النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ الأعذار فى ترك الجماعة إعلاء السنن جماعة: صلوا فى الرحال))، كذا فى التلخيص الحبير (١٢٣:١). وفى صحيح ابن عوانة: ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ربح اهـ كذا فى الفتح، وفى السنن من طريق ابن إسحاق عن نافع فى هذا الحديث: فى الليلة المطيرة، والغداة القرة كذا فى الفتح أيضا (٢٩٤:٢). ١١٧٣ - عن: جابر قال: خرجنا مع رسول الله مّ له فى سفر فمطرنا فقال: ((ليصل من شاء منكم فى رحله)). رواه مسلم (٢٤٣:١). ١١٧٤- عن: نعيم بن النحام قال: أذن مؤذن النبى معَّ له للصبح فى ليلة باردة فتمنيت لو قال: ((ومن قعد فلا حرج))، فلما قال: الصلاة خير من النوم قالها. أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح (فتح البارى ٨١:٢). قلت: حديث مسلم عن جابر ذكرته فى المتن، وعلى هذا، فالأحسن أن يقال كلمة تدل على التخيير مكان كلمة "ألا صلوا فى الرحال" كأن يقول: ومن قعد فلا خرج" كما فى الحديث الثالث، أو "من شاء فليصل فى رحله"، كما فى الحديث الثانى. والأمر الجامع فى جميع الأعذار هو كونها بحيث يشق على المصلى الحضور فى المسجد والجماعة، أو لا يحضر قلبه فى الصلاة بها، وهو ظاهر غير خفى، فيدخل فيها ما يكون بمعناها مما لا ذكر له فى الأحاديث، وذكره الأئمة الفقهاء كما سنبينه. قوله: "عن جابر" إلخ. قلت: دلالته على جواز التخلف عن الجماعة بعذر المطر ظاهرة. قوله: "عن النعيم بن النحام" إلخ. قلت: دل ذلك على أن البرد عذر فى صلاة الصبح أيضا، وظاهر الحديث السابق اختصاص الأعذار المذكورة فيه بالليل لكن النص فوق الظاهر، فتكون عذرا فى النهار أيضا، وبه قالت الفقهاء. قال الحافظ: دل ذلك (أى حديث ابن عمر المذكور سابقا) على أن كلا من الثلاثة عذر فى التأخر عن الجماعة، ونقل ابن بطال فيه الإجماع، ولكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر فى الليل فقط، ولم أر فى شئ من الأحاديث الترخص بعذر الريح فى النهار صريحا لكن القياس يقتضى إلحاقه، وقد نقله ابن الرفعة وجها ا هـ (فتح ٢٠٢ ج - ٤ الأعذار فى ترك الجماعة ١١٧٥ - عن: أبى المليح عن أبيه أنه شهد النبى معَّ اللّه زمن الحديبية فى يوم الجمعة أصابهم مطر لم يبتل(١) أسفل نعالهم، فأمرهم أن يصلوا فى رحالهم. رواه أحمد، والنسائى، وأبو داود، وابن ماجة:، وابن حبان، والحاكم، كذا فى التلخيص الحبير (١٢٣:١) وفى الفتح (١٩٤:٢) بعد عزوه إلى السنن: بإسناد صحيح اهـ. ١١٧٦- عن: عبد الله بن الحارث قال: خطبنا ابن عباس فی یوم ذی ردغ فأمر المؤذن لما بلغ حى على الصلاة قال: قل: الصلاة فى الرحال وفيه: فقال: كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير منى يعنى النبى مرّ لته، إنها (أى الباري ٢: ٩٤). قلت: وكذا هو المعروف فى كتب الحنفية من اختصاص الريح عذرا بالليل دون النهار. قال فى رد المحتار: وإنما كان عذرا ليلا فقط لعظم مشقته فيه دون النهاراهـ (١: ٨١). قلت: ودل حديث نعيم على أن عذر البرد لا يختص بالسفر خلاف ما يفيده ظاهر حديث ابن عمر من اختصاص الثلاثة به، وقد عرفت أن النص فوق الظاهر، فيكون عذر فى الحضر والسفر جميعا، والمراد به البرد الشديد الذى يتعذر به الحضور إلى المسجد، وألحق به فقهاءنا الحر الشديد فى الظهر أيضا إذا لم يراع الإمام الإبراد فيه، صرح به فى الشامية (١: ٥٨٠). قوله: "عن أبى المليح" إلخ. دلالته على كون المطر عذرا فى النهار أيضا ظاهرة. لا يقال: إنه ◌َ ◌ّه إنما رخص لهم بعذر المطر فى النهار لكونهم مسافرين إذ ذاك، والمسافر يسقط عنه وجوب الجماعة بعذر السفر وحده، فمع اجتماع المطر أولى. قلت: سقوط الجماعة عن المسافر مطلقا ممنوع، فقد قال فى رد المختار تحت قول (١) كذا فى التلخيص لم يتبل. وفى سنن ابن ماجة: وأصابتنا سماء لم تبل أسافل نعالنا اهـ (ص ٦٧) قال فى إنجاء الحاجة: وهو كناية عن قلة المطراهـ. ٢٠٣ الأعذار فى ترك الجماعة إعلاء السنن الجمعة) (١) عزمة، وإنى كرهت أن أحرجكم، وفى رواية: كرهت أن أوثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم رواه البخارى (٩٢:١). الدر: "وإرادة سفر" أى وأقيمت الصلاة، ويخشى أن تفوته القافلة (بحر)، وأما السفر نفسه، فليس بعذر كما فى القنية ا هـ (١: ٥٨١). وفى مراقى الفلاح: وإرادة سفر تهيأ له، وقال الطحطاوى: أى وقت التهيأ له بأن كان مشغول البال بمصالحه (ص: ١٨٤). فليتنبه له فإن أكثر الناس عنه غافلون. ودليل جواز التخلف عن الجماعة بعذر التهيأ للسفر ما سيأتى فى قول أبى الدرداء: من فقه المرأ إقباله على حاجته حتى بقبل على صلاته وقلبه فارغ. وقوله: "لم يبتل أسفل نعالهم" لا يدل على أن العذر لم يكن بقوى، فإنه قد يشق المشى على الناس والحال هذه لزلق أو وحل ونحوه، فالحديث دليل على ما ذكره الفقهاء من كون الوحل والردغ عذرا فى التخلف عن الجماعة، کما دل عليه حديث ابن عباس الآتى. وأما إذا كان المطر بدون الوحل، فلا يكون القليل منه عذرا ما لم يكن وابلا، ولذا قيد فى (مراقى الفلاح) المطر والبرد بالشديد لكونه ذكر الوحل بعده، ويؤيده حديث عبد الرحمن بن سمرة بلفظ: "إذا كان مطر وابل فصلوا فى رحالكم" رواه الحاكم، وعبد الله ابن أحمد فى زيادة المسند. ناصح ابن علاء: وفى إسناده ناصح بن العلاء وهو منكر الحديث، قاله البخارى، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ووثقه أبو داود كذا فى التلخيص الحبير (١: ١٢٣). قلت: فالرجل مختلف فیه، وحديث مثله حسن. وأما ما ذكره الفقهاء بلفظ: "إذا ابتلت النعال فالصلاة فى الرحال" فقال الحافظ: (١) كذا فى رواية عند البخارى أن الجمعة عزمة (٢١٩:٢) فتح البارى. ٢٠٤ ج - ٤ الأعذار فى ترك الجماعة ١١٧٧- عن: ابن عباس رضى الله عنه قال: قال رسول الله مرّ له: ((من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم يقبل منه الصلاة التى صلى)). رواه أبو داود وابن حبان فى صحيحه الترغيب، (٧٠:١). وعزاه فى الجوهر النقى (٢١٥:١) إلى كتاب قاسم بن الأصبغ بدون ذكر السؤال عن العذر وجوابه، ثم قال: ذكره عبد الحق فى أحكامه، وقال: حسبك بهذا الإسناد صحة اهـ. ١١٧٨ - عن: أنس بن مالك عن رسول الله مَّ الِ قال: ((إذا أقيمت لم أره بهذا اللفظ ا هـ كذا فى التلخيص (ص وج مذكور). وقوله: "فى يوم الجمعة" يحتمل أن تكون الصلاة فيه صلاة الجمعة أو غيرها، ولكن حديث ابن عباس الذى بعد هذا الحديث يدل على كون الوحل عذرا فى التخلف عن الجمعة أيضا والله أعلم. قوله: "عن ابن عباس برواية الترغيب" إلخ. قلت: دل على كون الخوف، والمرض عذرا، والخوف أعم من أن يكون على نفسه أو ماله، والمراد بالمرض ما يتعذر به الحضور إلى الجماعة. قال فى الدر: فلا تجب على مريض، ومقعد، وزمن، ومقطوع يد ورجل من خلاف أو رجل فقط، ذكره الحدادى، ومفلوج، وشيخ كبير عاجز، وخوف على ماله، أو من غريم، أو ظالم ا هـ (ملخصا ١: ٥٨٠). قلت: كون الشيخ الكبير العاجز ملحقا بالمريض ظاهر لا يخفى، وأما قوله: "أو خوف على ما له" فقال الشامى فى شرحه: أى من لص ونحوه إذا لم يمكنه غلق الدكان أو البيت مثلا، ومنه خوفه على تلف طعام فى قدر أو خبز فى تنور. تأمل وانظر هل التقييد بماله للاحتراز عن مال غيره؟ والظاهر عدمه، لأن له قطع الصلاة له، ولا سيما إذا كان أمانة عنده أو وديعة أو عارية أو رهن مما يجب عليه حفظه تأمل اهـ. وقال تحت قوله: من غريم: أى إذا كان معسرا ليس عنده ما يوفى غريمه وإلا كان ظالما. وقوله: "أو ظالم" يخافه على نفسه وما له اهـ (١ : ٥٨١). قوله: "عن أنس بن مالك" إلخ. قلت: دل قوله مَ ◌ّه " وأحدكم صائم" على ٢٠٥ الأعذار فى ترك الجماعة إعلاء السنن الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشاءکم». قلت: هو فى الصحيح خلا قوله وأحدكم صائم (١). رواه الطبرانى فى الأوسط ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد، ١٦٠:١). وقال ابن دقيق العید: وفى رواية صحیحة: إذا وضع العشاء واحد کم صائم انتهی وسنذکر من أخرج هذه الرواية، كذا قال الحافظ فى الفتح (١٣٤:٢). ثم قال تحت حديث ابن شهاب عن أنس عند البخارى مرفوعا بلفظ: ((إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشاء كم)) ما نصه: زاد ابن حبان (فى تقييد قوله: ((لا صلاة بحضرة طعام" كما سيأتى بطعام تتوقه نفسه، وتشتاقه، وتنازعه إليه لغلبة الجوع، كما هو حالة الصائم غالبا، ويلتحق به غيره ممن كان على مثل حاله، وبهذا التقييد قال فقهاءنا كما فى الدر ورد المختار (١: ٥٨١) قال الشامى: ومثل الطعام الشراب، وقرب حضوره كحضوره فيما يظهر لوجود العلة، وبه صرح الشافعية ا هـ أى فتقديم الطعام إليه ليس بقيد كما يتبادر من قوله مرّ ةٍ: ((إذا قدم العشاء فابدؤوا به)) الحديث أخرجه البخارى كما ذكرناه فى المتن، وفى حاشيته عن عمدة القارى: قوله: "فابدؤا" إلخ اختلفوا فى هذا الأمر، فالجمهور على أنه للندب، وقيل: للوجوب وبه قالت الظاهرية. وقال فى شرح السنة: الابتداء بالطعام إنما هو فيما إذا كانت نفسه شديدة التوقان إلى الطعام، وكان فى الوقت سعة، وإلا فليبدأ بالصلاة، لأن النبى معَ ◌ّ كان يحتز من كتف شاة، فدعى إلى الصلاة فألقاها وقام يصلى اهـ (١: ٩٢). قلت: حديث الاحتزاز رواه البخارى (١: ٩٣) ويمكن أن يحمل ذلك على العزيمة وأنه ◌َِّ أخذ فى خاصة نفسه بها، فقدم الصلاة على الطعام، وأمر غيره بالرخصة، كذا قال العينى فى العمدة (٢: ٧٢٨). وبهذا يحصل التوفيق بينه وبين ما رواه أبو داود وسكت عنه عن جابر مرفوعا "لا تؤخر الصلاة لطعام، ولا لغيره" اهـ (٢: ١٧١) فيحمل الأول على الرخصة، والثانى على العزيمة إذا كان بحيث لا يشتغل باله بالطعام، أو يقال : - (١) وكذا رواه ابن حبان فى صحيحه، كما فى كنز العمال. ٢٠٦ ج -٤ الأعذار فى ترك الجماعة صحيحه) والطبرانى فى الأوسط من رواية موسى بن أعين(١) عن عمرو بن الحرث عن ابن شهاب(٢): "وأحدكم صائم". وقد أخرجه مسلم من طريق ابن وهب عن عمرو بدون هذه الزيادة، وذكر الطبرانى أن موسى بن أعين تفرد بها انتهى، وموسى ثقة، متفق عليه اهـ. أى فيقبل تفرده. الأول محمول على ما إذا كان فى الوقت سعة، والثانى على خلافه إذا ضاق الوقت، وخاف فوت الصلاة، فلا يؤخرها. فقوله: "لا تؤخر الصلاة لطعام، ولا لغيره)) معناه لا تؤخر عن وقتها حتى تصير فائتة، وهذا أولى الوجوه عندى، أو يحمل الأول على ما إذا كان شديد التوقان إلى الطعام، والثانى على ما إذا لم يكن كذلك وكان متماسكا فى نفسه وحضرت الصلاة وجب أن يبدأ بها ويؤخر الطعام. وفى عون المعبود: قال المنذرى: فى إسناد حديث جابر محمد بن ميمون أبو النضر الكوفى الزعفرانى المفلوج قال أبو حاتم الرازى: لا بأس به، وقال: يحيى بن معين: ثقة، وقال الدار قطنى: ليس به بأس، وقال البخارى: منكر الحديث، وقال أبو زرعة الرازى: كوفى لين، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات بالأشياء المستقيمة، فكيف إذا انفرد بأوابده اهـ (٣: ٤٠٤). قلت: فالرجل مختلف فيه، وحديث مثله حسن، ويؤيد ذلك سكوت أبى داود عنه، فلا يستقيم قول العلامة العينى فى العمدة: "هذا حديث ضعيف، فبالضعيف لا يعترض على الصحيح" اهـ (٢: ٢٧٦) مع أنه يحتج بسكوت أبى داود كثيرا، نعم! فى الحديث علة أخرى وهو أن البيهقى أخرجه بطريق معلى بن منصور (وهو ثقة وثقه بعضهم، وأخرج له مسلم، وتكلم فيه ابن حنبل، كذا فى الجوهر النقى ١٢) عن محمد ابن ميمون هذا بلفظ: "كان عليه السلام لا يؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره" كذا فى الجوهر (١: ٢١٦). وأخرجه الطبرانى فى الأوسط بلفظ "لم يكن يؤخر المغرب لعشاء، ولا لغيره" كذا فى حاشية أبى داود (٢: ١٧٢). ويؤل معناه حينئذ إلى حديث الاحتزاز (١) فى نسخة الفتح: موسى بن عيسى، ولكنه من زلة الكاتب كما لا يخفى، والصحيح موسى بن أعين. (٢) أى عن أنس موصولا. ٢٠٧ الأعذار فى ترك الجماعة إعلاء السنن ١١٧٩- وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وأنه ليسمع قراءة الإمام. رواه البخارى تعليقا، وقال الحافظ فى الفتح (١٣٥:٢): رواه ابن حبان (فى صحيحه) من طريق ابن جريج عن نافع أن ابن عمر رضى الله عنه كان يصلى المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحيانا يلقاه وهو صائم، فيقدم له عشاءه وقد نودى للصلاة ثم تقام وهو يسمع، فلا يترك عشاءه، ولا يعجل حتى يقضى عشاءه ثم يخرج، فيصلى اهـ. ١١٨٠- قال أبو الدرداء: من فقه المرأ إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ. كذا قال البخارى. وفى الفتح (١٣٤:٢): وصله ابن المبارك الذى رواه البخارى، وقد ذكرناه آنفا، ولا يعارض ما فى حديث أنس من الأمر بتقديم العشاء على الصلاة، لكونه أمرا بغيره، وكون ذلك عزيمة أخذها خاصا بنفسه من له. فحديث جابر هذا مع ما فيه من الكلام فى محمد بن ميمون قد اختلف عليه فى لفظه أيضا، فلم يبق محتجا به للاضطراب فى المتن. هذا، وقد روى أبو داود، وسكت عنه هو، والمنذرى عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كنت مع أبى فى زمان ابن الزبير إلى جنب عبد الله بن عمر، فقال عباد بن عبد الله بن الزبير: إنا سمعنا أنه يبدأ بالعشاء قبل الصلاة، فقال عبد الله بن عمر: ويحك، ما كان عشاءهم؟ أتراه كان مثل عشاء أبيك؟ ! هـ (٣: ٤٠٤). قلت: وبه قال بعضهم: إن حديث تقديم العشاء على الصلاة محمول على ما كان عليه السلف من التخفيف فى الطعام، فكان يقرب مدة الفراغ منه إذا كانوا لا يستكثرون منه، ولا ينصبون الموائد، ولا يتناولون الألوان، وإنما هو مذقة من لبن أو شربة من سويق أو کف من تمر أو نحو ذلك، ومثله لا يؤخر الصلاة عن زمانها ، ولا يخرجها عن وقتها بل، ولا يفضى إلى فوت الجماعة أيضا، وحديث جابر فيما كان بخلاف ذلك من صفة الطعام. قلت: وهو توجيه حسن أيضا. والله تعالى أعلم. قوله: "وكان ابن عمر" إلخ. قلت: قد مر الكلام فى ذلك مستوفی، وفى رواية ابن حبان بطريق ابن جريح دلالة على أن ابن عمر رضى الله عنهما إنما كان يؤخر الصلاة عن العشاء إذا كان صائما، ويلتحق به من كان مثله فى التوقان إلى الطعام ولو غير صائم، ج - ٤ الأعذار فى ترك الجماعة ٢٠٨ فی کتاب الزهد. ١١٨١- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: إنى سمعت رسول الله عَ ليه يقول: لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (١). رواه مسلم (١: ٢٠٨). ١١٨٢- عن: عتبان بن مالك الأنصارى رضى الله عنه يقول: كنت أصلى لقومى بنى سالم وكان يحول بينى وبينهم واد، إذا جاءت الأمطار فيشق لأن الإقبال على الصلاة بفراغ القلب مطلوب لكل أحد، فلا يختص الحكم بالصائم فقط، دل عليه أثر أبى الدرداء بلفظ عام، نعم! هو مقيد بسعة الوقت، فإن ضاق وخاف الفوت وجب الابتداء بالصلاة. ودلالة حديث عائشة رضى الله عنها على معنى الباب ظاهرة. قوله: "عن عتبان بن مالك" إلخ. قلت: دل على جواز التخلف عن الجماعة بعذر سوء البصر أيضا، كما دل على جوازه بعذر المطر، لأن عتبان بن مالك ذكر له عذرین إنكار بصره وقدمه، وسيل الأمطار، فأخره، وسكت النبى مرّةٍ على كليهما، وألحق به فقهاءنا الظلمة الشديدة أيضا إذا كانت بحيث لا يبصر طريقه إلى المسجد، فيكون كالأعمى، كذا فى الشامية (١: ٥٨٠). وقد ورد ذكر الظلمة صراحة فی حدیث عتبان عند البخارى فى باب الرخصة فى المطر، ولفظه: أنه قال لرسول الله مظله: يا رسول الله! إنها تكون الظلمة والليل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله فى بيتى مكانا اتخذه مصلى اهـ كذا فى الفتح (٢: ١٣٢). وأما ما فى الترغيب (١: ٧١) عن عمرو بن أم مكتوم قال: قلت: يا رسول الله! أنا ضرير شاسع (٢) الدار ولى قائد لا يلائمنى (٣)، فهل تجد لى رخصة أن أصلى فى بيتى؟ قال: تسمع النداء؟ قال: نعم! قال: ما أجد لك رخصة. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن خزيمة فى صحيحه، والحاكم. وفى رواية لأحمد عنه أيضا: أن رسول الله (١) أى البول والغائط قاله النووى، وألحق فقهاءنا الريح بهما أيضا. (٢) أى بعيدها . منه. (٣) أى لا يوافقنى . منه. ٢٠٩ الأعذار فى ترك الجماعة 14 إعلاء السنن على اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله القره، فقلت له: إنى أنكرت بصرى، وإن الوادى الذى بينى وبين قومى إذا جاءت الأمطار فيشق على اجتيازه، فوردت أنك تأتى فتصلى من بيتى مكانا اتخذه مصلى، فقال رسول الله عزاته: سأفعل، الحديث. رواه إمام المحدثين الحفاظ أبو عبد الله البخارى (١ :٧٤) . وٍّ أتى المسجد، فرأى فى القوم رقة (١) فقال: ((إنى لأهم أن أجعل للناس إماما ثم أخرج، فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الجماعة فى بيته إلا أحرقته علیه، فقال ابن أم مكتوم يا رسول الله! إن بينى وبين المسجد نخلا وشجرا ولا أقدر على قائد كل ساعة، أيسعنى أن أصلى فى بيتى؟ قال: أ تسمع الإقامة؟ قال: نعم! قال: فأتها" ، وإسناد هذه جيدا هـ. وفى مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح أ هـ (١: ١٥٠). فأجاب عنه الحافظ أبو بكر البيهقى كما فى نصب الراية (١: ٢٣٦) بما نصه: معناه لا أجد لك رخصة تحصل لك فضيلة الجماعة من غير حضورها، وليس معناه إيجاب الحضور على الأعمى، فقد رخص لعبتان بن مالك انتهى. قلت: ومحصله إن بالحرج يرتفع الإثم، ويرخص فى تركها، ولكنه يفوته الأفضل. قال فى رد المحتار: لكن فى نور الإيضاح: وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها (المبيحة للتخلف) (٢) وكانت نية حضورها لو لا العذر يحصل له ثوابها القوله مائته: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى)) اهـ. والظاهر أن المراد به العذر المانع . كالمرض، والشيخوخة، والفلج بخلاف نحو المطر، والطين، والبرد، والعمى، تأمل اهـ (١ : ٥٧٦). فائدة وفى رد المحتار أيضا: مجموع الأعذار التى مرت متنا وشرحا عشرون وقد نظمتها (١) أى قلة . منه. (٢) لفظة ما بين القوسين ثابتة فى نور الإيضاح (ص: ١٧٤) وساقطة عن: نسخة رد المحتار، فليعلم ذلك. منه. ج -٤ الأعذار فى ترك الجماعة ٢١٠ بقولي: أودعتها فى عقد نظم كالدرر أعذار ترك جماعة عشرون قد مطر، وطين، ثم برد قد أضر مرض، وإقعاء، وعمى، وزمانة فلج، وعجز الشيخ، قصد للسفر قطع لرجل مع يد أو دونها أو دائن، وشھی أکل قد حضر خوف على مال كذا من ظالم ألم، مدافعة لبول أو قذر والریح لیلا ظلمة، تمریض ذی بعض من الأوقات عذر معتبر ثم اشتغال لا بغير الفقه فى ١ هـ. (١: ٥٨١). قلت: وقد ذكرنا فى المتن ما يدل على جميع تلك المذكور بالتأمل الصادق وإمعان النظر غير اثنتين منهما وهما تمريض ذى ألم، واشتغال بفقه. والمراد بالتمريض قيامه بمريض يحصل له لغيبته المشقة والوحشة، والمراد بالاشتغال بالفقه تكراره بجماعة تفوته لو حضر المسجد بشرط عدم مواظبة على ترك الجماعة تهاونا، كما صرح بذلك كله فى الشامية (ص وج مذكور). ويمكن أن يستدل على كون التمريض عذرا بحديث ابن عباس مرفوعا "من سمع النداء فلم يمنع من اتباعه عذر قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرضٍ" إلخ فيدخل فى المرض مرضه ومرض من يتعلق به، كما أدخل فى الخوف خوفه على نفسه وما له أو على نفس ومال غيره أو يستدل له بأثر أبى الدرداء: "من فقه المرأ إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فأرغ" ، ولا يخفى أن الممرض لا يفرغ قلبه فى بعض الأحيان لأذى المريض، فيعذر فى ترك الجماعة لشغل باله به هذا، وقد ورد فى الصحيح أنه مرّةٍ أمر أبا بكر فى مرضه أن يصلى بالناس، فخرج أبو بكر يصلى، فوجد النبى ◌ّلٍّ من نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأوماً إليه النبى ◌ّ الر أن مكانك، الحديث. وزاد ابن ماجة ونحوه بإسناد حسن فى هذا الحديث: فلما أحس الناس به سبحوا، وفيه أيضا: فابتدأ النبى مرات القراءة من حيث انتهى أبو بكر، كذا فى الفتح (٢: ١٣٠ و١٣٢). فدل على أن إتيانه مرَ ◌ّ للصلاة كان بعد شروع أبى بكر فيها وأن الرجلين الذين خرج النبى مرّ ه يهادى بينهما تخلفا عن - ٢١١ الأعذار فى ترك الجماعة إعلاء السنن الجماعة معه، وهل كان تخلفهما إلا بعذر قيامهما بالنبى مع تز فى مرضه، والرجلان على ابن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب كما وقع التصريح به فى « رواية أخرى عند البخارى. وفى رواية للدار قطنى أنه خرج بين أسامة بن زيد، والفضل بن عباس كذا فى الفتح (ص: ١٣٠). وأما عذر الاشتغال بالعلم أحيانا بجماعة تفوته فهو نظير التهيأ للسفر، فيعذر لعلة شغل باله به، وأما ما فى مجمع الزوائد عن عنبسة بن الأزهر قال: تزوج الحارث بن حسان وكانت له صحبة، وكان الرجل إذ ذاك إذا تزوج تخدر أياما (أى تستر) فلا يخرج لصلاة الغداة، فقيل له: أ تخرج؟ وإنما بنيت بأهلك فى هذه الليلة، قال: والله إن امرأة تمنعنى من صلاة الغداة فى جميع (أى جماعة) لإمرأة سوء. رواه الطبرانى فى الكبير وإسناده حسن ا هـ (١: ١٥٨) فلا يدل على جواز ترك الجماعة بعذر البناء بأهله، لما فيه من إنكار الصحابى على فعل من كان يفعل ذلك، وقوله: "وكان الرجل إذ ذاك" إلخ لا يدل على أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، بل الظاهر كونه من فعل العوام من التابعين، ولذا أنكر عليه الحارث بن حسان أشد إنكار، ولو سلم كونه من فعل الصحابة فيحمل على ما إذا لحقت المرأة وحشة بخروجه من البيت فى الغلس، والإمام لا يسفر بالصلاة. هذا وقد ورد فى رواية عند الطبرانى مرفوعا جواز التخلف عن الجماعة بعذر الاصطياد لمن كان مرزوقا به وله إليه حاجة، وفيه بشر بن نمير وهو ضعيف ومتروك كما فى مجمع الزوائد (١: ١٦١) والقياس يؤيده لأن من كان رزقه من الصيد أو بالاحتطاب ونحوهما يضطر إلى الخروج من بلده فى طلب الرزق، فيجئ وقت الصلاة وهو فى البادية، وفى رجوعه إلى العمران، وحضوره إلى الجماعة فى مثل هذا الحالة من الحرج، والمشقة ما لا يخفى. ٢١٢ ج - ٤ باب صفات الإمام ١١٨٣- عن: عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها أنها قالت: إن رسول الله مَّ لتر قال فى مرضه: مروا أبا بكر يصلى بالناس، قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام فى مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر، فليصل بالناس، فقالت عائشة: فقلت لحفصة قولى له: إن أبا بكر إذا قام فى مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر، فليصل للناس، ففعلت حفصة فقال رسول الله مزاتر: ((مه إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر، فليصل بالناس». باب صفات الإمام قوله: عن عائشة رضى الله عنها إلخ. قلت: فى تقديمه مَّ أبا بكر على سائر الصحابة وفيهم من هو أقرأ منه دليل لمن يقول بتقديم الأعلم على الأقرأ أما أنه كان فيهم من هو أقرأ منه فلحديث أبى يعلى عن ابن عمر رضى الله عنه، وفى أوله: أرأف أمتى بأمتى أبو بكر، وأشدهم فى أمر الله عمر إلى أن قال: وأقرأهم أبى: قال العزيزى: وهو حديث صحيح اهـ (١: ١٧٩) ورواه الإمام أحمد، والترمذى، والنسائى، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقى فى الشعب عن أنس مرفوعا بلفظ: أرحم أمتى بأمتى أبو بكر، وأشدهم فى أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أبى بن كعب. الحديث كذا، فى كنز العمال (٦: ١٦٣) ومع ذلك قدم النبى ◌ّ هم أبا بكر فى الصلاة على الباقين فكان دليلا على كون الأعلم والأفضل أولى من الأقرء، ولأن ما يحتاج إليه من القراءة مضبوط والذى يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، فقد يعرض فى الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلا كامل الفقه. وأما كون أبى بكر أعلم الصحابة، فلما روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى فى أبى سعيد الخدرى فى قصة خطبة النبى مد له قبل وفاته، وإخباره بأن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر، فتعجبنا لبكائه قال: فكان رسول الله مرّ هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا ا هـ (١ : ٥١٦). ٢١٣ صفات الإمام إعلاء السنن رواه الإمام البخارى رضى الله عنه، كذا فى فتح البارى (١٣٨:٢). وتعقب بعض الناس استدلالنا بقصة إمامة أبى بكر على كون الأعلم أولى بالإمامة من الأقرأ باحتمال أن تكون إمامته إشارة إلى استحقاقه الإمامة الكبرى، قال: ويقوى الاحتمال ما رواه النسائى وسكت عنه (١: ١٢٦) عن عبد الله رضى الله عنه قال: لما قبض رسول الله مَّ ه قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: ألستم تعلمون؟ أن رسول الله ظهر قد أمر أبا بكر أن يصلى بالناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر اهـ. ثم نقل عن السندى أن الإمامة الصغرى كانت يومئذ من وظائف الإمام الكبير فتفويضها إلى أحد عند الموت دليل على نصبه للكبرى اهـ. قال: ويدل على أن الإمامة الصغرى حق الإمام الكبير ما رواه البزار، وإسناده حسن كما فى مجمع الزوائد (١: ١٦٧) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله مرّةٍ: إذا سافرتم فليؤمكم أقرأكم وإن كان أصغركم، وإذا أمكم فهو أميركم اهـ. قلت: وهذا كله كلام لا طائل تحته، أما أولا فلأنا سلمنا أن إمامة أبى بكر كانت فيها إشارة إلى استخلافه أيضا، ولكن لا نسلم أنها كانت متمحضة لتلك الإشارة، ولم يكن أبو بكر أولى بها، وإلا لزم تغيير حكم من أحكام الصلاة للإشارة إلى شئ أجنبى عنها، ولم يعهد له نظير فى الشرح، ولو سلم ذلك فكان على الصحابة بعد ما ظهر العمل بمقتضى تلك الإشارة تقديم الأقرأ فى الصلاة، وكان على أبى بكر أن يترك الإمامة بهم، ويقدم الأقرأ على نفسه، ولا يستمر إماما طول عمره، لعلمه بأن تقديم النبى مرّ ةٍ إياه فى مرضه إنما كان لأجل الإشارة فقط لا لأولويته بالإمامة، وكل ذلك لم يكن، فثبت أن إمامة أبى بكر لم تكن لمجرد الإشارة إلى شئ بل لكونه أولى بها أيضا. وأما ثانيا فإن الإشارة إلى استخلاف إنما تكون بتفويض الإمامة إلى أحد عند الموت، كما صرح به السندى، وأقره بعض الناس عليه، وتقديمه مّ لّ أبا بكر على سائر الصحابة فى الصلاة قد ثبت فى غير زمان مرضه مرّ ةٍ أيضا قبل وفاته بمدة، كما رواه النسائى (١٢٨:١) عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بنى عمرو بن عوف، فبلغ ٢١٤ ج -٤ صفات الإمام ذلك النبى ◌ّ التر فصلى الظهر ثم أتاهم ليصلح بينهم، ثم قال لبلال: يا بلال! إذا حضر العصر ولم آت فمر أبابكر فليصل بالناس الحديث، وسنده صحيح. وقد أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان أيضا، كما فى فتح البارى (٢: ١٤٠). قال الحافظ: أما قول بلال لأبى بكر: أتصلى للناس؟ (كما ورد فى رواية البخارى) فلا يخالف ما ذكر لأنه يحمل على أنه استفهمه هل يبادر أول الوقت أو ينتظر قليلا ليأتى النبى مع ◌َ ةٍ اهـ. فهل كان تقديمه ◌ّظهرٍ أبا بكر فى هذه الواقعة للإشارة إلى استحلافه؟ كلا! بل إنما قدمه لكونه أفضل من الجميع وأولى بها منهم، كيف ولم يثبت أنه سَّةٍ قدم أحدا على أبى بكر فى سائر عمره وأبو بكر فى القوم، ولا ثبت ذلك عن أصحابه (١) أيضا، وهل ذلك إلا لكون الأعلم الأفضل أولى بالإمامة من غيره. وكيف يظن برسول الله مَّةٍ أنه يغير أمرا من أحكام الصلاة لمجرد الإشارة إلى الاستخلاف مع إمكان تلك الإشارة بدون ذلك التغير أيضا؟ بل إنما كان ذلك لكون أبى بكر أحق بها من غيره، يدل على ذلك ما أخرجه الترمذى عن عائشة رضى الله عنه مرفوعا ((لا ينبغى لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره)). قال السيوطى فى التعقبات: الحديث حسن وشاهده الأحاديث الصحيحة فى تقديمه إياه للصلاة فى مرض الوفاة. وقال الحافظ ابن كثير فى مسند الصديق: إن لهذا الحديث شواهد تقتضى صحته، وأخرجه ابن عساكر من طريقين عن عتبة بن عزوان أن النبى ګے قال: «لا ينبغى لأحد من رجالكم أن يؤم أبا بكر؛ فإنه ليس لأحد عندی فضل فى المحبة والنصيحة إلا أبو بكر رضى الله عنه)) اهـ (٥٤: ٥٥). فهذا نص صريح فيما قلنا. وقول عمر رضى الله عنه: ألستم تعلمون أن رسول الله معظم قد أمر أبا بكر أن يصلى (١) وأما ما رواه البخارى عن ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة، موضع بقباء، قبل مقدم رسول الله سَطٍ كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وزاد فى الأحكام: وفيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة، فقال الحافظ متعقبا عليه واستشكل ذكر أبى بكر فيهم إذ فى الحديث أن ذلك كان قبل مقدم النبى محمدطه وأبو بكر كان رفيقه، ووجهه البيهقى باحتمال أن يكون سالم المذكور استمر على الصلاة بهم فيصح ذكر أبى بكر، ولا يخفى ما فيه ا هـ (٢: ١٥٦) فلا يصح الاستدلال به ما لم يرتفع الإشكال، على أنه كان فى الابتداء ثم رجع الحكم إلى أولوية الأعلم فافهم. والحديث رواه الطبرانى فى الكبير وزاد: لأنه أى سالم كان أكثرهم قرآنًا. وقال الهيشمى: هو فى الصحيح خلا قوله "لأنه كان أكثرهم قرآنا"، وفيه شعيب بن أبى الأشعث قال الذهبى: مجهول، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: يعتبر بحديثه إذا لم يكن فى إسناده ضعيف، ولا بقية بن الوليد اهـ (١٦٨:١). قلت: ليس فى الصحيح لفظة "لأنه كان أكثرهم قرانا" مذكور فى الصحيح أيضا كما فى الفتح. ٢١٥ صفات الإمام إعلاء السنن بالناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر، فلا يدل على أن فضل أبى بكر فى استحقاق الخلافة لم يثبت إلا بتقديمه فى الصلاة، بل غاية ما فيه أن هذا أيضا واحد من إمارات استحقاقه وعلامة من علامات تقدمه، ودليل ذلك أن عمر رضى الله عنه لم يكتف بذلك فى هذا المقام، بل أتى ببراهين سواها وفوقها مما لا يخفى فضل أبى بكر على سائر الناس مهما، فقال وهو آخذ بيده فى السقيفة من له هذه الثلاثة؟: إذ هما فى الغار، من هما؟، إذ يقول لصاحبه، من صاحبه؟ ﴿لا تحزن إن الله معنا) مع من؟. وقال لأبى بكر: بل نبايعك أنت فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله مست لقٍ. كذا فى فتح البارى مع البخارى (٧: ٢٥). وأما ما ذكره السندى أن الإمامة الصغرى كانت يومئذ من وظائف الإمام الكبير فمسلم، ولكن لا نسلم أنهم غيروا حكما من أحكام الصلاة لأجل ذلك، وقدموا فى الصلاة من غير أولى منه بالإمامة لا سيما أن يكون رسول الله مرّ ة فعل ذلك، فهذا من أمحل المحال. وما ذكر بعض الناس من حديث أبى هريرة برواية مجمع الزوائد، وفيه: "وإذا أمكم فهو أميركم" ففيه أنه لو دل على كون الإمامة الصغرى من وظائف الإمام الكبير لدل أيضا على أن أولى الناس بالإمامة العظمى أقرأهم للقرآن، لأنه مرّةٍ قال: فليؤمكم أقرأكم وإن كان أصغركم، فإذا كان الأقرأ أولى بإمامة الصلاة، وإمامة الصلاة من وظائف الإمام الكبير استلزم ذلك أن يكون الإمام الكبير أقرأ الناس للقرآن كما لا يخفى، وهذا لم يقل به أحد بل هو خلاف الإجماع، والآثار الدائة على إمامة أبى بكر وخلافته مع كون أبى بن كعب أقرأ هذه الأمة كما ورد فى الحديث، وظنى أن هذا البعض لا يقول به أيضا، فانهدم بناء الاستدلال، واندحض ما أبداه من الاحتمال. وليس معنى الحديث عندنا إلا مجرد ترغيب الناس فى تعظيم الإمام الذى يصلى بهم وتوقيره وإن كان إصغرهم، لأنه بالإمامة صار كبيرا مستحقا للتعظيم. والله تعالى أعلم. قال العلامة العينى فى العمدة: واختلف العلماء فيمن أولى بالإمامة، فقالت طائفة: الأفقة وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والجمهور، وقال أبو يوسف، وأحمد، وإسحاق: الأقرأ وهو قول ابن سيرين، وبعض الشافعية، وقال أصحابنا: أولى الناس بالإمامة أعلمهم ٢١٦ ج -٤ صفات الإمام ١١٨٤ - عن: عقبة بن عمرو (هو أبو مسعود البدرى الأنصارى) قال: قال رسول الله عزظاهر: ((يؤم القوم أقدمهم هجرة، فإن كانوا فى الهجرة سواء فأفقههم فى الدين، فإن كانوا فى الدين سواء فأقرأهم للقرآن، ولا يؤم الرجل فى سلطانه، ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه)). أخرجه الحاكم فى المستدرك (٢٤٣:١). واستشهد به، وسكت عنه الحافظ الذهبى فى تلخيصه، وفيه الحجاج بن أرطاة وهو من رجال مسلم ثقة مدلس، وتدليس الثقة لا يضر عندنا كإرساله، وقد ذكرناه اعتضادا. بالسنة أى بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلاة وهو قول الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعى، ومالك، والشافعى، وعن أبى يوسف أقرأ الناس أولى بالإمامة يعنى أعلمهم بالقراءة، وكيفية أداء حروفها، ووقوفها؟ وما يتعلق بالقراءة، وهو أحد الوجوه عند الشافعية ا هـ (٢: ٧٣٢). وقال الشيخ ابن الهمام فى الفتح (١: ٣١٢): واختلف المشائخ فى الاختيار، منهم من اختار قول أبى يوسف كالمصنف ومنهم من اختار قول أبى حنيفة ومحمد رحمهم الله اهـ. وفى شرح إحياء علوم الدين (٣: ١٧٤): والذى ذهب إليه أبو يوسف من تقدم الأقرأ على الأعلم رواية عن أبى حنيفة، ودليله قوى من حيث النص اهـ. قلت: قد مر دليل تقديم الأعلم فى إمامة أبى بكر وهو کالمتواتر، و کان ثمه من هو أقرأ منه لا أعلم، وهذا آخر الأمرين من رسول الله مرّاتٍ، فيكون المعول عليه، وسيأتى بعد ما يدل عليه أيضا. قوله: عن عقبة بن عمرو إلخ. قلت: فيه تقديم الأفقه على الأقرأ ولكن يعكر عليه رواية مسلم والحاكم أيضا، وفيه تقديم الأقرأ على الكل، والحديث واحد، والتطبيق متعذر، فالظاهر ترجيح رواية مسلم بموافقة الحاكم له على رواية الحاکم منفردا، لا سيما وفيه حجاج بن أرطاة أحد المتكلمين فيهم مع تدليسه، ويمكن أن يقال: إن أبا مسعود سمع الحديث من النبى مرّ له مرتين مرة مع تقديم الأقرأ على الأعلم بالسنة، وثانيا بتقديم ٢٢٧ صفات الإمام إعلاء السنن ١١٨٥ - أخبرنا: عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج عن عطاء قال: "كان يقال: يؤمهم أفقههم، فإن كانوا فى الفقه سواء فأقرؤهم، فإن كانوا فى الفقه والقراءة سواء فأسنهم)). أخرجه الإمام الشافعى فى الأم (١: ١٤٠). وعطاء من كبار التابعين فقوله: " كان يقال" حكاية عن قول الصحابة، وهو شاهد جيد لحديث ابن أرطاة السابق المذكور رفعا، رواته كلهم ثقات من رجال الصحيح خلا شيخ الشافعى، فهو من رجال مسلم. ١١٨٦- عن: عابس الغفارى سمعت النبى مَّاللّه يتخوف على أمته ست خصال، وفيه ونشوا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا الأفقه على الأقرأ، ويؤيد ذلك ما فى حديث عطاء "كان يقال: يؤمهم أفقههم" والظاهر أنه حكاية عن قول الصحابة وهم لا يقولون ذلك ما لم يكن عندهم نص فيه عن النبى مدظله . . ووجه ذلك ما قاله الشافعى، ونصه: وإنما قيل والله أعلم: أن يؤمهم أقرأهم أن من مضى من الأئمة كانوا يسلمون كبارا فيتفقهون قبل أن يقرأوا القرآن، ومن بعدهم كانوا يقرأون القرآن صغارا قبل أن يتفقهوا، فأشبه أن يكون من كان فقيها إذا قرأ من القرآن شيئا أولى بالإمامة ا هـ (١: ١٤٠). والحاصل أن تقديم الأقرأ كان فى الابتداء حين كانوا يقرؤون القرآن كبارا فيكون عند الأقرأ حينئذ مع فقهه مزية القراءة، فكان أولى من غير الأقرأ، ثم لما قرأ المسلمون صغارا قدم الأفقه لخلو الأقرأ حينئذ من الفقه غالبا، فلا تعارض فى حديثى أبى مسعود لإمكان حملهما على تعدد الواقعة، والجمع بين الحديثين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر فافهم، وسيأتى الجواب عن رواية مسلم فانتظر. قوله: عن عابس الغفارى إلخ. قلت: فى قوله مَّ له: ((يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أفضلهم)» دلالة صريحة على إنكاره مَّ اللّه على تقديم غير الأفقه الأفضل، وفيه إشعار بتقديم الأفقه على الأقرأ كما لا يخفى، وفيه أيضا إنكاره على الغناء بالقرآن، والمراد منه ما كان على طريقة المطربين برعاية الموسيقى ونحوه، وأما الغناء بتحسين الصوت بحيث لا يخرج به عن العربية، ولا یغیر الحركات، ولا یمد فی غیر موضع المد، ونحوه، فلا بأس ٢١٨ ج - ٤ صفات الإمام أفضلهم يغنيهم غناء. رواه الكبير، وللبزار نحوه مختصرا أخرجه فى جمع الفوائد (٣٢٦:١) وسكت عنه فهو صحيح أو حسن على قاعدته وأخرجه أحمد فى مسنده (٤٩٤:٣) وفى سنده عثمان بن عمير عن زاذان وهو أبو اليقظان ضغيف كما فى التقريب (ص: ١٤٢). ولكن قال الحافظ فى تعجيل المنفعة (ص: ٢٩٤): وأخرجه الطبرانى من طريق موسى الجهنى عن زاذان قال: كنت مع رجل من الصحابة يقال له: عابس أو ابن عابس اهـ. وموسى الجهنى ثقة من رجال مسلم كما فى التقريب (ص: ٢١٧). وفى الإصابة (٤: ٢): وروى ابن شاهين من طريق القاسم عن أبى أمامة عن عابس الغفارى صاحب رسول الله منزلتي ، فذكر الخصال اهـ. قلت: فليس مداره على أبى اليقظان بل تابعه عليه أوثق منه عن زاذان، ولما رواه شاهد من طريق أخرى فالحديث صحيح، ولا أقل من أن يكون حسنا . ١١٨٧ - عن: مرثد الغنوى مرفوعاً ((إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم علماؤكم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم)) رواه الطبرانى فى الكبير، قال به بل هو مطلوب كما قدمناه فى باب التجويد، والحديث مؤيد لأثر عطاء المتقدم فى تقديم الأفقه الأعلم على الأقرأ، وشاهد جيد لحديث ابن أرطاة عند الحاكم فى مستدر كه، وقد ذكرناه، فلا لوم على أبى حنيفة رحمه الله أنه عمل بعدة أحاديث، وأول واحدا منها وهو ما أخرجه مسلم عن أبى مسعود الأنصارى مرفوعا ((يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)) الحديث. فإن الأحاديث بعضهما يفسر بعضا، فالظاهر أن هذا كان فى أول الإسلام ثم رجع الأمر إلى تقديم الأفقه الأعلم، أو أن المراد بالأقرأ فيه الأعلم بالقرآن بلفظه ومعناه دون الأعلم باللفظ فقط، وقد يطلق القراءة على العلم كما فى القاموس: القراء كرمان الناسك المتعبد كالقارئ والمتقرئ ج قراؤون، وقوارى، وتقراء تفقه اهـ (١: ١٥). وسيأتى الجواب عما أورد على هذا التأويل فى شرح حديث مسلم هذا فانتظر. قوله: عن مرثد الغنوى إلخ. قلت: فيه ترغيب للأمة فى الاقتداء بالعلماء، وأن الصلاة بإمامتهم أقرب إلى القبول من إمامة غيرهم، ولا يخفى أن القبول هى الغاية ٢١٩ صفات الإمام إعلاء السنن الشيخ: حديث حسن لغيره، كذا فى العزيزى (١ :٥٣). ١١٨٨ - عن: أبى مسعود رضى الله عنه قال: كان رسول الله مَ الله يمسح مناكبنا فى الصلاة، ويقول: ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليلنى منكم أو لو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)). قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا. أخرجه مسلم (١: ١٨١). ١١٨٩- عن: أبى الدرداء مرفوعا ((العلماء ورثة الأنبياء)). أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجة وابن حبان فى صحيحه، كذا فى تخريج الإحياء (٥:١). ١١٩٠- عن: عمرو بن سلمة رضى الله عنه قال: قال أبى: جئتكم من القصوى فى العبادات، فمن كانت إمامته أرجى بقبول الصلاة كان أولى من غيره، فثبت به تقديم العالم غير الأقرأ إذا كان يحسن من القراءة قدر ما تجوز به الصلاة على الأقرأ غير العالم، وأما تقديمه على الأقرأ العالم الذى هو أقل منه علما، فقد ثبت بإمامة أبى بكر رضى الله عنه، وقد مر الكلام فيه مستوفى، وأما إذا استويا فى العلم وأحدهما أقرأ فالظاهر. ترجيح الأقرأ حينئذ، كما سيأتى. قوله: "عن أبى مسعود" رضى الله عنه إلخ. قلت: محل الاستشهاد فيه قوله له: ((وليلنى منكم أولو الأحلام والنهى)) وهم العقلاء العلماء، ولم يقل رسول الله مَّهِ: وليلنى منكم من كان أقرأ للقرآن وهو يدل على أن العقلاء العلماء أقرب إلى النبى ◌ّله من غيرهم، ولا يخفى أن النبى مرّاتٍ هو الإمام الكامل حقيقة وغيره من الأئمة نواب له مَّهِ، فأولى الناس بنيابته من كان أقرب إليه، فثبت به تقديم الأعلم الأفقه على غيره، وهو ظاهر غير خفى كيف لا؟ وقد ورد فى الحديث الصحيح عن أبى الدرداء رضى الله عنه مرفوعا ((العلماء ورثة الأنبياء)) أخرجه أبو داود، والترمذى، وابن ماجة، وابن حبان فى صحيحه، وعن ابن عباس مرفوعا ((أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد)) أخرجه أبو نعيم فى فضل العالم بسند ضعيف، كذا فى تخريج الإحياء للعراقى (١ : ٦٠٥) . قوله: "عن عمرو بن سلمة" إلخ. قلت: استدل بقوله سر اله: ((وليؤمكم أكثركم ج -٤ صفات الإمام ٢٢٠ عند النبى ◌ّ اللّهِ حقا قال: ((فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا)). قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا منى، فقدمونى وأنا ابن ست أو سبع سنين. رواه البخارى وأبو داود والنسائى، كذا فى بلوغ المرام. قرآنًا)) وبما فى حديث أبى مسعود الأنصارى ((يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)) أخرجه مسلم كما هو مذكور فى المتن بعده من قال بتقديم الأقرأ على الأعلم، وأجاب عنه صاحب الهداية بأن أقرأهم كان أعلمهم، لأنهم كانوا يتلقونه بأحكامه فقدم فى الحديث، ولا كذلك فى زماننا، فقدمنا الأعلم اهـ. قلت: ويؤيده ما رواه الإمام مالك فى المؤطأ (ص: ٧١) أنه بلغه أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثمانى سنين يتعلمها اهـ وما فى مجمع الزوائد (١: ٦٦) عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: لقد عشت برهة من دهرى وأن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد مَّته، فيتعلم حلالها، وحرامها، وما ينبغى أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم القرآن. ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم الإيمان قبل القرآن (هكذا فى الأصل، والصحيح عكسه أى القرآن قبل الإيمان كما فى الإتقان (١: ٨٨) فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته ما يدرى ما آمره، ولا زاجره، وما ينبغى أن يقف عنده منه. ينثره نثر الدقل (١). رواه الطبرانى فى الأوسط، ورجاله رجال الصحيح اهـ. وأورد عليه بأن هذا يفضى إلى التكرار إذ يؤول معنى الحديث إلى أن يؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم بالسنة. وأجاب عنه فى العناية بأن المراد "أقرأهم" أى أعلمهم بأحكام كتاب الله تعالى دون السنة، وقوله: "أعلمهم" أى أعلمهم بأحكام كتاب الله والسنة اهـ. قلت: ولكن تفسير الأقرأ بالأعلم يأباه ما ورد من لفظ أكثرهم قرآنا عند الحاكم فى هذا الحديث بعينه، وما ورد فى حديث عمر بن سلمة ((وليؤمكم أكثركم قرآنًا)) فالمتبادر منه أنه أراد أكثرهم جمعا للقرآن وحفظا دون أعلمهم بالأحكام، وأيضا يرد عليه ما فى نيل (١) قال العلامة الزمخشري في الفائق (٢١١:١): الدقل تمر ردي لا يتلاصق، فإذا نثر تفرق وانفردت كل ثمرة اختها ، يريد أنه يهذّ القرآن.