النص المفهرس
صفحات 241-260
16 استحباب التكبير عند "قد قامت الصلوة" ٢٤١ إعلاء السنن ١٢١٧- أبو حنيفة: عن طلحة بن مصرف عن إبراهيم أنه قال: إذا قال المؤذن: "حى على الفلاح" فينبغى للقوم أن يقوموا للصلاة، فإذا قال: "قد قامت الصلاة" كبر الإمام. أخرجه محمد فى الآثار ثم قال: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة، فإن كف الإمام حتى فرغ المؤذن من الإقامة، ثم كبر فلا بأس أيضا، كل ذلك حسن. كذا فى جامع المسانيد (٤٣٤:١). قلت: سند صحيح، وقول إبراهيم حجة عندنا لكونه لسان ابن مسعود وأصحابه. ١٢١٨- عن: أبى أمامة أو عن بعض أصحاب النبى منغير أن بلالا أخذ فى الإقامة، فلما أن قال: "قد قامت الصلاة" قال النبى من التمر: "أقامها الله وأدامها" . مختصر رواه أبو داود بإسناد منقطع، وقد مر فى الجزء الثانى من هذا الكتاب (٩٥:٢). قوله: "أبو حنيفة" إلخ. فيه دلالة صريحة على قول الإمام، وقد تأيد قول إبراهيم بالحديث المرفوع، فيكون أولى وأرجح، وقال الحافظ ابن قدامة فى المغنى: وكان أصحاب عبد الله يكبرون إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وبه قال سويد بن غفلة والنخعى اهـ (١-٥٠٧). وفيه تأييد لما قلنا: إن قول إبراهيم حكاية عن قول عبد الله وأصحابه، وفيه أيضًا تأييد لأثر ابن أبى أوفى فإن عمل أهل العلم بحديث إمارة صحته كما قدمناه فى المقدمة. قوله: "عن أبى أمامة" إلخ. ظاهره يؤيد أبا يوسف لما فيه من إجابته مرّخهٍ بالقول دون الفعل، ويمكن التطبيق على قولهما بأن ذلك كان فى المرة الأولى من كلمة الإقامة، ثم كبر عند قوله: "قد قامت الصلاة" ثانية، أو يقال: إنه مرّ ةٍ لم يكن حينئذ فى مصلاه بل بعيداً عنه متوجها إليه، والشروع عند قوله: "قد قامت الصلاة" إنما يكون إذا كان الإمام فى مصلاه، على أن ليس فيه ما يدل على المواظبة، فيحمل على بيان الجواز أحيانًا، وأثر ابن أبى أوفى يدل على المواظبة، فهو أولى. ولا يعارضه ما رواه البخارى فى أبواب الأذان عن أنس قال: أقيمت الصلاة والنبى معَ ◌ّ يناجى رجلا فى جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم اهـ فإنه كان للعارض، والكلام فى العادة. ٢٤٢ ج -٤ باب كراهة جماعة النساء ١٢١٩- عن: عائشة أن رسول الله عّ لِّ قال: لا خير فى جماعة النساء إلا فى المسجد أو فى جنازة قتيل. رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط ألا إنه قال: لا خير فى جماعة النساء إلا فى مسجد جماعة، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام. مجمع الزوائد (١: ١٥٥) قلت: قد حسن له الترمذى، واحتج به غير واحد كما فى مجمع الزوائد (ص: ١٢٦ وص:٥) أيضا . والله سبحانه وتعالى أعلم (١) . باب كراهة جماعة النساء قوله: "عن عائشة" إلخ. قلت: وجه دلالته على معنى الباب أنه مرّ ل قد نفى الخيرية عن جماعة النساء خارج مسجد الجماعة، ولا يخفى أن جماعتهن فى مسجد ٤ الجماعة لا تكون إلا مع الرجال، لأنه لم يقل أحد بجواز جماعتهن فى مسجد الجماعة منفردات عن الرجال، فعلم أن جماعتهن وحدهن مكروهة. فإن قيل: هذا مما خالف راويه العمل به، فإن عائشة رضى الله عنها كانت تؤم النساء فى الصلاة المكتوبة وغيرها، كما سيأتى والراوى إذا عمل بخلاف روايته لم تبق حجة عند الحنفية. قلنا: هذا إذا لم يمكن الجمع بين عمله وروايته، وهذا ليس كذلك، فإن الجمع بينهما ممكن بأن روايتها تدل على كراهة جماعة النساء، وعملها على نفس الإباحة، وكراهة شئ لا تنافى جوازه، كما لا يخفى، فلعلها أمت النساء أحيانًا لبيان الجواز، أو لتعليم النساء صفة الصلاة، ونحن لا ننفى الجواز فى المسألة حتى قلنا بصحة صلاتهن (١) فائدة: وجنح بعض من علمائنا أيضا إلى قول أبى يوسف، كما فى الدر المختار: وشروع الإمام فى الصلاة مذ قيل: قد قامت الصلاة ولو أخر حتى أتمها لا بأس به إجماعًا، وهو قول الثانى والثلاثة وهو أعدل المذاهب،، كما فى شرح المجمع لمصنفه. وفى القهستانى معزيا للخلاصة: أنه الأصح اهـ (آخر سنن الصلاة) أشرف على. ٢٤٣ كراهة جماعة النساء إعلاء السنن ١٢٢٠ - قال ابن وهب: عن ابن أبى ذئب عن مولی لبنى هاشم أخبره عن على ابن أبى طالب أنه قال: لا تؤم المرأة. (المدونة لمالك ٨٦:١) قلت: رجاله كلهم ثقات، ولا يضره عدم تسمية الراوى عن على، فإن شيوخ ابن أبى ذئب كلهم ثقات سوى البياضى(١) قاله ابن معين. وأبو داود، كما فى التهذيب (٣٠٥,٣٠٤:٩) فالسند صحيح. ١٢٢١- أخبرنا: سفيان الثورى عن ميسرة بن حبيب الهندى عن ريطة الحنفية أن عائشة أمتهن، وقامت بينهن فى صلاة مكتوبة. رواه عبد الرزاق فى لو صلين جماعة، وكم من مكروه يؤتى به لضرورة التعليم، كما ثبت عن عمر رضى الله عنه أنه جهر بالاستفتاح أحيانا لغرض تعليم الجهلة من المقتديين، وهذا هو محمل فعل أم سلمة رضى الله عنها، على أنا لا نسلم المنافاة بين روايتها وعملها بل نرى فعلها مما يؤيد روایتها کما سیأتی. فإن قيل: حديث عائشة هذا يدل على عدم كراهة جماعتهن فى صلاة الجنازة، فيما تقول الحنفية فى ذلك؟ قلت: صرحوا رحمهم الله يعدم كراهتها هناك، وبينوا الفرق بينهما وبين غيرها من الصلوات كما فى الدر، والفتاوى الشامية نقلا عن الفتح، والبحر (ص-٥٩٠) وتقييد الجنازة بالقتيل اتفاق، فلعلهن كن يرغبن فى الصلاة على الشهداء. قوله: "قال ابن وهب" إلخ. قلت: قول على رضى الله عنه ياطلاقه يدل على عدم صلاحية المرأة للإمامة مطلقًا، لا للرجال، ولا للنساء، ومن ادعى فيه التقييد فليأت عليه ببرهان، فهو يؤيدنا معشر الحنفية فى قولنا بكراهة جماعة النساء خلف واحدة منهن. والله تعالى أعلم. قوله: "أخبرنا سفيان الثورى" إلخ. "أخبرنا سفيان بن عيينة" إلخ. استدل بظاهرهما من نفى الكراهة عن جماعة النساء، واستدل بهما الشيخ فى جامع الآثار على (١) والبياضى ليس من موالى بنى هاشم. ٢٤٤٠ ج -٤ كراهة جماعة النساء مصنفه، وبهذا الإسناد رواه الدارقطنى، ثم البيهقى فى سننهما ولفظهما: "فقامت بينهن وسطا" . قال النووى فى الخلاصة: إسناده صحيح (زيلعى ١ :٢٤٠) . ١٢٢٢- أخبرنا: سفيان بن عيينة عن عمار الدهنى عن امرأة من قومه يقال لها: حجيرة بنت حصين قالت: أمتنا أم سلمة فى صلاة العصر، فقامت بيننا. رواه عبد الرزاق، واللفظ له، وابن أبى شيبة، والشافعى (١)، ومن طريق عبد الرزاق رواه الدارقطنى فى سننه. قال النووى: إسناده صحيح (زيلعى ١: ٢٤٠). الكراهة حيث قال: إن قيام الإمام قدام القوم إذا كانوا اثنين فصاعدا سنة، (مؤكدة كما سيأتى) فكان القيام فى الوسط مكروها، فلو لم يكن القيام قدام القوم يفضى إلى مكروه أشد من ذلك لما تركته عائشة وأم سلمة، وعلى كل فيلزم ارتكاب أحد المكروهين (ص-٦٤). قال: وإن خالجك احتمال كون هذه الكراهة مخصوصة بجماعة الرجال فأزحه بأن مثل هذا الاحتمال الغير الناشى عن دليل لا يضر فى الظنيات، وأيضًا وجود جماعتهن فى ذلك العصر كان قليلا، ولم يثبت جماعتهن بطريق العادة لهن مع توفر الدواعى إلى نيل فضائلها، فكون جماعتهن كالمتروك فى ذاك الزمان دليل على أنهم كانوا لا يستحسنونها، وهو المراد بالكراهة، وبه يشعر كلام الإمام محمد فى كتاب الآثار، فذكر أولا أثر عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أنها كانت تؤم النساء فى شهر رمضان، فتقوم وسطا، ثم قال: لا يعجبنا أن تؤم المرأة، فإن فعلت قامت فى وسط الصف مع النساء، كما فعلت عائشة، وهو قول أبى حنيفة اهـ (ص: ٣٨). قال الشيخ: وما روى عن أم ورقة غايتها الإباحة لا نيل الفضيلة، ولما كان فيه شبهة الكراهة كان الاحتياط فى الترك، لأن الشئ إذا تردد بين المندوب والمكروه كان ترك المندوب أولى، ونظيره تقدم المحرم على المبيح إذا تعارضا اهـ. (١) ولفظ الشافعى فى مسنده: عن أم سلمة أنها أمتهن فقامت وسطا اهـ (ص: ٢٩). ٢٤٥ كراهة جماعة النساء -إعلاء السنن قلت: وأيضًا فإن حديث عائشة المذكور أول الباب يفيد حكما عامًا وقاعدة كلية، وحديث أم ورقة إنما ورد فى امرأة بعينها، فأفاد حكما خاصًا يتطرق إليه من الاحتمالات ما لا يتطرق إلى الأول، فهو أولى، وحديث أم ورقة ذكره الحافظ فى بلوغ المرام (١ -٧٧) عنها أن النبى مرٍّ أمرها أن تؤم أهل دارها . رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة اهـ. وأخرجه الحاكم فى المستدرك أن رسول الله مزي كان يقول: انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها ، وأمر أن يؤذن لها، وتقام، وتؤم أهل دارها فى الفرائض. قال الحاكم: قد احتج مسلم بالوليد بن جميع، وهذه سنة غربية لا أعرف فى الباب حديثاً مسندا غير هذا اهـ (١-٢٠٣). وقرره عليه الذهبى فى تلخيصه، وفى الزيلعى: قال المنذرى فى مختصره: الوليد بن جميع فيه مقال، وقال ابن القطان فى كتابه: الوليد بن جميع، وعبد الرحمان بن خلاد لا يعرف جالهما . قلت: ذكرهما ابن حبان فى الثقات اهـ (٢٤١:١). قلت: ولكن ذكر الوليد أيضًا فى الضعفاء، وقال: ينفرد عن الإثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به، وقال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم لكان أولى. كذا فى تهذيب التهذيب. وذكر فيه توثيقه عن آخرين (١١-١٣٩) فالرجل مختلف فيه ولكن ابن لهيعة أحسن حالا منه، لأنه من الأئمة المعروفين لم يجهله أحد قط، فحديثه وهو ما ذكرناه أول الباب أولى من حديث الوليد هذا. قال بعض الناس: إن جماعة النساء قد وردت فى ثلاثة أحاديث مرفوعًا وموقوفًا، كما قد علمت، فلا أعلم وجها للكراهة، وأما قول الشيخ: "وإن خالجك" إلخ فأقول: إن هذا الاحتمال هو الغالب بل لابد من اعتبار أن الكراهة مخصوصة بالرجال للتطبيق بين الأحاديث، فإنه يبعد أن يجيز النبى ◌ّ له ما يكره، ولا يبين كراهته فى حين من الأحیان اهـ. قلت: قد صرح النبى ◌ّ الله بنفى الخيرية عن جماعتهن فى غير مسجد جماعة وجنازة قتيل، فاندحض قوله: "إنه مّ لّر لم يبين كراهة فى حين من الأحيان"، وأما ما ورد فيه من الأحاديث، فلا دلالة فيه على ما هو أزيد من الإباحة، وأما قوله: "لابد من اعتبار أن الكراهة مخصوصة بالرجال للتطبيق بين الأحاديث" إلخ فمردود عليه بأن التطبيق لا ينحصر فيه، ودليل كراهته قيام الإمام بين الاثنين لم يفرق بين الرجال والنساء، فلا يقال ٢٤٦ ج -٤ باب موقف الإمام والمأمومين ١٢٢٣ - عن: ابن عباس قال: بت فى بيت خالتى ميمونة فصلى رسول الله مَّالِ العشاء ثم جاء فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فجئت فقمت عن يساره فجعلنى عن يمينه، فصلى خمس ركعات، ثم صلى ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه أو قال: خطيطه، ثم خرج إلى الصلاة. رواه البخارى (٩٧:١). بالتفريق ما لم يقم عليه دليل ناهض. باب موقف الإمام والمأمومين قوله: "عن ابن عباس" إلى قوله: "عن المغيرة" إلخ. قلت: دلت الأحاديث على أن الواحد يقوم عن يمين الإمام. قال الحافظ فى الفتح: وقد نقل بعضهم الاتفاق على أن المأموم الواحد يقوم عن يمين الإمام إلا النخعى، فقال: إذا كان الإمام ورجل، قام الرجل خلف الإمام، فإن ر کع الإمام قبل أن یجیئ أحد قام عن يمينه. أخرجه سعيد بن منصور. ووجه بعضهم بأن الإمامة مظنة الاجتماع، فاعتبرت فى موقف المأموم حتى يظهر خلاف ذلك، وهو حسن لكنه مخالف للنص، وهو قياس فاسد، ثم ظهر لى أن إبراهيم إنما كان يقول بذلك حیث یظن ظنا قویا مجئ ثانی، وقد روی سعید بن منصور أيضا عنه قال: ربما قمت خلف الأسود وحدى حتى يجئ المؤذن اهـ (٢-١٦١). قال الحافظ: وقال أصحابنا: يستحب أن يقف المأموم دونه قليلا. اهـ (١٦٠٢). قلت: وكذلك استحبه أصحابنا، فروى عن محمد أنه يضع أصابعه عند عقب الإمام، كذا فى الطحطاوى على مراقى الفلاح (ص: ١٧٧). واختاره الشرنبلالى فقال: يقف الواحد عن يمين الإمام مساويا له متأخرا بعقبه اهـ. والذى فى شروح الهداية، والقدورى، والكنز، والبرهان، والقهستانی أنه يقف مساويا له بدون تقدم، وبدون تأخر من غير فرجة فى ظاهر الرواية كذا فى الطحطاوى (ص مذكور). ولعل ما فى ظاهر الرواية ٢٤٧ موقف الإمام والمأمومين إعلاء السنن ١٢٢٤ - عن: أنس قال: صليت مع النبى ◌ّ له فأقامنى عن يمينه. رواه البزار، ورجاله موثقون (مجمع الزوائد ١٧٩:١). ١٢٢٥ - عن: المغيرة بن شعبة رضى الله عنه أن النبى ◌ّ لل توضأ ومسح على الخفين، وصلى، فأقامنى عن يمينه. قلت: هو فى الصحيح خلا قوله: "فأقامنى عن يمينه" رواه الطبرانى فى الأوسط ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٧٩:١). ١٢٢٦- عن: أنس بن مالك قال: صليت أنا ويتيم فى بيتنا خلف النبى مَ له، وأمى خلفنا أم سليم. رواه البخارى (١٠١:١). ١٢٢٧ - عن: عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن جابر فى حديث طويل: فقام رسول الله عَ لله ليصلى، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله مرّ اتير، فأخذ بيدى، فأدارنى حتى أقامنى عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، هو الأصل، وإنما اسحبوا التأخر قليلا لئلا يتقدم أحد من العوام على إمامه بشئ، فهو الأحوط لهم. قوله: "عن أنس" إلخ. قلت: دل الحديث على أن الإمام إذا كان معه رجلان وامرأة يقوم الرجلان خلفه، وتقوم المرأة خلفهم. والحديث وإن كان فيه ذكر البالغ، والیتیم، فحکم الاثنین من البالغین کذلك، کما یدل عليه حديث جابر الآتى. قوله: "عن عبادة" إلخ. قلت: يدل على أن الاثنين يقومان خلف الإمام، وأما ما رواه مسلم فى صحيحه عن إبراهيم عن علقمة، والأسود أنهما دخلا على عبد الله (بن مسعود) فقال: أصلى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما، فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله مت لقٍ (٢٠٢:١). فقال الحازمى فى كتاب الاعتبار: وقال بعضهم: حديث عبد الله بن مسعود منسوخ، لأن ابن مسعود إنما تعلم هذه الصلاة من النبى مرّةٍ وهو بمكة، وفيها التطبيق وأحكام أخر هى ٢٤٨ ج - ٤ موقف الإمام والمأمومين فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله عز لته، فأخذ رسول الله منزلته بأيدينا جميعا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه، رواه مسلم (٤١٧:٢). ١٢٢٨- أخبرنا: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه جعلهما (١) خلفا، وصلى بين أيديهما، وكان يجعل كفيه على ركبتيه، فقال إبراهيم: صنيع عمر أحب إلى. قال محمد: وبه نأخذ وهو أحب إلينا من صنيع ابن مسعود، وهو قول أبى حنيفة اهـ (كتاب الآثار ص: ٢٩). قلت: رجاله ثقات مع إرساله ومراسيل النخعى صحاح، ووصله الطحاوى فى معانى الآثار (١: ١٨١). ١٢٢٩ - عن غير إبراهيم عن سمرة جندب قال: أمرنا رسول الله عَلِّ إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا، رواه الترمذى، وغربه. وفى إسناده إسماعيل بن مسلم البصرى ثم المكى ضعفه أحمد وغيره. وقال ابن عدى: هو ممن يكتب الآن متروكة، وهذا الحكم من جملتها، ولما قدم النبى مظهر المدينة تركه بدليل ما أخرجه مسلم (ثم ذكر حديث جابر هذا)، وقال: وفيه دلالة على أن هذا الحكم هو الآخر، لأن جابر إنما شهد المشاهد التى كانت بعد بدر، ثم فى قيام ابن صخر عن يسار النبى مدظله أيضا دلالة على أن الحكم الأول كان مشروعًا، وأن ابن صخر كان يستعمل الحكم الأول حتى منع منه، وعرف الحكم الثانى اهـ (ص-١٠٧). وقال النووى تحت حديث عبد الله: وهذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا ورائه صفا، لحديث جابر اهـ. قال: وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة أنهم يقفون ورائه (٢٠٢:١). وفى الدر المختار: فلو توسط اثنين كره تنزيها، وتحريما لو أكثراهـ. وفى رد المحتار: وفى رواية: لا يكره، والأولى أصح اهـ. قلت: وحديث سمرة نص فى الباب، فإنه قولی، فلا مرد عنه، وإسماعيل بن مسلم وإن ضعفه غير واحد، فقد قال ابن سعد: قال محمد بن عبد الله الأنصارى: كان (١) أى الاثنین . منه ٢٤٩ موقف الإمام والمأمومين إعلاء السنن حديثه، كذا فى تنقيح المشكاة (٢٠٢:١). قلت: وله شواهد، فهو، حسن عندی. ١٢٣٠ - عن: على ابن أبى طالب رضى الله عنه قال: من السنة أن يقوم الرجل، وخلفه رجلان، وخلفهما امرأة. رواه البزار، وفيه الحارث، وهو ضعيف (مجمع الزوائد). قلت: قد مر غير مرة أنه مختلف فيه، وحسن الحديث. وقول الصحابى: "من السنة كذا" داخل فى المرفوع عندهم. ١٢٣١ - عن: أبى هريرة قال: قال رسول الله مرّ اته: ((وسطوا الإمام وسدوا الخلل)). رواه أبو داود وسكت عنه. له رأى، وفتوى، وبصر، وحفظ للحديث، فكنت أكتب عنه لنباهته اهـ من التهذيب (٣٣٣:١) . قوله: "عن على" إلخ. قلت: فيه دلالة على أن المرأة تقوم خلف الرجال وحدها، ولا تحاذيهم فى الصف، وسيأتى لك تفصيله إن شاء الله تعالى. قوله: "عن أبي هريرة" إلخ. الحديث حسنه الإمام السيوطى بالرمز فى الجامع الصغير (١٦٨:٢) ودلالته على توسيط الإمام ظاهرة. وفى عون المعبود: أى اجعلوا إمامكم متوسطا بأن تقفوا فى الصفوف خلفه، وعن يمينه، وشماله. قال الشيخ: وهذا الوسط هو المراد من المحراب الذى يذكر فى كتب الفقه، ولا يلزم منه كون المحاريب على عهد رسول الله عزظافر. وفى مجموعة الفتاوى للشيخ العلامة عبد الحى اللكنوى نور الله مرقده عن رسالة للإمام السيوطى: أول من أحدث المحراب المجوف عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد النبوى، ذكره الواقدى عن محمد بن هلال (٢٢٥:١). وأما ما ورد من النهى عنها مرفوعًا، وموقوفًا، وعلل فى بعضها بالتشبه بأهل الكتاب فيحتمل أن تكون محاريب أهل الكتاب فى ذلك الزمان كما هى فى زماننا للنصارى، وهى المقصورة، حیث یختفى فيها الإمام عن من خلفه، فلم يثبت الكراهة مطلقا، ويؤيده أن اللفظ الذى ورد فى الحديث هو المذابح، وفسره صاحب النهاية بما نصه: المذبح واحد المذابح وهى المقاصير، وقيل: المحاريب اهـ. فلا يلزم من النهى عن المذابح أن يكون بناء المحاريب المجوفة فى المساجد ج -٤ ٢٥٠ باب عدم جواز إمامة المرأة لغير المرأة ١٢٣٢ - عن: أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله مَ لِّ: خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها ، أخرجه مسلم (١ :١٨٢). ١٢٣٣ - قال: ابن وهب عن ابن أبى ذئب عن مولى لبنى هاشم أخبره عن على بن أبى طالب أنه قال: لا تؤم المرأة (المدونة لمالك). قلت: رجاله كلهم مكروهاً من حيث كونها محرابًا ، وفيه نفع للمسجد، وهو الاستحكام بكون العمارة مدورة، وللقوم، وهو تعيين الوسط لقيام الإمام لورود الأمر بتوسيطه. انتهى بلفظ بعض الناس فى الإحياء. قلت: والحديث المرفوع بكراهة المذابح أخرجه الطبرانى، والبيهقى عن ابن عمرو ابن العاص رضى الله عنه بلفظ "اتقوا هذه المذابح" يعنى المحاريب. قال الشيخ: حديث حسن، كذا فى العزيزى (٤١:١). والموقوف ذكره فى مجمع الزوائد (١٤٨:١) عن عبد الله بن مسعود أنه كره الصلاة فى المحراب، وقال: إنما كانت للكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب. يعنى أنه كره الصلاة فى الطاق . رواه البزار، ورجاله موثقون اهـ. ومعناه ما ذكره الشيخ، فتذكر، فليس فيه كراهة بناء المحاريب مطلقا بل كراهة المحاريب المشابهة لمحاريب أهل الكتاب. باب عدم جواز إمامة المرأة لغير المرأة قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. قلت: وجه دلالته على معنى الباب أن إمامتها تستلزم تقدمها على الصفوف، وقد منع منه فى الحديث، كما ترى، فتكون إمامتها ممنوعة. قوله: "قال ابن وهب" إلخ. قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة، فإن قوله: "لا تؤم المرأة" يدل على عدم صحة الاقتداء بها، فإن هذه اللفظة تشعر بعده صلاحيتها ٢٥١ عدم جواز إمامة المرأة لغير المرأة إعلاء السنن ثقات، ولا يضره عدم تسمية الراوى عن على. فإن کل من روى عنه ابن أبى ذئب ثقة إلا أبا جابر البياضى كما فى التهذيب (٣٠٥,٣٠٤:٩) والبياضى ليس من موالى بنى هاشم، فالسند صحيح. ١٢٣٤ - عن: أبى بكرة: بكار بن عبد العزيز بن أبى بكرة عن أبيه عن جده أن النبى ◌ّ الِ قال: هلكت الرجال حين أطاعت النساء. أخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأشار إلى أن شاهده حديث ((لن يفلح قوم يملكهم(١) امرأة)) اهـ. ولفظ البخارى: "ولو أمرهم امرأة" ولفظ أحمد: "أسندوا أمرهم إلى امرأة" كذا فى المقاصد الحسنة (ص ٥٩ و٢٠٤). ١٢٣٥ - عن: عبد الله (ابن مسعود) عن النبى معَّ له قال: المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، رواه الترمذى (١٤٠:١) وقال: حسن صحيح غريب. للإمامة والله تعالى أعلم. قوله: "عن أبى بكرة" إلخ. قلت: دلالته على الباب ظاهرة حيث عد إطاعة النساء هلاكة للرجال، فكانت ممنوعة، ولا يخفى أن إمامتها للرجال تستلزم كونها مطاعة لهم. قوله: "عن عبد الله" إلخ. قلت: دل الحديث على كون المرأة عورة، ولا يخفى أن تقدمها أمام الرجال ينافى ذلك، ولا يذهب عليك أن جميع ما ذكرنا من الدلائل لاتدل بصراحتها على بطلان صلاة الرجال خلف النساء، ولكن المجتهدين استنبطوا منها (١) فإن قيل: الحديث ورد فى الإمامة الكبرى، وقد أجازها الحنفية من المرأة مع الكراهة، فلم لم يقولوا بذلك فى الإمامة الصغرى؟ قلت: قد فرقوا - رحمهم الله- بأن الإطاعة فى الإمامة الصغرى أشد اتباعا وانقيادا من الكبرى، لما فى الأولى من إطاعة أفعال الإمام حتى أن قراءته قراءة لهم، وفساد صلاة المقتدى وصحته تبع الفساد صلاة الإمام وصحته، وليس كذلك فى الثانية، لما فيه من إطاعة الأقوال الموافقة للشرع فحسب، وأما الأقوال المخالفة له فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، فالإطاعة فى الإمامة الكبرى إنما هى للشارع حقيقة لا للإمام، وإنما هو منفذ لأحكام الشرع، ومقيم لحدوده، فقالوا بفساد الإمامة فى الصغرى، وكراهتها فى الكبرى، فافهم، والله تعالى أعلم. ج -٤ ٢٥٢ باب فساد صلاة الرجال بمحاذاة النساء فی صلاة مشتركة جماعة ١٢٣٦ - عن: الحارث بن معاوية أنه ركب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن ثلاث خلال. قال: فقدم المدينة، فسأله عمر ما أقدمك؟ قال: لأسألك عن ثلاث خلال. قال: وما هى؟ قال: ربما كنت أنا والمرأة فى بناء ضيق، فتحضر بذوقهم فساد صلاة الرجال خلفهن، وأجمعوا على ذلك كما قدمنا عن رحمة الأمة أنه لا تصح إمامة المرأة بالرجال فى الفرائض بالاتفاق، واختلفوا فى جواز إمامتها بهم فى صلاة التراويح خاصة، فأجاز ذلك أحمد بشرط أن تكون متأخرة، ومنعه الباقون اهـ. قلت: لم يفرق الدليل بين الفرض والنفل، ولم نعلم معنى قوله: "بشرط أن تكون متأخرة" فإن تقدم المأموم على الإمام مفسد للصلاة لما فيه من قلب الموضوع، والذى جوز إمامتها للرجال فى المكتوبة محجوج بإجماع من قبله. باب فساد صلاة الرجال بمحاذاة النساء فى صلاة مشتركة جماعة قوله: "عن الحارث" إلخ. قلت: فيه دلالة على أن السلف كانوا يتوقون من محاذاة النساء للرجال فى الجماعة، ويخافون منها على صلاتهم، كما يشعر به قول الحارث: "فإن صليت أنا وهى كانت بحذائى" ولم يجبه عمر رضى الله عنه بأنه لا بأس بمحاذاتها إياه بل أمره بجعل الستر بينه وبينها، فلو كانت صلاة الرجل تجوز مع محاذاة المرأة مطلقًا، كما ذهب إليه مالك، والشافعى أو فى موضع الضرورة لكان الحارث أولى أن يجاب بذلك لكونه سائلا عن وقت الحاجة ولكن عمر رضى الله عنه لم يجبه إلى ذلك، ولا يظن بمثله أن يضيق على الناس فى أمر جعل الله لهم فيه سعة، فالظاهر المتبادر ٢٥٣ مسئلة المحاذاة إعلاء السنن الصلاة، فإن صليت أنا وهى كانت بحذائى، فإن صلت خلفى خرجت من البناء. قال: تستر بينك وبينها بثوب(١) ثم تصلى بحذائك إن شئت. الحديث رواه أحمد: والحارث بن معاوية الكندى وثقه ابن حبان، وروى عنه غیر واحد. وبقية رجاله من رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧٦:١). ١٢٣٧- أخبرنا: سفيان الثورى عن الأعمش عن إبراهيم عن أبى معمر (عبد الله بن سخبرة) عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: كان الرجل والنساء فى بنى إسرائيل يصلون جميعا، فكانت المرأة تلبس القالبين، فتقوم، فتواعد من الحديث كون المحاذاة مفسدة. فإن قيل: يمكن أن تكون مكروهة لا مفسدة، قلت: الكراهة ترتفع بالعذر والحاجة، كما أن القيام فى الطاق مكروه إلا إذا كان فى المسجد ضيق، وفى الجماعة كثرة، وكما أن ارتفاع المأموم على إمامه وعكسه مكروه بالاتفاق إلا لحاجة كما فى رحمة الأمة (ص: ٢٧) ونظائره كثيرة، فكذا ينبغى أن ترتفع كراهة المحاذاة بضيق البناء، فيكون قول عمر فى هذه الحالة: "تستر بينك وبينها بثوب" إلخ من التعمق المنهى عنه وهو رضى الله عنه برئ منه. قوله: "أخبرنا سفيان الثوری" إلخ. هذا وإن كان موقوفا فإنه فی حکم الرفع، فإن ابن مسعود أسند حكم التأخير إلى الله تعالى، فدل الحديث على أن تأخير النساء عن (١) لا يقال: إن الحنفية اعتبروا فى الحائل فى باب المحاذاة أن يكون قدر مؤخرة الرحل أو غلظه مثل غلظ الإصبع ما ذكره فى البحر (٣٥٧:١) لأنا نقول: أما تقييدهم الطول بأن يكون قدر مؤخرة الرحل، فله أصل فى الحديث، وفى أثر إبراهيم، أما الحديث فسيأتى. وأما أثر إبراهيم، فأخرجه محمد فى الآثار عن أبى حنيفة عن حماد، قال: سألت إبراهيم عن الرجل يصلى فى جانب المسجد الشرقى، والمرأة فى الغربى، فكره ذلك إلا أن يكون بينه وبينها شىء قدر مؤخرة الرحل اهـ (ص: ٢٨). وأما تقييدهم العرض بغلظ الإصبع، فلعلهم قاسوه على سترة المصلى، وقدروها بغلظ الإصبع، فكذا ههنا، ولكن جعل فى البدائع بيان الغلظ فى باب السترة قولا ضعيفاً، وأنه لا اعتبار بالعرض، وظاهره أنه المذهب (بحر). ويؤيده ما رواه الحاكم، وقال: على شرط مسلم أنه مرّيٍ قال: يجزئ من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة اهـ، كذا فى الشامى (١: ٦٦٦) فلما كان قيد غلظ الإصبع ضعيفا خلاف المذهب فى باب السترة فكذا ههنا، فالحائل بالثوب يكفى لرفع المحاذاة كما يشعر به قول عمر رضی الله عنه، فافهم. ٢٥٤ ج - ٤ مسئلة المحاذاة خليلها، فألقى عليهم الحيض(١) فكان ابن مسعود يقول: أخروهن من حيث أخرهن الله (أى فمنعن عن دخول المسجد، لأن الحائض لا يجوز لها دخوله) قيل: فما القالبان (٢)؟ قال: أ رجل من خشب تتخذها النساء يتشرفن الرجال فى المساجد. أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه، ورجاله رجال الجماعة (فتح القدير ٣١٢:١). الرجال واجب، لأن الأمر للوجوب فى الأصل لاسيما إذا قامت عليه القرائن، وههنا كذلك، لأنه مّ التّ أخرهن فى حال احتياجهن إلى محاذاة الرجال كما سيأتى فى حديث أبى سعيد مرفوعًا يا معشر النساء! إذا سجد الرجال فاغضضن أبصاركن، لا ترين عورات الرجال من ضيق الإزر. ولا يخفى أن رؤية العورة حرام، وأن نظر الجنس إلى عورة الجنس أخف من نظره إلى عورة غير جنسه، فلما كان فى تخلف النساء مظنة رؤيتهن عورات الرجال كان الأنسب قيامهن معهم فى الصف ولكنه مرتبطلتر لم يرض بذلك، وأخرهن عنهم دائما، ولم يبال بتلك المظنة. فهل هذا إلا لوجوب ذلك التأخير، وإلا لكان رعاية مظنة النظر إلى العورة أولى. ومعنى قول ابن مسعود (٣): "وأخروهن من حيث أخرهن الله". أخروهن فى الصلاة عن الرجال، بقرينة ذكره فيما سبق اجتماعهن معهم فيها فى قوله: "كان الرجال والنساء فى بنى إسرائيل يصلون جميعا" ، فثبت أن تأخيرهن عن صف الرجال واجب عليهم، ولا يخفى أن لفظ "النساء والرجال" إنما يطلق على البالغات والبالغين فخرج الصبيان والصبيات عن الحكم. (١) قلت: وقد أخرج البخارى عن عائشة تقول: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل على رسول الله مرّةٍ وأنا أبكى، فقال: مالك؟ أنفست؟ قلت: نعم، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم الحديث (٤٣:١). وهو يدل على كل امرأة من لدن آدم عليه السلام. قال الحافظ فى الفتح: ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذى أرسل على بنى إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده. وفيه أيضا: وروى الحاكم وابن المنذر باسناد صحيح إلى ابن عباس أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن اهبطت من الجنة اهـ (٣٤١:١). (٢) بفتح اللام وكسرها. (٣) وهذا هو معنى قوله: "أخروهن من حيث أخرهن الله" كما في مجمع الزوائد وعزاه إلى الطبراني في الكبير أى أخرجوهن من بينكم في الصلاة. منه ٢٥٥ مسئلة المحاذاة إعلاء السنن وأما أن محاذاتها مفسدة لصلاتهم فلأنا أجمعنا على عدم جواز اقتداء الرجل بالمرأة، وفساد صلاته بالاقتداء خلفها مع اتحاد فرضهما، وهو إما أن يكون لنقصان حالها فى ذلك كالصبى، أو لعدم صلاحيتها كالأعمى، أو لفوات شرط من شروط الصلاة كالعارى، أو لفوات ترتيب المقام كما فى إمامة المتأخر بالاستقراء لعدم مجاوزة انتفاء جواز الاقتداء عنها شرعا. وليس للنقصان لأنه غير مانع لصحة الاقتداء مطلقًا لجواز إمامة الفاسق، والعبد، والأعمى مع نقصان أحوالهم بل إنما يمنع إذا لزم من ذلك محظور، كإمامة الصبى، فإنها تستلزم بناء القوى على الضعيف، ولا لعدم الصلاحية بجواز إمامتها للنساء متقدمة ومتوسطة، ولا لانتفاء شرط من الشروط، لأن الفرض عدمه، فلم يكن ذلك إلا باعتبار ترك فرض المقام الثابت بالحديث، فلما أجمعنا ههنا (على الفساد) لانعدام التأخير يثبت الفساد فى المتنازع فيه أيضًا لانعدام التأخير، وأما أن من ترك فرض المقام فسدت صلاته، فكالمقتدى إذا تقدم على إمامه (تفسد صلاته) كذا فى العناية (١ :٣١٣) . وأما أن المحاذاة مفسدة لصلاته دون صلاتها، فلأنه هو المخاطب به (أى بالتأخير) دونها فى حديث أخروهن، فيكون هو التارك لفرض المقام، كالمأموم إذا تقدم على الإمام تفسد صلاته دون صلاة الإمام، لأن المأموم هو المامور بالتأخر ههنا، وكذا فى المسألة المتنازع فيها الرجل المأمور هو بالتقدم عليها، فتفسد صلاته دون صلاتها . قال فى الكفاية: فإن قيل: لما كان هو مأمورا بالتأخير كانت هى مأمورة بالتأخر ضرورة (فإنه لا يمكن للرجل تأخيرها إلا بتأخرها) فيجب أن تفسد صلاتها أيضا . قلنا: الضرورة غير مسلمة لما أنه يمكن للرجل تأخيرها بدون تأخرها خطوتين، فلما لم تثبت الضرورة فى تأخرها لم يتناولها مقتضى خطاب الرجال، لأن حكم المقتضى إنما يثبت إذا كان من ضرورات المقتضى. أو نقول: هى مأمورة بالتأخر ضمنا لا قصدا غير أن الثابت ضمنًا يحط رتبة عن الثابت مقصوداً، فأظهرنا الأمر بالتأخير فى حقها ملحوق الإثم، وفى حقه بالفساد، إظهارًا للتفرقة بين الثابت ضمنًا، وبين الثابت مقصوداً (٣٠٣:١) . قلت: ولو تفطن الحافظ ابن حجر لهذا التقرير لم يقل فى الفتح: إن فساد صلاة ج -٤ مسئلة المحاذاة ٢٥٦ ١٢٣٨- عن: عبد الرحمن بن غنم أن أبا مالك الأشعرى جمع قومه، فقال: يا معشر الأشعريين! اجتمعوا وأجمعوا نساءكم أعلمكم صلاة النبى مرّظافر ، فاجتمعوا وأجمعوا نساءهم وأراهم كيف يتوضأون حصر الوضوء أماكنه حتى لما أن فاء الفىء وانكسر الظل قام، فأذن وصف الرجال فى أدنى الصف وصف الولدان خلفهم وصف النساء خلف الولدان، ثم أقام الصلاة. فلما قضى صلاته أقبل على قومه بوجهه، فقال: احفظوا. فإنها صلاة رسول الله مال التى كان يصلى لنا، فذكر الحديث، وله طرق رواها كلها أحمد وروى الطبرانى بعضها فى الكبير، وفى طرقها كلها شهر بن حوشب وهو ثقة إنشاء الله تعالى (مجمع الزوائد ١٩٤:١). ١٢٣٩- عن: أبى سعيد الخدرى أن رسول الله عَّهِ قال: وإن خير صفوف الرجال المقدم، وشرها المؤخر، وخير صفوف النساء المؤخر، وشرها الرجل دون المرأة عجيب، وفى توجيهه تعسف اهـ (١٧٧:٢). فلله در علمائنا الحنفية ما أدق نظرهم، وأعمق فكرهم. قوله: "عن عبد الرحمان بن غنم" إلخ. قلت: دل الحديث على أن موقف الصبيان فى الصف خلف الرجال، وموقف النساء خلفهم جميعاً، ولعل بعض الفقهاء(١) استدل به على فساد صلاة الرجال بمحاذاة الأمرد أيضًا، لكونهم مأمورين بتسوية الصفوف بهذا الترتيب، ودليل الوجوب مواظبة النبى مرّ ةٍ على ذلك دائما كما دل عليه الحديث، فإذا خالفوا ذلك فقد تركوا فرض المقام. وأجيب بمنع وجوب هذا الترتيب فى الصبيان لما ثبت فى الصحيح أنه مرّةٍ أقام ابن عباس بجنبه فى صلاة الليل عن يمينه، ولو كان تأخير الصبيان واجبًا لأقامه خلفه كما فعل بالعجوز، وسيأتى. قوله: "عن أبى سعيد" إلخ. قلت: قد مضى تقرير دلالته على المقصود فى شرح الحديث الثانى من الباب. (١) فى فتح القدير: وأما محاذاة الأمرد فصرح الكل بعدم إفساده إلا من شذاهـ ١٢ منه. 17 إعلاء السنن مسئلة المحاذاة ٢٥٧ المقدم. يا معشر النساء! إذا سجد الرجال فاغضضن أبصاركن، لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر. رواه أحمد بطوله وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وفى الاحتجاج به خلاف، وقد وثقه غير واحد (مجمع الزوائد ١٧٩:١). قلت: فالحديث حسن صالح. ١٢٤٠- عن: أنس بن مالك رضى الله عنه أن جدته مليكة دعت رسول الله ◌َّلِ لطعام صنعته له، فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصلى لكم. قال أنس رضى الله عنه: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله مرّ له، وصففت واليتيم ورائه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله مرّ له ركعتين، ثم انصرف. أخرجه البخارى (٥٥:١). قوله: "عن أنس بن مالك" إلخ. تقرير دلالته على معنى الباب ما فى جامع الآثار نقلا عن فتح القدير: أنها قامت خلف صف منفردة، ولا يحل، ولو حل مقامها معهما لمنعها (عن التخلف منفردة). قلت: والقيام خلف الصف مكروه محتمل الفساد، كما ذهب إليه أحمد فإيثاره على المحاذاة فيه دلالة على أنها أشد منه، وقد كان فيه احتمال الفساد، فالذى هو أشد من احتمال الفساد ليس إلا القطع بالفساد، فثبت كون المحاذاة مفسدة حتما اهـ (ص- ٦٢). قال بعض الناس: لا دليل على أن قيام المرأة خلف الصف مكروه، بل الظاهر أن الكراهة مختصة بالرجل، والمرأة لو قامت خلف الصف لا يكره، فإنها قامت موضعها اهـ. قلت: هذا كلام يدل على سخافة فهم قائله، فإنه قوله: "والمرأة لو قامت خلف الصف لا يكره" لا يصح على إطلاقه، فإنها لو قامت منفردة خلف الصف فى جماعة النساء يكره اتفاقًا. قال الشامى: وتأخر الواحدة محله إذا اقتدت برجل لا بامرأة مثلها اهـ (١: ٥٩٢). ولم نعلم فيه خلافًا، فعلم أن التفرد خلف الصف مكروه فى حقها أيضاً، وانعدام تلك الكراهة فى قيامها منفردة خلف الرجال ليس لأجل أن التفرد لا یکره لها مطلقًا بل لمعنى آخر، وليس إلا أن محاذاتها للرجال أشد من قيامها متفردة فافهم، وأيضًاً ج - ٤ مسئلة المحاذاة ٢٥٨ ١٢٤١ - أخبرنا: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: إذا صلت المرأة إلى جانب الرجل و کانا فى صلاة واحدة فسدت صلاته. أخرجه محمد فى الآثار وقال: به نأخذ وهو قول أبى حنيفة. فقد ثبت أن موقف الصبيان خلف الرجال، فلو كان القيام فى موضعه يدفى الكراهة عن القيام وحده لم يقم رسول الله مرّ ابن عباس فى جانبه عن يمينه فى صلاة الليل، بل أقامه خلفه، ولم يكن ذلك مكروها لقيامه فى موضعه، فثبت أن القيام فى موضعه لا تنتفى به كراهة التخلف وحده مطلقًا، بل إذا عارض تلك الكراهة ما هو أشد منها. فاندحض ما أورده هذا القائل على كلام الشيخ. ثم قال: وفيه أن الأشد من تلك الكراهة التى تحتمل الفساد هو كون الكراهة أشد منها أيضًا. فالحصر غير صحيح اهـ. قلت: مجرد إبداء الاحتمال العقلى لا يجدى فى الشرائع، فإن المسائل الظنية قلما تخلو عن مثل هذا الاحتمال، ولولا ذلك لكانت قطعية. فنقول: إنا لم نجد كراهة هى أشد من الكراهة التى تحتمل الفساد إلا مفسدة بالقطع، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان، لاسيما إذا كان ما ذكرناه من الأحاديث قبل، وما بينا لك فى شرحها ترجح جانب الفساد فى المحل المتنازع فيه، والعبادة موضع الاحتياط، فالقول بفساد الصلاة بمحاذاة النساء أرجح وأولى، والمسألة ظنية، ولعل ما ذكرناه فيه كفاية إن شاء الله تعالى. قول إبراهيم حجة عندنا: قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ. قلت: دل الأثر على عدم تفرد إمامنا فى مسألة إفساد المحاذاة لصلاة الرجال بل له سلف فى ذلك، ودل قول إبراهيم هذا على أن مراد ابن مسعود بقوله: "أخروهن من حيث أخرهن الله" فساد صلاة الرجال بمحاذاتهن إياهم فى الصلاة، فإن إبراهيم أعرف الناس بمذهب ابن مسعود وأصحابه، فاندحض بفتواه هذه ما يتطرق إلى قول ابن مسعود من الاحتمالات العقلية البعيدة، وثبت أن مراده وجوب تأخيرهن عن الرجال صيانة لصلانهم عن الفساد فافهم، ولو لم يكن فى المسألة إلا قول إبراهیم لكان حجة لأبى حنيفة كافية، لأنه وإن كان قول تابعی ولكنه خلاف القياس، و ٢٥٩ مسئلة المحاذاة إعلاء السنن قول التابعى فيما لا يدرك بالرأى مرفوع مرسل حكما، والمرسل مقبول عندنا، فلا جرم أن إبراهيم قال ذلك سماعا من أصحاب عبد الله، وهم من عبد الله، وهو من رسول الله مخلل، فإن فساد الصلاة بالمحاذاة لا يدرك بالرأى، وأيضا فإن إبراهيم من كبار التابعين فى الفقه عند الإمام حتى قال للأوزاعى: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت: إن علقمة أفقه من عبد الله بن عمر، وعبد الله (بن مسعود) هو عبد الله. وقد ذ کرناه قبل فى باب رفع اليدين فى الصلاة. قال محدث الهند فى حجة الله البالغة: و كان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة وكان أحفظهم لقضايا عمر ولحديث أبى هريرة، وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة (عبد الله بن مسعود وعلى وأصحابهما، وشريح رضى الله عنهم) فإذا تكلما (١) بشئ ولم ينسباه إلى أحد فإنه فى الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحًاً أو إيماء، ونحو ذلك، فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما، وأخذوا عنهما، وعقلوه وخرجوا عليه والله أعلم اهـ (١١٥:١). وقال فى موضع آخر: وكان أبو حنيفة رضى الله عنه ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه، لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن فى التخريج على مذهبه دقيق النظر فى وجوه التخريجات مقبلا على الفروع أتم إقبال، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار لمحمد رحمه الله، وجامع عبد الرزاق، ومصنف أبى بكر بن شيبة، ثم قايسه بمذهبه، تجده لا يفارق تلك المحجة إلا فى مواضع يسيرة، وفى تلك اليسيرة أيضا لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة اهـ. (١ : ١١٦). قلت: وإنما كان أبو حنيفة ألزم الناس بمذهب إبراهيم لكون إبراهيم ألزم الناس بمذهب ابن مسعود وأصحابه، حتى كان رحمه الله لسانهم فى عصره، فقول إبراهيم كأنه قول ابن مسعود وإن لم ينسبه إليه، لاسيما إذا كان فيما لا يدرك بالقياس، كما فى المسألة المتنازع فيها، فالقياس فيها عدم فساد صلاة الرجال بمحاذاة النساء، فإن قول إبراهيم فى مثل ذلك منسوب إلى أحد من السلف صريحًاً أو إيماء، ولكننا لم نكتف بقول إبراهيم لكونه لا حجة فيه على الخصم، بل ذكرنا مستدل أصحابنا من الأحاديث، وأقوال الصحابة مثل عمر رضى الله عنه، وفيه كفاية لمن أراد اتباع الحق، واتضاح (١) أى سعيد وإبراهيم . منه. ٢٦٠ ج -٤ باب منع النساء عن الحضور فى المساجد ١٢٤٢- عن: أم حميد امرأة أبى حميد الساعدى رضى الله عنهما أنها جاءت إلى النبى ◌ّ له، فقالت: يا رسول الله! إنى أحب الصلاة معك، فقال ((قد علمت أنك تحبين الصلاة معى، وصلاتك فى بيتك خير من صلاتك فى حجرتك، وصلاتك فى حجرتك (١) خير من صلاتك فى دارك، وصلاتك فى دارك خير من صلاتك فى مسجد قومك، وصلاتك فى مسجد قومك خير من صلاتك فى مسجدى. قال: فأمرت فبنى لها مسجد فى أقصى شىء من بيتها، وأظلمه، وكانت تصلى فيه حتى لقيت الله عز وجل)). رواه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان فى صحيحهما (الترغيب والترهيب ص: ٥٨). وفى مجمع الزوائد (١٥٥:١) بعد عزوه إلى أحمد ما لفظه: رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصارى، ووثقه ابن حبان اهـ. وفى فتح البارى (٢٩٠:٢) بعد عزوه إلى أحمد والطبرانى: وإسناده أحمد حسن اهـ. الصدق، فقد أوضحنا بعون الله المحجة، وأقمنا على من أراد النزاع الحجة، والله المستعان فى كل باب. باب منع النساء عن الحضور فى المساجد قوله: "عن أم حميد" إلى "عن أبى عمرو" إلخ. قال الشيخ: دل الحديثان ٣٠٠ الأولان على كون صلاة المرأة فى غير المسجد أفضل منها فى المسجد، وعلته احتمال الفتنة ولو بعيدا، فلو كان الاحتمال قريبا متوقعا أو حاصلا واقعا كان الأمر أشد، ويكون ذلك الأفضل متعينًا واجبا، ومن ثم منع الصحابة رضى الله عنهم خروجهن، كما فى حديث عائشة، وأبى عمرو، وسيأتى دليل استثناء العجائز من ذلك. (١) صحن خانه، أشعة اللمعات.