النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١٠ باب التراويح ج - ٧ فأوحى إلى: يا محمد! إن أصحابك عندى بمنزلة النجوم فى السماء بعضها أقوى من بعض، ولکل نور، فمن أخذ بشئ مما هم عليه من اختلافهم فهو عندی علي هدی)). رواه رزين، كذا فى "المشكاة" (ص-٤٧٣). ولا يخفى أن النبى عّ لّ حثنا على الأخذ بسنة الخلفاء، لا سيما الشیخین منهم بما لم يحث بمثله بسنن سائر الصحابة، فلو قال ابن الهمام: إن السنة المؤكدة فى قيام رمضان ثلاثة وعشرون ر کعةً، وإحدى عشرة منها أو کد وأزيد تأکیدًا لوجه الذی ذ کرناه لكان أولی وألیق، فإن السنن المؤ كدة بعضها أقوى من بعض کما لا يخفى، وروی أسد بن عمرو، عن أبى يوسف، قال: سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمرٍ رضى الله عنه؟ فقال: التراويح سنة مؤكدة، ولم يتخرصه عمر من تلقاء نفسه، ولم یکن فيه مبتدعا، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه، وعهد من رسول الله مرّ له كذا فى "مراقى الفلاح" نقلا عن "الاختيار" (ص-٢٣٩). وفيه إشعار بكون التراويح سنة مؤكدة على الحال التى أمر بها عمر وهى عشرون ركعة. وأما روايةً فمبنى كلام ابن الهمام إنما هو ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمان: ((سألت عائشة رضى الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله عّ لٍّ فى رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد فى رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً)) الحديث، وحمله المحقق على أن إحدى عشرة ركعة هى مجموعة صلاته عّ لّ بالليل فى رمضان وغيره، والحق أنها مجموعة صلاة التهجد لا مجموعة صلاة الليل كلها، لأن الأحاديث الصحيحة تفيد زيادة صلاته عدّة فى رمضان على القدر الذى كان يصلى فى غيره. قالت عائشة رضى الله عنها: ((كان رسول الله عَ ليه يجتهد فى رمضان ما لا يجتهد فى غيره ))، رواه مسلم كذا فى فتاوى العلامة عبد الحى (١٢٢:١). وعنها قالت: ((كان النبى عَّ إذا دخل العشر (الأخير، فتح) شد مئزره، وأحبى ليلته، وأيقظ أهله)). أخرجه البخارى كما فى "الفتح" (٤: ٢٣٤) وإحياء الليل بالتطويل فى إحدى عشرة ركعة بعيد جدا، لما فيه من الشدة وطول القيام بالغاية، بل الظاهر أنه عرّ له كان يجيبها بكثرة الصلاة، يؤيده ما رواه البیہقی فی "الشعب" عن عائشة مرفوعًا: « کان إذا دخل شهر رمضان شد مئزره ثم لم يأت فراشه حتى ينسلخ)) وإسناده حسن، وعنها أيضًا: قالت: ((كأن إذا دخل رمضان تغير ٨٢ باب التراويح إعلاء السنن لونه، وكثرت صلاته، وابتهل فى الدعاء، وأشفق لونه)). كذا فى "العزيزى" (١٢٧:٣). وهذه الأحاديث وإِن لم تبین لنا صراحة أنه کم کان قدر صلاته فى رمضان سوي التهجد؟ ولكنها تفید أن صلاته فی لیالی رمضان کانت أزيد من صلاته فى غيرها، ثم وجدنا أبا بكر بن أبى شيبة قد أخرج فى "مصنفه": حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا إبراهيم بن عثمان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: ((أن رسول الله مُ ◌ّه كان يصلى فى رمضان عشرين ركعةً والوتر)). وأخرجه الكشى فى "مسنده" والبغوى فى "معجمه" والطبرانى فى "الكبير" له والبيهقى فى "سننه" كذا فى "التعليق الحسن". (٥٦:٢). ورجاله كلهم ثقات إلا إبراهيم بن عثمان جد أبى بكر بن أبى شيبة، فضعفه الجمهور، وقال ابن عدى: له أحاديث صالحة، وهو خير من إبراهيم بن أبى حية، وقال يزيد بن هارون، وكان على كتابته أيام كان قاضيًا، ما قضى على الناس رجل يعنى فى زمانه أعدل فى قضاء منه. كذا فى "التهذيب" (١٤٥:١) قلت: وإبراهيم بن أبى حية مختلف فيه، وهو حسن الحديث، نقل عثمان الدارمى عن يحيى بن معين أنه قال: شيخ ثقة كبير، كذا فى "اللسان" (٥٣:١) فمن كان خيرا منه لا أقل أن يكون مختلفًا فيه وحسن الحديث مثله، وفيه تصريح بما أفادته الأحاديث الصحاح إجمالا أنه سَّهِ كان يصلى فى رمضان أكثر مما كان يصلى فى غيره. وأما قول ابن الهمام: إن هذا الأثر ضعيف بأبى شيبة إبراهيم بن عثمان متفق على ضعفه مع مخالفته للصحيح اهـ. فهو ساقط لما قلنا: إن ابن عدى أشار إلى توثيقه، ورجحه على من هو حسن الحديث على قاعدتهم، وإن سلمنا ضعفه فقد صرح المحقق نفسه فى "فتح القدير" بأنه إذا تأيد الضعيف بما يدل على صحته من القرائن كان صحيحًا، ثم مثل لذلك بأن ثبوت كون مذهب أبى هريرة بكفاية الغسل ثلاثًا من ولوغ الكلب فى الإناء أنه قرينة تفيد صحة ما روى عنه فى هذا الباب مرفوعًا، وأن هذا مما أجاده الراوى المضعف اهـ (٤٤:١). وفيه أيضًا: والحاصل أن غير المرفوع، أو المرفوع المرجوح فى الثبوت عن مرفوع آخر، قد يقدم على عديله إذا اقترن بقرائن تفيد أنه صحيح عنه عليه الصلاة والسلام مستمر عليه أهـ (١١٥:١). ج - ٧ باب التراويح ٨٣ وهذا الأثر قد تأيد بمواظبة الخلفاء والصحابة فى ليالى رمضان على القدر الذى ذكر فيه، وقد قدمنا فى المقدمة أن المرسل ضعيف عند الشافعى ومن تابعه، ولكن إذا وافقه قول صحابى صار حجة عند الكل، وصرح بذلك ابن الهمام نفسه فى "الفتح" فقال: وقول الترمذى "العمل عليه عند أهل العلم يقتضى قوة أصله وإن ضعف خصوص هذا الطريق اهـ (١٨٨:١). وأى أهل العلم أفضل من الخلفاء والصحابة؟ فكيف لا يكون عملهم دليلا على قوة أصله؟ فالحق أن الأثر إن لم يكن صحيحًا فلا أقل من أن یکون حسنا. وأما قوله: مع مخالفته للصحيح اهـ. فقد أجبنا عنه آنفًا، وأثبتنا أن الأثر ليس بمخالف للصحيح إلا على زعم ابن الهمام، وحمله قول عائشة: ((ما كان يزيد فى رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً» على مجموع صلاته بالليل، وليس كذلك، بل المراد منه مجموع صلاته بالتهجد التى كان يصليها بعد رقدة، وبينا أن المعنى الذى حمل عليه ابن الهمام قول عائشة هذا يخالف الأحاديث الواردة فى اجتهاده مّ آ فى رمضان بأزيد من غيره، فلا بد من حمله على ما قلنا: وبعد ذلك فليس فى أثر أبى شيبة مخالفة ما لحديث عائشة هذا، بل هو موافق لأحاديثها الأخر التى روتها فى اجتهاده معدّ له وكثرة صلاته فى رمضان بأزيد من غيره، ومؤيد بمواظبة الخلفاء والصحابة وإجماعهم على عشرين ركعةً سوى الوتر فى ليالى رمضان، وأى قرينة أقوى من ذلك للصحة؟. على أن أحاديث عائشة فى صلاته معَّ لّه بالليل أشكلت على كثير من أهل العلم، حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، قاله الحافظ فى "الفتح" (١٧:٣) وقد أشرنا إلى ذلك سابقًا فى أبواب الوتر، فهذا أبو سلمة روى عنها أنه ما كان يزيد فى رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً. وروى هشام بن عروة عن أبيه عنها ((أنه مَّ كان يصلى بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلى إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين)). أخرجه البخارى (٣٧:٣ مع "الفتح"). فالعجب من ابن الهمام کیف یجعل حديثها حجة مع مخالفته لحديثها الآخر؟ ولا يجعل أثر أبى شيبة حجةً مع موافقته لعمل الخلفاء والصحابة وسائر الأئمة وكافة الأمة ٦ ٨٤ باب التراويح إعلاء السنن المسلمة. فسقط قوله: ((وبتقدير عدم ذلك العذر إنما استفدنا أنه كان يواظب على ما وقع منه، وهو ما ذكرنا. فتكون العشرون مستحبًا وذلك القدر منها هو السنة اهـ)). بل الظاهر أنه لولا العذر لواظب على ما واظب عليه الخلفاء بعده والصحابة، لا سيما وقد ثبتت مواظبته عٍَّ على العشرين فى أثر ابن عباس الذى هو حسن الإسناد كما حققنا، وإن سلمنا ضعفه فقد انجبر بعمل أهل العلم من الصحابة والخلفاء به. فقيام رمضان بعشرين ركعةُ والوتر هو السنة المؤكدة يضلل تاركها ويلام من نقص عنها. لا يقال: إن عمر رضى الله عنه لم يجمع الناس على عشرين ركعةً حتمًا، بل جمعهم على قيام رمضان موسعًا بين إحدى عشرة ركعةً، وثلاثة وعشرين ركعةً، لما روى مالك، وابن أبى شيبة، وسعید بن منصور، عن محمد بن یوسف، عن السائب بن یزید، أنه قال: ((أمر عمر بن الخطاب أبى بن كعب وتميم الدارى أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعةً. وكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصى من طول القيام)). كذا فى "آثار السنن" (٥٢:٢) لأن هذا أثر مضطرب المتن، اختلف فيه على محمد بن يوسف، فروى عنه مالك فى "الموطأ"، ويحيى القطان عند ابن أبى شيبة، وعبد العزيز بن محمد عند سعيد بن منصور هكذا ((إحدى عشرة ركعةً)). ورواه محمد بن نصر فى قيام الليل من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن يوسف، فقال: "ثلاث عشرة". ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف، فقال: ((إحدى وعشرين)). قاله الحافظ فى "الفتح" (٢١٩:٤). وهذا اختلاف يسقط الاحتجاج بالأثر. قال ابن عبد البر: روى غير مالك فى هذا الحديث إحدى وعشرون، وهو الصحيح، ولا أعلم أحدا قال فيه إحدى عشرة إلا مالكًا، إلى أن قال: الأغلب عندى أن قوله: "إحدى عشرة" وهم، كذا فى "التعليق الحسن" نقلا عن الزرقانى فى شرح "الموطأ" (٥٢:٢). قلت: لم يهم فيه مالك لمتابعة اثنين له فى ذلك عن محمد بن يوسف، بل الوهم عندى فيه من محمد بن يوسف، فإنه قال مرة: إحدى وعشرين، ومرة: إحدى عشرة، وتارة، ثلاث عشرة. والجمع بينها بالحمل على اختلاف الأحوال ونحوه كما قاله الحافظ وغيره بعيد مستغنى عنه، فإن المخرج واحد، فكيف يصح حمله على اختلاف الأحوال؟ والمحفوظ ما رواه يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد، قال: كانوا يقومون على عهد عمر ٨٥ باب التراويح ج - ٧ ابن الخطاب رضى الله عنه فى شهر رمضان بعشرين ركعة)). كما ذكرناه فى المتن. أخرجه البيهقى وسنده صحيح، وعزاه الحافظ فى "الفتح" إلى مالك أيضًا (٢١٩:٤) فإن له شواهد كثيرة صحيحة. روى مالك عن يزيد بن رومان أنه قال: ((كان الناس يقومون فى زمان عمر بن الخطاب فى رمضان بثلاث وعشرين ركعةً)) (أى مع الوتر) وإسناده مرسل قوى، وعن يحيى بن سعيد: ((أن عمر بن الخطاب أمر رجلا يصلى بهم عشرين ركعة)). وإسناده مرسل قوى، وعن عبد العزيز بن رفيع قال: ((كان أبى بن كعب يصلى بالناس فى رمضان. بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث)). وإسناده مرسل قوى، ذكرنا كله فى المتن، فرواية يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد أقوى وأولى وأرجح من رواية محمد بن يوسف ؛ عنه، فإن يزيد لم يختلف عليه فيما رواه بخلاف محمد بن يوسف فقد اختلف عليه اختلافًا شديدًا. وإن سلمنا صحة أن عمر أبيًا وتميمًا أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعةً، فلا دليل فيه عن عمر رضى الله عنه كان يوسع للناس بين القيام بإحدى عشرة وثلاثة عشرين ركعةً، لاحتمال أن عمر أمر أولا بإحدى عشرة لعدم ثبوت الزيادة عليها عنده عنه عدێ، ثم أمر بعشرين سوى الوتر لما ثبت عنده أنه معَّ كان يصلى فى رمضان عشرين ركعةً والوتر، ولو كان أمره بإحدى عشرة وثلاثة وعشرين توسعةً لبقيت التوسعة بعده فى زمن عثمان وعلى أيضًا، ولم يرو بذلك أثر أنهما وسعا للناس بينهما. وأما ما رواه مالك فى "الموطأ"، عن الأعرج، قال: ((ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة فى رمضان، قال: وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة فى ثمان ركعات، فإذا قام بها فى اثنتى عشرة ركعةً رأى الناس أنه قد خفف)) (ص- ٤٠) فليس فيه أنه كان يقوم بثمان ركعات فقط مرةً، وباثنتى عشرة ركعةً مرةً بل فيه بيان قدر القراءة فى ركعات التراويح، أن القارئ يقرأ البقرة ونحوها فى ثمان ركعات، ولا دلالة فيه على مجموع عدد ركعاتها أصلا، فيحتمل أنه كان يقرأ قدر البقرة فقط فى مجموعها الذى كان ثمان ركعات مرة، واثنتى عشرة ركعةً مرة، أو أنه كان يقرأ قدر البقرة فى ثمان ركعات ويخفف القراءة بعدها فى الركعات الباقية من العشرين، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. ٨٦ باب التراويح إعلاء السنن وقال الحافظ ابن قدامة فى "المغنى": والمختار عند أبى عبد الله رحمه الله فيها عشرون ركعةً، وبهذا قال الثورى، وأبو حنيفة، والشافعى، وقال مالك: ستة وثلاثون، وزعم أنه الأمر القديم، وتعلق بفعل أهل المدينة، فإن صالحًا مولى التوأمة قال: ((أدركت الناس يقومون بإحدى وأربعين ركعةً يوترون منها بخمس))، ولنا أن عمر رضى الله عنه لما جمع الناس على أبى بن كعب كان يصلى لهم عشرين ركعةً، رواه أبو داود، ورواه السائب بن یزید، وروی عنه من طرق، وروی مالك عن یزید بن رومان قال: (( کان الناس يقومون فى زمن عمر فى رمضان بثلاث وعشرين ركعةً)). وعن على: ((أنه أمر رجلا يصلى بهم فى رمضان عشرين ركعةً)). وهذا كالإجماع، فأما ما رواه صالح فإن صالحًا ضعيف، ثم لا ندرى من الناس الذين أخبر عنهم، فلعله قد أدرك جماعة من الناس يفعلون ذلك وليس ذلك بحجة، ثم لو ثبت أن أهل المدينة كلهم فعلوه لكان ما فعله عمر وأجمع عليه الصحابة فى عصره أولى بالاتباع. قال بعض أهل العلم: إنما فعل هذا أهل المدينة لأنهم أرادوا مساواة أهل مكة، فإن أهل مكة يطوفون سبعًا بين كل ترويحتين فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات، وما كان عليه أصحاب رسول الله عَّةٍ أولى وأحق أن يتبع اهـ (٨٠٣:١). وقال الحافظ فى "الفتح": وروی محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: ((أدركت(١) الناس فى إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز يعنى بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعةً ويوترون بثلاث)). وعن الزعفرانى عن الشافعى: ((رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين اهـ)) (٤: ٢٢٠). (١) قال الشيخ: يرد على هؤلاء إحداث البدعة فى الدين، فإن قيام رمضان بستة وثلاثين لم يثبت عن أحد من الخلفاء، ولم يرد ذلك فى أثر من الصحابة، ثم أجاب وقال: والله أعلم لعلهم لم يروا التحديد فيه، وظنوا أن النبى مّ له رغب الناس وحثهم على قيام رمضان من غير تحديد فيه ولا تعيين ركعات واختيار الخلفاء عشرين ركعةً كان لدخوله تحت هذا الترغيب العام أيضًا لا لمعنى فى عشرين، حتى يكره الزيادة عليها، فاختاروا لحكمة ما ستة وثلاثين بناء على زعمهم أن فى الأمر سعةً، وأما نحن فلا نجيز الزيادة على العشرين ركعةً فى الجماعة العامة ونجيزها فى غير الجماعة، لأن الجماعة من الشعائر فلا تشرع إلا فيما ورد به النص أو المواظبة من الصحابة ولم يرد النص ولا مواظبة الصحابة بأزيد من عشرين ركعةً فى رمضان، وأما قولهم: إن النبى مَّ لِ حث على قيام رمضان من غير تجديد، فالجواب عنه أنه مَِّ حث عليه بالإطلاق ونحن نقول به، ولم يحث عليه بالجماعة لا إلى حد، فلا يجوز قيامه بالجماعة إلا بالقدر الذى ورد فيه الجماعة، والله أعلم. ٨٧ ج - ٧ باب التراويح وبالجملة فلم نجد فى أثر ما أنهم كانوا يقومون بأقل من عشرين إلا ما رواه محمد بن يوسف، وقد بينا ما فيه من الاضطراب فى المتن، فلا حجة فيه؛ فلو كان إحدى عشرة ركعة سنة والباقى من العشرين مستحبًا كما زعمه ابن الهمام لنقل عن السلف العمل به، وحيث لا فهو قول ساقط خارق للإجماع. والله أعلم. وأما قول بعض الناس: إن قول صاحب "الهداية": "واظب عليها الخلفاء الراشدون". غلط بين، فإن أبا بكر لم يصل العشرين، ولم يصل أيضًا أصل التراويح بالجماعة إلخ. فالجواب عنه أن قوله: "واظب عليها الخلفاء الراشدون" فيه تغليب، إذا لم يرد به كلهم، بل عمر وعثمان وعليًا، قاله المحقق فى "الفتح" (٤٠٧:١). وأما قوله: إن عمر وعثمان لم يثبت عنهما أنهما صليا العشرين بالجماعة إلخ. فلعله أراد بهذا الكلام نفى المواظبة عن الخلفاء الثلاثة أيضًا، وقصد تغليط صاحب "الهداية" بالكلية، ولكن منشأه سوء الفهم وقلة التدبر وعدم الاطلاع على اصطلاح الفقهاء، فإن المواظبة التى تفيد السنية والتأكيد لا تتوقف على المداومة الفعلية، بل هى على ضربين، الأول ما ثبتت المواظبة فيه فعلا وعملا، كمواظبة النبى معٍَّ على الجماعة والسنن الرواتب وغيرها، والثانى ما ثبتت المواظبة فيه تشريعًا، بأن يحث على فعله بالاستمرار، كالأذان والإقامة، فقد أجمع العلماء بأسرهم على سنيتهما مع علمهم بأنه مرّقي لم يباشرهما بنفسه إلا أن یکون نادرًا، ولكنهم قالوا بسنيتهما لتشريع النبى مّلآه لهما بالمواظبة والاستمرار، وحثه عليهما مؤكدًا. فكما أن المواظبة النبوية على ضربين كذا مواظبة الخلفاء أيضًا، وكل منها تفيد السنية والتأكيد، صرح به بحر العلوم فى "شرح التحرير"، ويفيده كلام الأصوليين فى مواضع عديدة، كذا فى فتاوى العلامة عبد الحى رحمه الله (١٢٨:١ مع الخلاصة). وبعد ذلك فإن سلمنا أن الخلفاء الثلاثة لم يواظبوا على العشرين بالجماعة، فغاية ما يلزم منه انتفاء المواظبة العملية منهم، ولكن المواظبة التشريعية ثابتة عنهم، لما قدمنا آنفاً من الآثار، وادعى الحافظ بن قدامة إجماعهم عليها، وهو حجة فى النقل كما لا يخفى على من طالع ترجمته، على أن أحمد رحمه الله قد جزم بأن قد جاء عن عمر أنه كان يصلى فى الجماعة، قال أحمد: کان جابر وعلى وعبد الله يصلونها فى جماعة. وقد ذكرناه قبل ٨٨ باب التراويح إعلاء السنن نقلا عن "المغنى" وجزم مثل أحمد بشئ حجة، وقال الشوكانى الذى هو حافظ حجة عند بعض الناس فى "نيله". واختلفوا فى أن الأفضل صلاته فى بيته منفردًا أم فى جماعة فى المسجد، فقال الشافعى وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة رضى الله عنهم، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة اهـ (٢٩٥:٢). وهذا يفيد أن عمر رضى الله عنه صلاها جماعةً. لا يعارضه ما رواه ابن وهب، عن الليث، عن يحيى بن سعيد: أنه سئل عن صلاة الأمير خلف القارئ قال: " ما بلغنا أن عمر وعثمان كانا يقومان فى رمضان مع الناس فى المسجد". كذا فى "المدونة" (١٩٤:١). ففيه نفى قيامهما مع الناس مقتدين بالقارئ، وأما إنهما يؤمان الناس فى التراويح فالأثر ساكت عنه، وأيضًا فعدم معرفة يحيى بن سعيد بشئ لا يستلزم عدم معرفة غيره به، فلعل أحمد بلغه أن عمر رضى الله عنه كان يصلى فى الجماعة، وكذا على وجابر وعبد الله، وصح ذلك عنده فجزم به، ومواظبة واحد من الخلفاء واتفاق بقية الصحابة معه تكفينا للسنية والتأكيد. وقد أخرج البيهقى رحمه الله فى "سننه": أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا محمد بن أحمد بن عيسى بن عبدك الرازى، ثنا أبو عامر عمر بن تميم، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، ثنا حماد بن شعيب، عن عطاء بن السائب عن أبى عبد الرحمان السلمى عن على رضى الله عنه قال: ((ودعا القراء فى رمضان فأمر منهم رجلا أن يصلى بالناس عشرين ركعةً، قال: وكان على رضى الله عنه یوتر بهم)). وروى ذلك من وجه آخر عن على، انتهى، كذا فى "التعليق الحسن". قال النيموى: حماد بن شعيب ضعيف (٥٦:٢). ثم نقل أقوال مضعفيه عن "الميزان"، قلت: وفى "اللسان": وقال ابن عدى: يكتب حديثه مع ضعفه، وأخرج له مع هذا، الحاكم فى "مستدركه اهـ" (٣٤٨:٢). فالأثر حسن مع كونه مرويا من وجه آخر أيضًا، وفيه تصريح بأمر على بعشرين ركعةً، وإشعار بقیامه معهم، لأنه کان يؤثر بهم فافهم. ٨٩ ٣ ج - ٧ باب كراهة الجماعة فى النوافل والوتر سوى التراويح وصلاة الكسوف والاستسقاء والعيدين بالتداعى ١٨٢٦- عن: زيد بن ثابت، أن النبى عّ لّه قال: ((صلوا أيها الناس فى بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة)). رواه النسائی پاسناد جيد، وابن خزيمة فى "صحيحه" كذا فى "الترغيب" (ص: ٧٢) وأصله رواه الجماعة إلا ابن ماجة، كذا فى "نيل الأوطار" (٣٢٣:٢)، وفى لفظ له عند أبى تكملة : فى "الدر المختار": ويقعد (١) فى كل نفله كما فى التشهد على المختار، وفى "الطحاوى": وهو رواية زفر عن الإمام، قال أبو الليث: وعليه الفتوى، وقيل: يقعد محتبياً أو متربعًا. ولا خلاف أنه إذا جاء أوان التشهد جلس كالتشهد سواء كان القعود بعذر أم لا، "نهر" اهـ (٤٦٣:١). قلت: وفى "بلوغ المرام" (٨٠:١) عن عائشة رضى الله عنها، قالت: ((رأيت النبى عّ لّه يصلى متربعًا)). رواه النسائي وصححه الحاكم اهـ وفى "نيل الأوطار" (٣٣١:٢): والحديث يدل على أن المستحب لمن صلى قاعدًا أن يتربع. وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو أحد القولين للشافعى إلخ. قلت: الحديث لا يدل عليه، فإنه لم يبين فيه أنه مرّ ه كان مفترضًا أو متنفلا، وفعل ذلك بعذر أو بغير عذر فافهم. باب كراهة الجماعة فى النوافل والوتر سوى التراويح وصلاة الكسوف والاستسقاء والعيدين بالتداعى قوله: "عن زيد بن ثابت وعن عبد الله بن سعد إلخ". قلت: كما أن فى الحديثين دلالة على كون النوافل فى البيت أفضل منها فى المسجد كذا فيهما دلالة على كون الجماعة مختصة بالمكتوبة، وأما النوافل فالأفضل فيها الإخفاء والانفراد وإلا لم يكن فعلها فى البيت أفضل، فإن الصلاة التى بناها على الإظهار والاجتماع فالأفضل فعلها فى المساجد، فثبت أن الجماعة فى النوافل خلاف الأصل، والأداء على خلاف الأصل لا يخلو (١) أى من يتنفل قاعداً. ٩٠ حكم الجماعة بالتداعى في غير المكتوبة إعلاء السنن داود: ((صلاة المرء فى بيته أفضل من صلاته فى مسجدى هذا إلا المكتوبة)). قال العراقى: وإسناده صحيح، كذا فى "النيل" أيضًا (٣٣٤:٢). ١٨٢٧- ويزاد هنا حديث عبد الله بن شقيق، عن عائشة، وفيه: ((أنه عاد له کان یصلی الرواتب فى بيتها)). وقد تقدم برواية مسلم. عن الكراهة، فالجماعة فى النوافل مكروهة، وأيضًا: لا يخفى أنه مرّه كان يصلى السنن الرواتب منفردًا فى بيته، وكذا الوتر، كما دلت عليه الأحاديث المذكورة فى أبواب الوتر والسنن، لا سيما حديث عبد الله بن شقيق، عن عائشة رضى الله عنها مرفوعًا: قالت: ((كان يصلى فى بيتى قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلى بالناس، ثم يدخل فيصلى ركعتين، وكان يصلى بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلى ركعتين، ويصلى بالناس العشاء، ويدخل بیتی فیصلى ركعتين، و کان يصلى من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، إلى أن قالت: وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين)). رواه مسلم (٢٥٢:١). والرواتب من السنن لكونها تبعًا للفرائض كانت أحق بمشروعية الجماعة بها من غيرها، فلما لم تشرع لها ولم يرد فى أثر ما أنه مَّ. صلاها مرة فى جماعة فغيرها أولى بعدم مشروعية الجماعة لها. وقال ابن القيم فى "زاد المعاد": وكان هدى النبى معَّ له فعل السنن والتطوع فى البيت إلا لعارض، كما أن هديه كان فعل الفرائض فى المسجد إلا لعارض اهـ (٨٣:١). فكان الانفراد فيها سنة مؤكدة، كما أن الجماعة فى الفرائض سنة مؤكدة لمواظبته عليه، فتكره الجماعة فى النوافل لكونها خلاف السنة المؤكدة، وخلاف عمل الخلفاء والصحابة، فإنهم لم يصلوا الرواتب من السنن والنفل المطلق فى جماعة قط، ومن ادعى فعليه البيان، ولأن الجماعة من شعائر الإسلام فتختص بما مناه على الظهور، وهى الفرائض، دون ما الأصل فيه الإخفاء، وهى النوافل التى ليست من الشرائع. ومقتضى هذا الدليل أن تكره الجماعة فى النفل والوتر مطلقًا، إلا أنا قيدناه بالتداعى، وهو أن يدعو بعضهم بعضًا، وفسره الفقهاء بالكثرة كما فى "الشامية"، لما ورد عنه مرّه التنفل بالجماعة أحيانًا من غير تداع منه، فقد روى الشيخان عن عتبان بن مالك، ((أنه قال: يا رسول الله! إن السيول لتحول بينى وبين مسجد قومى، فأحب أن تأتينى فتصلى فى مكان من بيتى أتخذه مسجدًا، فقال: سنفعل، فلما دخل قال: أين تريد؟ ٩١ ج - ٧ حكم الجماعة بالتداعى في غير المكتوبة ١٨٢٨- عن: عبد الله بن سعد، قال: ((سألت رسول الله عَ ◌ّدٍ عن الصلاة (١) فى بيتى، والصلاة فى المسجد؟ قال: قد ترى ما أقرب بيتى من المسجد، فلأن أصلى فى بيتى أحب إلى من أن أصلى فى المسجد إلا أن تكون فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله عَ ليه، فصففنا خلفه، فصلى بنا ركعتين)). وعن ابن عباس رضى الله عنهما، فقال: ((صليت مع النبى عدّ ذات ليلة، فقمت عن يساره، فأخذ رسول الله عَّ ◌ُّ برأسى من ورائى فجعلنى عن يمينه)). الحديث، أخرجه البخارى وغيره. وعن أنس، أنه قال: ((صليت أنا ويتيم فى بيتنا خلف النبى معَّه، وأمى أم سليم خلفنا)). أخرجه البخارى وغيره. والأحاديث كلها صحاح قد تقدم ذكرها فى الكتاب فى مواضع مختلفة فلتراجع. وعن جابر فى قصة انفكاك قدمه عرّ جله المباركة، فقال: فأتيناه نعوده، فوجدناه فى مشربة لعائشة يسبح، قال: فقمنا خلفه فسكت عنا، ثم آتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالسًا فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا)) الحديث. أخرجه أبو داود فى ((سننه" (٩٦:١). فيجوز التجميع بالنفل أحيانًا من غير تداع كما فعله مرِّ أحيانًا كذلك، وكذا بالوتر لما روينا فى أبواب الوتر عن المسور بن مخرمة، قال: (دفنا أبا بكر رضى الله عنه ليلا، فقال عمر: إنى لم أوتر، فقام وصففنا ورائه، فصلى بنا ثلاث ركعات لم يسلم إلا فى آخرهن)). أخرجه الطحاوى وإسناده صحيح. قال فى "الدر": ولا يصلى الوتر ولا التطوع بجماعة خارج رمضان، أى يكره ذلك لو على سبيل التداعى بأن يقتدى أربعة بواحد، كما فى "الدرر" اهــ قال الشامى: أما اقتداء واحد بواحد أو اثنين بواحد فلا يكره، وثلاثة بواحد فيه خلاف، "بحر" (٧٤١:١) ولم أجد دليلا على تحديدهم التداعى بالثلاثة أو الأربعة سوى الإمام، ولعل مبناه على أن الجماعة فى النوافل لما كانت خلاف الأصل يقتصر على ما ورد به النص، ولم نجد فى الأحاديث ذكر عدد الجماعة التى صلى بها النبى عّ لّه النوافل إلا فى حديث أنس قال: ((صليت أنا ويتيم خلفه مَّه، وأمى أم سليم خلفنا))، وفيه ثلاثة خلف الإمام، فلا يجوز الزيادة عليها، فيكره الأربعة خلفه، والذين كرهوا الثلاثة أيضًا وأجازوا الاثنين خلف واحد لعلهم لم يعتبروا بأم سليم، لأن النساء لا حظ لهن فى الجماعة للمكتوبات (١) أى النافلة. ٩٢ حكم الجماعة بالتداعى في غير المكتوبة إعلاء السنن صلاة مكتوبةً)). أخرجه الترمذى فى "الشمائل" (ص-٢١) وسنده حسن صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أحمد، وابن ماجة، وابن خزيمة فى "صحيحه" عن عبد الله بن مسعود، كما فى "الترغيب" للمنذرى (٧٢:١). فضلا عن النوافل، فكان وجودها كعدمها، أو اعتبروا بها ولم يعتبروا باليتيم لعدم علمهم بأنه كان مميزاً أولا. فإن قيل: قد صرح الحافظ فى قصة صلاته مګّ فی مشربة عائشة، وفيه: وصلی قوم وراءه قيامًا، بأنه قد سمى منهم فى الأحاديث أنس، وجابر، وأبو بكر، وعمر اهـ (١٤٩:٢). قلت: نعم! ولكنهم صلوا خلفه هناك مرتين، مرة فى النافلة، وأخرى فى المكتوبة، كما ورد التصريح به فى رواية أبى داود المتقدمة، ولا ندرى أن الأربعة خلفه كانوا فى النافلة أو المكتوبة، فلا حجة فيها، ويمكن أن يكون مبناه على أن الثلاثة سوى الإمام جماعة مطلقة(١) حتى تصح بها الجمعة، فلا تجوز الزيادة عليها فى النوافل، وكان القياس أن يجيب النقص منها كما ذهب إليه بعض أصحابنا، حيث كرهوا الثلاثة سوى الإمام فيها، ولكن بعض أصحابنا أجازوا ذلك لحديث أنس المذكور، وتأوله الآخرون بما ذكرنا . آنفًا، وأما الواحد خلف الواحد أو الاثنان خلفه فليس بجماعة مطلقة فى حق كل واحد،. إذ لا يوجد مع كل منهم إلا اثنان، والمثنى ليس بجمع مطلق، حتى لا تصح الجمعة بهما أو بواحد معهما لأجل هذه العلة، فلا كراهة بذلك فى النوافل، والله أعلم. وبالجملة فالتداعى عندهم ما كان على عدد الجماعة التى تصح بها الجمعة أو زائدًا عليه، لأن الجمعة من أهم الجماعات التى يراعى فيها الكثرة ودعا إليها الشارع، فافهم. : وفى "رد المحتار" تحت قول "الدر" المذكور قبل ما نصه: قوله: "أى يكره ذلك" أشار إلى ما قالوا من أن المراد من قول القدورى فى "مختصره": ((لا يجوز)) الكراهة، لا عدم أصل الجواز، لكن فى "الخلاصة" عن القدورى: لا يكره، وأيده فى "الحلية" بما أخرجه الطحاوى عن المسور بن مخرمة قال: ((دفنا أبا بكر رضى الله تعالى عنه ليلا، فقال عمر رضى الله عنه: إنى لم أوتر، فقام وصففنا وراءه إلخ)). ثم قال: ويمكن أن يقال: الظاهر (١) أى كاملة. ٩٣ ج - ٧ حكم الجماعة بالتداعى في غير المكتوبة ١٨٢٩- عن: صهيب بن النعمان، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((فضل أن الجماعة فيه غير مستحبة، ثم إن كان ذلك؛ أحيانًا كما فعل عمر كان مباحاً غير مكروه، وإن كان على سبيل المواظبة كان بدعة مكروهة، لأنه خلاف المتوارث، وعليه يحمل ما ذكره القدورى فى "مختصره"؛ وما ذكره فى غير مختصره يحمل على الأول، والله أعلم اهـ. قلت: ويؤيده أيضًا ما فى "البدائع" من قوله: إن الجماعة فى التطوع ليست بسنة إلا فى قيام رمضان اهـ. فإن نفى السنية لا يستلزم الكراهة، نعم! إن كان مع المواظبة كان بدعة فيكره، وفى حاشية "البحر" للخير الرملى: علل الكراهة فى "الضياء" و"النهاية" بأن الوتر نفل من وجه حتى وجبت القراءة فى جميعها، وتؤدى بغير أذان وإقامة، والنفل بالجماعة غير مستحب، لأنه لم تفعله الصحابة فى غير رمضان اهـ، وهو كالصريخ فى أنها كراهة تنزيه تأمل اهـ (٧٤١:١). ١. قلت: وتفسير التداعى بالاهتمام والمواظبة أولى من تفسيرها بالعدد والكثرة كما لا يخفى، لأن الأول أقرب إلى اللغة وأشبه بها دون الثانى، وفى "الخلاصة": ولا يصلى التطوع بجماعة إلا فى رمضان، وعن شمس الأئمة السرخسى: أن التطوع بالجماعة إنما یکره إذا کان علی سبیل التداعى، أما لو اقتدى واحد أو اثنان بواحد لا یکره، وإذا اقتدى ثلاثة بواحد اختلف فيه، وإن اقتدى أربعة بواحد كره اتفاقًا، والاقتداء فى الوتر خارج رمضان يكره، وذكر القدورى لا يكره، وأصل هذا أن التطوع بالجماعة إذا كان على سبيل التداعى تكره، وفى "الأصل" للصدر الشهيد: أما إذا صلوا بجماعة بغير أذان وإقامة فى ناحية المسجد لا يكره. وقال شمس الأئمة الحلوانى: إن كان سوى الإمام ثلاثة لا يكره بالاتفاق، وفى الأربع اختلف المشائخ، والأصح لا يكره اهـ (١٥٤:١). قلت: ولكن المتون على إطلاق المنع والكراهة فهو المذهب، وقيده المشائخ بالتداعى واختلفوا فى تفسيرها؛ فالتنفل بالجماعة على سبيل المواظبة يكره اتفاقًا، واختلفوا فيما إذا كانت بدونها، فأجازه بعضهم مطلقًا كالحلوانى، ومنعه بعضهم إذا كانوا أربعًا سوى الإمام، والله أعلم. قوله: "عن صهيب بن النعمان إلخ". قلت: دلالته على كون الإخفاء مطلوبًا فى ٩٤ حكم الجماعة بالتداعى في غير المكتوبة إعلاء السنن صلاة الرجل فى بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوبة على النافلة)). رواه الطبرانى فى "الكبير" وفى إسناده محمد بن مصعب، وثقه أحمد بن النوافل ظاهرة، لا يقال: إن الاستدلال بهذه الآثار على كراهة الجماعة فى النافلة يستلزم كراهة التنفل فى المسجد وفى حضرة الناس، لكون الأمر بأدائها فى البيوت ثابتًا بمنطوق الأحاديث، ومطلوبية إخفائها وأدائها بالانفراد ثابتة بالاستدلال، فالقول بكراهة فعلها فى المسجد والمجامع أولى من القول بكراهة الجماعة فيها، وأنتم لاتقولون بالأول، لما فى "المنية" وشرحها: أما السنن التى بعد الفريضة فإنه إن تطوع بها فى المسجد فحسن، وتطوعه بها فى البيت أفضل، وهذا غير مختص بما بعد الفريضة بل جميع النوافل ما عدا التراويح وتحية المسجد الأفضل فيها المنزل اهـ (ص-٣٨٢). فعليكم أن لا تقولوا بكراهة الجماعة فى النافلة أيضًا، بل تقولوا إن أدائها بالانفراد أفضل، وإن صلوها جماعة فحسن أو مباح. لأنا نقول: حقيقة معنى البيت متروكة فى الأحاديث عندنا للاتفاق على أن من تطوع بعد الفريضة خارجاً عن المسجد فى موضع ملتحق به، أو تطوع فى أرضه المزروعة، أو فى بستانه، أو فى الصحراء، فقد أتى بالفضيلة. وفى حديث صهيب بن النعمان دلالة عليه، فالصلاة فى البيت كناية عن الإخفاء، يؤيده ما فى هذا الحديث من لفظة: "حيث يراه الناس" فى مقابلة "الصلاة بالبيت"، وهى مشعرة بأن المراد بالبيت حيث لا يراه الناس، فقلنا بكراهة الجماعة، لأن الإظهار فيها أتم وأكمل، ولم نقل بكراهة النافلة فى المسجد منفردًا لوجود الإخفاء فيه من وجه، لعدم معرفة الناس وعلمهم بحقيقة صلاته أنها نافلة أو مكتوبة، لاحتمال كون ما يصليه فرضًا آخر يقضيه، أو الفرض الذى أداه أولا یعیده لشبهة حدثت له، فلا یتیقن بكونه نفلا، بخلاف ما إذا أداه فى الجماعة بظهور حاله على المؤتمين به والمصلين معه، فيبطل الإخفاء بالكلية فافهم. على أنا لم نستدل على الكراهة بهذه الآثار الدالة على فضيلة التطوع فى البيت فقط، بل استدللنا عليها بمواظبة النبى معَّ لّه على الانفراد فيها، وذكرنا هذه الآثار لبيان مطلوبية الإخفاء فى النوافل، وأنه هو الأصل فيها، والله أعلم. وقال العلامة المحدث عبد الرؤوف المناوى المصرى فى شرح "الشمائل" للترمذى ٩٥ ج - ٧ حكم الجماعة بالتداعى في غير المكتوبة حنبل، وضعفه ابن معين وغيره، كذا فى "النيل" (٣٢٤:٢). وأخرجه فى "الترغيب" (ص-٧٢) عن رجل من أصحاب النبى معَّ له، وعزاه إلى البيهقى، وقال: وإسناده جيد إن شاء الله تعالى. تحت حديث عبد الله بن مسعود -وهو الحديث الثانى من متن الباب -: إنه لا فرق فى كون النوافل فى البيت أفضل منها فى المسجد بين قرب المسجد من بيته وبعده عنه، وبه عرف أفضليته به حتى على جوف الكعبة، ونقل بعضهم عليه الإجماع، نعم! يستثنى بعض نوافل هى بالمسجد أفضل، منها الضحى، وسنة الطواف، وما يسن جماعة وغير ذلك اهـ (٩٣:٢) وتعقبه العلامة على القارئ فى شرحه للشمائل فى استثناء صلاة الضحى، وقال: ليس له وجه اهـ (٩٤:٢). قلت: بل له وجه وجيه، وهو حديث أنس رضى الله عنه مرفوعًا: ((من صلى الصبح فى جماعة ثم قعد یذ کر الله حتى تطلع الشمس ثم صلی ر کعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة)). أخرج الترمذى وحسنه، وقد تقدم، وحديث سهل بن معاذ عن أبيه مرفوعًا: ((من قعد فى مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتى الضحى لا يقول إلا خيرا غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر)). رواه أحمد، وأبو داود، وأبو يعلى، وحسنه الحافظ المنذرى فى "الترغيب" له، وقال: وصححه بعضهم (ص-٧٥) وعن أبى أمامة نحو حديث أنس پاسناد جید، وعن ابن عمر مثله بسند حسن، كما فى "الترغيب" أيضًا (ص-مذكور) وعن أبى أمامة مرفوعًا: ((من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب فى عليين)). رواه أبو داود، كذا فى "الترغيب" (ص-٥٦)، وكلام المنذرى مشعر بتحسينه، وفيه دلالة على جواز سبحة الضحى فى المسجد وفضلهما فيه، وفى قول المناوى دلالة على قيام الإجماع على إخفاء النوافل وأدائها منفردًا ماعدا المستثناة فيها. وقال فى "شرح الشمائل" أيضًا تحت حديث ابن عباس، وفيه أنه قام إلى جنب النبى معَُّلِّ فى التهجد ما نصه: ما قررته من فوائد الحديث آنفًا من قولى وأن النفل يفعل جماعة هو ما جزم به الشارح (أراد به ابن حجر الهيثمى) ساكتا عليه، وهو تقصير جزء غير 7 فارم غير 6 B ٩٦ إعلاء السنن إدراك الفريضة باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان مع قصد عدم الرجوع إليه إلا لحاجة ١٨٣٠- عن: أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا عجيب مع تصريحه هو وغيره من أئمة مذهبه بأن الجماعة فى النفل المطلق غير مشروعة، وصرح الحنفية بأنها بدعة، وأجاب بعضهم بأن التهجد كان واجباً على النبى معَّهِ، فهو اقتداء متنفل بمفترض ولا كراهة فيه، وأقول: هذا كله لا ملجأ إليه، إذ ليس فى الحديث تصريح بأنه اقتدى به، وإنما الذى فيه(١) أنه قام إلى جنبيه عن يساره، فحوله عن يمينه، وأما كونه ربط صلاته بصلاته وتابعه فى أفعاله فمن أين؟ فيحتمل أنه قام إلى جنبه منفردًا، وتحويله من جهة اليسار إلى اليمين يحتمل لكونه يضيق المكان أو نحوه لا لكونه مقتديًا به، وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال كساه ثوب الإجمال، وسقط به الاستدلال اهـ (٢: ٧١,٧٠). وهذا يفيد كراهة اقتداء الواحد بالواحد أيضًا فى النفل المطلق عند الشافعية، وأما عندنا فلا يكره إلا أربعة سوى الإمام كما تقدم. وقال القارئ فى شرح الشمائل له: قد صرح فى الفروع اتفاق الفقهاء بكراهة الجماعة فى النوافل إذا كان سوى الإمام أربعة، وأما ما ذكره فى شرح النقاية من جواز الجماعة فى النوافل مطلقًا نقلا عن "المحيط"، وكذا ما ذكر فى "فتاوى الصوفية" ونحوهما فمحمول على أن المراد بالجواز الصحة، وهى لا تنافى الكراهة، والله أعلم اهـ (٢: ٧٠). باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان مع قصد عدم الرجوع إليه إلا لحاجة قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وتخصيص مسجد النبى معَّ بالذكر ليس للاحتراز بل هو قيد اتفاقى بدليل الأحاديث المطلقة فى سائر المساجد، والمعنى أن أحدكم لا يخرج من المسجد بعد الأذان فيه وهو لا يقصد (١) لا يخفى ما فيه من البعد. ٦ ج - ٧ حكم الخروج من المسجد بعد الأذان ٩٧ يسمع النداء فى مسجدى هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة(١) ثم لا يرجع إليه إلا منافق)). رواه الطبرانى فى "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح،" مجمع الزوائد" (١٤٤:١) وفى "الترغيب": رواته محتج بهم فى الصحيح اهـ (١: ٤٩). ١٨٣١- وفيه أيضًا عنه عَّه مرفوعًا: ((إذا كنتم فى المسجد فنودى بالصلاة فلا يخرج أحد کم حتی یصلی)). رواه أحمد، وإسناده صحيح اهـ. ١٨٣٢- روى مسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائى عنه: ((أنه رأى رجلا خرج بعد ما أذن المؤذن، فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم عَِّ)) كما فى "الترغيب" أيضًا. الرجوع إليه، إلا كان موصوفًا بخصلة المنافق، إلا من خرج لحاجة، وإن حبسته عن الرجوع إليه فلا بأس به، وفى "البحر الرائق": وهذا يدل على أن الكراهة تحريمية، وهى المحمل عند إطلاقها كما قدمناه، واستثنى المشائخ منها ما إذا كان ينتظم به أمر جماعة أخرى، بأن كان مؤذنا أو إماما فى مسجد تتفرق الجماعة بغيبته، فإنه يخرج بعد النداء، لأنه ترك صورة وتكميل معنى والعبرة للمعنى اهـ (٧٨:٢). وفى "الكنز": وكره خروجه من مسجد أذن فيه حتى يصلى، وإن صلى لا، إلا فى الظهر والعشاء إن شرع فى الإقامة. وفى "البحر" على قوله " وإن صلى لا" : أى وإن صلى الفرض وحده لا يكره خروجه قبل أن يصلى مع الجماعة، لأنه قد أجاب داعى الله مرة فلا يجب عليه ثانيًا، والظاهر أن مرادهم عدم الكراهة للخروج لا عدمها مطلقًا، لأن من صلى وحده فقد ارتكب المكروه وهو ترك الجماعة، لأنها على الصحيح إما سنة. مؤكدة أو واجبة، (اللهم إلا أن يكون صلى وحده نظنه أن القوم صلوا قبله جماعة). واستثنى المصنف الظهر والعشاء عند الشروع فى الإقامة فإنه يكره لمن صلى وحده أن يخرج قبل الصلاة مع الجماعة، لأنه يتهم بمخالفة الجماعة عيانًا، والنفل بعد هاتين الصلاتين ليس بمكروه، وأما فى الفجر والعصر فلا يكره له الخروج لكراهة التنفل بعدهما، (١) هذه العبارة مقدمة لفظًا مؤخرة معنى فإن محلها بعد تمام الحديث. ٩٨ إعلاء السنن ١٨٣٣- عن: سعيد بن المسيب(١)، أن النبى عَّ ◌ُلّه قال: ((لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق إلا لعذر أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع)). رواه أبو داود فى مراسيله، "الترغيب" (٥٠:١) وفى "الدراية": رجاله ثقات اهـ (ص-١٢٢). باب جواز سنة الفجر عند شروع الإمام فى الفريضة ١٨٣٤- عن: عبد الله بن أبى موسى، قال: ((جاءنا ابن مسعود والإمام يصلى الصبح، فصلى ركعتين إلى سارية، ولم يكن صلى ركعتى الفجر)). رواه الطبرانى، ورجاله موثقون "مجمع الزوائد" (١٧٢:١). ١٨٣٥- عن: مالك بن مغول، قال: سمعت نافعًا يقول: أيقظت ابن عمر لصلاة الفجر وقد أقيمت الصلاة فقام فصلى الركعتين)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح "آثار السنن" (٣٢,٣٠:٢). وأما فى المغرب فلما فيه من التنفل بالثلاث، أو مخالفة الإمام إن أتمها أربعًا، وكل منهما مكروه كما سبق اهـ ملخصًا (٧٨:٢). قوله: "عن سعيد إلخ". دلالته على الباب ظاهرة إذا ضم عليه قصد عدم الرجوع المستفاد من الحديث الأول، وقوله: "وهو مريد الرجوع" لا ينافى قوله: "إلا لحاجة المذكور فى الحديث الأول، فإن إرادة الرجوع معتبرة هناك أيضًا، وأما الخارج الذى يعلم أنه لا يرجع لحاجة تحبسه فلا يلزم عليه قصد الرجوع كما تدل عليه القواعد. باب جواز سنة الفجر عند شروع الإمام فى الفريضة قوله: "عن عبد الله إلخ". قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. قوله: "عن مالك بن مغول إلخ". قلت: سنده عند الطحاوی ھکذا: حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: ثنا مالك؛ فذكره، قال بعض الناس. وفهد لم أقف علیه. قلت: هو فهد بن سليمان، ذكر ابن التركمانى توثيقه فى "الجوهر النقى" (٢٢٩:٢) وقد احتج به الطحاوى فأكثر فهو حجة. (٢) تابعی مشهور. ٩٩ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة ج - ٧ ١٨٣٦- حدثنا: أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا عبد العزيز. بن سلم، قال: أنا مطرف بن طريف، عن أبى عثمان الأنصارى، قال: جاء عبد قوله: "حدثنا أبو بكرة إلخ". قلت: هو بكار بن قتيبة صحح الطحاوى حديثه، وقال الحاكم فى "المستدرك": ثقة مأمون، وقد مر ترجمته فى الكتاب مرارًا، أخرج له أبو عوانة وابن خزيمة "صحيحيهما" وأما عبد العزيز بن مسلم -وهو القسملى أبو زيد المروزى ثم المصرى- فهو من رجال الشيخين ثقة، وثقه الأئمة من أصحاب الجرح والتعديل، كيحيى بن معين، وأبى حاتم، وابن نمير، والعجلى، والنسائى، وغيرهم كما فى "التهذيب" (٣٥٧:٦). وتعقب بعض الناس على صاحب "آثار السنن" تصحيحه حديث عبد العزيز هذا بقوله: قد وثقوه إلا ابن حبان فإنه قال: ربما وهم فأفحش، وفى "التقريب": ثقة عابد ربما وهم، وفى "الميزان": قال العقيلى: فى حديثه بعض الوهم، فقول صاحب "آثار السنن": إسناده صحيح، تساهل وتعصب، يدل عليه صنیعه فى كتابه أنه باجذ على خصمه بأدنى جرح فى الحديث، ويجرح أحاديث الصحيحين، ويتساهل فيما يحتج به، أعاذنا الله من التعصب والتعسف، فالإسناد حسن لا صحیح اهـ. قلت: لم يتساهل النيموى فى تصحيحه حديث عبد العزيز هذا، فإن قولهم: "ربما وهم" أو ((فى حديثه بعض الوهم)) ليس بجرح ما لم يكثر منه ذلك، ولذا تعقب الذهبى فى "الميزان" قول العقيلى: فى حديثه بعض الوهم بقوله: قلت: هذه الكلمة صادقة الوقوع على مثل مالك وشعبة (أى فإن فى حديثهما أيضًا بعض الوهم) قال: ثم ساق له العقيلى حديثا واحدًا محفوظًا قد خالفه فيه من هو دونه فى الحفظ اهـ (١٣٩:٢). وفى كل ذلك إشعار بسقوط هذا الجرح، وأنه لم يؤثر فى عبد العزيز شيئًا. امتنع أبو زرعة وأبو حاتم من الرواية عن البخارى لأجل مسألة اللفظ وقاتل الله بعض الناس فما أشده خيانة فى النقل، حيث نقل من "الميزان" قول العقيلى وترك ما رده به عليه الذهبى، ولو كان حديث الرجل ينزل من الصحة إلى الحسن بمجرد جرح واحد إياه بشئ للزم القول بعدم صحة ما رواه البخارى وشيخه على بن عبد الله المدينى، فعلى بن عبد الله تركه إبراهيم الحربى لميله إلى أحمد بن أبى داود، وكذا امتنع ١٠٠ جواز سنة الفجر عند شروع الإمام في الفريضة إعلاء السنن الله بن عباس رضى الله عنهما والإمام فى صلاة الغداة، ولم يكن صلى الركعتين، فصلى عبد الله بن عباس الركعتين خلف الإمام ثم دخل معهم)). رواه الطحاوى (٢١٩:١) وإسناده حسن صحيح. مسلم من الرواية عنه فى "صحيحه" لهذا المعنى، كما امتنع أبو زرعة وأبو حاتم من الرواية عن تلميذه محمد (ابن إسماعيل البخارى) لأجل مسألة اللفظ، كما فى "الميزان" (٢٣٠:٢) ولذا ذكر العقيلى ابن المدينى فى كتاب الضعفاء، وتعقبه الذهبى فى "الميزان" بقوله: ولو ترك حديث على وصاحبه محمد (البخارى) وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبى شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت بن البنانى، وجرير بن عبد الحميد، لغلقنا الباب وانقطع الخطاب، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال، وإنما أشتهى أن تعرفنى من هو الثقة الثبت الذى ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، وليس من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطاء، ولكن فائدة، ذكرنا كثيرًا من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة، أو لهم أوهام يسيرة فى سعة علمهم، أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أو خالفهم، فزن الأشياء بالعدل والورع اهـ ملخصًا (٢٣١:٢). قلت: وصحح الأئمة حديث عثمان بن أبى شيبة، وقد قال فى "التقريب": حافظ شهير وله أوهام (ص- ١٤٢) وفيه أيضًا: عفان بن مسلم بن عبد الباهلى ثقة ثبت وربما وهم اهـ (ص-١٤٦). وهو من رجال الجماعة، وجرير بن عبد الحميد بن قرط الكوفى ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان فى آخر عمره يهم من حفظه اهـ (ص-٢٩). وهو من رجال الجماعة أيضًا، وأدخل الأئمة حديثه وحديث عفان فى الصحاح، ولم ينزلوه عن الصحة إلى الحسن لكونهم ربما وهموا، فإن الوهم القليل لا يضر الثقة، ولا ينزل رتبته ورتبة حديثه عن الصحة أصلا. الجواب عن إيراد بعض الناس على النيموى وأما قول بعض الناس: إن النیموى يأخذ على خصمه بأدنى جرح فى الحدیث، ويجرح أحاديث الصحيحين، ويتساهل فيما يحتج به. فالجواب عنه أن النيموى لم يأخذ على خصمه بجرح غير مؤثر أصلا، بل إنما يجرح الحديث بما جرحه به أئمة الحديث قبله،