النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
ج-٥
تحت سرير، فقال: يا عائشة! متى دخل هذا الكلب ههنا؟ فقالت: والله ما دريت
فأمر به فأخرج، فجاء جبرئيل، فقال رسول الله عدّ له: واعدتنى فجلست لك
فلم تأت؟)) فقال: منعنى الكلب الذى فى بيتك، إنا لا ندخل بيتا فيه كلب
ولا صورة» رواه مسلم (١٩٩:٢).
باب كراهة تغميض البصر فى الصلاة
١٤٨٦- عن ابن عباس قال: قال رسول الله عدّ له: ((إذا قام أحدكم فى
إلا أن يقال: إن فيها صورة التشبه بعبادتها حال القيام والركوع، وفيه تعظيم لها إن سجد
عليها، ولهذا أطلق الكراهة فى الأصل فيما إذا كان على البساط المصلى عليه صورة، لأن
الذى يصلى عليه معظم فوضع الصورة فيه تعظيم لها، بخلاف البساط الذى ليس بمصلى،
وتقدم عن الجامع الصغير التقييد بموضع السجود فينبغى أن يحمل إطلاق الأصل عليه،
وأنها إذا كانت تحت قدميه لا يكره اتفاقًا. ثم قال بعد أسطر تحت قول الكنز: إلا أن تكون
صغيرة ما نصه: والمراد بالصغيرة التى لا تبدو للناظر على بعد (٢٩:٢ و٣٠).
وفى "منحة الخالق": لم يبين ههنا حد البعد، ويفسره ما فى المنية وشرحها بحيث
لا تبدو للناظر إذا كان قائمًا وهى على الأرض أى لا تتبين أعضاءها (٣٠:٢)، قال الشيخ:
وفى "الهداية": ولو كانت الصورة صغيرة بحيث لا تبدو للناظر لا يكره لأن الصغار جدا
لا تعبد (٢٢:١).
قلت: والحديث وإن كان مطلقًا فى كل صورة شاملة الصغيرة والكبيرة لكن لما
خص منه الصورة التى توطأ لحديث ذكر آنفا كان عامًا مخصوصًا منه البعض بخبر
الواحد، فصح تخصيص الصغيرة منه بالقياس، ووجه القياس أنها لا تعبد وهو علة
تخصیص التی توطأ، فافهم، انتهى.
باب كراهة تغميض البصر فى الصلاة
قوله: عن ابن عباس إلخ: قال المؤلف: وفى "مجمع الزوائد" أيضًا: وفيه ليث ابن
أبى سليم وهو مدلس وقد عنعنه اهـ، قلت: حسن له الترمذى فى "جامعه" (١٩٠:٢) مع
عنعنته وعلق له البخارى، وروى له مسلم مقرونا، كما فى مقدمة "الفتح " (ص ٤٥٩)،
فالحديث حسن، وأيضًا: فإن المسألة ثابتة بحديث آخر، كما فى "البحر" وهذا لفظه،
١٢٢
إعلاء السنن
الصلاة فلا يغمض عينيه))، رواه الطبرانى فى"الثلاثة" (مجمع
الزوائد ١٧٥:١).
باب كراهة التثاؤب والعطاس فى الصلاة
١٤٨٧- عن أبى أمامة رضى الله عنه كان رسول الله عَّ له يكره التثاؤب
فى الصلاة، رواه الطبرانى فى "الكبير" (الجامع الصغير ١٠٢:٢)، وحسنه
برمزه.
وعلله فى "البدائع" بأن السنة أن يرمى بصره إلى موضع سجوده، وفى التغميض ترك هذه
السنة، ولأن كل عضو وطرف ذو حظ من هذه العبادة فكذا العين. ثم قال بعد سطر:
وينبغى أن تكون الكراهة تنزيهية إذا كان بغير ضرورة ولا مصلحة، أما لو خاف فوات
خشوع بسبب رؤيته ما يفرق الخاطر فلا يكره(١) غمضهما بسبب ذلك، بل ربما يكون
أولى لأنه حينئذ لكمال الخشوع (٢٧:٢).
قلت: فحديث المتن مؤيد للمسألة، والخشوع مطلوب تحصيله فبسبب ذلك لا
يكره التغميض فى تلك الحالة، وفى "الغنية" للحلبى فى تعليله ما نصه: قيل: لأنه من
صنيع أهل الكتاب (ص٣٣٩).
قلت: كما ورد فى حديث ضعيف للديلمى عن أنس مرفوعًا: ((لا تغمضوا أعينكم
فى السجود فإنه من فعل اليهود))، (كذا فى "كنز العمال" (١٠٠:٤)، وقيد السجود
عندى اتفاقى، أو أراد به الصلاة إطلاقًا للجزء على الكل.
باب كراهة التثاؤب والعطاس فى الصلاة
قوله: عن أبى أمامة إلخ: قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة،
والكراهة تنزيهية، ففى "رد المحتار" (٦٧٤:١): لم أر من تعرض للكراهة ههنا هل هى
تحريمية أو تنزيهية إلا أنه تقدم فى آداب الصلاة أنه یندب کظم فمه عند التثاؤب، وحينئذ
فترك الكظم غیر مندوب، وأما التثاؤب نفسه فإن نشأ من طبيعته بلا صنعه فلا بأس، وإن
تعمده ينبغى أن يكره تحريماً، لأنه عبث وقد مر أن العبث مكروه تحريماً فى الصلاة وتنزيها
(١) ويؤيده ما رواه عبد الرزاق فى "مصنفه": عن ابن سيرين قال: كان الرجل إذا لم يصبر أن ينظر، كذا وكذا
يؤمر أن يغمض عينيه، ولم أقف على سنده (كنز العمال ٢٣٠:٤).
١٢٣
ج- ٥
كراهة التثاوب والعطاس فى الصلوة
١٤٨٨- عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى عّ لّم قال: التثاؤب فى
الصلاة من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع، رواه الترمذى
وقال: حسن صحيح (٤٩:١).
١٤٨٩- عن أبى اليقظان عن عدى بن ثابت عن أبيه عن جده رضى الله
عنه رفعه قال: ((العطاس و والتثاؤب فى الصلاة والحيض والقئ والرعاف
من الشيطان))، رواه الترمذى (٩٩:٢)، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث
خارجها اهـ.
قلت: أضيف إليه -أى الشيطان- لأنه ينشأ عن كثرة الأكل الناشىء عنها
الكسل(١)، قاله العزيزى (٤٢٨:٢).
قوله: عن أبى هريرة إلخ: دل الحديث على كراهة التثاؤب فى الصلاة، والأمر
بالكظم محمول على الاستحباب، لأن ضده مكروه.
قوله: عن أبى اليقظان إلخ: قلت: قد روى الحديث أيضا الطبرانى فى "الكبير"،
كما فى "مجمع الزوائد" (١٧٦:١) بلفظ: العطاس والنعاس والرعاف والحيض والقىء
والتثاؤب فى الصلاة من الشيطان، رواه الطبرانى فى "الكبير": وأبو اليقظان ضعيف
جدًا اهـ.
وفى "فتح البارى" بعد نقل حديث الكتاب إلى قوله: فى الصلاة من الشيطان ما
نصه، وسنده ضعيف، وله شاهد عن ابن مسعود فی الطیرانی لکن لم یذکر النعاس، وهو
موقوف وسنده ضعيف أيضًا، قال شيخنا فى "شرح الترمذى": لا يعارض هذا حديث
أبى هريرة يعنى حديث الباب (المذكور فى البخارى) فى محبة العطاس وكراهة التثاؤب،
لكونه مقيدا بحال الصلاة، فقد يتسبب الشيطان فى حصول العطاس للمصلى ليشغله عن
صلاته، وقد يقال: إن العطاس إنما لم يوصف بكونه مكروها فى الصلاة لأنه لا يمكن رده
بخلاف التثاؤب، ولذلك جاء فى التثاؤب، كما سيأتى بعد: ((فليرده ما استطاع)) ولم يأت
ذلك فى العطاس، وأخرج ابن أبى شيبة عن أبى هريرة: ((إن الله يكره التثاؤب ويحب
(١) اعلم أن الكسل للثاؤب لازم عادة، سواء كان عن كثرة الأكل أو غيره، وهذا هو الوجه لإضافته إلى الشيطان.
١٢٤
كراهة التثاوب والعطاس فى الصلوة
إعلاء السنن
شريك عن أبى اليقظان اهـ، قلت: وله شاهد موقوفًا.
١٤٩٠- عن عبد الله بن مسعود قال: ((التثاؤب والعطاس فى الصلاة
من الشيطان))، رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورجاله موثقون (مجمع
الزوائد ١٧٦:١).
العطاس فى الصلاة))، وهذا يعارض حديث جد عدى وفى سنده ضعف أيضًا، وهو
موقوف، والله أعلم، ومما ينبغى للعاطس أن لا يبالغ فى العطسة، فقد ذكر عبد الرزاق عن
معمر عن قتادة قال: سبع من الشيطان فذكر منها شدة العطاس اهـ (٥٠١:١٠).
قلت: لفظ الشاهد قد ذكرته فى المتن، وذكرت أيضًا ناقلا عن "مجمع الزوائد" أن
رجاله موثقون، وقوله: قد یقال إلخ يدل على ضعف ذلك القول، وهو كذلك، فإن رد
العطاس قد يمكن، وأما عدم ورود الأمر برده لا يستلزم امتناعه، وفى "الفتح" أيضًا: قال
الخطابى: معنى المحبة والكراهة فيهما -أى فى العطاس والتثاؤب- منصرف إلى سببهما،
وذلك أن العطاس يكون من علة من خفة البدن وانفتاح المسام وعدم الغاية فى الشبع، وهو
بخلاف التثاؤب فإنه يكون من علة امتلاء البدن وثقله مما يكون ناشئا عن كثرة الأكل
والتخليط فيه، والأول يستدعى النشاط للعبادة والثانى على عكسه اهـ (٥٠١:١٠).
وأما التعارض بين حديث جد عدى وقول أبى هريرة: فالأول: يقتضى كراهة
العطاس فى الصلاة.
والثانى: محبته فيها، فالجواب عنه بالترجيح أولا، فالظاهر ترجيح حديث جد
عدى على قول أبى هريرة، لكون الأول مرفوعًا صريحًا، والثانى موقوفًا، وإن كان مرفوعًا
حكما، وبالتطبيق ثانيًا، وهو حمل المرفوع على العطاس عمدًا، والموقوف على ما كان
بغير عمد، أو يحمل كلاهما على غير العمد ولكن الأول عليه بشدة والثانى على ما كان
بغيرها.
قلت: فالمصلى ينبغى له أن يرد العطاس أيضًا ما استطاع، والحديث المرفوع
يشده الشاهد الموقوف المذكور فيصلح للحجية، فإن قلت: إن الشاهد الذى وثق رجاله
صاحب "مجمع الزوائد" ضعفه الحافظ، قلت: لا يضر فإن الاختلاف غير مضر، كما قد
عرف مرارًا.
١٢٥
ج- ٥
باب كراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين
١٤٩١- عن عائشة أنى سمعت رسول الله عّ لّ يقول: ((لا صلاة
بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان))، رواه مسلم (٢٠٨:١).
١٤٩٢- عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى معَّ له قال: ((لا يحل لرجل
يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلى وهو حقن حتى يتخفف))، رواه أبو
داود (٣٤:١)، وسكت عنه، وأخرجه الحاكم فى "المستدرك"، كما فى " کنز
العمال" (١١٢:٤)، ولم يتعقبه بشىء، فهو صحيح على قاعدته.
باب كراهة التشبيك فى الصلاة وفى مقدماتها
١٤٩٣- عن مولى لأبى سعيد الخدرى قال: بينا أنا مع أبى سعيد، وهو
باب كراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين
قوله: عن عائشة إلخ: قال المؤلف: الحديث يدل على مسألة الباب بأبلغ وجوه
النهى، والكراهة تحريمية كما فى "رد المحتار" (١: ٦٧٠)، والعلة هى فوت الخشوع
وطمأنينة القلب فى الصلاة فى تلك الحالة، وأما إذا خاف فوت الوقت أو كونه مكروها
كراهة تحريم، فيصلى قبل التخفف، لأن محافظة الوقت أحق من تحصيل الخشوع.
قوله: عن أبى هريرة إلخ: دلالته على الباب ظاهرة.
باب كراهة التشبيك فى الصلاة وفى مقدماتها
قوله: عن مولى لأبى سعيد الخدرى إلخ: قال المؤلف: دل الحديث على الباب من
حيث أن النبى مَِّ نهى عن التشبيك فيما هو صلاة حكما، وهو كون المرء فى المسجد،
فالنهى ثابت فيما هو صلاة حقيقة بالطريق الأولى، فالكراهة فى الصلاة الحكمية بعبارة
النص وفى الحقيقية بدلالة النص، وجميع التوابع تقاس على هذا التابع، أى كون المصلى
فى المسجد فيكره التشبيك فيها تأمل، كما فى "الدر المختار" فى المكروهات: وتشبيكها
ولو منتظر الصلاة أو ماشيا إليها للنهى، ولا يكره خارجها لحاجة، وفى "رد المحتار":
وينبغى أن تكون تحريمية للنهى المذكور (حلية وبحر).
قوله: ولا يكره خارجها لحاجة :. المراد بخارجها ما ليس من توابعها، لأن السعى
١٢٦
كراهة الصلوة مع مدافعة الأخبثين
إعلاء السنن
مع رسول الله عَّ إذ دخلنا المسجد فإذا رجل جالس فى وسط المسجد محتبيا
مشبكا أصابعه بعضها فى بعض، فأشار إليه رسول الله مَّبه، فلم يفطن الرجل
الإشارة رسول الله عَّه، فالتفت إلى أبى سعيد، فقال: إذا كان أحدكم
فى المسجد فلا يشبكن، فإن التشبيك من الشيطان، وأن أحدكم لا يزال فى
صلاة ما کان فى المسجد حتى يخرج منه، رواه أحمد وإسناده حسن (مجمع
الزوائد ١٥٢:١).
١٤٩٤- عن كعب بن عجرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عد له:
(إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامدًا إلى المسجد زلا يشبك بين يديه فإنه فى
الصلاة)). رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان (فتح البارى ٤٦٨:١).
١٤٩٥- عن كعب بن عجرة رضى الله عنه أن رسول الله معد لة.
رأى رجلا قد شبك أصابعه فى الصلاة، ففرج رسول الله عَ ليه بين أصابعه، رواه
إليها والجلوس فى المسجد لأجلها فى حكمها كما مر، لحديث الصحیحین: ((لا يزال
أحد کم فی صلاة ما دامت الصلاة تحبسه))، وأراد بالحاجة نحو إراحة الأصابع، فلو لدون
حاجة بل على سبيل العبث كره تنزيها، والكراهة فى الفرقعة خارجها منصوص عليها،
وأما التشبيك: فقال فى "الحلية": لم أقف لمشايخنا فيه على شىء، والظاهر أنه لو لغير
عبث، بل لغرض صحيح ولو لإراحة الأصابع لا يكره، فقد صح عنه مَّ له أنه قال: ((المؤمن
للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا))، وشبك أصابعه، فإنه لإفادة تمثيل المعنى وهو التعاضد
والتناصر بهذه الصورة الحسية (٦٧١:١).
قوله: عن کعب إلخ: فی ثانی أحاديث الباب، قلت: دلالته على الباب ظاهرة، وقد
مر تقریره فى الحديث الأول، وفى "فتح البارى": وفى إسناده اختلاف، ضعفه بعضهم
بسببه اهـ، قلت: قد عرف غير مرة أن الاختلاف غير مضر.
قوله: عن کعب إلخ: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، فإن قلت: قد روى
البخارى عن أبى هريرة قال: صلى بنا رسول الله مَّ إحدى صلاة العشى ثم سلم، فقام
إلى خشبة معروضة فى المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع ضلع يده اليمنى
على اليسرى، وشبك بين أصابعه الحديث، وهو يدل على جواز التشبيك بغير ضرورة
١٢٧
ج -٥
ابن ماجه (ص٦٩)، رجاله رجال الجماعة إلا شيخ ابن ماجه، وهو صدوق له
غرائب، فالسند يحتج به.
باب الكراهة عن اشتمال الصماء فى الصلاة
١٤٩٦- عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: ((نهى رسول الله مرّ له
عن لبستين))، واللبستان: اشتمال الصماء، والصماء أن يجعل ثوبه على أحد
عاتقیه، فیبدو أحد شقیه لیس علیه ثوب، واللبسة الأخرى: احتباءه بثوبه، وهو
جالس لیس على فرجه منه شىء، رواه البخارى (٦٥:٢).
فى المسجد.
قلت: إنه كان لاشتباه الحال عليه فى السهو الذى وقع منه، ولذلك وقف كأنه
غضبان، قاله الشوكانى فى "النيل" (٢٣٠:٢).
باب الكراهة عن اشتمال الصماء فى الصلاة
قوله: عن أبی سعید إلخ: قال المؤلف: دلالته على الباب من حيث إنه مێ نهى عنه
مطلقًا ففى الصلاة أولى، وأدناه الكراهة، قال فى رد المحتار فى تفسير اشتمال الصماء:
وهی أن يأخذ بثوبه فيجلل به جسده کله من رأسه إلى قدمه، ولا یرفع جانبا يخرج يده
منه، سمى به لعدم منفذ يخرج منه يده كالصخرة الصماء وقيل: أن يشتمل بثوب واحد
ليس عليه إزار وهو اشتمال اليهود زيلعى. وظاهر التعليل بالنهى أن الكراهة تحريمية، كما
مر فى نظائره (٦٨٢:١)، وفى "حاشية البخارى" عن "مجمع البحار": قوله: عن
اشتمال الصماء، هو أن يتجلل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانبا ويشد على يديه ورجليه
المنافذ كلها كالصخرة الصماء ليس فيها خرق ولا صدع، ويقول الفقهاء: هو أن يتغطى
بثوب واحد ليس عليه غيره، فرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتكشف
عورته (٨٦٥:٢).
وفى "فتح البارى" (٤٠٢:١): ظاهر سياق المصنف أن التفسير المذكور فيها .
مرفوع، وهو موافق لما قال الفقهاء، وعلى تقدير أن يكون موقوفا فهو حجة على
الصحيح، لأنه تفسير من الراوى لا يخالف ظاهر الخبر اهـ ملخصًا بلفظه.
١٢٨
إعلاء السنن
باب استحباب الزينة للصلاة وكراهتها فى ثياب البذلة
وفى ثوب واحد من غير حاجة
١٤٩٧- عن ابن عمر قال: قال النبى عّ لِّ ((إذا صلى أحدكم فليلبس
ثوبيه، فإن الله أحق من يزين له))، رواه الطبرانى فى "الكبير"، وإسناده
حسن، (مجمع الزوائد ١٦٢:١)، وتمامه: «فإن لم یکن له ثوبان فليتزر
إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم فى صلاته اشتمال اليهود))، كذا فى "الدر
المنثور" (٧٩:٣).
باب استحباب الزينة للصلاة وكراهتها فى ثياب البذلة
وفى ثوب واحد من غير حاجة
قوله: عن ابن عمر إلخ: قال المؤلف: دل الحديث على الباب من حيث إنه عدّ له
رغب فى الزينة للصلاة بقوله: فإن الله إلخ. فهو محمول على من كان عنده ثوبان كما هو
ظاهر من سياقه، فلا يكره ثوب واحد عند العدم، لما جاء فى البخارى مرفوعا: ((من صلى
فی ثوب فلیخالف بین طرفیه))، وفى "فتح البارى" (٣٩٨:١): زاد الكشميهنى: واحد،
وعند أحمد: ((فليخالف بين طرفيه على عاتقيه)) اهـ، ودل قوله معَّه: ((فإن الله أحق من
يزين له))، على كراهة الصلاة فى ثياب المهنة التى لا يخرج بها الرجل إلى الأكابر والمجالس
والأسواق، صرح بها الشرنبلالى فى "مراقى الفلاح" وغيره فى غيرها، قال: ((ورأى عمر
رجلا فعل ذلك أى صلى فى ثياب البذلة، فقال: أرأيت لو كنت أرسلتك إلى بعض الناس
أ كنت تمر فى ثيابك هذه؟ فقال: لا! فقال عمر رضى الله عنه: الله أحق أن تتزين
له اهـ (ص٣١٠)، لم أقف له على سند وفى "غنية المستملى": وفى قوله تعالى: ﴿خذوا
زينتكم عند كل مسجد﴾، إشارة إلى ذلك، وإن كان المراد بها ستر العورة على ما ذكره
أهل التفسير اهـ (ص٣٣٧).
قلت: ويؤيد هذه الإشارة ما ذكرناه فى المتن عن أبى الدرداء: ((أحسن ما زرتم الله
فی مساجد کم البیاض))، وما ذكره ابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه عنه فى تفسير
هذه الآية، قال: الزينة اللباس، وهو ما يوارى السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز،
والمتاع، كذا فى "الدر المنثور" (٧٨:٣).
٩
ج - ٥
١٢٩
١٤٩٨- عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: نهى رسول الله عّ لّه أن
یصلی فی حاف لا یتوشح له، ونهی أن یصلی الرجل فی سراويل، وليس عليه
رداء، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٢٥:١)، وصححه على شرط الشیخین،
وأقره علیه الذهبی فی "تلخيصه" له.
١٤٩٩- عن أبى هريرة مرفوعًا: ((لا يصلين أحدكم فى الثوب الواحد
ليس على عاتقه منه شىء))، أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى، كذا فى "الدر
المنثور" (٧٩:٣).
١٥٠٠- عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله عزّ له: ((أحسن ما زرتم الله
به فی قبور كم ومساجدكم البياض)). أخرجه ابن ماجه. كذا فى الدر المنثور
(نفس المرجع). قلت: قال ابن ماجه (ص ٦٦٣): حدثنا محمد بن حسان
الأزرق ثنا عبد المجيد بن أبی رواد ثنا مروان بن سالم عن صفوان بن عمرو عن
شریح بن عبيد الحضرمى عن أبى الدرداء به اهـ. ومروان هذا ضعيف متهم،
وإنما ذ کرته اعتضادًا.
باب استحباب الصلاة على الأرض وما أنبتته
وجوازها على فراش أهله
١٥٠١- عن على رضى الله عنه مرفوعًا: نعم المذكر السبحة وأن أفضل
ما تسجد عليه الأرض وما أنبتته(١) الأرض، رواه الدیلمی بسند ضعيف (كنز
العمال ١١٣:٤).
باب استحباب الصلاة على الأرض وما أنبتته
وجوازها على فراش أهله
قوله: عن على رضى الله عنه إلخ: قال المؤلف: ودلالته على الجزئين الأوليين من
الباب ظاهرة، والحديث وإن كان ضعيفا لكنه تثبت به الفضيلة، وفى "غنية المستملى":
ولكن الصلاة على الأرض بلا حائل، وعلى ما أنبته الأرض كالحصير والبوريا أفضل،
(١) والمراد به ما بقى على أصله من جنس الأرض أفاده شيخى.
١٣٠
إعلاء السنن استحباب الصلوة على الأرض وما أنبتته وجوازها على الفراش
١٥٠٢- عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن جدته مليكة رضى
الله عنها (١) دعت رسول الله عَّه لطعام صنعته له فأكل منه، ثم قال: ((قوموا
فلأصلى لكم))، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود عن طول ما لبس،
فنضحته بماء، فقام رسول الله مګ وصففت والیتیم ورائه والعجوز من ورائنا،
فصلى لنا رسول الله عَ ليه ركعتين ثم انصرف، رواه البخارى (٥٥:١).
١٥٠٣- عن عائشة أن النبى ◌ّ له كان له حصير يبسطه ويصلى عليه،
رواه البخارى.
١٥٠٤- وفى مسلم من حديث أبى سعيد رضى الله عنه: أنه رأى
النبى عَّةٍ يصلى على حصير (فتح البارى ٤١٣:١).
١٥٠٥- عن عائشة قالت: كان رسول الله عَّ يصلى على خمرة،
فقال: ((یا عائشة! ارفعی حصیرك، فقد خشيت أن یکون یفتن الناس))، رواه
أحمد، ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٦٥:١).
صلالله كان
١٥٠٦- عن أم حبيبة رضى الله عنها زوج النبى معَ ◌ّةٍ أن النبى عرضا:
يصلى على الخمرة، رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح (١٦٥:١).
١٥٠٧- عن ميمونة رضى الله عنها قالت: كان النبى عرّه يصلى على
لأنه أقرب إلى التواضع، وفيه خروج عن خلاف الإمام مالك، فإن عنده يكره السجود
على ما كان نحو الصوف أو الكتان فكان أفضل (ص ٣٤٧)، والأحاديث الآتية الصحيحة
تدل أيضًا على استحباب الصلاة على ما أنبتته الأرض.
قوله: عن أنس رضى الله عنه إلخ، وعن عائشة إلخ: كلاهما عند البخارى،
وحديث أبى سعيد عند مسلم.
قوله: عن أم حبيبة إلخ، وعن ميمونة إلخ: فيهما دلالة على الجزء الثانى من الباب.
قوله: عن عائشة رضى الله عنها إلخ: برواية "مجمع الزوائد" قال المؤلف: وفى
"شرح السراج على الترمذى": خمره بضم خاء معجمة وسكون میم سجاده کوچك از
(١) بالضم وهى والدة أم أنس.
١٣١
ج - ٥ استحباب الصلوة على الأرض وما أنبتته وجوازها على الفراش
الخمرة، رواه البخارى (٥٥:١).
١٥٠٨- عن أبى عبيدة أن ابن مسعود كان لا يصلى أو لا يسجد إلا على
الأرض، رواه الطبرانى فى "الكبير" (مجمع الزوائد ١٦٥:١).
بر گ خرما بافته اه، وفیه أيضًا: وحصیر شامل است بوریائی خورد وکلان هر دورا،
وخمره بضم خا خاص بساط خورد را گویند، وفى "قوت المغتذی": قال صاحب
"المشارق": الخمرة كالحصير الصغير من سوف النخل تضفر بالسيور، وهى على قدر ما
يوضع عليه الوجه والأنف، فإن كبرت عن ذلك فهى حصير، وسميت خمرة لسترها
الوجه والكفين من برد الأرض وحرها (٣٣٥:١).
قلت: وفى هذا الحديث قد أطلق الحصير على الخمرة، كما لا يخفى، وقد دل.
الحديث على أن ذلك الحصير، كان مزينا أو موصوفا بصفة أخرى بحيث تخاف منه
الفتنة، ولا خفاء فى كراهة الصلاة على مثله، وأما ما ورد من صلاته مّظله على الحصير،
والخمرة بغير إنكار فيحمل على أنهما لم يكن فيهما شىء يفتن المصلى.
وإذا عرفت هذا فاعلم أنه لا إشكال فيما أورده فى "مجمع الزوائد" (٦٥:١) عن
شریح أنه سئل عائشة أ کان رسول الله مێ یصلی علی الحصیر؟ فإنی سمعت فی کتاب
الله ﴿و جعلنا جهنم للكافرین حصیرا﴾، قالت: لم یکن یصلی علیه، رواه أبو یعلی ورجاله
موثقون اهـ، فإنه يمكن حمله على الحصير الذى يفتن به المصلى ولا حاجة إلى ما فى تعليق
"مجمع الزوائد" ناقلا عن "نيل الأوطار": وكيفية الجمع بين حديثها هذا، وسائر
الأحاديث أنها إنما نفت علمها، ومن علم صلاته على الحصير مقدم على النافى، وأيضًا:
فإن حديثها وإن كان رجاله ثقات فإن فيه شذوذا ونكارة، كما قال العراقى اهـ، بل
لا یصح أن يقال: إنها لم تقف على صلاته مێے على الحصیر، فإنها قد أثبتت ذلك، كما
مر فى رواية البخارى عنها.
قوله: عن أبى عبيدة إلخ: قال فى "مجمع الزوائد": وأبو عبيدة لم يسمع من
أبيه اهـ، قلت: قد مر نقل سماعه مته، وفى "طبقات المدلسين" (ص١٧): ثقة مشهور
حديثه عن أبيه فى السنن، وعن غير أبيه فى الصحيح، واختلف فى سماعه من أبيه،
والأكثر على أنه لم يسمع منه، وثبت له لقاءه وسماع كلامه، فروايته عنه داخلة فى
١٣٢
إعلاء السنن استحباب الصلوة على الأرض وما أنبتته وجوازها على الفراش
١٥٠٩- حدثنا یحیی بن بکیر قال: نا اللیث عن عقيل عن ابن شهاب
قال: أخبرنى عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله مرّ ته كان يصلى، وهى بينه
وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة.
١٥١٠- حدثنا عبد الله بن يوسف قال: نا الليث عن يزيد عن عراك عن
عروة أن النبى عّ لّ كان يصلى وعائشة معترضة بينه وبين القبلة على الفراش
الذى ينامان عليه، رواهما البخارى (٥٦:١).
التدليس، أورده فى المرتبة الثالثة منها، وقد مر حكم هذه المرتبة، وفى
"الترغيب" (١٠٥:١) فى حديث عن أبى عبيدة قال: قال عبد الله إلى أن قال: رواه
الحاكم وصححه، قال الحافظ (أى المنذرى): أبو عبيدة لم يسمع من عبد الله بن مسعود
وقيل: سمع اهـ.
قلت: فالأثر حجة، فإن الاختلاف لا يضر، ودلالته على الجزء الأول من الباب
ظاهرة.
قوله: حدثنا يحيى، وقوله: حدثنا عبد الله بن يوسف إلخ: قلت: وفى "فتح
البارى" (٤١٤:١): قوله: عن يزيد هو ابن أبى حبيب، وعراك هو ابن مالك، وعروة هو
ابن الزبير، والثلاثة من التابعين، وصورة سياقه بهذا الإرسال لكنه محمول على أنه سمع
ذلك من عائشة بدليل الرواية التى قبلها اهـ.
قلت: ويؤيده ما فى "كنز العمال" عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أسماء
بنت عميس رضى الله عنهم ولدت محمد بن أبى بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر
لرسول الله مرّ له فقال: مرها فلتغتسل ثم تهل، رواه الطبرانى فى "الكبير" والنسائى، قال
ابن كثير: هذا منقطع إلا أنه فى حكم الموصول، فإن القاسم إنما أخذه عن عائشة وغيرها
من أهلهم، فلما تحقق القصة أسقط الواسطة، وكثيرا ما يورد فى "صحيحه" من هذا
النمط، انتهى.
قلت: يعنى إذا تحقق بالقرائن القوية أن المرسل أرسل عن ثقات أهله، فافهم، ودلالته
على الجزء الثالث من الباب ظاهرة. والحديث الأخير من الباب يدل على نفی صلاته فى
لحف النساء وهو لا ينافى صلاته على فراش أهله، لأن الفراش لم يكن إذ ذاك ملونا ولا
١٣٣
ج - ٥
١٥١١- عن عائشة قالت: كان رسول الله عَّ لا يصلى فى لحف
نسائه، رواه الترمذى (٧٧:١)، وقال: حسن صحيح، وقد روى فى ذلك
رخصة عن النبى عدّ اهـ، قلت: وهو الحديث السابق المروى فى البخارى.
باب كراهية أن يتخذ الرجل مکانا معینا
من المسجد بغير وجه
١٥١٢- عن عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله م ◌ِ نهى عن ثلاث:
عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المقام للصلاة، كما يوطن
البعير، رواه النسائي، وسكت عنه (١٦٨:١)، وفى "نيل الأوطار" (٧٢:٣)،
مزينا عادة، وكان فراشه مسحا كما أخرجه الترمذى فى الشمائل عن حفصة رضى الله
عنها، وحسنه السيوطى فى "الجامع الصغير" (١٠:٢-١)، ولحف النساء أكثرما تكون
ملونة مزينة، فاجتنب عنها كما اجتنب عن الصلاة فى جبة لها أعلام خشية الافتتان بها
والالتفات إليها، و قاتل الله من قال: «إن تر که مبێ الصلاة فی لحف نسائه کان تجنبا منه،
كما يدل عليه الذوق اللسانى والوجه هو توهم النجاسة فيها، لتساهلهن فی اجتنابها
عادة اه).
فوا عجباه! أو لم يدر هذا القائل مرتبة أزواج النبى من له وطهارتهن ونظافتهن؟ فو
الله إنهن أطيب خلق الله ثيابًا وبدنًا، وأطهره شعارًا ودثارًا، اختارهن الله لصحبة نبيه
الطيب الطاهر المطهر مي لكمال طهارتهن، حيث قال: ((إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهر كم تطهيرا))، وأيضًا: فإن مظنة النجاسة فى الفراش أكثر منها فى
اللحف، فلما لم یکن یجتنب عن الصلاة فى فراش أهله لا يكون وجه اجتنابه عن لحفهن
توهم النجاسة فيها، بل الظاهر ما قلنا، والله تعالى أعلم.
باب كراهية أن يتخذ الرجل مكانا معينا
من المسجد بغير وجه
قوله: عن عبد الرحمن إلخ: قال المؤلف: هذا الحديث يدل على المنع، والظاهر أن
الكراهة تنزيهية، والحديث الثانى يدل على الإباحة، فيحمل على الحاجة توفيقًا بين
الأحاديث.
١٣٤
إعلاء السنن
سكت عنه أبو داود والمنذری، والراوی له عن عبد الرحمن بن شبل هو تمیم ابن.
محمود قال البخاری: فی حدیثه نظر اهـ.
قلت: تصحيح الثلاثة بسكوتهم عنه على قاعدتهم يدل على أنه
حجة عندهم، وقد عرف غير مرة أن الاختلاف غير مضر، وفى لفظ
أبى داود (٣٢٢:١): أن يوطن الرجل المكان فى المسجد، وصححه السيوطى
فى "الجامع الصغير" (١٩٢:٢) بالرمز.
١٥١٣- حدثنا المکی بن إبراهیم قال: نا یزید بن أبی عبید قال: کنت آتی
مع سلمة بن الأكوع، فيصلى عند الأسطوانة التى عند المصحف، فقلت: يا أبا
مسلم! أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: فإنى رأيت النبى معَ﴾
يتحرى الصلاة عندها، رواه إمام الدنيا أبو عبد الله البخارى رضى الله عنه الخالق
البارى (١٩٢:٢).
باب عدم كراهية قتل الحية والعقرب فى الصلاة
١٥١٤- عن أبى هريرة قال: أمر رسول الله عزّ يٍ بقتل الأسودين فى
الصلاة: الحية والعقرب، رواه الترمذى، وقال: حسن صحيح (٥١:١).
١٥١٥- عن عائشة قالت: دخل على بن أبى طالب على رسول الله حرّيّ
باب عدم كراهية قتل الحية والعقرب فى الصلاة
قوله: عن أبى هريرة إلخ: قال المؤلف: وفى "الدر المختار": لا يكره (قتل حية أو
عقرب) إن خاف الأذى، إذ الأمر للإباحة، لأنه منفعة لنا (مطلقاً) ولو لعمل كثير على
الأظهر، لكن صحح الحلبى الفساد (٢٨١:١) مع "رد المحتار").
قلت: قوله: "للإباحة" إلخ فيه نظر، لما قال صاحب "الهداية": ولأن فيه إزالة
الشغل فأشبه درأ المار اهـ، فأقل أحواله أن يكون مستحيا، وهذا إذا لم يقف منهما على
نفسه، فأما إذا خاف عليها فيكون واجبا، لقوله تعالى: ﴿ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾،
فافهم، ولا لزوم بين كون الشىء نافعا لنا وبين الإباحة، فإن الأكل فيه منفعة لنا، وهو
فرض، والنكاح كذلك فى بعض الأحوال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
١٣٥
ج -٥
وهو يصلى فقام إلى جنبه فصلى بصلاته، فجاءت عقرب حتى انتهت إلى
رسول الله عرّ ضله ثم تركته، فذهبت نحو على فضربها بنعله حتى قتلها، فلم ير
رسول الله عَّ له بقتلها بأسًا، رواه الطبرانى فى "الأوسط" وأبو يعلى، وفى طريق
الطبرانى عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال عبد الملك بن شعيب: ابن الليث.
ثقة مأمون. وضعفه الأئمة أحمد وغيره، ورجال أبى يعلى رجال الصحيح غير
معاوية بن یحیی الصدفی وأحاديثه عن الزهرى مستقيمة كما قال البخارى وهذا.
منها، وضعفه الجمهور ("مجمع الزوائد" ١٧٥:١).
باب المواضع التى تكره فيها الصلاة
١٥١٦- عن عبد الله -يعنى ابن مسعود- قال: سمعت رسول الله معد له
يقول: من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور
باب المواضع التى تكره فيها الصلاة
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة، وفى تعليق أبى داود (المطبوع فى .
الدهلى المجرد عن الشرح) عن المرقاة للقارئ: اختلفوا فى النهى عن الصلاة فى المقبرة.
والحمام هل هو التنزيه أو التحريم؟ ومذهبنا الأول، ومذهب أحمد التحريم، بل عدم انعقاد
الصلاة اهـ. (٧٧:١). وفى حاشية المشكاة منقولا عن اللمعات (٦٣:١): اختلفوا فى
النهى عن الصلاة فى المواطن السبعة أنه للتحريم أو التنزيه؟ والثانى هو الأصح اهـ.
وفى "رد المحتار" (٩٤٥:١): وقال في الحلية: وتكره الصلاة عليه (أى القبر) وإليه
لورود النهى عن ذلك اهـ. والظاهر أن هذه الكراهة أيضًا تنزيهية. ثم اعلم أن حديث على
بن داود وحديث أبى صالح فيهما كلام. فأما الكلام فى الأول فهو ما ذكره فى
"التلخيص الحبير": وفى سند ابن ماجه عبد الله بن صالح وعبد الله بن عمر العمرى
المذكور فى سنده ضعيف أيضًا، ووقع فى بعض النسخ بسقوط عبد الله بن عمر بين الليث
ونافع، فصار ظاهره الصحة، وقال ابن أبى حاتم فى العلل: عن أبيه هما جميعًا واهيان أهـ.
وأما الكلام فی حدیث أبی صالح فهو ما ذکره فی "فتح البارى" (٤٤:١) ونصه: فی
إسناده ضعف اهـ.
والجواب عن الأول، بأن اللیث قد صرح بتحديث نافع كما فى النسختين عندى،
١٣٦
المواضع التى تكره فيها الصلوة
إعلاء السنن
مساجد. رواه الطبرانى فى الكبير وإسناده حسن (مجمع الزوائد ١٥٣:١).
١٥١٧- عن أنس أن النبى ◌ّظّه نهى عن الصلاة بين القبور. رواه البزار
ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٥٣:١).
١٥١٨- عن أبى سعيد قال: قال رسول الله عَ له: ((الأرض كلها مسجد
إلا الحمام والمقبرة)). أخرجه أبو داود (١٥٤:١) وسكت عنه، وفى "فتح
البارى" (٤٤١:١): رواه أبو داود والترمذى ورجاله ثقات، لكن اختلف فى
وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاکم وابن حبان اهـ وقال صاحب
الإمام: حاصل ما علل به الإرسال وإذا كان الواصل ثقة فهو مقبول، كذا فى
"التلخيص الحبير" (١٠٧:١) وفى "نيل الأوطار" (١٨:٢): قال ابن حزم:
أحاديث النهى عن الصلاة إلى القبور والصلاة فى المقبرة أحاديث متواترة لا
یسع أحدا تركها اهـ.
١٥١٩- عن أبى مرثد الغنوى رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ما له:
((لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)). رواه الجماعة إلا البخارى وابن ماجه،
كذا فى "نيل الأوطار" (١٩:٢).
فكونه خطأ من الكاتب بعيد، فالظاهر أن الحديث رواه ابن ماجه من الطريقين. وعبد الله
بن صالح أبو صالح كاتب الليث مختلف فيه، وقد روى عنه البخارى وعلق أيضاً جملة
أحادیث من حدیث الليث لا يوجد إلا عند كاتبه كما فى تهذيب التهذيب. وفيه أيضاً
قال أبو حاتم أيضًا: سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول: أبو صالح ثقة مأمون، قد
سمع من جدی حدیثه، و کان ابن معین یوثقه، وقال أبو هارون اخریبی: ما رأيت أثبت من
أبی صالح. قال: وسمعت یحیی بن معین: أبو صالح کاتب اللیث ثبت کتاب. وقال ابن
القطان: هو صدوق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه إلا أنه مختلف فيه، فحديثه
حسن. وقال سلمة بن القاسم: كان لا بأس اهـ. وقد ذكر فيه من تكلم فيه
(٢٦١,٢٦٠,٢٥٨,٢٥٧:٥). والقول عندى ما قاله ابن القطان. ولا يبعد أن يقال: إنه
صحح الحديث اعتمادًا على احتجاج البخارى به. والعمرى أيضًا مختلف فيه، أخرج له
الجماعة إلا البخارى، كما فى "تهذيب التهذيب" (٣٢٦:٥). فالحديث حجة على كل
١٣٧
ج -٥
المواضع التى تكره فيها الصلوة
١٥٢٠- عن أبى هريرة قال: قال رسول الله عَّ ◌َله: ((صلوا فى مرابض
الغنم ولا تصلوا فى أعطان الإبل)). رواه الترمذى (٤٦:١) وقال: حسن
صحيح. وفى "نيل الأوطار" (٢٣:٢): ذكر ابن حزم أن أحاديث النهى عن
الصلاة فى أعطان الإبل متواترة بنقل تواتر يوجب العلم اهـ.
١٥٢١- عن ابن عباس قال: لعن رسول الله عّ لّه زائرات القبور،
والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه الترمذى وحسنه (٤٣:١).
١٥٢٢- حدثنا على بن داود ومحمد بن أبى الحسين قالا: ثنا أبو صالح
حدثنى الليث حدثنى نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب أن رسول الله مرّ له
قال: ((سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظاهر بيت الله، والمقبرة، والمزبلة،
والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق)). رواه ابن ماجه (٥٥)
وصححه ابن السكن ("التلخيص الحبير" ٨٠:١).
١٥٢٣- عن أبی صالح الغفاری أن علیًا رضی الله عنه مر ببابل وهو یسیر
فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما
فرغ قال: إن حبى عليه السلام نهانى أن أصلى فى المقبرة، ونهانى أن أصلى فى
أرض بابل، فإنها ملعونة. رواه أبو داود وسكت عليه (١٨٣:١).
حال، سواء كان العمرى بين الليث ونافع أولا، والليث بن سعد قد روى عنهما
بغير واسطة.
والجواب عن الثانی بأن أبا داود قد سكت عنه فهو حجة عنده، والاختلاف غير
مضر كما قد عرفناك غير مرة، قال بعض الناس: ولم أر من فقهائنا من تعرض لكراهة
الصلاة فى مواضع العذاب فليتبع، ومقتضى القواعد أن الكراهة تنزيهية اهـ. قلت: بلی!
قد تعرض لها فقهاؤنا، قال شارح "المشكاة": وتكره الصلاة فى سائر محال الشياطين،
ومنها الوادى الذى نام فيه مّ ر عن صلاة الصبح، ومنها كل محال حل به غضب،
كأرض ثمود وبابل وديار قوم لوط، كذا فى الطحطاوى على "مراقى الفلاح" (٢٠٩).
وفيه أيضًا: والنهى عن الصلاة فى معاطن الإبل للتنزيه، كما أن الأمر بها فى مرابض الغنم
للإباحة، ومرابض البقر ملحقة بمرابض الغنم، فلا تكره الصلاة فيها، وإذا لم تكن الإبل فى
١٣٨
إعلاء السنن
١٥٢٤- عن عبد الله بن أبى المحلى قال: كنا مع على فمررنا على الخسف
الذى ببابل فلم يصل حتى أجازه أى تعداه. ومن طريق أخرى عن على قال: ما
كنت لأصلى فى أرض خسف الله بها ثلاث مرار. رواه ابن أبى شيبة ("فتح
البارى " ٤٤٢:١). وهو حسن أو صحيح على قاعدته.
باب كراهة التمطى فى الصلاة
١٥٢٥- عن أبى هريرة مرفوعا: نهى أن يتمطى الرجل فى الصلاة، أو
عند النساء إلا عند امرأته أو جواريه. أخرجه الدار قطنى فى الإفراد كذا فى
الجامع الصغير (١٩٤:٢) وضعفه بالرمز، قلت: والقياس يساعده، وبه قال
العلماء، وهو علامة القبول كما ذكرناه فى المقدمة لا سيما فى فضائل الأعمال.
معاطنها فقال ابن ملك: تكره الصلاة فيها أيضًا، لأن هذه المواضع محال النجاسة، فإن
صلى بغير السجادة بطلت إلا أن يكون المكان طاهرًا (ولو بجفاف النجاسة) أو مع
السجادة تكره للرائحة الكريهة اهـ.
وقال شارح "المشكاة" فى قوله مَّه: ((صلوا فى مرابض الغنم)): أى فوق السجادة
إذا كانت ضرورة، أو أن أصحاب الغنم كانوا ينظفون المرابض فأبيحت الصلاة فيها لذلك
اهـ (ص٢٠٩). قلت: والأولى أن يقال: إن الصلاة فى معاطن الإبل ومرابض الغنم باطلة
إذا كانت رطبةً، وجائزة إذا كانت جافة يابسة، ولكنها مكروهة فى معاطن الإبل مع
جفافها لكونها من الشياطين كما ورد فى الحديث، ومقتضى هذه العلة جوازها فيها إذا لم
تكن الإبل هناك فافهم.
باب كراهة التمطى فى الصلاة
قوله: عن أبى هريرة إلخ: قلت: صرح الشرنبلالى فى "مراقى الفلاح" بكراهته
وعلله بكونه من التكاسل اهـ، وقال الطحطاوى فى "حاشيته" عليه: فظاهره أنه مكروه
تنزیہا اه (ص٢٠٧).
قلت: ولعل علة كراهته عند النساء أنه يشعر بهيجان النفس وميلانها إلى الضجاع،
ومثل ذلك لا ينبغى فعله عند الأجانب من النساء، والله تعالى أعلم، ولله در الشارح فما
أحسنه معلمًا ومؤدبًا، وما أدقه نظرا إلى دقائق الأمور وما أشده تحذيرًاً
١٣٩
ج - ٥
باب كراهة عد الآى والتسبيح باليد
فى الفريضة دون النوافل
١٥٢٦- عن مکحول عن أبى أمامة وواثلة بن الأسقع قالا: نهى رسول
الله عز ◌ّ عن عد الآى فى المكتوبة ورخص فى السبحة. رواه أبو موسى
الإصبهانى، قاله فى الإمام (شرح الإلمام للشيخ العلامة ابن دقيق العيد) كذا فى
عن مقدمات الشرور.
باب كراهة عد الآی والتسبيح باليد
فى الفريضة دون النوافل
قوله: عن مكحول إلخ: قال فى "البحر" تحت قول "الكنز": وعد الآى والتسبيح
أى يكره عد الآيات من القرآن والتسبيح، وكذا السور لأنه ليس من أعمال الصلاة. أطلقه
فشمل العد فى الفرائض والنوافل چمیعاً باتفاق أصحابنا فى ظاهر الرواية، وروى عنهما
-أى الصاحبين- فى غير ظاهر الرواية أن العد باليد لا بأس به كذا فى "العناية" وغيرها،
لكن فى "الكافى": وقالا: لا بأس به فجزم به عنهما، وعلل لهما بأن المصلى يضطر إلى
ذلك لمرعاة سنة القراءة والعمل بما جاءت به السنة فى صلاة التسبيح، وقال عليه السلام
لنسوة سألنه(١) عن التسبيح: اعددنه بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات يوم القيامة.
وقوله فى "الهداية": يمكنه أن يعد ذلك قبل الشروع إنما يأتى هذا فى الآى دون
التسبيحات اهـ. قالوا: ومحل الاختلاف هو العد باليد كما وقع التقييد به فى الهداية،
سواء كان بأصابعه أو بخيط يمكسه، أما الغمز برؤوس الأصابع أو الحفظ بالقلب فهو غير
مكروه اتفاقًا، والعد باللسان مفسد اتفاقًا، إلى أن قال بعد ذكر صلاة التسبيح و كيفيتها.
وذكر فخر الإسلام فى شرح "الجامع الصغير": قال مشايخنا: إن احتاج المرأ إلى
العد بعد إشارة لا إفصاحا ويعمل بقولهما فى المضطر. (٢٩:٢ و٣٠). ورجح فى
(١) قلت: أخرجه أبو داود فى سننه عن يسيرة وسكت عنه يلفظ: أن النبى مر ◌ّ أمرهن أن يراعين التكبير والتقديس
والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات اهـ (٢٧:١). والمقصود الاستدلال به على كون هذا
العد من عبادة اليد، فانتفى ما علل به كراهة أنه ليس من أعمال الصلاة، فإن لقائل أن يقول: إن العد عمل قليل لا
ینافى الصلاة، بل يلائمها لكونه عبادة، فينبغى أن يكون مأذونا به فيها فافهم، (مؤلف).
١٤٠
كراهة عد الآى والتسبيح فى الفريضة
إعلاء السنن
البناية شرح الهداية للعينى (٨١٢:١). ولم أقف على سنده ولكن فقهاؤنا عملوا
به، وهو علامة قبول الحديث كما مر.
"الدر" كون الكراهة تنزيهية عند الإمام، وذكر الشامى عن البحر عزوه إلى الحلية لابن
أمير حاج، ثم قال: لكن ظاهر قول النهاية: "لا يباح" إنها تحريمية، وأجاب فى الشهر بأن
المكروه تنزيهاً غير مباح، أى غير مستوى الطرفين، ثم قال بعد ذكره حديث المتن عن
الحلية: إن ثبت هذا ترجح القول بعدم الكراهة فى النافلة، وإلا ترجح القول بعدمها
مطلقًا مرادًا بها التنزيهية اهـ. إلى أن قال: وعن الصاحبين فى غير ظاهر الرواية عنهما
أنه لا بأس به، وقيل: الخلاف فى الفرائض ولا كراهة فى النوافل اتفاقًا اهـ. (٦٨٠:١).
قلت: والقول الأخير هو الراجح عندى لموافقته الأثر وإن لم يثبت صلاحه
للاحتجاج به، ولكنه أولى مما لا يوافقه أثر لا ضعيف لا صحيح. وإن قيل: إن هذا الأثر
يعارض القياس، فإن القياس يقتضى كراهة العد مطلقًا، لكونه ليس من أفعال الصلاة،
والأثر قد فصل بين المكتوبة والنافلة. قلنا: لانسلم أنه(١) ليس من أفعال الصلاة، فإن عد
الآى والتسبيح مندوب إليه شرعًا، واليد آلته. وجعله الشارع من عبادة اليد والأصابع كما
مر، وقال "الطحطاوى" تحت قول "المراقى": و(يكره) العمل القليل المنافى للصلاة إلخ ما
نصه: أما المطلوب فيها فهو منها كتحريك الأصابع بعد التسبيح فى صلاته اهـ.
(ص٢٠٧). وإن سلمنا أنه ليس من أفعال الصلاة فكم من شىء يتحمل فى النافلة ولا
يتحمل فى الفريضة، كالتفات فإنه ليس من أعمال الصلاة، ولذا يكره فيها، لكن النص
ورد مرخصًا له فى النافلة كما مر فى رواية الترمذى: فإن كان لابد ففى التطوع لا فى
الفريضة، هذا وقد روى الخطيب عن واثلة رضى الله عنه مرفوعًا: عد الآى فى الفريضة
والتطوع. كما فى "الجامع الصغير" (٥٠:٢).
وفيه أيضًا (١٠١:٢) عن ابن عمرو مرفوعًا: كان مَّ يعد الآى فى الصلاة
أخرجه الطبرانى فى الكبير اهـ. وهما يدلان على إباحة العد مطلقًا، وضعفهما السيوطى
برمزه، ولكن الضعف منجبر بتعدد الطرق، ويمكن التأويل بأنه متّ كان يعد الآى لأجل
(١) قلت: هذا يقتضى عدم كراهته فى الفرض أيضاً، لأن ما كان من أعمال الصلاة لا يكره فى الفرض، وهو
ينافى مقصود المؤلف فتدبر. قلت: لا يجب أن ما يكون من أعمال الصلاة فى الجملة لا يكره فى الفرض
كتطويل القراءة فافهم.