شيئًا منكرًا غير ما ذكرت، وهو فى غير ما ذكرته صالح، كذا فى "التهذيب" ملخصًاً (٩,٢٠٨:٢. (١) وسكوت البيهقى عن الليث يشعر بأنه ليث بن سعد الإمام الفقيه المشهور دون ليث ابن أبى سليم. وإلا لصاح به أيضًا، فإنه ضعيف عند البيهقى كما صرح بذلك فى "سننه" فى مواضع. ١١٠ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن قلت: ولم يذكر ابن عدى حديث: ((إلا ركعتى الصبح)) فى مناكيره، كما ذكر حديث: ((قيل: يا رسول الله! ولا ركعتى الفجر إلخ؟)) فى مناكير يحيى بن نصر، وجزم الذهبى فى "الميزان" بأن حجاج بن نصير لم يأت بمتن منكر اهـ (٢١٦:١). أى وإنما نكرته فى بعض أحاديث شعبة فى الإسناد فقط، وهذا ليس من الجرح فى شئ، فإن شعبة أيضًا قد يغلط فى الأسانيد، ويقلب الأسماء كما هو معروف، وإنما الجرح هو الوهم والغلط فى المتون، وحجاج بن نصير برئ عنه، وأيضًا: وإنما أخذوا عليه أشياء فى حديث شعبة فقط، وهذا حديثه عن غير شعبة، فهو فيه كما قال ابن عدى صالح، وضعفه الآخرون. وأما عباد بن كثير وإن كان مختلفًا فيه فليس دون مسلم بن خالد، فقد وثقه ابن معين وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو بكر بن أبى شيبة، من زياد بن الربيع: ثنا حبان بن كثير الشامى، وكان ثقةً، كذا فى "التهذيب" (١٠٢:٥) وفى "الميزان": قال على ابن المدينى: عباد بن كثير الرملى كان ثقة لا بأس به، وأما عباد بن كثير فآخر بصرى ليس بشئ، وضعفه البخارى والنسائى وأبو زرعة وابن حبان وغيرهم، ووهم شمس الحق العظيم آبادى، فظنه عباد بن كثير الثقفى، فجعل يسرد أقوال الأئمة فى التشنيع عليه والجرح فيه فى "أعلام أهل العصر" (ص-٣٥) وتبعه بعض الناس فى "إحياء السنن"، ولم يدريا أن الثقفى من السابعة مات بعد الأربعين ومائة، كما فى "التقريب" (ص-٩٥) وهو أكبر من الليث بن سعد، وأقدم موتا منه، ویبعد إدراك حجاج بن نصیر إیاه، فإن حجاجاً توفى سنة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة بعد المائتين، كما فى "التقريب" أيضًا (ص-٣٥). فهذا الإسناد أيضًا حسن، بل هو أحسن مما رواه يحيى بن نصر عن مسلم بن خالد لوجهين، الأول لكون حجاج بن نصير من رجال الصحاح دون يحبى، والثانى لتصريح ابن عدى أنه لم يعلم لحجاج شيئًا منكرا سوى ما ذكر من رواياته الثلاث عن شعبة، وهو فى غير ما ذكره صالح، ولجزم الذهبى بأنه لم يأت بمتن منكر، ولم يذكر ابن عدى ولا الذهبى حديث: ((إلا ركعتى الصبح)) فى مناكيره، بخلاف ما رواه يحيى بن نصر عن مسلم، فقد صرح ابن عدى بأنه قد تفرد بالزيادة التى فيه، وعده من مناكيره. من هنا يظهر لك تحامل صاحب "أعلام أهل العصر" ومقلده بعض الناس، حيث ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ١١١ جعلا ما رواه يحيى بن نصر أحسن حالا مما رواه حجاج بن نصير، وهل هذا إلا تعصب وعناد؟ وأعجب منه ما قاله بعض الناس: إن فى رواية حجاج بن نصير شبهة التصحيف فى قوله: ((إلا ركعتى الفجر)) مكان: ((ولا ركعتى الفجر)). قلت: قاتلك الله! ولم لا يجوز مثل هذه الشبهة فى رواية يحيى بن نصر أنه صحف قوله: ((إلا ركعتى الفجر)) بقوله: ((ولا ركعتى الفجر)) وهل التفرقة بينهما بإيراد الاحتمال فى الأول دون الثانى إلا تحكم لا يرتكبه إلا حاسد أو معاند، وإذا تعارضت الروايتان تساقطتا، ويقال: إن زيادة: ((إلا ركعتى الفجر)) وزيادة: ((قيل: يا رسول الله! ولا ركعتى الفجر؟ قال: ولا ركعتى الفجر))، كلاهما زائدتان شاذتان، أو تحملان على اختلاف الحالين(١) والله تعالى أعلم. ومنه ما رواه مسلم بطريق ورقاء وزكريا بن إسحاق، وأيوب كلهم عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبى هريرة، عن النبى معَّ له أنه قال: ((أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (١-٢٤٧). ورواه الترمذى بطريق زكريا بن إسحاق عن عمرو، وقال: حسن، ثم قال: وهكذا روى أيوب، وورقاء بن عمر، وزياد بن سعد، وإسماعيل بن مسلم، ومحمد بن جحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبى هريرة، عن النبى عليه، وروی حماد بن زيد، وسفيان بن عیینة، عن عمرو بن دينار ولم يرفعاه، والحديث المرفوع أصح عندنا اهـ. قلت: رواية أيوب وورقاء فى "صحيح مسلم"، وقد روى حماد بن زيد مرفوعًا، ثم وقفه كما هو عند مسلم أيضًا، وطريق ابن عيينة أخرجها البيهقى فى "المعرفة" كما فى "أعلام أهل العصر" (ص-٢٨): حدثنا أبو عبد الرحمان السلمى، قال: أنا أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكارزى، قال: ثنا محمد بن على بن يزيد الصائغ، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، فذكره موقوفًا إلا أنه قال فى آخره: قلت لسفيان: مرفوع؟ قال: نعم اهـا. قلت: أبو عبد الرحمان هو محمد بن الحسين ضعيف، (١) أى على تعدد الواقعة، فلعله مرّ له رأى رجلا يصلى ركعتى الفجر متصلا بصفوف القوم بعد إقامة المكتوبة، فقال: ولا ركعتى الفجر، أى لا تصليان هكذا، ورأى مرة آخر يصلى الركعتين خارج المسجد أو فى آخره، فقال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتى الفجر أی هكذا. ١١٢ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن اتهمه على ابن يوسف القطان بوضع الأحاديث للصوفية، كما فى "تذكرة الحفاظ " (٢٣٤:٣). وشيخه أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكارزى المكاتب كان صحيح السماع مقبول الرواية، ذكره السمعانى فى "الأنساب" فى حرف الكاف والميم كليهما، ومحمد بن على بن يزيد الصائغ لم أجد ترجمته، فلا حجة فى هذا الإسناد. وقال الطحاوى فى "معانى الآثار" له (٢١٨:١): إن ذلك الحديث الذى احتجوا به أصله عن أبى هريرة رضى الله عنه، لا عن النبى معَّه، هكذا رواه الحفاظ عن عمرو بن دينار، حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبى هريرة رضى الله عنه بذلك ولم يرفعه، فصار أصل الحديث عن أبى هريرة لا عن النبى معَّه، وقد خالف أبا هريرة فى ذلك جماعة من أصحاب رسول الله عَّ كما سنذكر اهـ. وتعقبه بعض الناس بأن الرفع عن حماد بن زيد قد تقدم (أی عند مسلم كما ذكرناه). وقد جاء فى "سنن أبى داود" (٤٨٩:١) من طريق حماد بن سلمة أيضًا . مرفوعًا، فالحديث مرفوع، فإن حمادين الذين جرح بهما الطحاوى الرفع قد ثبت عنهما الرفع أيضًا، وإن لم يطلع عليه الحافظ الطحاوى لقصور نظره اهـ. وقال صاحب "أعلام أهل العصر": هذا من غاية تعصبه وحمية مذهبه، فجعل المرفوع موقوفًا. والحديث المذكور رواه جمع من الحفاظ، مثل ورقاء بن عمر، وزكريا بن إسحاق، وأيوب، وزياد بن سعد، وإسماعيل بن مسلم، ومحمد بن جحادة، وإسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، كلهم عن عمرو بن دينار مرفوعًا إلى النبى معَّهِ، ورواه بعض الحفاظ كحماد بن زيد، وسفين بن عيينة، عن عمرو بن دينار موقوفًا على أبى هريرة، لكن قال البيهقى فى "المعرفة" (فذكر ما ذكرناه عنه آنفًا، وفيه أبو عبد الرحمان السلمى ضعيف متهم بالوضع، أ فلا يستحيى صاحب "أعلام أهل العصر" فى احتجاجه بمثل هذا الإسناد) ورواه بعض الحفاظ كحماد بن سلمة، عن عمرو مرفوعًا وموقوفًا، فالمرفوع كما سلف من رواية أبى داود والدارمى، والموقوف كما مر من رواية الطحاوى، فظهر أن أكثر الرواية رفعوه، والرفع يكون مقدمًا على الوقف وإن كان عدد الرافع أقل، فكيف إذا كان أكثر؟ فالحديث أصله عن النبى معَّ ◌ُلّه لا عن أبى هريرة إلخ (ص-٢٨,٢٧). 8 ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ١١٣ والجواب عن قول بعض الناس، ودعواه أن الرفع عن حماد بن زيد قد تقدم، فأقول: لم يتقدم أصلا، وأما رواية مسلم عنه عن أيوب عن عمرو بن دينار مرفوعًا فقد أفسد رفعه قول حماد: "ثم لقيت عمروًا فحدثنى به ولم يرفعه"، كما ذكره مسلم (٢٤٧:١) وأما قوله: وقد جاء عن حماد بن سلمة أيضًا مرفوعًا وإن لم يطلع عليه الطحاوى لقصور نظره إلخ. فالجواب عنه أن الطحاوى أوسع نظرا من مائة ألف مثلك، ومثل شيخك مؤلف "أعلام أهل العصر"، ومن ألوف أمثال من أنت تعتقده من المحدثين. وأما حكمه على هذا الحديث بأن أصله من أبى هريرة لا من النبى عّ لّ فمبناه أن بعض الثقات الضابطين إذا روى الحديث مرسلا وبعضهم متصلا، أو بعضهم موقوفًا وبعضهم مرفوعًا، أو وصله هو، أو رفعه فى وقت وأرسله، ووقفه فى وقت آخر اختلف فيه، فالصحيح عند أهل الحديث والفقه والأصول أن الحكم لمن وصله أو رفعه، لأن ذلك زيادة ثقة وهى مقبولة. ومن ثم حكم البخارى لمن وصله فى حديث: ((لا نكاح إلا بولى)) وقال: الزيادة من الثقة مقبولة. وقيل: لم يحكم البخارى بذلك لمجرد الزيادة بل لأن لحذاق المحدثين نظرا آخر، وهو بالرجوع فى ذلك إلى القرائن دون الحكم بحكم مطرد، ومنهم من قال: الحكم لمن أرسله أو وقفه، قال الخطيب: وهو قول أكثر المحدثين، وعن بعضهم الحكم للأحفظ، وعن بعضهم الحكم للأكثر. كذا فى "تدريب الراوى" (ص-٧٦ و ٧٧) بمعناه. ولعل الطحاوى جنح إلى قول أكثر المحدثين من أن الحكم لمن أرسله أو وقفه، أو إلى ما قيل: إن الحاذق ينظر فيه ويرجع إلى القرائن دون الحكم بحكم مطرد، أو إلى أن الحكم للأحفظ فحكم بوقف الحديث نظرًا إلى جلالة سفيان بن عيينة وحفظه وإتقانًا، وأنه أحفظ أصحاب عمرو بن دينار وأثبتهم وأتقنهم، قال عثمان الدارمى: سألت ابن معين: ابن عيينة أحب إليك فى عمرو بن دينار أو الثورى؟ قال: ابن عيينة أعلم به. قلت: فحماد بن زيد؟ قال: ابن عيينة أعلم به، قلت: فشعبة؟ قال: وأيش روى عنه. وقال أبو مسلم المستملى: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت من عمرو بن دينار: ما لبث نوح فى قومه اهـ من "التهذيب" (١٢:٤). ولما دخل ابن عيينة الكوفة قال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ ١١٤ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن علم عمرو بن دينار، قال ابن عيينة: فجاء الناس(١) يسألونى عن عمرو بن دينار، فأول من صيرنى محدثا أبو حنيفة اهــ من "الجواهر المضيئة" (٢٥٠:١). وفى ذلك كله دليل على كون ابن عيينة أحفظ أصحاب عمرو وأعلمهم به، وألزمهم بصحبته وأتقنهم، فلما لم يكن الحديث عن عمرو بن دينار عنده مرفوعًا بل موقوفًا كما جزم به الترغذى وجزمه بشئ(٢) من علل الحديث حجة كان ذلك علة فى الحديث تورث شكا فى رفعه البتة وإلى ذلك أشار الطحاوى بقوله: هكذا رواه الحفاظ عن عمرو بن دينار. وأيضًا: فقد خالف أبا هريرة فى المسألة جماعة من أصحاب رسول الله عّ لآل كابن مسعود، وأبى الدرداء، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم كما مر، فيبعد أن يكون أصل الحديث عن رسول الله عَّةٍ ويخفى على مثل هؤلاء، فهذه قرينة أخرى تقدح فی رفع الحديث، وتؤيد كون أصله عن أبى هريرة، كما رواه ابن عيينة وحماد بن زيد موقوفا عليه، وإلى ذلك أشار الطحاوى بقوله: وقد خالف أبا هريرة فى ذلك جماعة من أصحاب رسول الله ێ إلخ. .... وقال الحافظ فى "الفتح" فى باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة: هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، من رواية عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبى هريرة، واختلف على عمرو بن دينار فى رفعه ووقفه، وقيل إن ذلك هو السبب فى كون البخارى لم يخرجه اهـ (١٢٤:٢). فهل يقول بعض الناس: إن البخارى أيضًا لم يطلع على رفعه لقصور نظره؟ هذا هو كلامنا فى دفع ٤٠٠ الإيراد عن الطحاوى. وأما بعد تسليم رفع الحديث على مذهب المتأخرين من المحدثين والفقهاء (١) فيه دلالة على جلالة أبى حنيفة وعظمة تعديله وتأثير قوله ووقعته فى قلوب المحدثين، فكانوا يميلون إلى من أثنى عليه أشدِ الميل، وفيه أيضًا دلالة على تواضع أبى حنيفة لأصاغره، فإن ابن عيينة أصغر منه بكثير، ومع ذلك عظمه وبجله. (٢) فاندحض بذلك قول بعض الناس: إن طريق ابن عيينة التى علقها الترمذى لم أجدها بإسناد ثابت اهـ. والجواب أنه " لا حاجة إلى وجدانك بعد ما جزم الترمذى بأنه رواه موقوفًا. " ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ١١٥ والأصوليين، فالجواب: أن حديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) يعارض حدیث: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل)) فى حق ركعتى الفجر، رواه أبو داود، وسنده حسن صالح للاحتجاج كما تقدم، فالنهى عن الترك فى مثل هذه الحالة الشديدة التى يباح لأجلها كثير من الواجبات يقتضى النهى تركهما لأجل إقامة المكتوبة بالأولى، فإن إدراك الجماعة سنة عند الجمهور، ويسقط تأكده عند عذر أقل من ذلك، كالمطر، وظلمة الليل بالاتفاق، فلأن يسقط عند طراد الخيل أولى، وقد ورد النهى عن ترك ركعتى الفجر فى مثل هذه الحالة الشديدة أيضًا. فكيف لا ينهى عن تركهما لإدراك الجماعة التى تسقط بدونها من الأعذار؟. لا يقال: إن حديث: ((إذا أقيمت الصلاة إلخ)) أقوى سندا من حديث: ((لا تدعوهما إلخ)). لأنا نقول: إن الأول وإن كان أقوى سندًا ولكنه مختلف فى رفعه ووقفه دون الثانی فاستويا وإذا تعارضت الروايتان لزم الجمع بينهما ما أمكن، فقلنا بكراهة سائر السنن عند إقامة المكتوبة إذا خاف فوت ركعة منها دون ركعتى الفجر، فيجوز الاشتغال بهما ما رجا إدراك ركعة من المكتوبة جمعًا بين حديثين وإدراكاً للفضيلتين، وأيضًا: إذا تعارض الحديثان فالمصير إلى أقوال الصحابة وأفعالهم، وقد رأينا جماعة من الصحابة كانوا يصلونهما بعد إقامة الصلاة فى آخر المسجد ثم يدخلون مع القوم، وفى صنيع هؤلاء إعمال الحديثين من دون إهمال واحد منهما، فكان الأخذ به أولى. وأيضًا: فإن حديث: ((إذا أقيمت الصلاة إلخ)) ليس على عمومه، لما فى حديث الحارث عن على: ((أنه معَّ كان يصلى الركعتين عند الإقامة)، وإذا خص منه الإمام بطل عمومه، فيجوز لنا تخصيص المأموم أيضًا فى حق ركعتى الفجر بحديث: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل))، وبما ذكرنا من آثار الصحابة فى ذلك، وقد تقدم الكلام فى هذا المعنى مستوفى. وأيضًا فإن الأصل فى الأحكام التعليل، وعلة النهى فى قوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) عندنا خشية التباس صلاة الفرض بالنفل، وكراهة الاختلاف مع الإمام والقوم. ١١٦ ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة يؤيده ما رواه البخارى عن عبد الله بن مالك بن بحينة: ((أن رسول الله صَ لّه رأى رجلا وقد أقيمت الصلاة يصلى ركعتين، فلما انصرف رسول الله مَ ◌ّ لاث(١) به الناس، فقال له رسول الله مرّ: ألصبح أربعًا ألصبح أربعًا اهـ؟ وساق له البخارى سنداً آخر ولم يسق لفظه، فقال الحافظ فى "الفتح": قد ساق مسلم رواية إبراهيم بن سعد، ولفظه: ((مر برجل يصلى وقد أقيمت صلاة الصبح، فكلمه بشئ لا ندرى ما هو؟ فلما انصرفنا أحطنا به نقول: ماذا قال لك رسول الله عَ ليه؟ قال: قال لى: يوشك أحدكم أن يصلى الصبح أربعًا اهـ؟)) (١٢٥:٢ وما رواه ابن خزيمة عن أنس، وقد مر فى المتن، وفيه: ((فنهى أن تصليا فى المسجد إذا أقيمت الصلاة اهـ)). فتقييد النهى بأن تصليا فى المسجد يشعر بجواز صلاتهما خارج المسجد إذا أقيمت الصلاة صراحةً، وبجواز إتيانهما داخل المسجد منعزلا عن القوم دلالةً، لانتفاء علة الالتباس والاختلاف حينئذ. وأما ما رواه الطبرانى فى "الكبير" عن أبى موسى: ((أن رسول الله عَّ له رأى رجلا يصلى ركعتى الغداة حين أخذ المؤذن يقيم، فغمز النبى معَّه منكبه وقال: ألا كان هذا قبل هذا). قال العراقى: وإسناده جيد، كذا فى "النيل" (٣٣٣:٢). وما رواه مسلم عن عبد الله رضى الله عنه بن سرجس، قال: ((دخل رجل المسجد ورسول الله عَّ فى صلاة الغداة، فصلى ركعتين فى جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله عَّ له، فلما سلم رسول الله عَّه قال: يا فلان! بأى الصلاتين اعتدت؟ أ بصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا اهـ؟)) (٢٤٧:١). وما رواه أحمد عن ابن عباس، بلفظ: ((إذا أقيمت صلاة الصبح فقام رجل يصلى الركعتين، فجذب رسول الله عَّه بثوبه وقال: أتصلى الصبح أربعًا؟)) ورجاله رجال الصحيح، كما فى "مجمع الزوائد" (١٤٤:١) وعزاه الحافظ فى "الفتح" إلى ابن خزيمة، وابن حبان، والبزار، والحاكم، بلفظ: ((كنت أصلى وأخذ المؤذن فى الإقامة، فجذبنی النبى نَظِلّه وقال: أتصلى الصبح أربعًاً اهـ) (١٢٦:٢). (١) أى دار وأحاط (الفتح). ١١٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن ففى قوله عَّه: ((الصبح أربعًا؟ و((أ تصلى الصبح أربعًا؟)) و((يوشك أن يصلى أحدكم الصبح أربعًا))، و((ألا كان هذا قبل هذا))، دلالة على ما قلنا من أن علة النهى خشية الالتباس بين الفريضة والنفل، وكراهة الاختلاف مع الإمام والقوم، فلو حصل الأمن من ذلك بأن صلاهما خارج المسجد، أو داخله بعيدًا عن الجماعة لانتفت الكراهة لانتفاء العلة، وهذا هو الذى فهمه ابن عباس مع كونه يروى قوله مرّ ◌ُلّه: ((أتصلى الصبح أربعًا؟)) فقد ثبت عنه أنه جاء المسجد والإمام فى صلاة الغداة، فصلى الركعتين خلف الإمام ثم دخل معه کما مر. فإن قيل: إذا كانت العلة خشية الالتباس بين الفريضة والنافلة، وكراهة الاختلاف مع القوم، فينبغى أن يجوز أداء سنة الظهر أيضًا خارج المسجد أو داخله بعيدًا عن الجماعة بعد إقامة الصلاة، ولا قائل بذلك. قلنا: يجوز ذلك عندنا ما لم يخف فوت ركعة كما سيأتى، أو نقول: إن مقتضى التعليل هو هذا، ولكنا أخذنا بظاهر لفظ الحديث فى سائر السنن وبعلته ومعناه دون ظاهره فى سنة الفجر، ووجه الفرق أن سنة الفجر لفظ الحديث فى سائر السنن وبعلته ومعناه دون ظاهره فى سنة الفجر، ووجه الفرق أن سنة الفجر آكد من غيرها من السنن كما عرف أنها قريبة من الوجوب كالجماعة. ومن ابتلى ببليتين فليختر أهونهما، فرأينا أدائها مع رعاية معنى حديث: ((إذا أقيمت الصلاة إلخ)) وترك ظاهره أهون من تركها بالكلية، ورعاية ظاهر هذا الحديث ومعناه جميعًا، لما فيه من ترك ما ورد فى تأكيد ركعتى الفجر من الأحاديث رأسًا، ولا كذلك سائر السنن، فإنها ليست مؤكدة كالجماعة، فلم يكن أدائها بترك ظاهر هذا الحديث أهون بل تركه لأجلها أشد، فراعينا فيها معنى الحديث ولفظه كليهما فافهم. فإنك تجد مذهب أبى حنيفة على المقياس الصحيح فى العمل بالحديث إن شاء الله تعالى. وأجاب عنه الشيخ بأن سنة الفجر لا يمكن أداؤها فى الوقت بعد الفرض عندنا، بخلاف قبلية الظهر فإنها تقع أداء بعد الفرض لا قضاء، لكونها مؤداة فى الوقت وإن فاتت عن موضعها المسنون، فيكون التعليل مقصوراً على سنة الفجر دون غيرها اهـ. وتعقبه بعض الناس بأن قبلية الظهر إذا صليت بعد الفرض تقع قضاءً اهـ. ١١٨ ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة قلت: هذا باطل، فإن الفرق بين المؤداة بعد الفرض فى الوقت وبين المؤادة بعد خروج الوقت ظاهر، وإنكاره مكابرة، وليس إلا لكون الأول أداء والثانى قضاءً، وإلى كونه أداءً ذهب معلمه مؤلف "الأعلام" أيضًا، (ص-٦٤) وأجمع عليه أئمتنا قاطبة، قال الشامى تحت قول "الدر": بخلاف سنة الظهر والجمعة فإنه إن خاف فوت ركعة يتركها ويقتدى ثم يأتى بها أنها سنة اهـ ما نصه: على أنها سنة أى اتفاقًا. وما فى "الخانية". وغيرها من أنها نفل عنده سنة عندهما فهو من تصرف المصنفين، لأن المذكور فى المسألة الاختلاف فى تقديمها وتأخيرها والاتفاق على قضائها، وهو اتفاق على وقوعها سنة، كما حققه فى "الفتح" و "البحر" و"النهر" اهـ (٧٥١:٢). وجنح الإمام الطحاوى إلى أن علة النهى فى حديث: ((إذا أقيمت الصلاة)) هى الوصل بين الفريضة والنفل، واستدل له بما حدثه إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا على بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمان: ((أن رسول الله عَّ ◌ُله مر بعبد الله(١) بن مالك ابن بحينة وهو منتصب يصلى ثمه بين يدى نداء الصبح، فقال: لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها، واجعلوا بينهما فصلا)). رجاله كلهم ثقات إلا أنه مرسل ظاهرًا، فإن محمد بن عبد الرحمان وهو ابن ثوبان تابعى ثقة من الثالثة(٢)، لم يدرك النبى معَّ لّه ولم يصرح بسماعه عن عبد الله بن مالك، فيحتمل أن يكون سمع منه أو من غيره، ولكن رواه أحمد فى "مسنده" عن عبد الرزاق، عن معمر، عن یحیی بن أبی کثیر، عن محمد بن عبد الرحمان بن ثوبان، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة نحوه سواءً (٣٤٥:٥) فصار متصلا، وزالت شبهة الإرسال، وبرواية أحمد هذه اندحض ما قاله مؤلف "أعلام أهل العصر": إن محمد بن عبد الرحمان هو ابن عبد الله، وقيل: هو ابن ثوبان مولى بنى زهرة فيه جهالة، تفرد عنه یحیی بن أبى كثير، (١) عبد الله هذا صحابى، ومالك أبوه، ذكره بعضهم فى الصحابة وهمّا، منشأه ما ورد فى بعض الطرق عن مالك بن بحينة بدل عبد الله بن مالك ابن بحينة، وهذا خطأ من بعض الرواة، والحديث إنما هو لعبد الله بن مالك دون مالك، وبحينة هى أم عبد الله زوجة مالك. فيجب إثبات الألف فى ابن بحينة كما يجب فى عبد الله بن أبى ابن سلول، وفى محمد بن على الحنفية، ذكره الحافظ فى "الفتح". (٢) كما فى التقريب (ص-١٨٩). ١١٩ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن وأخرج له مسلم عن أبى سلمة اهـ (ص-٣٠). فإن الرجل جده ثوبان دون عبد الله كما زعم، قد ورد التصریح بذلك فی سند المسند، ومحمد بن عبد الرحمان بن ثوبان لم يجهله أحد، ولم يقع التردد فى اسم جده من أحد سوى مؤلف "الأعلام". وكذا محمد ابن عبد الرحمان الذى اسم جده عبد الله، فلم يقل أحد بالتردد فى اسم جده أيضًا، كما زعمه مؤلف "الأعلام"، بل جزم الذهبى فى "الميزان" بأنه محمد بن عبد الرحمان بن عبد الله، ولا أدرى من أين قال مؤلف "الأعلام": إنه قيل فيه: هو ابن ثوبان وهل هذا إلا خبط عمياء. فالصواب أن راوى هذا الحديث هو محمد بن عبد الرحمان بن ثوبان الذى هو من ثقات التابعين المشهورين، ليس فيه جهالة أصلا، بل هو القرشى العامرى، مولاهم أبو عبد الله المدنی، روی عن کثیر من الصحابة، وروى عنه أخوه سلیمان، ویحیی بن أُبی کثیر، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويزيد بن عبد الله بن حضيفة، والزهرى، وعيلان بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصارى وغيرهم، كما فى "التهذيب" (٢٩٤:٩). ومحمد بن عبد الرحمان بن عبد الله الذى فيه جهالة هو مولى الزهريين دون العامريين، كما فى "الميزان" (٩١:٣) واغتر صاحب "الأعلام" بقول الذهبى فيه: تفرد عنه يحيى بن أبى کثیر، أنه هو محمد بن عبد الرحمان بن ثوبان، لکون یحیی بن أبی کثیر یروی عن ابن ثوبان أيضًا، وهذا وهم منه، بل هما اثنان، أحدهما ابن عبد الله مولى الزهريين، والثانى ابن ثوبان مولی بنی عامر، ويحيى بن أبی کثیر یروی عنهما جميعاً، وابن ثوبان أخرج له الجماعة كلهم كما فى "التقريب" و"التهذيب". قال الطحاوى: فبين هذا الحديث أن الذى كرهه رسول الله عَ لّه لابن بحينة هو وصله إياها بالفريضة فى مكان واحد ولم يفصل بينهما بشئ، وليس لأنه كره له أن يصليبها فى المسجد، إذا كان فرغ منها تقدم إلى الصفوف فصلى الفريضة مع الناس (٢١٨:١). وتعقبه مؤلف "الأعلام" ومقلده بعض الناس منا، بأن الفصل قد يكون بالزمان، وقد يكون بالتقدم من مكان إلى مكان، فلم أخذتم معنى التقدم وأعرضتم عن معنى آخر؟ وأى وجه للترجيح له على ذلك المعنى؟ بل يمكن أن يقال: إن المراد هو الفصل بالزمان ١٢٠ ج - ٧ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة فقط، لأنه جاءت علة النهى فى روايات أخر أنه عّ لِّ نهى عن أدائهما عند إقامة الصلاة، وإن سلمنا أن المراد بالفصل هو الفصل بالمكان، فهو يتأتى بالتقدم بخطوة أو خطوتين، فمن أين قدره الطحاوى بأن يكون المصلى يركع ركعتى الفجر فى مؤخر المسجد، ثم يمشى من ذلك المكان إلى أول المسجد، فيدخل فى الفريضة؟ حيث قال: وإنما يجب أن يصليهما فى مؤخر المسجد، ثم يمشى من ذلك المكان إلى أول المسجد، فأما أن يصليهما مخالطًا لمن يصلى الفريضة فلا. وأيضًا فعلة كراهة الوصل بني بين الفريضة والنافلة ليست مختصة بركعتى الفجر وفرضها، بل الفصل مطلوب فى سائر النوافل والفرائض عامة، كما روى أحمد وأبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح، عن عبد الله بن رباح، عن رجال من أصحاب النبي صَ لّه: ((أن رسول الله عَّ ◌ُلّه صلى العصر، فقام رجل يصلى، فرآه عمر فقال له: اجلس! فإنما هلك أهل الكتاب إنه لم يكن لصلاتهم فصل)). كذا فى "مجمع الزوائد"، وكما روى مسلم عن معاوية رضى الله عنه، قال: ((إن رسول الله ◌َّه أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج)). الحديث، وأنتم تخصون ركعتى الفجر بالفصل بالمكان . الحد الذى ذكرتموه، ولا تقولون به فى سائر النوافل، بل يكفى عندكم فيها الفصل بالكلام فقط بدون التقدم من مؤخر المسجد إلى أوله، ويجوز المشى خطوةً أو خطوتين، وأيضًا: إذا كانت علة الكراهة تلك وجاز بالنظر إليها أداء سنة الفجر حين إقامة المكتوبة فى مؤخر المسجد، فينبغى جواز أداء سائر السنن كذلك بعد الإقامة، فمن أين خصصتم جوازه بعد الإقامة بسنة الفجر دون غيرها؟ هذا ملخص ما فى "الأعلام" (ص-٣٠-٣١-٣٢). والجواب عنه أن الإيراد الأخير مشترك الورود، فإن حديث محمد بن عبد الرحمان بن ثوبان، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة يدل على أن طلب الفصل بين سنة الفجر وفرضها أزيد منه بين غيرهما من الفرائض والسنن، فإن قلتم: إن المراد بالفصل بين سنة الفجر وفرضها الفصل بينهما بالزمان، وأن تؤدى الركعتان قبل الإقامة للمكتوبة، لزم أن يجوز أداء سنة الظهر بعد الإقامة لفرضها، ليظهر الفرق بينها وبين سنة الفجر فى الفصل، وإن منعتم أداء سائر السنن بعد الإقامة كان كلها سواء فى الفصل وهو خلاف الحديث، فما هو جوابكم فهو جوابنا. وانظر ما ذكرنا سابقًا فى الجواب عن مثل هذا