النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
ج - ٥
رواه البيهقى فى "السنن"، وإسناده حسن (آثار السنن (١٥١:١)، وقد مر أيضًا،
وهذا الأثر مؤيد للحديث المرفوع؛ لأنه ليس مما يدرك بالرأى، فله حكم الرفع.
باب فساد الصلاة بكلام الناس مطلقًا
١٣٨٩- عن معاوية بن الحكم السلمى قال: بينا أن أصلى مع رسول
الله عَّ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرمانى القوم
بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلى؟ فجعلوا يضربون
بأیدیهم على أفخاذهم، فلما رأیتهم یصمتوننی لکننی سکت، فلما صلى رسول
الله عرّ فبأبى هو وأمى ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فو الله
ما كهرنى ولا ضربنى ولا شتمنى ثم قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شىء
تحليل الصلاة بالتسليم وبطلانها بالإحداث ولو بعد ما جلس فى الأخيرة قدر التشهد
بما رواه الخمسة إلا النسائى عن على بن أبى طالب مرفوعًا: ((مفتاح الصلاة الطهور،
وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم))، قال الترمذى: هذا أصح شىء فى هذا الباب وأحسن،
كذا فى "النيل" (٦٠:٦).
وأجيب عنه: بأن جزؤه الأخير قد خالفه راويه بنفسه، فلا يكون حجةً ناهضةً
للفرضية، فلم يبق إلا الوجوب الظنى، ونحن نقول به حتى أوجبنا على تاركه سهوا
سجدة للسهو، وعلى تاركه عمدًا إعادة الصلاة وجوبًا، ولو لم يعد قلنا بسقوط الفرض
عن ذمته مع الإساءة، صرح به فى "الدر مع الشامية" (٦٣٣:١ و٦٣٤)، ويلتحق
بالحدث كل عمل ينافى الصلاة كالقهقهة وغيرها، والله تعالى أعلم، على أن حديث
(مفتاح الصلاة الطهور)) إلخ من الآحاد، وهى لا تكفى لإثبات الفرضية عندنا،
وإنما قلنا بفرضية الطهور وتكبيرة الإحرام للنص القطعى فى الأولى، وقيام
الإجماع فى الأخرى، ولم يوجد مثل ذلك فى التحليل بالسلام، فبقى على ظنيته، ولم
يكن فرضًا ولا ركنا، فافهم.
باب فساد الصلاة بكلام الناس مطلقًا
قوله: عن معاوية بن الحكم إلخ.

٢٢
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
إعلاء السنن
من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول
الله عَ لِ الحديث، رواه مسلم (٢٠٣:١).
١٣٩٠- عن عبد الله قال: كنا نسلم على رسول الله عَّ ده وهو فى
الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشى سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا:
يا رسول الله! كنا نسلم عليك فى الصلاة فترد علينا، فقال: ((إن فى الصلاة
شغلا))، رواه مسلم (٢٠٤:١)، وزاد النسائى (١٨١:١) فيه قال: ((إن الله
يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يتكلم فى الصلاة)) اهـ،
وللطحاوى (٦٦١:١) بسند صحيح: ((وإن مما أحدث قضى أن لا تتكلموا
فى الصلاة)) اهـ.
قوله: عن عبد الله إلخ: قلت: فى هذه الأخبار حظر عن الكلام فى الصلاة،
ولم تختلف الرواة أن الكلام كان مباحًا فى الصلاة إلى أن حظره.
واتفق الفقهاء (١) على حظره إلا أن مالكًا قال: يجوز فيها لإصلاح الصلاة، وقال
الشافعى: كلام السهو لا يفسدها، ولم يفرق أصحابنا بين شىء منه وأفسدوا الصلاة
بوجوده فيها على وجه السهو وقع أو لإصلاح الصلاة.
والدليل عليه سائر الأخبار المأثورة عن رسول الله صَ لّ فى حظره فيها، لم يفرق
فيها بين ما قصد به إصلاح الصلاة وبين غيره، ولا بين السهو والعمد منه، فهى عامة فى
الجميع، وقوله عّ لّه فى حديث معاوية بن الحكم: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شىء من
كلام الناس)) إلخ، فيه شىء نكرة تحت النفى، فيعم كل كلام بأى وجه كان، وكذا قوله
فى حديث عبد الله: (إن الله عز وجل قد أحدث فى الصلاة أن لا تتكلموا إلا بذكر
الله))، يدل على حظر كلام الناس مطلقًا.
وللخصم عنه جوابان: أحدهما: أنه ليس فيه دلالة على البطلان، بل معناه أنه
(١) قال الشوكانى فى النيل: لا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم فى صلاته عامدًا عالماً فسدت صلاته، قال ابن المنذر:
أجمع أهل العلم على أن من تكلم الناس فى صلاته عامدا وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، واختلفوا
فى كلام الساهى والجاهل، وقد حكى الترمذى عن أكثر أهل العلم أنهم سووا بين كلام الناسى والعامد والجاهل،
وإليه ذهب الثورى وابن المبارك، وبه قال النخعى وحماد وأبو حنيفة اهـ (٢١٢:٢).

٢٣
ج- ٥
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
وفى رواية كلثوم الخزاعى: ((إلا بذكر الله وما ينبغى لكم، فقوموا لله
محظور، وليس كل محظور بمبطل، الثانى: أنه عّ لّ لم يأمر معاوية بالإعادة، وإنما علمه
أحكام الصلاة، ذكره الزيلغى (٢٥٦:١).
ورد الأول بأن قوله مَ له: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شىء من كلام الناس))
يشعر بكونه منافيًا لها، وكل ما كان منافيا لها فهو مفسد، كالأكل والشرب والجماع
وغيرها، وأيضًا: قوله مرّ ة هذا حقيقة الخبر، فهو محمول على حقيقته، فاقتضى ذلك
إخبارا من النبى مٍَّ بأن الصلاة لا يصلح فيها كلام الناس، فلو بقى مصليًا بعد الكلام
لكان قد صلح الكلام فيها من وجه، فثبت بذلك أن ما وقع فيه كلام الناس فليس
بصلاة، ليكون مخبره خبرًا موجودًا فى سائر ما أخبر به، ومن وجه آخر أن ضد الصلاح
هو الفساد، وهو يقتضيه فى مقابلته، فإذا لم يصلح فيها ذلك، فهى فاسدة إذا وقع الكلام
فیها، ولو لم يكن كذلك لكان قد صلح الكلام فيها من غير إفساد، وذلك خلاف
مقتضى الخبر، كذا قاله الرازى فى "أحكام القرآن" له (٤٤٤:١)
قلت: وأيضًا: قد التزم الخصم دلالة هذه الآثار على بطلان الصلاة بكلام الناس
فيما إذا كان بغير إصلاح الصلاة وبدون السهو، فكيف ساغ له إنكار هذه الدلالة فيما
قلنا؟ هذا وقد اندحض بما قدمناه عن الرازى ما عسى أن يقال عن المالكية: إنهم إنما سوغوه
لإصلاح الصلاة بدليل قوله مرّطر فى حديث عبد الله: ((لا تتكلموا إلا بذكر الله وما ينبغى
لكم))، وكلام الناس لإصلاح الصلاة مما ينبغى.
ووجه الاندحاض: أن كلام الناس لا يجوز إدخاله فيما ينبغى بعد قوله: ((إن صلاتنا
هذه لا يصلح فيها شىء من كلام الناس))، فقد صرح فيه بكونه مما لا ينبغى، وأما ما هو
ينبغى لهم فقد بينه فى قوله: ((إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))، وفى قوله: ((من نابه
شىء فى الصلاة فليسبح، إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال))، فافهم
وأجيب عن الثانى: بأن عدم حكاية الأمر بالإعادة لا يستلزم العدم، وغايته أنه
لم ينقل إلينا فيرجع إلى غيره من الأدلة، كذا فى "النيل" (٢١٣:٢).
وفى "العناية": فإن قيل: لو كان مفسدا لأمر بالإعادة ولم يثبت؟ قلنا: هذا
استدلال بالنفى وهو باطل، سلمناه ولكن العلم بالنسخ شرط ولم يكن، فلم يأمره بالإعادة

٢٤
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
إعلاء السنن
قانتين))، فأمرنا بالسكوت اه، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٥٩:٣).
كمسلم لم يهاجراهـ (٣٤٤:١).
وفى "الهداية": من تكلم فى صلاته عامدًا أو ساهيا بطلت صلاته، خلافا للشافعى
فى الخطأ والنسيان، ومفزعه الحديث المعروف، ولنا قوله عليه السلام: فذكر معنى حديث
المتن، ثم قال: وما رواه محمول على رفع الإثم اهـ (١١٤:١).
قلت: أشار بقوله: الحديث المعروف إلى قوله مَ: ((إن الله وضع عن أمتى الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه))، رواه ابن ماجة وابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم فى
"المستدرك" فى الطلاق وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، كما فى "نصب
الراية" (٢٥٥:١).
وفى "التلخيص الحبير" (١٠٩:١): قال النووى فى الطلاق من الروضة فى تعليق
الطلاق: حديث حسن، وكذا قال فى أواخر الأربعين له، انتهى، وفيه أيضًا عن البيهقى
تجويد بعض طرقه، وتضعيف الحديث عن الآخرين، وهو يفيد كونه حسنا على ما ذكرناه
فى "المقدمة"، ولكن دلالته على ما قاله الإمام الشافعى غير مسلم.
قال فى "العناية" تحت قول "الهداية": محمول على رفع الإثم، تقريره: أن حكم
الآخرة وهو الإثم مراد بالإجماع، فلا يكون حكم الدنيا مرادًا، وإلا لزم عموم المشترك أو
المقتضى، وكلاهما باطل على ما عرف فى موضعه اهـ من حاشية "الهداية" (١١٥:١)،
وقال فى "النيل" (٢١٣:٢): ويجاب أن المراد رفع الإثم لا الحكم، فإن الله أوجب فى
قتل الخطأ الكفارة اهـ.
وقال الإمام أبو بكر الرازى فى "أحكام القرآن" له (٤٤٤:١): فإن قيل: النهى عن
الكلام فى الصلاة مقصور على العامد دون الناسى لاستحالة نهى الناسى، قيل له: حكم
النهى قد يجوز أن يتعلق على الناسى كهو على العامد، وإنما يختلفان فى المأثم واستحقاق
الوعيد، فأما فى الأحكام التى هى فساد الصلاة وإيجاب قضائها فلا يختلفان، ألاترى أن
الناسى بالأكل والحدث والجماع فى الصلاة فى حكم العامد فيما يتعلق عليه من أحكام
هذه الأفعال من إيجاب القضاء وإفساد الصلاة، وإن كانا مختلفين فى حكم المأثم

٢٥
ج - ٥
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
١٣٩١- عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم فى الصلاة، يكلم الرجل
واستحقاق الوعيد، وإذا كان ذلك على ما وصفنا كان حكم النهى فيما يقتضيه من
إيجاب القضاء معلقًا بالناسى كهو بالعامد، لا فرق بينهما فيه، وإن اختلفا فى حكم المأثم
والوعيد اهـ.
قوله: عن زيد بن أرقم إلخ: قلت: دلالته على الباب ظاهرة، قال الحافظ فى
"الفتح": قوله: حتى نزلت، ظاهر فى أن نسخ الكلام فى الصلاة وقع بهذه الآية،
فيقتضى أن النسخ وقع بالمدينة، لأن الآية مدنية بالاتفاق اهـ (٥٩:٣).
واعلم أن لفظ القنوت مشترك بين معانى عديدة قيل: هو فى أصل اللغة الدوام على
الشىء، وروى عن السلف فيه أقاويل، روى عن ابن عباس والحسن وعطاء والشعبى:
﴿وقوموا لله قانتين﴾، مطيعين، وقال نافع عن ابن عمر: قال: القنوت طول القيام، وقرأ:
﴿أمن هو قانت آناء الليل﴾، وقال مجاهد: القنوت السكوت، والقنوت الطاعة اهـ، من
"أحكام القرآن" للرازى (٤٤٣:١)، وذكر ابن العربى أن له عشرة معان، قال: وقد
نظمتها فى بيتين بقولی:
إقامتها إقرارنا بالعبودية
دعاء خشوع والعبادة طاعة
كذاك دوام الطاعة الرايح النية
سكوت صلاة والقيام وطوله
من "النيل" (٢١٣:٢)، فالآية مجملة وقد روى زيد بن أرقم: كنا نتكلم فى الصلاة،
حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام، فوقع الحديث
بيانا لمجمل الآية، وأن المراد بالقنوت فيها السكوت عن كلام الناس، فكان ترك الكلام
فرضًا من فروض الصلاة، لما تقرر فى الأصول أن البيان يلتحق بالمبين، وإذا وقع الظنى بيانا
للقطعى صار قطعيًا أيضًا.
وإذا تمهد لك هذا فاعلم إنه لا يمكن إباحة الكلام فى الصلاة بعد حظره بالنص
إلا بنص مثله دون خبر الواحد على أصلنا، لعدم جواز نسخ الكتاب والزيادة عليه بخبر
الواحد عندنا، فاندحض احتجاج الخصم بحديث ذى اليدين علينا، وهو ما أخرجه
البخارى ومسلم عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال: صلى بنا رسول الله مَ له إحدى
صلاتى العشى، قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا قال: فصلى بنا

٢٦
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
إعلاء السنن
صاحبه وهو إلى جنبه فى الصلاة حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، فأمرنا
ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة فى المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع
يده اليمنى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت
السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: أ قصرت؟ وفى القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه،
وفى القوم رجل فى يديه طول يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت؟
قال: لم أنس ولم تقصرا فقال: أ كما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم! فتقدم فصلى ما ترك،
ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه و کبر، ثم كبر وسجد مثل
سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمرانٍ ابن
حصين قال: ثم سلم اهـ من "آثار السنن" (١٤٠:١) لكونه من الآحاد، فلا يصلح ناسخا
للنص و ثبت تأخره عنه، على أن ما ذكرنا من الآثار المأثورة فى حظر الكلام أقوال
تعطى ® ما كليا، وفى قصة ذى اليدين حكاية فعل لا عموم له، وتحتمل الوجوه من
. التخصيص وغيره، كما سيأتى، فيقدم القول على الفعل، وأيضًا: قد مر قوله مّ فى من
سبقه حدث أورعاف أنه يتوضأ وبینی على صلاته ما لم يتكلم، فقد جوز البناء إلى غاية
التكلم، فيقتضى انتهاء الجواز بالتكلم مطلقًا، وأيضًا: فإنها حاظرة وتلك مبيحة، والحاظر
يجعل متأخرا عن المبيح إذا تعارضا وجهل التاريخ، لئلا يلزم النسخ مرتين، كما مر فى
"المقدمة".
فإن قيل: كيف يجعل الحاظر هنا متأخرا وقد حكى ابن مسعود: أن تحريم الكلام
كان عند رجوعه من عند النجاشى، وكان رجوعه من عنده إلى مكة قبل هجرة
النبى مٍَّ وقصة ذى اليدين كانت بالمدينة بعد إسلام أبى هريرة، لكونه قد حضرها، كما
يدل عليه السياق، وإسلامه كان قبل وفاة النبى عّ لّ بثلاث سنين، كذا فى "الجوهر
النقى (١٨٩:١) عن الحميدى.
قلنا: تحريم الكلام لم يكن بمكة بل بالمدينة، ورجوع ابن مسعود من الحبشة كان
مرتين، مرةً منها إلى مكة، وأخرى إلى المدينة، قال الزيلعى فى "نصب الراية": وابن
مسعود قد شهد بدرا لأنه هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة ثم رجع إلى المدينة (أى من
الحبشة)، وشهد بدرًا، ذكره موسى بن عقبة فى مغازيه، وهى أصح المغازى عند أهل
:

٢٧
ج -٥
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
بالسكوت ونهينا عن الكلام، رواه مسلم (٢٠٤:١).
الحدیث اهـ (٢٥٧:١).
وقال الحافظ فى "الفتح": إن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة، ثم بلغهم أن
المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد الأذى عليهم
فخرجوا إليها أيضًا، وكان ابن مسعود مع الفريقين، واختلف فى مراده بقوله: فلما رجعنا،
هل أراد الرجوع الأول أو الثانى، فجنح القاضى أبو الطيب الطبرى وآخرون إلى الأول،
وقال آخرون: إنما أراد بن مسعود رجوعه الثانى، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبى ◌ّظهر.
یتجهز إلی بدر.
وفى "مستدرك الحاكم": من طريق أبى إسحاق عن عبد الله بن عتبة بن مسعود
عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله عز ◌ّ إلى النجاشى ثمانين رجلا فذكر الحديث بطوله،
وفى آخره: فتعجل ابن مسعود فشهد بدراً، فظهر أن اجتماعه (أى ابن مسعود)
بالنبى عرِّ بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابى، ويقوى هذا الجمع
رواية كلثوم المتقدمة (وهى زيادته فى حديث ابن مسعود: إن الله قد أحدث من أمره أن
لا تتكلموا فى الصلاة إلا بذكر الله، وما ينبغى لكم فقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت؛
فإنها ظاهرة فى أن كلا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى:
﴿وقوموا لله قانتين﴾، وهو مدنى بالاتفاق اهـ (٣: ٦٠).
ومن زعم أن نسخ الكلام کان بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، و معنی قول زید بن
أرقم: كنا نتكلم، أى كان قومى يتكلم، لأن قومه كانوا يصلون قبل الهجرة مع مصعب
ابن عمير فقد تعقبه الحافظ بكون الآية مدنية، وبأن إسلام الأنصار وتوجه مصعب إليهم
كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن فى حديث زيد بن أرقم عند الترمذى: كنا نتكلم
خلف رسول الله ◌ّ. فانتفى أن يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة
قبل الهجرة.
فإن قيل: أراد زيد بقوله: كنا نتكلم، من كان يصلى خلف النبى عرّ ه بمكة من
المسلمين، فهو متعقب أيضًا: بأنهم ما كانوا بمكة يجتمعون إلا نادرا، وبما روى الطبرانى
عن أبى أمامة: كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذى إلى جنبه فيخبره

٢٨
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
إعلاء السنن
بما فاته فيقضى ثم يدخل معهم، حتى جاء معاذ يوماً فدخل فى الصلاة الحديث، وهذا
كان بالمدينة قطعًا، لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما أسلما بها اهـ من "الفتح" (٦٠:١)
بتغییر یسیر فی التغيير.
وأما كون إسلام أبى هريرة متأخرا عن نزول قوله تعالى: ﴿قوموا لله قانتين﴾، فلا
يستلزم تأخر ما رواه أيضًا لما قدمناه فى "المقدمة" أنه ليس من الناسخ ما يرويه الصحابى
المتأخر الإسلام معارضًا لمتقدم الإسلام، لاحتمال سماعه عمن أسلم قبله، وهذا هو
الجواب عما قيل: إن حديث ذى اليدين أخرجه مسلم وغيره عن عمران بن حصين، وهو
متأخر الإسلام أسلم عام خبير، على أن عمران لم يرو عنه شىء مما يدل على حضوره يوم
ذى اليدين، وقد أخرجه النسائى وغيره عنه بلفظ: صلى بهم، وظاهر هذا القول أنه
لم يحضر القصة فيحمل على الإرسال، كذا فى "التعليق الحسن" (١٤:١).
فإن قيل: إن أبا هريرة قد حضر القصة إن لم يحضرها عمران يدل عليه قوله: صلى
بنا رسول الله عَّهِ. قلنا: نحمله على ما حمل ابن حبان قول زيد: كنا نتكلم، قال
الطحاوى: إنما قول أبى هريرة عندنا. صلى بنا، يعنى بالمسلمين، وهذا جائز فى اللغة،
ثم استشهد عليه بقول النزال بن سبرة: قال لنا رسول الله مَّ له، وهو لم يدركه، وبقول
طاوس قدم علينا معاذ بن جبل، وهو لم يحضره، وبقول الحسن: خطبنا عتبة بن غزوان،
وهو لم يشهده، إنما يريدون بذلك قومهم وأهل بلدتهم. وقال البيهقى فى قول مجاهد:
جاءنا أبو ذر إلى آخره: مجاهد لا يثبت له سماع عن أبى ذر وقوله: جاءنا يعنى جاء
بلدنا.
وأما ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة فى هذا
الحديث عن أبى هريرة بلفظ: بينما أنا أصلى مع رسول الله عَّه، فليس بمحفوظ،
ولعل بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبى هريرة: صلى بنا أنه كان حاضرًا فرواه
بالمعنى، وقد أخرجه مسلم من خمس طرق، ولفظه فى طريقين: صلى بنا، وفى طريق:
صلى لنا، وفى طريق: أن رسول الله مَّه صلى ركعتين، وفى طريق: بينما أنا أصلى،
تفرد به يحيى بن أبى كثير، وخالفه غير واحد من أصحاب أبى سلمة وأبى هريرة

ج -٥
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
٢٩
فكيف يقبل اهـ؟ من " آثار السنن" (١٤٨:١).
والدليل على أن أبا هريرة لم يحضر قصة ذی الیدین ما رواه الطحاوى حدثنا ابن
أبى داود قال: ثنا سعيد بن أبى مريم، قال: أنا الليث بن سعد، قال: ثنى عبد الله بن وهب
عن عبد الله العمری عن نافع عن ابن عمر أنه ذکر له حدیث ذی الیدین، فقال: كان
إسلام أبى هريرة بعد (١) ما قتل ذو اليدين أهـ (٢٦:١).
قلت: رجاله كلهم ثقات إلا العمرى، فاختلف فيه قواه غير واحد من الأئمة،
وضعفه النسائى وابن حبان وأمثالهما من المتشددين، وأحسن شىء ما قاله الذهبى
فى "الميزان": صدوق فى حفظه شىء، وهذا لا ينحط حديثه عن درجة الحسن، قال:
وقال الدارمى: قلت لابن معين: كيف حاله فى نافع؟ قال: صالح ثقة اهـ (٢: ٨٥)، وهذا
الأثر أخرجه الطحاوى من طریق العمری عن نافع، فهو حسن جدا، وقد حسن حديثه
غير واحد من أهل العلم، منهم أبو يعلى الموصلى حيث قال الهيثمى فى "مجمع
الزوائد" (١١٧:١) فى (باب غسل الكافر إذا أسلم): قال أبو يعلى عن رجل عن سعيد
المقبری: قال: فإن كان هو العمری فالحدیث حسن اهـ.
وأورد له يعقوب بن شيبة فى "مسنده" حديثًا، فقال: هذا حديث حسن الإسناد
مدنى، وقال ابن عمار الموصلى: لم يتركه أحد إلا يحيى بن سعيد، وقال الخليلى:
ثقة غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه هذا، وهو من رجال مسلم، كذا فى "تهذيب
التهذيب" (٣٢٦:٥).
وما رواه ابن حبان فى "صحيحه" فى النوع السابع عشر من القسم الخامس
ولفظه: قال: صلى رسول الله عرّ ◌ُّه الظهر أو العصر، فسلم فى الركعتين، فقال
ذو الشمالين -ابن عبد عمرو حليف لبنى زهرة -: أ خففت الصلاة أم نسيت يا رسول
(١) قلت: وهذا هو الدليل على عدم حضور عمران بن حصين تلك الحادثة، لما تقدم عن ابن سيرين -راوى الحديث-
عن أبى هريرة أنه كان يرى التوحيد بين حديث عمران وأبى هريرة، وذلك أنه قال فى آخر حديث أبى هريرة:
نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم، قال الحافظ: وهو الراجح فى نظرى أى اتحاد الحديثين جميعاً وإن كان
ابن خزيمة، ومن تبعه جنحوا إلى التعدد (٨٠:٢).

٣٠
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
إعلاء السنن
الله! فقال عليه السلام: ما يقول ذواليدين؟ قالوا: يا نبى الله! صدق، قال: فأتم بهم
الركعتين اللتين نقصهما، ثم سلم، قال الزهرى: كان هذا قبل بدر، ثم استحكمت الأمور
بعد اهـ من الزيلعى (٢٥٦:١)، فهذا الزهرى الذى هو أحد أركان الحديث، وأعلم الناس
بالمغازی، قد نص على أن قصة ذی الیدین كانت قبل بدر قبل إسلام أبى هريرة بكثير.
وفی "الجوهر النقى": ذکر عن ابن وهب أنه قال: إنما کان حدیث ذی الیدین فی
بدء الإسلام، ولا أرى لأحد أن يفعله اليوم اهـ (١٨٩:١).
وقد طعن الحفاظ على الزهرى فى قوله ذلك ونسبوه إلى الوهم، وقالوا: التبس عليه
ذو اليدين بذى الشمالين، فظنهما واحدا، وهما اثنان، فذو الشمالين هو ابن عبد عمرو
ابن نضلة، حليف لبنى زهرة من خزاعة قتل بیدر.
وأما ذو اليدين الذى أخبر النبى ◌ّ بسهوه فإنه بقى بعد النبى عَّدٍ، قال
البيهقى: كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ، ثم خرج عنه بسنده ما يدل على ذلك،
كما فى "الجوهر النقى" (١٦٣:١).
وأجيب عنه: بأن الزهرى لم يهم، فقد تابعه على ذلك عمران بن أبى أنس، قال
النسائى: أنا عيسى بن حماد أنا الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن عمران بن أبى أنس عن
أبى سلمة عن أبى هريرة: أن رسول الله منظّ صلى يومًا فسلم فى ركعتين ثم انصرف
فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله! أ نقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص
ولم أنس! قال: بلى والذى بعثك بالحق، قال رسول الله عَّهِ: أ صدق ذو اليدين؟ قالوا:
نعم! فصلى بالناس ركعتين اهـ (١٨٢:١)، ويؤيده ما تقدم عن ابن عمر بسند حسن أن
ذو اليدين قتل قبل إسلام أبى هريرة اهـ، والذى قتل قبل إسلامه هو ذو الشمالين عندهم،
فثبت أنه ذواليدين أيضًا.
سلمنا أنهما اثنان، ولكن لا نسلم أن ذا اليدين بقى حيا إلى إسلام أبى هريرة فضلا
عن بقائه إلى ما بعد النبى ◌ّ ◌ُلِّ، لتصريح ابن عمر بقتله قبل إسلام أبى هريرة، والصحابى
أعرف بحال الصحابى من سائر الحفاظ والمحدثين.

ج - ٥
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
٣١
وأما ما رواه البيهقى عن الحاكم وعبد الله (١) بن أحمد فى "زيادات المسند"،
والطبرانى فى "الكبير"، وآخرون من طريق معدى بن سليمان قال: ثنا شعيب بن مطير
عن أبيه مطير ومطير حاضر يصدق مقالته، قال: كيف كنت أخبرتك؟ قال: يا أبتاه!
أخبرتنى أنك لقیك ذو الیدین بذى خشب، فأخبرك أن رسول الله میپێ( صلى بهم إحدى
صلاتى العشى وهى العصر، الحديث، فهذه سلسلة الضعفاء. أما معدى بن سليمان
فضعفه النسائی وابن حبان. وقال أبو زرعة: واهى الحديث، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال
الشاذ کونی: کان من أفضل الناس، وكان يعد من الأبدال، وصحح الترمذى حديثه،
وأما شعيب بن مطير فلم يذكره أحد ممن تكلم فى الرجال مثل الذهبى وابن حجر
وغيرهما، قال ابن التركمانى: لم أقف على حاله ووالده مطير، قال فيه ابن الجارود:
لم يكتب حديثه.
وفى: "الضعفاء" للذهبى: لم يصح حديثه، وفى الكاشف: مطير بن سليم عن ذى
الزوائد، وعنه ابناه شعيب وسليم لم يصح حديثه اهـ من "الجوهر النقى" (١٩٣:١)،
وقال الحافظ فى "التقريب": مجهول الحال (ص٢٠٩)، فمن جعله سندا محتجاً به.
كبعض الناس المدعى سعة النظر فى الفن والمهارة فيه فقد أتى بأمر عظيم، وزل حماره فى
الطين، والعجب منه كيف يحتج به؟ وقد صرح الأئمة بأنه لم يصح، وقال البخارى:
لم يثبت حديثه، أى حديث مطير، كما فى "تهذيب التهذيب (١٨١:١).
واحتج الحافظ فى "الفتح" على التفرقة بين ذى الشمالين وذى اليدين بأن
ذا الشمالين هو الذى قتل بيدر وهو خزاعى، واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة،
(١) قلت: الحديث مذكور فى "مسند أحمد" (٧٧:٤) وسنده: حدثنا محمد بن المثنى ثنا معدى بن سليمان ثنا شعيب
بن مطير عن أبيه ومطير حاضر اهـ، ولا يفيد ذكر ابن حبان مطيرًا فى "الثقات" لأن معدى بن سليمان أتى
مطيرًا، وهو شيخ كبير لا ينفذ الحديث، كما ذكره عبد الله بن أحمد فى "المسند" (ص مذكور)، وإنما سمعه
معدى عن شعيب وهو مجهول الحال، وتصديق مطير إياه فى مقالته لا يفيد شيئاً لكونه كبيراً لا ينفذ الحديث،
وقد كان نسيه فلقنه ابنه فتلقن، فلا يحتج به ما لم يعرف عدالة شعيب وثقته، على أن مطيرا اثنان، أحدهما
الوادعى والد شعيب الراوى عن ذى اليدين، والثانى الوادى الراوى عن ذى الزوائد، قاله البخارى، كما فى
"تهذيب التهذيب" (١٨١:١٠)، فلا نعلم أيهما وثقه ابن حبان.

٣٢
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
إعلاء السنن
وذو اليدين تأخر بعد النبى ◌ّ ◌ّ، كما أخرجه الطبرانى وغيره، وهو سلمى
واسمه الخرباق اهـ (٧٧:٢).
قلت: أما تأخر ذى اليدين بعد النبى معَّه فقد مر الجواب عنه وأن سنده أوهن من
نسج العنكبوت، وأما أن ذا الشمالين خزاعى والآخر سلمى.
فالجواب عنه: أن ذا اليدين أيضًا خزاعى، قال ابن سعد فى "طبقاته": ذواليدين
ويقال: ذو الشمالين اسمه عمير (١) بن عمرو بن نضلة من خزاعة. وقال ابن حبان فى
"ثقاته": ذو اليدين ويقال له ذو الشمالين أيضًا ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعى، وقال
أيضا ذو الشمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عامر بن الحارث بن غيشان الخزاعى
حليف بنى زهرة، وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى العدنى فى "مسنده": قال أبو محمد
الخزاعى: ذو اليدين أحد أجدادنا وهو ذو الشمالين اه من "التعليق الحسن" (١٤٤:١)،
فثبت بعبارات هؤلاء الأئمة الحفاظ أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وكلاهما خزاعى.
وأما ما وقع عند مسلم من طريق أبى سلمة عن أبى هريرة: فقام رجل من بنى
سليم، كما ذكره الحافظ فى "الفتح" (٧٧:٢)، فلا ينافى ذلك، فقد ثبت أن ذا الشمالين
کان اسم أحد أجداده سلیما، قال ابن هشام فى "سيرته" فى باب من حضر ببدر: قال
ابن إسحاق: ذوالشمالین ابن عبد عمرو بن نضلة من غیشان بن سلیم بن ملکان بن أقصی
ابن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة اهـ، فما ورد فى رواية مسلم: قام رجل من بنى
سليم، أراد به سليم بن ملكان وهو من خزاعة، لا سليم بن منصور الذی لیس بخزاعی،
فاحفظه، كذا فى "التعليق الجنس" (١٤٧:١)، ولله در مؤلفه ما أوسع نظره وأدق فكره،
وأما إن ذا اليدين اسمه: الخرباق والآخر: اسمه عمير.
فالجواب عنه: أن الخرباق لقب لذى الشمالين، قال العلامة ابن الأثير فى " جامع
الأصول": الخرباق السلمى اسمه عمير بن عبد عمرو يكنى أبا محمد، ويقال له:
ذواليدين وذو الشمالين، والخرباق لقب، وقيل: هما اثنان اهـ. وقال صاحب "المغنى":
الخرباق بكسر خاء وسكون راء وبموحدة وبقاف اسمه عمير بن عبد عمرو يقال له:
(١) قلت: بعضهم يقول: ابن عبد عمرو، وبعضهم: ابن عمرو، يحذف عبد تخفيفًا ومثله فى الأسماء كثير.

3
ج - ٥
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
٣٣
ذو اليدين وذو الشمالين، وقيل: هما اثنان اهـ من "التعليق الحسن" (١٤٧:١).
وبالجملة: فقد اختلفت كلمات المحدثين فى وحدة ذى اليدين وذى الشمالين
وتعددهما، وقد اتفقوا على تقدم وفاة ذى الشمالين عن إسلام أبى هريرة وعمران
ابن حصين وغيرهما من رواة قصة السهو، وأنه قتل بیدر، واختلفوا فی وفاة ذی الیدین
هل كانت بيدر أم بعد النبى مرّر؟ والراجح عندنا: الأول، لقول ابن عمر كما مر، وهو
الذى رجحه صاحب "الجوهر النقى" والطحاوى قبله، ولو منع أحد رجحانه لمنعنا
رجحان الآخر، وقلنا باستواء الاحتمالين، فتبقى قصة ذى اليدين مشكو كا فى تقدمها
وتأخرها عن النص، وهو قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، فلا تصلح ناسخة له،
ولا مخصصة، كيف وفى حديث أبى هريرة: ثم قام إلى خشبة فى مقدم المسجد فوضع
يديه عليها، وفى حديث عمران بن حصين: ثم دخل منزله، ولا يجوز لأحد اليوم
أن ينصرف عن القبلة، ويمشى ويدخل منزله، وقد بقى عليه شىء من صلاته فلا يخرجه
ذلك عنها، فإن قيل: فعل ذلك وهو لا يرى أنه فى الصلاة؟
قلنا: فيلزم على هذا أنه لو أكل أو شرب أو باع أو اشترى وهو لا يرى أنه فى
الصلاة إنه لا يخرجه ذلك منها قال النووى فى "شرح مسلم": المشهور من المذهب أن
الصلاة تبطل بالعمل الكثير، قال: وهذا مشكل، وتأويل الحديث يعنى قصة ذى اليدين
صعب على من أبطلها، انتهى.
-ا لعبه نه
وأيضًا: فقد أخبر النبى عليه السلام ذو اليدين وخبر الواحد يجب العمل به (عند
الخصم)، ومع ذلك تكلم النبى مرّ ◌ُلّه وتكلم الناس معه مع إمكان الإيماء (فلم يكن كلامهم
ـعْ
مه الله: تلقّة كمة دوار
ذلك للضرورة ولا سهواً) فدل على أن ذلك كان والكلام فى الصلاة مباح ثم نسخ،".
كما
تقدم اهـ من "الجوهر النقي" (١٩٠:١) ، سعد (2 1):" وتفا" رغ باغةالطارالة
فإن قيل: إنهم لم ينطقوا. وبإلى كومة ونها مغل فمع انى واؤه فى اروايق باقى تتكلم
إسنادها ولفظه: فأقبل رسول الله مَ ◌ّ على القوم فقال: ((أ صدق ذو اليدير (4) فأو المأو أى
نعم اهـ (١: (ب ) قال الحافظ فى عا الفتح بحفا و هذا الاعت مده لا الخطاب، موقالوق لعمل القول
على الإشارة بمجاز شابلع بخلاف بعكسه فينفى رد الروليات الموال غيها التصريح بالقول

٣٤
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
إعلاء السنن
إلى هذه، وهو قوى، وأقوى من قول غيره يحمل على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم
بالإشارة اهـ (٨٢:٣).
قلنا: فالخطب حينئذ هين، ويبطل احتجاج الخصوم بقصة ذى اليدين على
إباحة الكلام وعدم الفساد به، لو لضرورة إصلاح الصلاة، أو نسيانا رأسًا، قال
الحافظ (٨٣:٣): لکن یبقی قول ذی الیدین: بلی قد نسيت.
ويجاب عنه وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا: بأن كلامهم كان جوابًا
للنبى معَّه، وجوابه لا يقطع الصلاة، كما سيأتى البحث فيه فى تفسير سورة الأنفال فى
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما یحییکم﴾، وتعقب
بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة.
وأجيب: بأنه ثبتت مخاطبته فى التشهد، وهو حى بقولهم: السلام عليك
أيها النبى، ولم تفسد الصلاة، والظاهر أن ذلك من خصائصه، ويحتمل أن يقال: مادام
النبى مَّ يراجع المصلى فجائز له جوابه حتى تنقضى المراجعة، فلا يختص الجواز
بالجواب لقول ذی الیدین: بلی قد نسیت، ولم تبطل صلاته اهـ.
قلت: واحتجوا أيضًا بما رواه أبو داود بطریق یزید بن أبی حبیب عن سوید بن قيس
عن معاوية بن حديج (مصغرًا) أن رسول الله مرّ خلّه صلى يومًا وقد بقيت من الصلاة ركعة،
فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد، وأمر فأقام الصلاة
فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس فقالوا لى: أ تعرف الرجل؟ قلت: لا! إلا أن
أراه، فمر بى فقلت: هذا هو. فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله اهـ (١٥٣:١).
قال الحافظ فى "الفتح": روى معاوية بن حديج بمهلمة وجيم مصغراً قصة
أخری فی السھو، ووقع الكلام فيها ثم البناء، و کان إسلامه قبل موت النبی مګے بشهرين
اهـ (٨٢:٣).
قلت: سويد بن قيس هذا هو التجيبى المصرى ذكره الذهبى فى "الضعفاء"
و "الميزان"، وقال: لا يعرف، تفرد عنه يزيد بن أبى حبيب، لكن وثقه

ج-٥
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
٣٥
النسائى اهـ (٤٣٦:١). على أن الأمة قد أجمعت على العمل بخلاف ذلك، وقالوا: إن
فعل الإقامة ونحوها(١) يقطع الصلاة، كذا فى "الجوهر" (١٩١:١)، فيحمل على تقدمه
من النهى أيضاً، وأن معاوية بن خديج لم يحضر القصة، وإنما سمعها عن أحد من متقدمى
الإسلام، وقوله: فأدركه رجل، وقولهم له: أتعرف الرجل، وقوله: لا إله أن أراه،
ثم معرفته إياه حين مر به لا يستلزم حضوره الواقعة، لاحتمال أن يكون الذى أُخبره
بالقصة عرفه الرجل بالإشارة ولم يسمه له، أو سماه فنسيه، فلذلك قال: لا أعرفه إلا أن
أراه، ثم عرفه حین مر به، فافهم.
قالوا: ويدل على عدم نسخ الكلام فى الصلاة ما رواه عطاء أن ابن الزبير صلى
المغرب وسلم فى ركعتين، ونهض ليستلم الحجر، فسبح القوم، فقال: ما شأنكم؟ وصلى
ما بقى وسجد سجدتين، فذكر ذلك لابن عباس فقال: ما أماط عن سنة نبيه مدّه، رواه
أحمد والبزار والطبرانى فى "الكبير" و"الأوسط"، ورجال أحمد رجال الصحيح اهـ
(مجمع الزوائد ٢٠٢:١).
قلت: تتبعت مسانيد ابن عباس وابن الزبير من المسند فلم أجد هذا الأثر فيه،
وذكره البيهقى من طريقين: فى أحدهما: عسل بن سفيان، ضعفه ابن معين وأبو حاتم
والبخارى وغيرهم.
وفى الطريق الثانى: الحارث بن عبيد أبو قدامة، قال النسائى: ليس بالقوى، وقال
ابن حنبل: مضطرب الحديث، وعنه قال: لا أعرفه، وقال البيهقى: ضعفه ابن معين،
وحدث عنه ابن مهدى وقال: لا أعرف إلا خيرا، كذا فى "الجوهر" (١٩١:١).
ولو سلمنا صحته فالقول فيه محمول على الإشارة، وقول ابن عباس: ما أماط عن
سنة نبيه، راجع إلى سجدته للسهو، لتأخير القيام إلى الثالثة، ولم يبطل صلاته بالنهوض
لعدم كثرة المشى، ولعله لم يتجاوز موضع السجود حين سبح به القوم.
وأما ما رواه النسائى وسكت عنه (١٧٩:١): عن أبى الدرداء قال: قام رسول
(١) كالخروج من المسجد والانحراف عن القبلة.

٣٦
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
إعلاء السنن
١٣٩٢- حدثنا يونس ثنا سفيان عن أبى حازم عن سهل بن سعد عن
النبى معَّ له أنه قال: ((من نابه شىء فى صلاته فليقل سبحان الله، إنما التصفيق
الله عَبّ يصلى فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثا، وبسط
يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: ((يا رسول الله! قد سمعناك تقول فى
الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأیناك بسطت یدك»، قال: (إن عدو الله إبليس
جاء بشهاب من نار ليجعله فى وجهى، قلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت:
ألعنك بلعنة الله، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوة أخينا
سلیمان لأصبح موثقًا بها يلعب به ولدان أهل المدينة) اهـ. فالجواب عنه ما قاله السندی فی
قوله: يفيد أن خطاب الشيطان لا يبطل الصلاة، (فيحمل النهى على الكلام العرفى المتبادر
فى الخطاب، وهو كلام الإنسان ومخاطبته لنوعه)، وإطلاق الفقهاء يقتضى البطلان
عندهم، فلعلهم يحملونه على ما إذا كان الكلام مباحً اهـ (١٧٩:١)، وقول أبى الدرداء:
فسمعناه يقول، محمول(١) على المجاز عندهم، أى سمعه المسلمون يقول كذا، وأحسن
منه جوابًا ما قال الحافظ فى "الفتح" (٤٤٢:٦): فيه إباحة العمل اليسير(٢) فى الصلاة،
وأن المخاطبة فيها إذا كان بمعنى الطلب من الله لاتعد كلامًا، فلا يقطع الصلاة اهـ، أى
فحينئذ يكون قوله عّ لّه: ((أعوذ بالله منك وألعنك بلعنة الله))، كقول المصلى: ((أعوذ بالله
من الشيطان الرجيم))، وقوله: ((إن علیك لعنتی إلی یوم الدین))، واستحسن شيخنا هذا
الجواب.
قوله: حدثنا يونس إلخ: وقوله: عن أبى هريرة إلخ. قلت: دلالته على حرمة الكلام
فى الصلاة مطلقًا سواء كان لإصلاحها أو ناسيا ظاهرة، لأنه مّ علمهم فى هذه الآثار
فى كل نائبة تنوبهم فى الصلاة التسبيح، ولم يبح لهم غيره، كما دل عليه لفظة، إنما
المفيدة للقصر، وادعى الجصاص فى "أحكام القرآن" له تأخر هذا الحديث عن قصة.
ذى اليدين، ونصه: فمنع رسول الله مَّ لمن نابه شىء فى الصلاة من الكلام
وأمر بالتسبيح، فلما لم يكن من القوم تسبيح فى قصة ذى اليدين (بل ضربوا
(١) لأنه أسلم يوم بدر، والنهى عن كلام كان قبله.
(٢) أى وكان بسط اليدين منه مظلته إلى إبليس كإشارة المصلى ودفعه لمن يريد المرور بين يديه.

٣٧
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
ج - ٥
للنساء والتسبيح للرجال))، أخرجه الطحاوى "(٢٥٩:١)، ورجاله رجال
الصحيح، وأخرجه الشيخان مطولا، كما فى "آثار السنن" (١٣٨:١).
بأيديهم على أفخاذهم، كما فى حديث معاوية بن الحكم الذى أخرجه مسلم، كذا فى
"فتح البارى" (٢٦٢:٣)، ولا أنكر (١) عليهم النبى مرّ تركه، دل ذلك على أن قصة
ذى اليدين كانت قبل أن يعلمهم التسبيح، إذ غير جائز أن يكون قد علمهم التسبيح،
ثم يخالفونه إلى غيره، ولو كانوا خالفوا ما أمروا به من التسبيح فى مثل هذه الحال، لظهر
فيه النكير عليهم فى تركهم التسبيح المأمور به إلى الكلام المحظور.
وفى هذا دليل على أن قصة ذى اليدين كانت على أحد وجهين: إما قبل «حظر
الكلام فى الصلاة، وإما أن تكون بعد حظر الكلام فى الصلاة، وإما أن تكون بعد
حظر الكلام بديا منه، ثم أبيح الكلام، ثم حظر بقوله: ((التسبيح للرجال والتصفيق
للسناء» (٤٤٥:١)، إلى أن قال: وجملة الأمر فى ذلك أنه (أی حدیث ذی اليدين) إن
کان فى حال إباحة الكلام بدیا قبل حظره فلا حجة للمخالف فیه، وإن کان بعد حظر
الكلام فليس يمتنع أن يكون أبيح بعد الحظر ثم حظر، فكأنه آخر أمره الحظر، ونسخ به ما
فى حديث أبى هريرة، وقد بينا أن قوله: ((التسبيح للرجال والتصفيق للسناء» كان بعد
حديث أبى هريرة، إذ لو كان متقدمًا لأنكر عليهم ترك المأمور به من التسبيح، ولكان
القوم لا يخالفونه إلی الکلام مع علمهم بحظر الكلام والأمر بالتسبيح. وفی ذلك دليل
على أن الأمر بالتسبيح ناسخ لإباحة الكلام متأخر عنه، فوجب أن يكون ما فى حديث أبى
هريرة (ففى قصة ذى اليدين) مختلفًا فى استعمالهما، فوجب أن تقضى عليه الأخبار
الواردة فى الحظر لأن من أصلنا أنه متى ورد خبران: أحدهما: خاص، والآخر: عام.
واتفقوا على استعمال العام واختلفوا فى استعمال الخاص، كان الخبر المتفق على
استعماله قاضيًا على المختلف فيه اهـ (٤٤٧:١)، قلت: فواجب على كل من يريد
الاعتراض على الحنفية فى مسألة أن يعرف أصولهم أولا، والله تعالى أعلم.
(١) أى لم ينكر كما ينكر على مخالفة الأمر، فلا يرد ما فى بعض طرق الحديث عند مسلم: ما لى رأيتكم أكثرتم
التصفيق، من نابه شىء فى صلاته فليسبح اهـ، فإن هذا الإنكار كان لإظهار كراهة الفعل فقط لا على مخالفتهم
الأمر، فإن سیاق الحدیث مشعر بأن تعلیم التسبیح کان حدث بعد هذا ولم يسبق منه مثله.

٣٨
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
إعلاء السنن.
١٣٩٣- عن أبى هريرة عن النبى معَّ له، قال: ((التسبيح للرجال
وفى الحديث دلالة على جواز التسبيح للرجال والتصفيق للنساء لإصلاح الصلاة
إذا نابهم أمر، قال صاحب "التوضيح": وبهذا قال مالك والشافعى: إن من سبح في.
صلاته لشىء ينوبه أو أشار إلى إنسان فإنه لا يقطع الصلاة، وخالف فى ذلك أبو
حنيفة رضى الله عنه، قال العينى: قلت: لا نسلم أن أبا حنيفة خالف، فإن مذهب أبى
حنيفة أنه إذا سبح أو حمد جوابا لإنسان فإنه يقطع، لأنه يكون كلامًا، وأما إذا وقع شىء
من ذلك لغير جواب فلا يضر، لأن الصلاة هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، كما ثبت:
ذلك فى الصحيح اهـ من "عمدة القارئ" (٧١٠:٣).
قلت: أشار إلى حديث معاوية بن الحكم السلمى، وهو أول أحاديث الباب:
وقد ورد فى التشميت فيكون التشميت مفسدًا للصلاة أيضًا، لأنه من كلام الناس.
بدلالة الحديث.
قال صاحب "الهداية": ومن عطس فقال له آخر: يرحمك الله، وهو فى الصلاة
فسدت صلاته، لأنه يجرى فى مخاطبات الناس فكان من كلامهم اهـ (١١٤:١)، ولو
قال العاطس: "الحمد لله"، لا تفسد، والأولى أن يقوله فى نفسه، وإن أخبر بخبر يسر.
فقال: "الحمد لله"، أو أخبر بما يتعجب منه فقال: "سبحان الله"، إن أراد به جوابه قطع
عند محمد وأبى حنيفة، و کذلك إذا أُخبر بخبر یسوءه فاسترجع لذلك، فإن لم يرد بـ
جوابه لم يقطع صلاته، وإن أراد به الجواب قطع، وعند أبى يوسف لا يقطع وإن أراد بـ
الجواب، وجه قوله: إن الفساد إما بالصيغة أو بالنية، لا وجه للأول؛ لأن الصيغة صيغة
الأذكار، ولا وجه للثانى؛ لأن مجرد النية غير مفسد.
ولهما: أن هذا اللفظ لما استعمل فى محل الجواب، وفهم منه ذلك صار من هذ
الوجه من كلام الناس، وإن لم يصر من حيث الصيغة، کمن قال الرجل اسمه یحیی وبیز
يديه كتاب موضوع: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وأراد به الخطاب بذلك لا قراءة القرآن
أنه يعد متكلماً لا قارئًا، ولهذا عد النبى معَّ ◌ُلّه تشميت العاطس كلامًا مفسدًا للصلاة فى
ذلك الحديث لما خاطب الآدمى به، وقصد قضاء حقه، وإن كان دعاءً صيغةً، كذا فى
"البدائع" (٢٣٥:١ و ٢٣٧).

٣٩
ج-٥
فساد الصلوة بكلام الناس مطلقا
والتصفيق للنساء))، رواه الجماعة، وزاد مسلم وآخرون: ((فى الصلاة)) (آثار
السنن ١٣٨:١).
فإن قيل: قد فرقتم بين سلام الساهى والعامد فقلتم: لا يفسد صلاته بالسلام
سهوًا ويفسد به إذا كان عمدًا، وهو كلام فى الصلاة، فكذلك سائر الكلام فيها، فينبغى
أن لا تفسد بالكل ناسيا كقول الشافعية، قيل له: إنما السلام ضرب من الذكر مسنون
به الخروج من الصلاة، فإذا قصد إليه عامدًا فسدت به الصلاة، كما يخرج به منها فى
آخره، وإذا كان ساهيًا فهو ذكر من الأذكار، لا يخرج به من الصلاة، وإنما كان ذكراً لأرضية
سلام على الملائكة وعلى من حضره من المصلين، وهو لو قال: ((السلام على ملائكة الله
وعلى نبى الله)) (وعلى المسلمين) لا تفسد صلاته، ومثله موجود فيها، وهو قوله: (السلام
عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)). وإذا كان
مثله يوجد فى الصلاة لم يكن مفسدًا لها إذا وقع منه ناسيًا (من غير إرادة الخطاب لأحد
معين)، وإنما أفسدنا به الصلاة إذا تعمد، لا من حيث إنه من كلام الناس المحظور فى
الصلاة، بل من جهة أنه مسنون للخروج من الصلاة، فإذا عمد له فقد قصد الوجه
المسنون له فقطع صلاته اهـ من "أحكام القرآن" (٤٤٨:١) للجصاص مختصراً.
تتمة:
قال الطحاوى: ومما يدل على ذلك (أى كون قصة ذى اليدين منسوخة بالأحاديث
الناهية عن الكلام مطلقاً) إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد كان مع رسول الله سيّ لّ.
فی یوم ذی الیدین، ثم قد حدثت به تلك الحادثة فى صلاته بعد رسول الله مێے، فعل فيها
بخلاف ما كان من عمل رسول الله من آه يومئذ.
حدثنا ابن مرزوق ثنا أبو عاصم عن عثمان بن الأسود قال: سمعت عطاءً يقول:
صلى عمر بن الخطاب بأصحابه فسلم فى ركعتين ثم انصرف، فقيل له فى ذلك، فقال:
إنى جهزت عيرا من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، فصلى بهم أربع
ر کعات (سنده صحیح ولكنه مرسل، عطاء لم يدرك عمر)، فدل ترك عمر لما قد علمه من
رسول الله مێ فی مثل هذا، وعمله بخلافه على نسخ ذلك، وقد كان فعل عمر هذا
بحضرة أصحاب رسول الله مآێ الذین قد حضر بعضھم یوم ذی الیدین، فلم ينكروا

٤٠
إعلاء السنن
باب أن الإشارة المفهمة بغير اللسان لا تقطع الصلاة
كالإشارة بالسلام ونحوه ولكنها تكره من غير حاجة
١٣٨٤- عن جابر قال: أرسلنى رسول الله عَ لّه وهو منطلق إلى بنى
المصطلق، فأتيته وهو يصلى على بعيره، فكلمته. فقال لى بيده هكذا، وأومأ
زهير بيده، ثم كلمته، فقال لى هكذا، وأومأ زهير أيضًا بيده إلى الأرض،
وأنا أسمعه يقرأ يؤمى برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلت فى الذى أرسلتك له،
ذلك عليه، ولم يقولوا له: إن رسول الله مظل قد فعل يوم ذى اليدين خلاف ما فعلت،
فدل ذلك أيضًا على أنهم قد كانوا علموا من نسخ ذلك ما كان عمر محمد
علمه اهـ (١: ٢٥٩ و ٢٦٠).
باب أن الإشارة المفهمة بغير اللسان - كالإشارة بالسلام ونحوه-
لا تقطع الصلاة ولكنها تكره من غير حاجة
قوله: عن جابر إلخ. قلت: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، لكونه مدلّ
أشار لجابر مرتين، وكذا دلالة حديث أم سلمة حيث أشار مرّ له بيده للجارية، ومضى فى
الصلاة، ولم تكن إشارته تلك قاطعة لها، وكانت إشارة مفهمة، كما لا يخفى، وكانت
للحاجة فلم تكره أيضًا، فإن قيل: فى حديث جابر المذكور إشكال على قول أبى حنيفة،
حيث قال: المصلى إذا سلم عليه لا يرد بلفظ، فإنه قاطع للصلاة، ولا بإشارة فإنها تكره.
قلت: إشارته مّ ل لجابر لم تكن لرد السلام عليه، بل كان للنهى عن السلام والكلام
أو للأمر بالمكث. يدل عليه قوله عند مسلم: أومأ بيده إلى الأرض، فلو كانت هذه
الإشارة لرد السلام لكانت إلى فوق لا إلى الأرض، وقوله فى رواية البخارى: ((إنما منعنى
أن أرد عليك أنى كنت أصلى))، فإنه كالصريح فى أنه مرّ لم يرد على جابر، لا إشارة
ولا لفظًا، ولو كان رد عليه إشارة لم يقع فى قلب جابر ما وقع، فتقييده بالكلام غير
سديد، وأيضًا: لو كان عَّ رد عليه بالإشارة لم يحتج إلى الرد عليه بعد الفراغ، كما هو
مذهب من يجيز الرد بالإشارة، وقد ثبت أنه رد عليه بعد ما انصرف عن صلاته،
وهو المأثور من مذهب جابر.