النص المفهرس
صفحات 101-120
ج - ٦ إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر ١٠١٠ ١٧٢٣- عن: علقمة رضى الله عنه، قال: ((كان عبد الله رضى الله عنه لا يقنت فى صلاة الصبح)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح "آثار السنن" (٢٠:٢). ١٧٢٤- عن: الأسود، قال: ((كان ابن مسعود لا يقنت فى شىء من الصلوات إلا الوتر فإنه كان يقنت (فيه) قبل الركعة (أى الركوع)). رواه الطحاوى والطبرانى وإسناده صحيح، (آثار السنن - نفس المرجع) وقد ذكرناه قبل. ١٧٢٥- عن: أبى الشعثاء قال: «سألت ابن عمر عن القنوت، فقال: ما شهدت وما رأيت)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح ( "آثار السنن" - نفس المرجع). ١٧٢٦- عنه: قال: ((سئل ابن عمر عن القنوت، فقال: ما القنوت؟ فقال: قوله: "عن علقمة وعن الأسود إلخ". دلالتهما على ترك القنوت فى الفجر ظاهرة. قوله: "عن أبى الشعثاء" إلى قوله: "عن نافع إلخ". قلت: دلالة الآثار على ترك القنوت فى الفجر وغيرها من المكتوبة وعلى أن أكثر الصحابة كانوا لا يقنتون فيها لقول ابن عمر: لا أحفظه عن أحد من أصحابى، ظاهرة. ولا يعارضه ما رواه سالم عن ابن عمر عند البخارى (٥٨٢:٢): ((أنه سمع رسول الله صَّ ةٍ إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ إلى قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾ (هـ)). فإن ذلك كان ثم نسخ، كما يدل عليه قوله: فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شىء﴾ إلخ. فمعنى قول ابن عمر: "وما شهدت وما رأيت" فى أثر أبى الشعثاء عنه أنه ما رأى وما شهد النبى مّ ◌ُِّ فعل ذلك بعد نزول الآية، أو أنه لم يعتد بما رأى وشهد قبل نزولها، لكونه صار منسوخا، والمنسوخ لا يعتد به، فإن قيل: وكيف يصح قول ابن عمر: "لا أحفظه عن أحد من أصحابى" وهذا عمر قد قنت فى الصبح، كما روى عنه طارق بن شهاب وابن أبزى وأبو عثمان النهدى وغيرهم. قلنا: معناه أنه لم يحفظ عن أحد من أصحابه فعل ذلك راتبا ١٠٢ إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر إعلاء السنن إذا فرغ الإمام من القراءة فى الركعة الآخرة قام يدعو، قال: ما رأيت أحدا يفعله، وأنى لأظنكم معاشر أهل العراق تفعلونه)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح، "آثار السنن" (٢١:٢). ١٧٢٧- عن: أبى مجلز، قال: ((صليت خلف ابن عمر الصبح فلم يقنت، فقلت: آلكبر يمنعك؟ فقال: ما أحفظه عن أحد من أصحابى)). رواه الطحاوى والطبرانى وإسناده صحيح، "آثار السنن" (٢١:٢). ١٧٢٨- عن: نافع: ((أن عبد الله بن عمر كان لا يقنت فى شىء من الصلاة أو المكتوبة)). رواه مالك وإسناده صحيح، "آثار السنن" (٢١:٢). جاعلا إياه من سنن الصلاة، وإنما فعله من فعله لأجل عارض عرض له، ثم تركه بعد زوال العارض. وأما ما قاله الحازمی: إن ابن عمر كان قد شهد أباه وهو يقنت وقنت معه ولكنه نسيه، ثم أسند عن سعيد بن المسيب أنه ذكر له قول ابن عمر هذا، فقال: أما إنه قنت مع أبیه ولکنه نسی، ثم أُسند عن ابن عمر أنه کان یقول: " کبرنا ونسینا، ائتوا سعيد بن المسيب فاسألوه". فإن صح فهو ظاهر الدلالة على أن المراد أى مراد ابن المسيب بقوله إنه قنت مع أبيه، قنوت النوازل، وإلا فهل يتوهم عاقل أن أمرا من أمور الصلاة يفعل كل يوم ينساه ابن عمر ويقول: ما شهدته وما علمت؟ أو من هو أدنى منه بمراتب، بل إنما يتطرق النسيان إلى ما يكون فعله فى بعض الأحيان، ووقوعه فى بعض الأزمان. وبهذا يقطع كل عاقل تارك للتعصب أن القنوت لو كان سنة راتبة يفعله عليه الصلاة والسلام کل صبح، يجهر به ويؤمن من خلفه کما قال الشافعی، أو یسر به بحیث يقطع القراءة الجهرية ويسر مليا كما قال مالك، إلى أن يتوفاه الله تعالى، لن يتحقق فيه هذا الاختلاف، بل كان سبيله أن ينقل کنقل جهر القراءة ومخافته ونحو ذلك، قاله ابن أمیر حاج فى "غنية المستملى" (٤٠٠) ومثله قال ابن القيم فى "زاد المعاد"، إلى أن قال: والإنصاف الذى يرتضيه العالم المنصف أنه (مَّ) جهر (بالبسملة) وأُسر، وقنت وترك، وكان إسراره أكثرمن جهره، وتركه القنوت أكثرمن فعله، وإنما قنت عند النوازل للدعاء ج - ٦ إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر ١٠٣ ١٧٢٩- عن: عمران بن الحارث السلمى: ((صليت خلف ابن عباس الصبح فلم يقنت)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح، "آثار السنن" (٢١:٢). ١٧٣٠ - عن: مجاهد وسعيد بن جبير: ((أن ابن عباس كان لا يقنت فى صلاة الفجر)). أخرجه ابن أبى شيبة فى "المصنف"، وسنده صحيح "الجوهر النقى" (١٦٤:١). ١٧٣١- عن: الشعبى قال: ((لما قنت على فى صلاة الصبح أنكر الناس ذلك، فقال على: إنما استنصرنا على عدونا)). أخرجه ابن أبى شيبة وسنده صحيح، "الجوهر النقى" (١٦٤:١). لقوم وللدعاء على آخرين، ثم ترك لما قدم من دعا لهم وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض فلما زال ترك القنوت اهـ (١: ٧٠). قوله: "عن عمران" وقوله: "عن مجاهد إلخ". قلت: وفى رواية عن سعيد بن جبير عند الطحاوى بلفظ: ((صليت خلف ابن عمر وابن عباس، فكانا لا يقنتان فى صلاة الصبح)). وسنده صحيح (١٤٨:١). ولفظ عمران فى طريق عنده قال: ((صليت خلف ابن عباس الصبح فى داره فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده اهـ)). (أيضاً) ويعارضه ما رواه الطحاوى أيضا بطريق عوف عن أبى رجاء عن ابن عباس قال: ((صليت معه الفجر فقنت قبل الركعة)). وإسناده صحيح كما فى "آثار السنن" (١٩:٢) قال الطحاوى: فكان الذى يروى القنوت عن ابن عباس هو أبو رجاء وإنما كان ذلك وهو بالبصرة واليا عليها لعلى رضى الله عنه، وكان أحد من يروى عنه بخلاف ذلك سعيد بن جبير، وإنما كانت صلاته معه بعد ذلك بمكة، فكان مذهبه فى ذلك أيضًا مذهب عمر رضى الله عنه وعلى رضى الله عنه اهـ (١٤٨:١). يعنى أنه كان يقنت عند النازلة ويتركه فى غيرها فلا تعارض. إیراد بعض الناس على صاحب الجوهر النقی والجواب عنه: قوله: "عن الشعبى إلخ". قلت: أورد عليه بعض الناس أن الشعبى عن على منطقع، ثم نقل عن "تهذيب التهذيب" قول الحاكم فى "علومه": لم يسمع من عائشة ولا من ابن مسعود ولا من أسامة بن زيد ولا من على، إنما رآه رؤية اهـ. وقال الدارقطنى فى ١٠٤ إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر إعلاء السنن "العلل": لم يسمع الشعبى من على إلا حرفا واحدا ما سمع غيره، كأنه عنى ما أخرجه البخارى عنه عن على فى الرجم إلخ (٦٨:٥). قلت: فالشعبى عن على موصول عند مسلم، فإن عنعنة المعاصر محمولة عنده على اللقاء وإن لم يثبت السماع، وهو المذهب المنصور عند الجمهور، وقد ذكر له مسلم رحمه الله أمثلة من الأسانيد فى مقدمته، ثم قال: فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم لم يحفظ عنهم سماع علمناه فى رواية بعينها، ولا أنهم لقوهم فى نفس خبر بعينه، وهى أسانيد عند ذوى المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد، لا نعلمهم وهنوا منها شيئا قط، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض، إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر لكونهم جميعا فى العصر الذى اتفقوا فیه اهـ (٢٤:١). هذا وإن سلمنا انقطاعه فإن مراسيل الشعبى كلها صحاح عند القوم، فقد ذکر فی "التهذيب" أيضًا عن العجلى أنه قال: سمع الشعبى من ثمانية وأربعين من الصحابة، وهو أكبر من أبى إسحاق بسنتين، ولا يكاد الشعبى يرسل إلا صحيحا اهـ (٦٧:٥). وكذا فى "تذكرة الحفاظ" للذهبى قال أحمد العجلى: مرسل الشعبى صحيح اهـ (٧٥:١). وقال أبو على الخطيب: إن الشعبى سمع من على رضى الله عنه. وقد روى عنه عدة أحاديث، قاله المنذرى فى "مختصره" اهـ. فعلى قول الخطيب رواية الشعبى عن على موصولة لثبوت السماع عنده. وأيضا فلروايته تلك شاهد صحيح من مرسل أبى جعفر، قال صاحب "الجوهر النقى": وأظنه الباقر أنه قال لأبى إسحاق: "خرج على من عندنا (أى أهل المدينة) وما يقنت وإنما قنت بعد ما أتاكم". أخرجه ابن أبى شيبة: حدثنا وكيع ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق قال: فذكرت أبا جعفر القنوت، قال: فذكره، وهذا سند صحيح إلا أنه مرسل كذا فى "الجوهر" (١٦٤:١) ومن مرسل إبراهيم النخعى عند الطحاوى بسند صحيح، قال: حدثنا روح بن الفرح ثنا يوسف بن عدى ثنا أبو الأحوص عن مغيرة عن إبراهيم، قال: كان عبد الله لا يقنت فى الفجر، وأول من قنت فيها (أى بالكوفة) على رضى الله ٠١٠٥ ج - ٦ إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر ١٧٣٢- أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: ((أن النبى معَّه لم يقنت فى الفجر قط إلا شهرا واحدا لم ير قبل ذلك ولا بعده، وإنما قنت فى ذلك الشهر يدعو على أناس من المشركين). هذا حديث صحيح لا غبار عليه، كذا فى "فتح القدير" (٣٨٧:١). وصححه فى "شرح المنية" (ص-٣٩٩) أخرجه محمد فى "الآثار" (ص-٣٧) عن إبراهيم مرسلا، وزاد: ((وأن أبا بكر لم ير قانتا بعده حتى فارق الدنيا)). قال إبراهيم: وأن أهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن على، قنت يدعو على معاوية حين حاربه، وأما أهل الشام فإنما أخذوا القنوت عن معاوية، قنت يدعو على على حين حاربه)) اهـ. وسنده صحيح لكنه مرسل، ومراسيل النخعى صحاح كما مر غير مرة. عنه، وكانوا يرون أنه إنما فعل ذلك لأنه كان محاربًا اهـ (١٤٨:١). ومرسلان صحيحان فى حكم موصول صحيح، بل هما أولى منه إذا تعارضا، قاله العينى فى "العمدة". (٨٨٥:١) فإيراد بعض الناس على صاحب "الجوهر" مردود عليه، والحق ما قاله صاحب. "الجوهر": إن رواية الشعبى هذه عن على صحيحة، والله أعلم. قلت: وفى أثر الشعبى هذا دلالة على خطأ الحازمى فى قوله: إن القنوت فى الفجر ذهب إليه أكثر الناس من الصحابة والتابعين إلخ (٩٠ و٩١)، فلو كانوا يقنتون فيها ما استنكروا ذلك على على رضى الله عنه، فالحق أنهم ما كانوا يقنتون فيها إلا قليلا، ولذا استنكروا ذلك من على، والله أعلم. قوله: "أبو حنيفة عن حماد إلخ". قلت: وأخرجه الطحاوى بطريق شريك بن أبى حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بلفظ: ((لم يقنت النبى معَ ةٍ إلا شهرا لم يقنت قبله ولا بعده اهـ)) (١٤٤:١). وأعله الحازمى بأبى حمزة ميمون القصاب، وحكى تضعيفه عن عدة من الأئمة. قلت: ولكنه لم یتهم بكذب، وقال الترمذى: قد تكلم فيه من قبل حفظه، وقال يعقوب بن سفيان: ليس بمتروك الحديث ولا هو حجة اهـ. ملخصا من "التهذيب" (٣٩:١٠) ومثله يقبل حديثه لا سيما فى المتابعات وأصل احتجاجنا بما رواه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، وهذا سند صحیح بلا شك وتعضده رواية أبى حمزة، فصار الأثر قويا بتعدد الطرق إلى إبراهيم، واندحض ما قاله الحازمى، ولعله لم يطلع على ١٠٦ إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر إعلاء السنن ١٧٣٣- عن: غالب بن فرقد الطحان، قال: ((كنت عند أنس بن مالك شهرين فلم يقنت فى صلاة الغداة)). رواه الطبرانى وإسناده حسن "آثار السنن" (٢١:٢). ١٧٣٤- عن: عمرو بن دينار قال: ((كان عبد الله بن الزبير رضى الله عنه يصلى بنا الصبح بمكة فلا يقنت)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح "آثار السنن" (٢١:٢). ١٧٣٥- حدثنا: فهد قال: ثنا الحمانى قال: ثنا ابن مبارك عن فضيل بن غزوان عن الحارث العكلى عن علقمة بن قيس، قال: ((لقيت أبا الدرداء بالشام فسألته عن القنوت، فلم يعرفه)) أخرجه الطحاوى (١٤٩:١) وسنده صحيح، والحارث العكلى هو الحارث بن يزيد ثقة فقيه من السادسة، كذا فى "التقريب" (ص-٣٣). ١٧٣٦- أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: ((أن ابن مسعود لم يقنت هو ولا أحد من أصحابه حتى فارق الدنيا، يعنى فى صلاة الفجر)). أخرجه محمد فی "الآثار" (ص-٣٧) وسنده صحيح إلا أنه مرسل، ومراسيل النخعی صحاح عندهم لا سيما عن ابن مسعود. ١٧٣٧ - عن: ابن وهب عن معاوية بن صالح عن عبد القاهر هو ابن عبد الله عن خالد بن أبى عمران، قال: بينما رسول الله عٍَّ يدعو على مضر إذا طريق أبى حنيفة عن حماد وإلا لم يقل ما قال. قوله: "عن غالب بن فرقد" إلى قوله: "أخبرنا أبو حنيفة إلخ". قلت: دلالة الآثار على ترك أجلة من الصحابة القنوت فى الفجر وعدم معرفة أبى الدرداء إياه ظاهرة، وفيه دليل صريح على أن القنوت فيها ليس بسنة راتبة قد واظب عليها النبى معَ ظهر كل يوم، وإلا لم يتركها هؤلاء الأجلة ولم يجهله مثل أبى الدرداء. قوله: "عن ابن وهب إلخ". قلت: دلالته على لفظ القنوت ظاهرة، واستدل به الحازمى فى "الاعتبار" على أن القنوت فى الفجر لم ينسخ مطلقا وإنما نسخ اللعن على. ج - ٦ إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر ١٠٧ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت، فقال: يا محمد! إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمةً ولم يبعثك عذابا، ليس لك من الأمر شيءٍ(١) أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. قال: ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخنع لك(٢) ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلی ونسجد وإليك نسعى ونحفد(٣) ونرجو رحمتك ونخشی عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق)). أخرجه سحنون فى "المدونة الكبرى" (١٠٠:١). وفيه عبد القاهر ذكره ابن حبان فى الثقات كما فى "التهذيب" (٣٦٨:٦) وخالد بن أبى عمران من الطبقة الصغرى من التابعين، فالأمر مرسل، وقال الحازمى فى "الاعتبار" (ص- ٩٠): أخرجه أبو داود فى المراسيل، وهو حسن فى المتابعات اهـ. ١٧٣٨- عن: عبد الرحمن بن أبزى، قال: ((صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح، فلما فرغ من السورة فى الركعة الثانية قال قبل الركوع (وفى الكفار، بدليل ما فى الأثر ((أن جبرئيل أومأ إليه: أن اسكت، فسكت، ثم علمه هذا القنوت)). فدل على أن القنوت بمعنى الدعاء والثناء باق لم ينسخ، قلنا: نعم، ولكن ليس فى الأثر ما يدل على كون ذلك الفجر، ولم يرد فى أثر ما أنه مرّ له قنت بهذا الدعاء أو بـ ((اللهم اهدنى فيمن هديت)) فى صلاة الفجر مرة فى الدهر، ولو فعل ذلك لنقل، فيمكن حمله على قنوته فى الوتر ويحتمل أنه كان يلعن الكفار فى الوتر أيضاً، فنهى عن ذلك وأوحى إليه هذا القنوت فجعله فى الوتر مكان ما كان يلعن به، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. قوله: "عن عبد الرحمن بن أبزى" وقوله: "وكيع إلخ". قلت: دلالتهما على لفظ القنوت ظاهرة. (١) شىء اسم ليس وخبرها قوله لك، ومن الأمر حال من شىء لأنها صفة متقدمة، كذا فى "الكمالين"، وأو بمعنى إلى أن، كذا فى "الجلالين". (٢) الخنع الخضوع والذل، والخانع الذليل الخاضع كما فى "مجمع البحار". (٣) الحفد شتاب كردن بخدمت من ضرب ومنه فى الدعاء وإليك نسعى ونحفد (صراح) ١٠٨ · إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر إعلاء السنن رواية الطحاوى بعد الركوع): اللّهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك الخير كله ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك)). ثم ذكر نحوه سواء غير أنه لم يذكر الجد(١) رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" وابن الضريس فى " فضائل القرآن"، ورواه البيهقى فى "سنته" وصححه، "كنز العمال (٤: ١٩٨). ١٧٣٩ - وفى "الإتقان" (٦٩:١) من رواية ابن الضريس عنه قال فى مصحف ابن عباس: قراءة أبى وأبى موسى بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك إلخ. وسنده حسن. ١٧٤٠- و کیع: عن سفيان عن حبیب بن أبی ثابت عن عبد الرحمن بن سويد الكاهلى: ((أن عليا قنت فى الفجر: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك الخیر ولا نکفرك ونخنع ونخلع ونترك من یفجرك))، ثم ذكره بنحو أُثر" عمر رضى الله عنه، رواه سحنون فى "المدونة" (١٠٠:١)، وسنده لا بأس به إلا أن عبد الرحمن بن سويد لم أقف على من ترجمه، وهو ثقة على قاعدة ابن حبان المذكورة فى "المقدمة". ١٧٤٢ - عن: أبى الحوراء، قال: قال الحسن بن على: ((علّمنى رسول الله مر طفلي كلمات أقولهن فى الوتر (زاد النسائى: "فى القنوت"، وقد تقدم): اللهم قوله: "عن أبى الحوراء إلخ". قلت: دلالته على لفظ الدعاء فى قنوت الوتر ظاهرة، وقد رواه البيهقى من طريق عبد المجيد بن أبى رواد عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن هرمز - وليس هو الأعرج- عن بريد بن أبى مريم، سمعت ابن الحنفية وابن عباس يقولان: ( کان النبی مێّ یقنت فی صلاة الصبح وفى وتر الليل بهؤلاء الكلمات)). ورواه من طريق الوليد بن مسلم وأبى صفوان الأموى عن ابن جريج بلفظ: ((يعلمنا دعاء ندعو به فی القنوت من صلاة الصبح)». ورواه مخلد بن یزید عن ابن جریج، فقال: «فی قنوت الوتر»، قال الحافظ فى "التلخيص" بعد ذكره ذلك كله: وعبد الرحمن بن هرمز يحتاج إلى الكشف عن حاله اهـ (٩٤:١). يعنى أنه مجهول كما صرح به فى "تهذيب التهذيب" (١) قلت: أخرجه الطحاوى بسند حسن وفيه نخشى عذابك الجد اهـ (١٤٧:١). ج- ٦ إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر ١٠٩ اهدنى فيمن هديت وعافنى فيمن عافيت، وتولنی فیمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقنى شر ما قضيت فإنك تقضى ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت)). رواه الترمذى (٦٢:١). وقال: هذا حديث حسن، ولا نعرف عن النبى ◌ّ لّه فى القنوت شيئا أحسن من هذا. قلت: وزاد النسائى (١٥٢:١) بطريق عبد الله بن على عن الحسن بن على فى آخره: (وصلى الله على النبى محمد)). وقال النووى فى " الخلاصة: وإسنادها صحيح (٢٩١:٦) فلا يصح الاحتجاج به على أنه مرّ قنت بهؤلاء الكلمات أو أنه علمها للقنوت فى الصبح، بل غاية ما ثبت عنه أنه علم الحسن بن على أن يدعو بها فى الوتر أو فى قنوت الوتر، وقد روى الحاكم فى "المستدرك" من طريق عبد الله بن سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة، قال: ((كان رسول الله مّ له إذا رفع رأسه من الركوع فى صلاة الصبح فى الركعة الثانية رفع يديه فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدنى فيمن هديت)) إلخ. قال الحاكم: صحيح، وقال الحافظ فى "التلخيص": ليس كما قال، فهو ضعيف لأجل عبد الله، فلو كان ثقة لكان الحديث صحيحا، وكان الاستدلال به أولى من الاستدلال بحديث الحسن بن على الوارد فى قنوت الوتر اهـ (٩٥:١). قال فى "الدر": ويسن الدعاء المشهور، ويصلى على النبى عٍَّ، به يفتى اهـ. وفى "رد المحتار": ذكر فى "البحر" عن الكرخى: أن القنوت ليس فيه دعاء موقت، وذكر الإسبيجابى أنه ظاهر الرواية، وقال بعضهم: المراد ليس فيه دعاء موقت ما سوى اللهم إنا نستعينك إلخ (٦٩٧:١) وحاصله: أن القنوت لا توقيت فيه وجوبا ولكن يسن عندنا أن يقنت باللهم إنا نستعينك. قال فى "شرح المنية": والأولى أن يضم إليه ما تقدم عن الحسن أنه قال: ((علمنى رسول الله عَّ كلمات أقولهن فى الوتر إلخ)) (ص-٣٩٨). فإن قيل: كان الأولى أن يكون القنوت فى الوتر بما علمه النبى معَّ الحسن بن على سنةً، لما فيه من التصريح بأن يقوله فى الوتر، فمن أين قلتم بسنية الدعاء باللهم إنا نستعينك؟ مع أنه لم يرد فى أثر ما تصريح بأنه مّ كان يدعو به فى قنوت الوتر، أو علم أحدا أن يجعله فيه. قلنا: قد ثبت أنه ◌ّ كان يقنت فى الركعة الثالثة من الوتر، ثم تتبعنا الروايات فلم نجد دعاء : ١١٠ إعلاء السنن إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر أو حسن، كذا فى "نصب الراية" (٢٨٠:١)، وفى" التلخيص الحبير" (٩٤:١): قال النووى فى "شرح المهذب": إنها زيادة بسند صحيح أو حسن، قال الحافظ: وليس كذلك، وأعله بالانقطاع والاضطراب، قال: وزاد بعضهم فيه: ((ولا يعز من عاديت))، هذه الزيادة ثابتة فى الحديث، رواها البيهقى من طريق إسرائيل بن يونس عن أبى إسحاق عن بريد ابن أبى مريم عن الحسن أو الحسين بن على، فساقه بلفظ الترمذى وزاد: ((ولا يعز من عاديت)) اهـ. ١٧٤٢- وفیه أيضًا: روی محمد بن نصر المروزى وغيره من طرق: ((أن أبا حليمة(١) معاذًا القارئ كان يصلى على النبى عَِّ فى القنوت)) اهـ. أطلق عليه لفظ القنوت غير هذا الدعاء، فقد عرفت فى أثر خالد بن أبى عمران أنه قال: ((بينما رسول الله عَّ يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت، إلى أن قال: ثم علمه هذا القنوت اللهم إنا نستعينك)) إلخ. فقلنا بأفضلية هذا الدعاء وسنية القنوت به لكونه لم يطلق لفظ القنوت إلا عليه دون سائر الأدعية، ثم رأينا عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب قنتا به فى صلاة الفجر جهرا دون اللهم اهدنى فيمن هديت، وأيضًا: فهو ما نزل به جبريل عليه السلام وعلم النبى معٍَّ أن يقنت به، فكان القنوت به أولى. وأما الذى رواه الحسن بن على فليس فيه دلالة على كون هؤلاء الكلمات قنوتًا، بل لفظه يشعر بأنها كلمات علمها النبى معَّر أن يقولهن فى قنوت الوتر، وظاهره أن القنوت ما عدا هؤلاء الكلمات، فالحق ما قاله فى "الدر": ويسن الدعاء المشهور أى اللهم إنا نستعينك إلخ. ويستحب أن يضم إليه اللهم اهدنى فيمن هديت إلخ كما قاله فى "شرح المنية" فافهم. وأما ثبوت الصلاة على النبى مَ ◌ّهِ فى القنوت فقد ذكرنا فى المتن ما يدل عليه، والله أعلم. وأما ما أخرجه الأربعة وحسنه الترمذى (عن على) أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول فى آخر وتره: ((اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك))، فقد ذكر فى "الحلية" أنه (١) هو صحابى كما فى "التجويد" للذهبى و"الاختبار" للحازمى. ٥ ج - ٦ إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر ١١١ ١٧٤٣- عن: النبى ◌ّ له أنه قال: ((خير الدعاء الخفی))، رواه ابن حبان فى "صحيحه" كذا فى "البحر الرائق" (٢: ٤٦). ١٠٧٤٤- عن: سعد بن أبى وقاص، قال: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: ((خير الذكر الخفى))، وخير الرزق أو العيش ما يكفى))، الشك من ابن وهب، رواه أبو عوانة وابن حبان فى "صحيحيهما" والبيهقى، كذا فى "الترغيب" (ص-٥٠٨) وعزاه فى "العزيزى" (٢٤٠:٢) إلى مسند الإمام أحمد أيضًا، وقال: بإسناد صحيح اهـ. وفى "المقاصد الحسنة" (ص-٩٨): صححه ابن حبان وأبو عوانة اهـ. ١٧٤٥- عن: أنس رضى الله عنه مرفوعًا: ((دعوة فى السر تعدل سبعين دعوةٌ فى العلانية)) رواه أبو الشيخ فى "الثواب"، قال الشيخ: حديث صحيح "العزيزى" (٢٦٠:٢). جاء فى بعض روايات النسائى أنه كان يقوله إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه اهـ، من "رد المحتار" ملخصا (٦٩٧:١). قلت: وكذا ذكره فى "نزل الأبرار" ناقلا عن الأذكار للنووى بما لفظه: وعن على كرم الله وجهه: أن رسول الله مَّ ه كان يقول فى آخر وتره: اللهم إنى أعوذ برضاك إلخ. أخرجه أهل السنن الأربع وأحمد والحاكم وصححه، والبيهقى مقيدا بالقنوت والدارمى وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان، وليس فيه ذكر الوتر، قال الترمذى بعد إخراجه: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه إلا من تحديث حماد بن سلمة، وفى رواية للنسائى: ((وكان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه)) إلخ (ص-١٣١). قوله: "عن النبى مَّ إلى قوله: عن أنس مرفوعًا إلخ". الجدیث بعمومه يدل على استحباب إخفاء القنوت، فإنه دعاء کسائر الأدعية، و کذلك الذی بعده عن سعد فإن القنوت ذكر من وجه، وبه نقول فى قنوت الوتر، قال فى "الدر المختار": يقنت مخافتا على الأصح مطلقا (أى سواء كان إمام أو منفردا) وفى "رد المحتار": وكذا فى "المحيط" وفى "الهداية": أنه المختار اهـ. وفيه أيضًا تحت قول "الدر": الحديث خير الدعاء الخفى: ١١٢ إعلاء السنن إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر أفاد أن المخافة ليست بواجبة (٦٩٨:١). وأما قنوت النوازل: فالراجح فيه عندنا وعند شيخنا الجهر به، ولم يتعرض فقهاؤنا بالبحث عنه سوى ما قاله ابن عابدين فى "رد المحتار": والذى يظهر لى أن المقتدى يتابع إمامه إلا إذا جهر به فيؤمن اهـ (٧٠٢:١). واختلفوا فى قنوت الوتر فالأصح الإخفاء به كما مر، وفصل بعضهم بين أن يعلمه القوم فالأفضل للإمام الإخفاء وإلا فالجهر، وفى "المنية": ومن اختار الجهر اختاره دون جهر القراءة اهـ. من "رد المحتار" ملخصا (٦٩٨:١). وفى "البدائع": ذكر القاضى فى شرح مختصر الطحاوى "أنه إن كان منفردا فهو بالخيار إن شاء جهر وأسمع غيره، وإن شاء جهر وأسمع نفسه، وإنشاء أسر، كما فى القراءة، وإن كان إماما يجهر بالقنوت لكن دون الجهر بالقراءة فى الصلاة، والقوم يتابعونه إلى قوله: إن عذابك بالكفار ملحق"، وإذا دعا الإمام بعد ذلك هل يتابعه القوم؟ فى قول أبى يوسف يتابعونه ويقرأون، وفى قول محمد لا يقرؤون ولكن يؤمنون، إلى أن قال: واختار مشايخنا بما وراء النهر الإخفاء فى دعاء القنوت فى حق الإمام والقوم جميعا، لقوله تعالى، وادعوا ربكم تضرعا وخفية، وقول النبى مّ له: خير الدعاء الخفى إلخ (٢٧٤:١). قلت: وإنما كان الراجح عندنا فى قنوت النازلة الجهر بحديث أبى هريرة عند البخارى: ((أن النبى ◌ّ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع)». الحديث، وفيه: ((يجهر بذلك)) كما ذكرناه فى المتن، وهو الحديث الثامن من الباب. وقال الحافظ فى "التلخيص الحبير" بعد ذكره ذلك ما نصه: ويمكن الفرق بين القنوت الذى فى النوازل فيستحب الجهر فيه كما ورد، وبين الذى هو راتب إن صح(١) فليس فى شىء من الأخبار ما يدل على أنه جهر به، بل القياس أنه يسر به كباقى الأذكار التى تقال فى الأذكار (٩٥:١). قلت: وأيضًا: فإن قنوت النوازل لا يعلمه العوام بل كثير من الخواص أيضاً، فالأفضل الجهر به كما هو مقتضى تفصيل البعض من فقهائنا، وهو تفصيل حسن، وقد (١) فيه دلالة على أن ثبوت القنوت الراتب فى الفجر متردد فيه عند الحافظ ولذا لم يخرج به ما قال: إن صح، قلت: ولكنه لم يصح كما أسلفناه سابقا فتدبر (مؤلف). ج - ٦ أحكام القنوت النازلة ١١٣ ذكر القاضى فى شرح مختصر الطحاوى أن الإمام يجهر به قولا واحدا كما مر، فرجحنا من الروايات فى المذهب ما وافقت الحديث المرفوع، وهى رواية الجهر للإمام، ولكن لا مطلقا بل فى قنوت النازلة للعة التى ذكرناها، وهى كون الحدیث واردا فيها، والله تعالى أعلم. تتمة فى بقية أحكام قنوت النازلة: اعلم أن الكلام فى قنوت النوازل فى مواضع: الأول: أن محله صلاة الفجر خاصة أم الجهرية أو الصلوات كلها؟ الثانى: كونه بعد الركوع أو قبله؟ والثالث: كونه سرا أو جهرا؟ والرابع: هل يقنت المؤتمون أو يؤمنون؟ الخامس: هل يؤمنون سرا أو جهرا؟ السادس: هل ترفع الأيدى قبله أم لا؟ السابع: هل يكبر له أم لا؟ الثامن: هل يضع اليدين حال قراءته أم يرسلهما؟ التاسع: هل يرفع اليدين حال قراءته كرفعهما فى الذعاء خارج الصلاة؟ العاشر: هل القنوت عند النازلة مشروع عندنا أم لا؟ أما العاشر: فالظاهر من كلام الطحاوى فى "معنى الآثار" له أن أبا حنيفة وصاحباه لا يقولون بالقنوت فيما سوى الوتر مطلقا، لا فى حال الحرب ولا فى غيرها، ونصه: قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن مسعود لم یکن یقنت فی دهره کله، وقد كان المسلمون فى قتال عدوهم فى كل ولاية عمر أو أكثرها، فلم يكن يقنت كذلك، وهذا أبو الدرداء ينكر القنوت، وابن الزبير لا يفعله وقد كان محارباً حينئذ، لأنه لم نعلمه أم الناس إلا فى وقت ما كان الأمر صار إليه، فقد خالف هؤلاء عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم أجمعين فيما ذهبوا إليه من القنوت فى حال المحاربة بعد ثبوت زوال القنوت فى حال عدم المحاربة، فلما اختلفوا فى ذلك وجب كشف ذلك من طريق النظر، إلى أن قال: فثبت بما ذكرنا أنه لا ینبغی القنوت فى فجر فى حال حرب ولا غيره قياسا ونظرا على ما ذكرنا من ذلك، وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالی اهـ (١٩:١). ويشهد لما حكاه عنهم سكوت أصحاب المتون عن قنوت النازلة قاطبة، وكذا. أصحاب الشروح من المتقدمين، كصاحب "الهداية" و"البدائع" وغيرهما، ولم يذكره ١١٤ أحكام القنوت النازلة إعلاء السنن قاضی خان فى فتاواه أيضًا، ويؤيده حملهم قول أنس: ((إن رسول الله مآ قنت شهرا يدعو على أحياء من العرب ثم تركه))، رواه مسلم، وحديث أبى هريرة: ((أن رسول الله ◌َ ◌ّ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع)»، الحديث. وفيه: حتى أنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيءٍ﴾. أخرجه الشیخان، وحدیث سالم عن ابن عمر: ((أنه سمع رسول الله مَ ◌ّه إذا رفع رأسه من الركمة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ إلى قوله: ﴿فإنهم ظالمون). أخرجه البخارى كما تقدم ذلك كله على نسخ القنوت فى الفجر، ولم يحملوه على نسخ اللعن دون الدعاء كما فعله الشافعية، ولا على نسخ الدوام يشعر به إطلاق قولهم: يقنت فى الوتر لا الفجر، لأنه منسوخ، ولو كان القنوت فيه عند النوازل مشروعا لم يطلقوا القول بنسخه. ولكن قال العلامة الشامى تحت قول "الدر": ولا يقنت لغيره أى لغير الوتر إلا النازلة فيقنت الإمام فى الجهرية، وقيل: فى الكل اهـ ما نصه: يوافقه ما فى "البحر" و"الشرنبلالية" عن "شرح النقابة" عن "الغاية": وإن نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام فى صلاة الجهر، وهو قول الثوری وأحمد اهـ. وكذا ما فى شرح الشيخ إسماعيل عن "البناية": إذا وقعت نازلة قنت الإمام فى الصلاة الجهرية، لكن فى "الأشباه" عن "الغاية": قنت فى صلاة الفجر، ويؤيده ما فى : "شرح المنية" حيث قال بعد كلام: فتكون شرعيته أى شرعية القنوت فى النوازل مستمرةً، وهو محمل قنوت من قنت من الصحابة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وهو مذهبنا وعليه الجمهور، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوى: إنما لا يقنت عندنا فى صلاة الفجر من غير بلية، فإن وقعت بلية أو فتنة فلا بأس به، فعله رسول الله س﴾ ﴾ إلى أن قال: ومفاده أن قولهم بأن القنوت فى الفجر منسوخ معناه نسخ أصله ما نبه عليه نوح آفندی اهـ (٧٠٢:١). وفيه أيضًا النازلة الشديدة من شدائد الدهر اهـ. ووفق شيخنا بين رواية الطحاوى عن أثمتنا أولا وبين ما حكى عنه شارح "المنية" ثانيا: بأن القنوت فى الفجر لا يشرع . ج - ٦ أحكام القنوت النازلة ١١٥ لمطلق الحرب عندنا، وإنما يشرع (١) لبلية شديدة تبلغ بها القلوب الحناجر، والله أعلم. ولولا ذلك للزم الصحابة القائلين بالقنوت للنازلة أن يقنتوا أبدا ولا يتركوه يوما، لعدم خلو المسلمين عن نازلة ما غالباً لا سيما فى زمن الخلفاء الأربعة اهـ. قلت: وهذا هو الذى يحصل به الجمع بين الأحاديث المختلفة فى الباب، وأما دعوى نسخ القنوت فى الفجر مطلقا فتردها آثار الصحابة وقنوتهم بعد وفاته منّبِّ أحيانًا، قال محدث الهند فى "الحجة البالغة": واختلفت الأحاديث ومذاهب الصحابة والتابعين فى قنوت الصبح، وعندى أن القنوت وتركه سيان، ومن لم يقنت إلا عند حادثة عظيمة أو كلمات يسيرة إخفاء قبل الركوع أحب إلى، لأن الأحاديث شاهدة على أن الدعاء على رعل وذکوان كان أولا ثم ترك، وهذا وإن لم يدل على نسخ مطلق القنوت لكنها تومئ إلى أن القنوت ليس سنة مستقرةً، أو نقول: ليس وظيفة راتبةً، وهو قول الصحابى: ((أى بنى محدث)). يعنى المواظبة عليه، وكان النبى مرّ له وخلفاؤه إذا نابهم أمر دعوا للمسلمين وعلى الكافرين بعد الركوع أو قبله، ولم يتركوه بمعنى عدم القول عند النائبة اهـ (٩:٢). هذا ما كان يتعلق بالعاشر من الأمور العشرة. وأما الأول: فظاهر كلام "الدر" يفيد أن محله الصلوات الجهرية على الراجح، وقيل: فى الكل كما مر، وكذا ذكره فى "البحر" معزيا إلى "الغاية" من قوله فى صلاة الجهر، قال ابن عابدين فى حاشيته عليه: ولعله محرف عن الفجر، وقد وجدنا بهذا اللفظ فى حواشى مسكين وكذا فى "الأشباه"، وكذا فى شرح الشيخ إسماعيل، لكنه عزاه إلى "غاية البيان". ولم أجد المسألة فيها، فلعله اشتبه عليه "غاية السروجى" بـ "غاية البيان"، لكن نقل عن "البناية" ما نصه: إذا وقعت نازلة قنت الإمام فى الصلاة الجهرية إلى أن قال: ولعل فى المسألة قولين، فليراجع اهـ (٤٤:٢). وقال فى "رد المحتار" تحت قول "الدر": وقيل: فى الكل، ما نصه: قد علمت أن (١) يؤيد ذلك ما فى "المغنى" لابن قدامة: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن القنوت فى الفجر، فقال: إذا نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام وأمن من خلفه، ثم قال: مثل ما نزل بالمسلمين من هذا الكافر بابك اهـ (٧٩٢:١" فهذا التمثيل يفيد أن القنوت عنده ليس لكل بلية بل لنازلة شديدة. ١١٦ أحكام القنوت النازلة إعلاء السنن هذا لم يقل به إلا الشافعى، وعزاه فى "البحر" إلى جمهور أهل الحديث، فكان ينبغى عزوه إليهم لئلا يوهم أنه قول فى المذهب اهـ (٧٠٢:١). قلت: واستدل جمهور أهل الحديث بما رواه مسلم عن البراء، قال: ((قنت رسول الله مٌَّ فى الفجر والمغرب)) (٢٣٧:١). وبما رواه مسلم أيضا عن أبى هريرة: ((أن رسول الله عَّةٍ بينما هو يصلى العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نج عياش بن ربيعة)) الحديث (٢٣٧:١). وبما رواه أيضا عنه قال: «لأقربن بكم صلاة رسول الله منه، فكان أبو هريرة يقنت فى الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين ويلعن الكفار)) (٢٣٧:١). وبما رواه البخارى عن أنس، قال: ((كان القنوت فى المغرب والفجر)) (١٣٦:١)، وبما رواه أبو داود عن ابن عباس، قال: ((قنت رسول الله مطل}. شهرا متتابعا، فى الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح فى دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على رعل وذكوان ويؤمن من خلفه) (٥٤١:١ مع "العون"). وفيه هلال ین خباب أبو العلاء العبدی قد وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم الرازى، وقال: كان يقال: تغير قبل موته، وقال العقيلى: فى حديثه وهم وتغير بآخره، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، كذا فى "العون" (١: ٥٤١). قلت: وقد تفرد بذكر الظهر والعصر، ولكن ابن القيم صحح الحديث فى "الهدى" (٧٣:١)، وحسنه الحازمى فى "الاعتبار" (ص-٨٦) ويشهد له ما أخرجه الدار قطنى (١٧٧:١) والطيرانى كما فى "زاد المعاد" (٧٣:١) والحازمى فى "الاعتبار" (ص-٨٦) من حديث محمد بن أنس: ثنا مطرف بن طريف عن أبى الجهم عن البراء بن عازب: ((أن النبى مَّلآ كان لا يصلى صلاة مكتوبة إلا قنت فيها)) اهـ. قال ابن القيم: وهذا الإسناد وإن كان لا يقوم به حجة فالحديث صحيح من جهة المعنى، لأن القنوت هو الدعاء، ومعلوم أن رسول الله مظهر لم يصل صلاة مكتوبة إلا دعا فيها اهـ. قلت: والأولى أن یحمل حدیث براء هذا علی حدیث ابن عباس، وأنه حکی صلاته التى كانت فى الشهر الذى دعا فيه على رعل وذكوان كما حكاها ابن عباس. وأجاب أصحابنا الحنفية عن تلك الروايات بما فى "شرح المنية" ونصه: وأما ١١٧ ج - ٦ أحكام القنوت النازلة القنوت فى الصلوات كلها عند النوازل فلم يقل به إلا الشافعى، وكأنهم (أى الحنفية) حملوا ما روى عنه مَّهِ أنه قنت فى الظهر والعشاء على ما فى مسلم، وأنه قنت فى المغرب أيضًا على ما فى البخارى على النسخ لعدم ورود المواظبة والتكرار الواردين فى الفجر عليه عنه الصلاة والسلام اهـ (ص-٤٠٠). وقال ابن عابدين فى "ردّ المحتار" بعد ذكره قول شارح "المنية": هذا وهو صريح فى أن قنوت النازلة عندنا مختص بصلاة الفجر دون غيرها من الصلوات الجهرية أو السرية اهـ (٧٠٢:١). قلت: ويؤيد القول بنسخه فى سائر الصلوات دون الفجر ما رواه الدارقطنى والبيهقى وغيرهما من حديث عبيد الله بن موسى عن أبى جعفر الرازى عن الربيع بن أنس، عن أنس: ((أن النبى مَِّ قنت شهرا يدعو على قاتلى أصحابه ببئر معونة ثم ترك، فأما فى الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا)). كذا فى "التلخيص الحبير" (٩٣٫٩٢:١) ومعناه عندنا لم يزل يقنت عند النازلة كما تقدم، وما رواه البيهقى من طريق حماد عن إبراهيم عن الأسود قال: ((صليت خلف عمر فى الحضر والسفر فما كان يقنت إلا فى صلاة الفجر)). كما فى "التلخيص" أيضا (نفس المرجع). وأيضا: فإن الأحاديث المرفوعة لا تفيد بقاء قنوت النوازل صراحةً، بل صار أمرا مجتهدا فیه، وذلك أنه لم يؤثر عنه مګے أنه قال: لا قنوت فی نازلة بعد هذه، بل مجرد العدم بعدها، فیتجه الاجتهاد بأن یظن أن ذلك إنما هو لرفع شرعیته ونسخه نظرا إلى سبب تركه عليه الصلاة والسلام، وهو أنه ترك لما نزل: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، أو أنه لعدم وقوع نازلة تستدعى القنوت بعدها فتكون شرعية مستمرة، ثم نظرنا إلى أفعال الصحابة فوجدناهم قنتوا بعد وفاته مرّ ◌ُّ فى الفجر، فترجح جانب شرعيته عند النازلة على نسخه مطلقا، ولكن لم يثبت عنهم ذلك إلا فى الفجر فحسب، فعلمنا أن القنوت فيما سواها من الصلوات منسوخة مطلقا وإلا لقنتوا فيما سواها أيضًا. على أن ما ورد فيه القنوت فيما عدا الفجر مرفوعا لم يخل عن تفرد راويه به وشذوذه فى ذلك من بين الجماعة. أما ما ورد عن البراء عند مسلم وغيره: (أنه مرِّ قنت فى المغرب)) فقال أحمد: لا يروى عن النبى ◌ّظهر أنه قنت فى المغرب إلا فى هذا الحديث كما فى "التعليق المغنى" ١١٨ أحكام القنوت النازلة إعلاء السنن (١٧٧:١) وما ورد عن أنس: ((كان القنوت فى المغرب والفجر))، تفرد به عنه أبو قلابة عند البخاری، وما ورد عن البراء: «أنه مپے کان لا یصلی صلاة مكتوبة إلا قنت فيها))، تفرد به محمد بن أنس عن مطرف لم يروه عنه غيره، قال الطيرانى كما فى "زاد المعاد" (٧٣:١): ومحمد بن أنس مختلف فى الاحتجاج به، ولذا قال ابن القيم: هذا الإسناد لا يقوم به حجة كما مر، وحديث ابن عباس فى القنوت فى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح تفرد به هلال بن خباب، وهو مختلف فى الاحتجاج به، فلم يثبت القنوت فيما عدا الفجر كثبوته فيها. هذا وقد ورد عن أنس ما يدل على تركه مرّ خلّ إياه فيما عدا الفجر، وكذا الخلفاء بعده لم يقنتوا فيما سواها كما تقدم، فترجح القول بنسخه فيما سواها مطلقا، فافهم. فإن بعض الناس لم يتبه لهذه الدقيقة التى نبهناك عليها فصار يرجح القول بشرعيته فى الصلوات كلها عند النازلة تبعا لجمهور المحدثين. وفى "المغنى" للحافظ بن قدامة: قال عبد الله عن أبيه (الإمام أحمد): كل شىء يثبت عن النبى مَّ فى القنوت إنما هو فى الفجر، ولا يقنت فى الصلاة إلا فى الوتر والغداة إذا كان مستنصرا يدعو للمسلمين، وقال أبو الخطاب: يقنت فى الفجر والمغرب لأنهما صلاتا جهر فى طرفى النهار، وقيل: يقنت فى صلاة الجهر كلها قياسا على الفجر، ولا يصح هذا، لأنه لم ينقل عن النبى معٍَّ ولا عن أحد من أصحابه القنوت فى غير الفجر. والوتر اهـ. (٧٩٢:١) وفى "الشرح الكبير" له: متى نزل بالمسلمين نازلة فللإمام أن يقنت فى صلاة الصبح فى المنصوص عن أحمد فى رواية الأثرم، وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن القنوت فى الفجر، فقال: لو قنت أياما معلومة ثم ترك كما فعل النبى معد له (فعل) وبه قال الثورى وأبو حنيفة لما ذكرنا من الحديث اهـ (٧٣٠:١). قلت: وفيه بيان غاية القنوت للنازلة أنه ينبغى أن يقنت أياما معلومة عن النبى مدبلے، وهى قدر شهر كما فى الروايات عن أنس: ((أنه مرّ لّ قنت شهرا ثم ترك)) فاحفظه فهذا غاية اتباع السنة النبوية، سمعت الشيخ أطال الله بقائه: أن مولانا محمد قاسم النانوتوى لم يختف فى أيام الغدر بالهند سوى ثلاثة أيام مع كونه متهما بالغدر عند الحكومة و كونها بصدده، فقيل له فى ذلك، فقال: إن رسول الله مګآ لم يختف وقت الهجرة فى غار ثور ج - ٦ أحكام القنوت النازلة ١١٩ إلا ثلاثة أيام، فهذا هو الجد المعلوم بالسنة فلا أزيد عليه اهـ. وأما الثانى: فقال فى "رد المحتار": وهل القنوت هنا قبل الركوع أم بعده، لم أره، والذى يظهر لى أن يقنت بعد الركوع لا قبله، بدليل أن ما استدل به الشافعى رحمه الله على قنوت الفجر وفيه التصريح بالقنوت بعد الركوع حمله علماؤنا على القنوت للنازلة، ثم رأيت الشرنبلالى فى "مراقى الفلاح" صرح بأنه بعده، واستظهر الحموى أنه قبله والأظهر ما قلناه (٧٠٢:١). قلت: حديث أنس فى الصحيح يفيد القنوت للنوازل بعد الر کوع، و کذا حديث أبى هريرة، وقد ذكرناهما فی المتن، وروى ابن ماجه بطريق حميد عن أنس قال: ((سئل عن القنوت فى صلاة الصبح فقال: كنا نقنت قبل الركوع وبعده)) (١٨٦:١ مصرية). وقال السندى فى حاشيته: وفى "الزوائد"(١): إسناده صحيح ورجاله ثقات اهـ. وفى "الاعتبار" للحازمى: هذا إسناد صحيح لا علة له (ص-٩٦) وفى "التلخيص الحبير": وصححه أبو موسى المدينى اهـ (٩٤:١). وفى "الفتح": إسناده قوى اهـ، (٤٠٨:٢). ومعناه عندى كنا نقنت مع الخلفاء قبل الركوع وبعده، وليس(٢) فيه حكاية فعله مع النبى مآ حتى يضاد ما فى الصحيح. ويؤيد ما قلنا ما رواه محمد بن نصر عن أنس رضى الله عنه: ((أن رسول الله مد خله كان يقنت بعد الركعة وأبو بكر وعمر حتى كان عثمان فقنت قبل الركعة ليدرك الناس)). قال العراقى: وإسناده جيد كذا فى "نيل الأوطار" (٢٩١:٢) وهو محمول على القنوت للنوازل بقرينة ذكر الجماعة فيه، فإن الوتر لم يكن يصلى بالجماعة على الدوام، والمعنى أن القنوت للنازلة كان بعد الركوع حتى كان عثمان فجعله قبله للعلة التى ذكرها، قلت: (١) للحافظ البوصيرى تلميذ الحافظ العراقى. (٢) قال الحافظ فى "الفتح": إن قول الصحابى " كنا نفعل كذا" سند (أى مرفوع) ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبى مرٍّ، وهو اختيار الحاكم، وقال الدارقطنى والخطيب وغيرهما: هو موقوف، والحق أنه موقوف لفظا مرفوع حكما، لأن الصحابى أورده فى معرض الاحتجاج فيحمل على أنه أراد كونه فى زمن النبى مَّ اهـ (٢٢:٢). قلت: وهذا عند عدم ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر بالقرائن، وإذا قامت قرينة على كونه موقوفا فموقوف لفظا وحكما وإلا فمرفوع حكما، فافهم. ١٢٠ أحكام القنوت النازلة إعلاء السنن ولكن روايتا أبى عثمان النهدى، وطارق بن شهاب عن عمر المذكورتان فى الباب الماضى تفيد أن عثمان رضى الله عنه كان يقنت فى الفجر قبل الركوع، وروى البيهقى بطريق أبى رافع وصححه أن عمر رضى الله عنه قنت فى صلاة الصبح بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء، كذا فى "كنز العمال" (١٩٨:٤) فالظاهر أن عمر كان يقنت قبل وبعد، فالأمر واسع، واختيار ما فعله النبى معَِّ أولى، فالأظهر ما قاله الشامى وصرح به الشرنبلالی، والله أعلم. وأما الثالث: فقد تقدم الكلام علیه مستوفی، والمختار أن يجهر به لثبوت جهر النبى ټپڼ وعمر به. وأما الرابع: فقال فى "رد المحتار": وظاهر تقييدهم بالإمام أنه لا يقنت المنفرد، وهل المقتدى مثله أم لا؟ لم أره، والذى يظهر لى أن المقتدى يتابع إمامه إلا إذا جهر فيؤمن اهـ (٧٠٢:١). قلت: وقد تقدم أن المختار فيه جهر الإمام فيه فيؤمن المقتدى لا غير، وقد مر فی حدیث ابن عباس، قال: «قنت رسول الله مپے شهرا متتابعا»، الحدیث. وفيه: ((ویؤمن من خلفه) اهـ. وأما الخامس: فلم يذكره فقهاؤنا فى باب القنوت للنازلة، نعم! قالوا: ويتبع المؤتم قانت الوتر لا الفجر، وهذا عند أبى حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يتابعه لأنه تبع للإمام والقنوت مجتهد فيه، ولهما أنه منسوخ، كذا فى "البحر" وفى حاشيته لابن عابدين عن العلامة نوح آفندى: هذا على إطلاقه مسلم فى غير النوازل، وأما عند النوازل فى القنوت فى الفجر: فينبغى أن يتابعه عند الكل، لأن القنوت فيها عند النوازل ليس بمنسوخ على ما هو التحقيق كما مر، وأما فى القنوت فى غير الفجر عند النوازل كما هو مذهب الشافعى فلا يتابعه عند الكل، فإن القنوت فى غير الفجر منسوخ عندنا اتفاقًا اهـ (٤٥:٢)، فثبت أن حكم القنوت فى الفجر للنازلة حكمه للوتر، والمقتدى يتابع الإمام فى الثانى فكذا فى الأول، غير أن المتابعة عند أبى يوسف بالقراءة أى يسن عنده أن يقرأ القنوت، وقال محمد: لا يقرأ بل يؤمن، كما فى "رد المحتار" (٦٩٩:١) والمختار فى النازلة عند الشامى أنه يقرأ إن أسر الإمام ويؤمن إذا جهر به، ولا شك أن القراءة أو التأمين فى الوتر لا يكون إلا سرّاً، فكذا فى القنوت للنازلة فى الفجر، كيف؟ والتأمين عند فراغ الإمام