النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
بعض آداب التلاوة
إعلاء السنن
المنذر، وأبو الشيخ فى العظمة، والحاكم، وصححه، وابن مردودیه، والبيهقى
فى الدلائل.
١١٤٦- وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، والدارقطنى فى
الأفراد، وابن مردويه، والخطيب بسند صحيح عن ابن عمر أن رسول الله منز لته.
قرأ "سورة الرحمن" على أصحابه، فسكتوا، فقال: ((ما لى أسمع الجن
أحسن جوابا لربها منكم؟ ما أتيت على قوله: ﴿ فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ ﴾ إلا
قالوا: لا بشىء من الائك ربنا نكذب، فلك الحمد. كذا فى الدر المنثور
(١٣٩:١، ١٤٠).
١١٤٧ - عن: أبى هريرة كان رسول الله مظلته إذا قرأ ﴿أليس ذلك بقادر
على أن يحيى الموتى؟) قال: بلى! وإذا قرأ ﴿أليس الله بأحكم الحكمين﴾.
قال: بلى! رواه البيهقى فى شعب الإيمان، والحاكم، وهو حديث صحيح، كذا
فى العزیزی (٣٥:٣).
١١٤٨ - عن: ابن عباس رضى الله عنه كان رسول الله عَّ له إذا قرأ
﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: سبحان ربى الأعلى. رواه أحمد، وأبو داود،
والحاكم. وهو حديث صحيح، (العزيزى ٣٥:٣).
يجوز إلا فى غيرها (أى فى غير المكتوبة ١٢). قال التوريشتى: كذا عند مالك يجوز فى
النوافل.
وحديث جابر لم يرد فى الصلاة حتى يستدل بها على جواز ذلك فيها ، بل هو وارد
فى خارج الصلاة حتما، كما يدل عليه سياقه، وأما حديثا أبى هريرة وابن عباس الآتيان،
محتملان لداخل الصلاة وخارجها ، والاحتمال يبطل الاستدلال، والأصل تجريد القراءة
عن غير القرآن فى الصلاة، فلا يتحول عنه إلا بدليل، ولو عمل به أحد فى الصلاة لا
تفسد، ولكن يلزمه الإسرار بهذه الكلمات دون الجهر بها، كما هو الأمر عندنا فى التعوذ
والتسمية، والتأمين. ودلالة بقية الآثار على بعض آداب التلاوة ظاهرة.

١٨٢
ج - ٤
بعض آداب التلاوة
١١٤٩ - حدثنا: عبد الله بن محمد الزهرى نا سفيان حدثنى إسماعيل بن
أمية قال: سمعت أعرابيا يقول: سمعت أبا هريرة رضى الله عنه يقول قال رسول
الله عزله: ((من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها ﴿أليس الله بأحكم
الحكمين؟﴾ فليقل: بلى! وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ "لا أقسم
بيوم القيامة" فانتهى إلى ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى؟) فليقل:
بلى! ومن قرأ "والمرسلات" فبلغ ﴿فبأى حديث بعده يؤمنون؟) فليقل: آمنا
بالله)). رواه أبو داود (١٢١:١) هكذا، والأعرابى لم يسم، فالسند منقطع وهو
مقبول عند الأصحاب.
١١٥٠- عن: أبى الحسن البزى المقرئ قال: سمعت عكرمة بن سليمان
يقول: قرأت على إسماعيل بن قسطنطين، فلما بلغت "والضحى" قال: كبر
عند خاتمة كل سورة حتى تختم، فإنى قرأت على عبد الله بن كثير، فلما بلغت
"الضحى" قال: كبر حتى تختم. وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد،
فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبى
ابن كعب أمره بذلك، وأخبره أن النبى مرّظهر أخبره بذلك أخرجه الحاكم
وصححه، وابن مردويه، والبيهقى فى الشعب، كذا فى الدر المنثور (٣٦٠:٦).
١١٥١- عن: ابن عباس رضى الله عنه عن أبى بن كعب رضى الله عنه
أن النبى ◌ّ لّه كان إذا قرأ ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ افتتح من الحمد، ثم قرأ
من البقرة إلى "وأولئك هم المفلحون" ثم دعا بدعاء الختمة، ثم قام. أخرجه
الدارمى بسند حسن (الإتقان، ١١٦:١).
١١٥٢- وفى الأذكار للنووى (ص: ٤٩): روى ابن أبى داود بإسنادين
صحيحين عن قتادة قال: كان أنس بن مالك إذا ختم القرآن جمع أهله
ودعا اهـ.

١٨٣
بعض آداب التلاوة
إعلاء السنن
١١٥٣- عن: ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلا قال: يا رسول الله! أى
الأعمال أفضل؟ قال: ((الحال المرتحل. قال: يا رسول الله! وما الحال المرتحل؟
قال: صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره ومن آخره حتى يبلغ
أوله، كلما حل ارتحل)). تفرد به صالح المرى وهو من زهاد أهل البصرة إلا أن
الشيخين لم يخرجاه، وله شاهد من حديث أبى هريرة ثم أخرجه من طريق مقدام
ابن داود ابن تلید الرعینی ثنا خالد بن نزار حدثنی الليث بن سعد حدثنی
مالك بن أنس عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبى هريرة الحديث نحوه، أخرجه
الحاكم فى المستدرك (٥٦٨:١)، وقال الذهبى فى الأول: إن صالحا متروك،
وقال فى شاهده: لم يتكلم عليه الحاكم، وهو موضوع على سند الصحيحين،
ومقدام متكلم فيه، والآفة منه اهـ.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قلت: صالح المرى قال فيه ابن معين مرة: لا بأس به،
وضعفه أخری، کما فى التهذيب (٤: ٣٨٢).
وفيه أيضا عن ابن عدى: وعندى أنه مع هذا لا يتعمد الكذب، بل يغلط شيئا،
وعن ابن حبان: غلب عليه الخير والصلاح حتى غفل عن الإتقان والحفظ اهـ ملخصا.
فيحتمل اختلاف قول ابن معين فيه كون التضعيف بالنسبة إلى من هو فوقه أو كون
الاجتهاد قد تغير، والأصل فى الرواة العدالة، فلا تسقط بالاحتمال، كما قدمناه. ومقدام
ابن داود الرعينى قال مسلمة بن قاسم: لا بأس بروايته، وقال المسعودى فى مروج الذهب:
كان من جلة الفقهاء، ومن كبار أصحاب مالك، وقال أبو عمر الكندى: لم يكن بالمحمود
فى روايته عن خالد بن نزار، وذلك لأنهم سألوه عن مولده فأخبرهم، ثم نظروا إلى
الأسطوانة على رأس خالد بن نزار، فإذا سن المقدم يومئذ أربعة أعوام أو خمسة.
قلت: وهذا جرح هين، فلعله سمع (١) عليه وهو صغير، كذا فى اللسان ملخصا
(٦: ٨٥) وتكلم فيه آخرون، فالرجل مختلف فيه، وحديث مثله حسن، فقول الذهبى:
(١) وأيضا فلعله نسى مولده، أو أخبره من أخبره به غلطا، أو كان ما كتبوه فى الأسطوانة غلط فيه الكاتب، فمثل هذا
لا يجرح به الأجلة الأعلا . . منه.

١٨٤
ج -٤
بعض آداب التلاوة
قلت: والحديث عندى حسن، وإلا فضعيف، ويكتفى بمثله فى
الفضائل، وليس. بموضوع، كما سأذكره فى الحاشية.
١١٥٤- عن: داود بن قيس معضلًا (أى مرسلا فإن داود من التابعين)
قال: كان رسول الله عَّ له يقول عند ختم القرآن: ((اللهم ارحمنى بالقرآن،
واجعله لى إماما، وهدى ورحمة. اللهم ذكرنى منه ما نسيت، وعلمنى منه ما
جهلت، وارزقنى تلاوته آناء الليل والنهار، واجعله لى حجة يا رب العالمين)).
رواه أبو منصور المقطر بن الحسين الدرجانى فى فضائل القرآن، وأبو بكر بن
الضحاك فى الشمائل، كلاهما من طريق أبى ذر الهروى من رواية داود، كذا فى
شرح الإحياء للعراقى (٢٥٠:١).
(قلت): روى داود عن السائب بن يزيد الكندى الصحابى، أخرجوا له
"والآفة منه" ليس كما ينبغى، والحديث أخرجه الترمذى فى جامعه، ولم يعله بشئ غير أنه
قال: غريب لا نعرفه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه ثم أخرجه. من طريق مسلم بن
إبراهيم عن صالح المرى عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن النبى مرّلةٍ نحوه بمعناه، ولم
يذكر فيه عن ابن عباس وقال: وهذا أصح (١) عندى من حديث نصر بن على عن الهيثم
ابن الربيع (١١٨:٢ - ١١٩). والترمذى أجل من أن يخرج فى جامعه موضوعا، ولا يقول
المحدث لفظ "أصح" فى ما لا أصل له أو هو موضوع البتة، فغاية ما يقال فيه: إنه
ضعيف، وإن نظرنا إلى تعدد الطرق وأن كل من أعل به الحديث ليس مجمعا علی تر که،
بل من المختلف فيه، والاختلاف فى التوثيق لا يضر، بل حدیث مثله حسن، كما أصلناه
فى المقدمة وذكرناه فى الكتاب غير مرة، فالحديث حسن، وله شاهد بسند حسن عن ابن
عباس عن أبى بن كعب أن النبى ◌ّةٍ كان إذا ختم القرآن افتتح من الحمد إلخ، وهو
المذكور فى المتن قبل هذا، وهو معنى الحال المرتحل، كما يدل عليه لفظ الحديث والله
تعالى أعلم. وبهذا تبين ضعف ما قاله بعض العلماء فى معنى الحال المرتحل كما فى
(١) أى إرساله أصح من وصله. قلت: والمرسل إذا ورد موصولا بطريق أخرى فهو حجة وههنا كذلك فقد ورد من
طريق المقدام بن داؤود الرعينى موصولا ١٢ منه.

١٨٥
بعض آداب التلاوة
إعلاء السنن
وهو ثقة فاضل، كذا فى التقريب وتهذيب التهذيب.
١١٥٥- عن: سعيد(١) بن أبى وقاص قال: "إذا وافق (٢) ختم القرآن أول
الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه أول النهار صلت
عليه الملائكة حتى يمسى". رواه الدارمى بإسناد حسن (الإتقان، ١١٥:١).
قلت: وهو حكم المرفوع، فإن مثله مما لا يؤخذ بالرأى.
١١٥٦ - عن: سعد بن عبادة قال: قال رسول الله مرّ لتر: ((ما من امرئ يقرأ
القرآن ثم ينساه إلا لقى الله يوم القيامة أجذم(٣)) رواه أبو داود (١: ٥٤٩)،
وسكت عنه وقال العزیزی (٢٦٢:٣): إسناده حسن.
حاشية الترمذى: إن المراد به الغازى الذى لا يزال فى الغزو، فكلما حل ارتحل، فإن
التفسير المرفوع أولى من أقوال سائر الناس فافهم.
قوله: "عن سعد بن عبادة" إلخ قلت: قال فى الهندية: إذا حفظ الإنسان القرآن
ثم نسيه فإنه يأثم، وتفسير النسيان أن لا يمكنه القراءة من المصحف اهـ (٦: ٢١٢).
قلت: ولم ينشرح صدرى بهذا التفسير الذى ذكره، بل الظاهر أن نسيان الحافظ
أن لا يمكنه القراءة عن ظهر القلب، ونسيان غير الحافظ أن لا يمكنه القراءة من المصحف،
ولا أدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
فائدة: فى الأذكار للنووى (ص: ٥٤): روى الإمام الحافظ أبو بكر بن
أبى داود بإسناده عن على رضى الله عنه قال: ما كنت أرى أحدا يعقل ينام قبل أن
يقرأ الآيات الثلاث الأواخر من سورة البقرة. إسناده صحيح على شرط البخارى،
ومسلم اهـ.
(١) هكذا فى الأصل، والظاهر أنه سعد بن أبى وقاص.
(٢) وفى الإتقان: قال ابن المبارك: يستحب الختم أول الليل فى الشتاء، وأول النهار فى الصيف. قلت: لكى تطول مدة
صلاة الملائكة عليه.
(٣) أى مقطوع اليد أو به داء الجذام، كذا فى العزیزی.

ج - ٤
١٨٦
أبواب الإمامة
باب وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
وعدم كونها شرطا لصحة الصلاة
١١٥٧- عن: أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى مرّ لتر قال: ((لو أن
رجلا دعا الناس إلى عرق أو مرماتين لأجابوه، وهم يدعون إلى هذه الصلاة فى
جماعة فلا يأتونها، لقد هممت أن آمر رجلا أن يصلى بالناس فى جماعة ثم
انصرف إلى قوم سمعوا النداء فلم يجيبوا فأضرمها عليهم نارا إنه لا يتخلف
عنها إلا منافق)). رواه الطبرانى فى الأوسط، ورجاله موثقون، كذا فى مجمع
الزوائد (١٥٩:١٠).
باب وجوب إتیان الجماعة
فى المسجد عند عدم العلة، وعدم كونها شرطا لصحة الصلاة
قوله: "عن أنس" إلخ. قلت: دلالته على الجزء الأول ظاهرة حيث بولغ فى تهديد
من تخلف عنها، وحكم عليه بالنفاق، ومثل هذا التهديد لا يكون إلا فى ترك الواجب،
ولا يخفى أن وجوب الجماعة لو كان مجردا عن حضور المسجد لما هم رسول الله مرّ ات.
بإضرام البيوت على المتخلفين لاحتمال أنهم صلوها بالجماعة فى بيوتهم، فثبت أن إتيان
المسجد أيضا واجب كوجوب الجماعة، فمن صلاها بجماعة فى بيته أتى بواجب، وترك
واجبا آخر. قال فى التنوير: والجماعة سنة مؤكدة للرجال، وأقلها اثنان، وقيل: واجبة،
وعليه العامة ا هـ.
وفى الدر: أى عامة مشائخنا، وبه جزم فى التحفة وغيرها، قال فى البحر: وهو .
الراجح عند أهل المذهب ا هـ (١: ٥٧٦ مع الشامية). هذا قول أصحابنا فى وجوب
الجماعة، وأما ما يدل على وجوبها فى المسجد، فلأنهم اتفقوا على أن إجابة الأذان واجبة
٠

١٨٧
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
إعلاء السنن.
لما فى عدم إجابتها من الوعيد، نحو قوله مّ له: "الجفا كل الجفاء والكفر والنفاق من
سمع منادى الله ينادى إلى الصلاة، فلا يجيبه"، وقوله مرّالله: "من سمع النداء
فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر"، ونحوهما. ثم اختلفوا فى أنها باللسان أو بالقدم،
فاختار الشر نبلالى فى نور الإيضاح وجوبها بالقول والفعل جميعا (ص: ١١ مع
الطحطاوى). واختار قاضى خان وجوبها بالقدم حيث قال: إجابة المؤذن فضيلة، وإن
تركها لا يأثم، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "من لم يجب الأذان فلا صلاة له" فمعناه
الإجابة بالقدم لا باللسان فقط اهـ.
وقال الحلوانى: الإجابة بالقدم لا باللسان، حتى لو أجاب باللسان ولم يمش إلى
المسجد لا يكون مجيبا، ولو كان فى المسجد حين سمع الأذان ليس عليه الإجابة اهـ
کذا فی البحر (١: ٢٥٩).
فثبت من قولهم بوجوب الإجابة بالقدم وجوب إتيان المسجد للجماعة، ووقع
التصريح به فى كلام الحلوانى، والظاهر من الأحاديث فى معنى الإجابة ما قاله قاضى
خان والحلوانى، لأن حديث ابن عباس "مرفوعا من سمع الأذان فلم يجب فلا صلاة له
إلا من عذر" ، ورد فيه تفسير العذر عند أبى داؤود وابن حبان بخوف أو مرضٍ كما
سیأتی.
ولا يخفى أنهما إنما يمنعان عن الإجابة بالقدم دون اللسان، فالواجب هو الأول
هذا، ومما يدل على وجوب إتيان المسجد للجماعة قول صاحب البدائع: لا خلاف فى
أنه إذا فاتته الجماعة لا يجب عليه الطلب فى مسجد آخرا هـ (١: ١٥٦).
وكذا هو فى عامة كتبنا، هو يدل بمفهومه على أن طلبها فى مسجد حيه واجب،
وإلا لم يكن عليه الطلب فى مسجد آخر معنى. ثم قال فى البدائع: لكنه كيف يصنع؟
ذكر فى الأصل أنه إذا فاتته الجماعة فى مسجد حيه فإن أتى مسجداً آخر يرجوا إدراك
الجماعة فيه فحسن، وإن صلى فى مسجد حيه فحسن، لحديث الحسن " كانوا إذا فاتتهم
الجماعة، فمنهم من يصلى فى مسجد حيه، ومنهم من يتبع الجماعة" أراد به الصحابة
رضى الله عنه، ولأن فى كل مراعاة حرمة، وترك آخرى، ففى أحد الجانبين مراعاة حرمة
مسجده وترك الجماعة، وفى الجانب الآخر مراعاة فضيلة الجماعة وترك حق مسجده، فإذا

ج -٤
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
١٨٨
١١٥٨- عن: ابن عباس رضى الله عنه قال: من سمع حى على الفلاح
فلم يجب فقد ترك سنة محمد مرّ الله. رواه الطبرانى فى الأوسط، ورجاله رجال
تعذر الجمع بينهما مال إلى أيهما شاء اهـ.
قلت: دل كلامه على أن وجوب إتيان مسجده كوجوب الجماعة، لأن من شرط
التعارض مساواة الطرفين، ولهذا قد تترك الجماعة لمراعاة حق المسجد.
قال فى رد المحتار عن الخانية: وإن لم يكن لمسجد منزله مؤذن، فإنه يذهب إليه
ويؤذن فيه، ويصلى وإن كان واحدا، لأن لمسجد منزله حقا عليه، فيؤدى حقه اهـ
(١ :٥٨٠).
وفيه أيضا فيما إذا فاتته الجماعة فى مسجد حيه: وذكر القدورى يجمع بأهله
ويصلى بهم يعنى وينال ثواب الجماعة، كذا فى الفتح. وذكر الشر نبلالى بأن هذا ينافى
وجوب الجماعة، وأجاب حينئذ بأن الوجوب عند عدم الحرج، وفى تتبعها فى الأماكن
القاصية حرج مع ما فى مجاوزة مسجد حيه من مخالفة قوله مر اته: ((لا صلاة لجار المسجد
إلا فى المسجد)) اهـ (١: ٥٧٩).
وفى البحر بعد ذكر قول القدورى: وقال الشمس الأئمة: الأولى فى زماننا تتبعها
(أى الجماعة فى المساجد، ولعل وجه الأولوية مخافة الاعتياد لترك الجماعة فى المساجد
١٢). وسئل الحلوانى عمن يجمع بأهله أحيانا هل ينال ثواب الجماعة أولا؟ قال: لا!
ویکون بدعة، ومكروها اهـ (١: ٣٤٦).
قلت: وهذا صريح فى أن وجوب الجماعة إنما يتأدى بجماعة المسجد لا بجماعة
البيوت ونحوها، فما ذكره صاحب القنية: اختلف العلماء فى إقامتها فى البيت،
والأصح أنها كإقامتها فى المسجد إلا فى الفضيلة، وهو ظاهر مذهب الشافعى اهـ كذا
فى حاشية البحر لابن عابدين، لا يصح ما لم ينقل نقلا صريحا عن أصحاب المذهب، ويرده
ما ذكرنا من الأحاديث فى المتن، فالصحيح أن الجماعة واجبة مع وجوب إتيانها فى المسجد،
ومن أقامها فى البيت وهو يسمع النداء فقد أساء وأثم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: عن ابن عباس إلخ. قلت: دلالته على وجوب الجماعة مع وجوب إتيان

١٨٩
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
إعلاء السنن
الصحيح (مجمع الزوائد، ١٥٩:١). وقال فى الترغيب (٧١:١): بإسناد
حسن.
١١٥٩ - عن: أبى بن كعب رضى الله عنه قال: صلى بنا رسول الله عز له
يوما الصبح فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا، قال: أ شاهد فلان؟ قالوا: لا، قال:
إن هاتين الصلاتين أثقل الصلاة على المنافقين. ولو تعلمون ما فيهما
· لأتيتموهما ولو حبوا على الركب رواه أحمد، وأبو داود وابن خزيمة، وابن
حبان فى صحيحيهما، والحاكم (الترغيب ٦٩:١).
١١٦٠ - عن: أبى الدرداء رضى الله عنه سمعت رسول الله مّ له يقول: ما
من ثلاثة (١) فى قرية ولا بدو ولا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم
الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية(٢). قال السائب(٣):
يعنى بالجماعة الجماعة فى الصلاة. رواه النسائى (١٥٨:١). وفى الترغيب
(٧٠:١): وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان فى صحيحيهما، والحاكم، وزاد .
رزین فی جامعه، وإن ذئب الإنسان الشيطان إذا خلا به أکله اهـ وفی الزيلعی
(٢٣٧:١). قال النووى فى الخلاصة: إسناده صحيح اهـ.
المسجد ظاهرة، لأن إجابة الأذان إنما هى بإقامة الجماعة فى المسجد.
قوله: عن أبى بن كعب إلخ قلت: دلالته على الجزئين الأولين من الباب ظاهرة
حيث عد التخلف عن جماعة المسجد من شيم المنافقين.
قوله: عن أبى الدرداء إلخ. قلت: دلالته على وجوب الجماعة ظاهرة حيث جعل
تركها سببا لاستحواذ الشيطان على التاركين. ومثل هذا الوعيد لا يكون إلا لترك
الواجب.
(١) لا مفهوم لهذا العدد على الظاهر.
(٢) الشاة البعيدة عن الغنم المنفردة عن الراعى.
(٣) أحد الرواة .

ج - ٤
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
١٩٠
١١٦١ - عن: ابن مسعود رضى الله عنه قال: من سره أن يلقى الله غدا
مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن(١)، فإن الله
شرع لنبيه مَّتِ سنن الهدى، فإنهن من سنن الهدى، وإنى لا أحسب منكم
أحدا إلا له مسجد يصلى فيه فى بيته، فلو صليتم فى بيوتكم وتركتم مساجد كم
لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. وما من عبد مسلم يتوضأ
فيحسن الوضوء ثم يمشى إلى صلاة إلا كتب الله عز وجل له بكل خطوة
يخطوها حسنة أو يرفع(٢) له بها درجة، ويكفر عنه بها خطيئة. ولقد رأيتنا
نقارب بين الخطا، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه، ولقد
قوله: "عن ابن مسعود" إلخ. قلت: دلالته على وجوب الجماعة، ووجوب إتيان
المسجد لها ظاهرة حيث قال: إن رسول الله مرّ اتٍ علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى
الصلاة فى المسجد الذى يؤذن فيه، وقال أيضا: فلو صليتم فى بيوتكم وتركتم مساجدكم
لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. ومعنى السنة الطريقة المسلوكة فى
الدين، والمراد بها ههنا الوجوب، لقوله: "ولقد رأيتنا ما يتخلف عنها إلا منافق معلوم
نفاقه"، وبقرينة ما ورد من الوعيد على تركها فى روايات أخرى. وبهذا اندحض ما فهمه
بعض الناس من حديث أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعا «لينتهين رجال من حول المسجد
لا يشهدون العشاء الآخرة فى الجميع أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب». رواه أحمد،
ورجاله موثقون، كما فى مجمع الزوائد (١: ١٥٩) من أن فيه دلالة على أن من لم يكن
بيته قريبا من المسجد لا يشمله الوعيد، فإن فى إيجاب تتبع المساجد علیه حرجا عظيما،
نعم! لا يسقط عنه وجوب الجماعة إمكانها فى بيته، لأن المقصود من حضور المساجد هو
تحصيل الجماعة اهـ.
أما قوله: إن فيه دلالة على أن من لم يكن بيته قريبا من المسجد لا يشمله الوعيد،
ففيه أن قيد "حول المسجد" يحتمل أن يكون لهذا أو لبيان زيادة استحقاق الوعيد لمن
(١) أى فى المساجد مع الجماعات، سندى.
(٢) وفى نسخة "و"مكان "أو".

١٩١
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
إعلاء السنن
رأيت الرجل يهادى(١) بين الرجلين حتى يقام فى الصف. أخرجه النسائى
(١٣٦:١) واللفظ له. قال فى الترغيب (٦٧:١): وفى رواية قال: إن رسول الله
مرّ لّهِ علمنا سنن الهدى، وأن من سنن الهدى الصلاة فى المسجد الذى يؤذن
فيه. رواه مسلم، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجة اهـ.
١١٦٢- عن: معاذ بن أنس رضى الله عنه عن رسول الله مرّظلم أنه قال:
«الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادى الله ينادى إلى الصلاة فلا
كان قريبا منه، وهذا هو الأولى لكون أكثر الروايات مطلقا عن هذا القيد، فقد روى
البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلا يؤم
الناس، ثم آخذ شعلا من نار، فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد" اهـ (١: ٩٠).
فكلمة "من" فيه عامة القريب والبعيد كليهما. وأيضا فلا أدرى ماذا أراد هذا الرجل
بكون البيت قريبا من المسجد؟ والظاهر أنه أراد الاتصال به، كما يتبادر من لفظ " حول
المسجد" ، ولا يصح ذلك لما سيأتى فى حديث على رضى الله عنه أنه قيل له: من جار
المسجد؟ قال: من أسمعه المنادى، ويؤيده ما مر فى حديث أنس رضى الله عنه مرفوعا من
قوله مرّاتٍ: ((ثم أنصرف إلى قوم سمعوا النداء فلم يجيبوا، فأضرمها عليهم نارا)).
الحديث. فلو قال: إن من لا يسمع النداء لا يشمله الوعيد لكان أشبه وأحرى، وعليه
يحمل قوله فى حديث أبى هريرة: "من حول المسجد" كيلا تتضاد الآثار. ولا يخفى أن
مثل ذلك لا يوجد الآن فى الأمصار، ولا فى القرى، فلا يكون فى أهلهما من لا يسمع
النداء أصلا، اللهم إلا أن يكون بمعزل عن العمران بعيدا عن بيوت المسلمين، فمثله
ينبغى سقوط الجماعة عنه.
وأما قوله: إن المقصود من حضور المساجد هو تحصيل الجماعة، فالحصر فيه
ممنوع، بل المقصود منه مراعاة حرمة المسجد أيضا، كما مر ذكره عنقريب.
قوله: "عن معاذ بن أنس" إلخ. قلت: دلالته على الجزئين الأولين من الباب بمثل
ما ذكرناه فى حديث أنس المار ظاهرة.
(١) أى يؤخذ من جانبیه یتمشی به إلى المسجد من ضعفه وتمايله، سندى.
:

ج -٤
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
١٩٢
يجيبه)). رواه أحمد، والطبرانى. وفى رواية للطبرانى قال رسول الله عزلته:
«بحسب المؤمن من الشقاق والخيبة أن يسمع المؤذن يثوب بالصلاة فلا
يجيبه. (الترغيب، ٧٠:١).
قلت: وحسنه فى الجامع الصغير، والعزيزى باللفظ الثانى، وقد مر فى
باب الأذان من هذا الكتاب، وتصدير المنذرى الأول بلفظ "عن" تدل على
حسنه أيضا، كما يظهر من مقدمته.
١١٦٣- عن: مكحول عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله
مّ له: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا، والصلاة واجبة
عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة
على كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر)). رواه أبو داود (٣٢٥:٣)،
وسكت عنه وفى عون المعبود: قال المنذري: هذا منقطع، مكحول لم يسمع من
أبى هريرة اهـ.
وفى فتح البارى (٤٢:٦): ولا بأس برواته إلا أن مكحولا لم يسمع عن
أبى هريرة رضى الله عنه اهـ.
وفى العزيزى (٢٠٠:٢): رواته ثقات لكن فيه انقطاع، ولفظه فى الآخر:
قوله: "عن مكحول عن أبى هريرة" إلخ. قلت: الحديث صريح فى وجوب
الجماعة وهو الجزء الأول من الباب، لما فيه من قوله مرّ له: "والصلاة واجبة عليكم خلف
كل مسلم براكان أو فاجرا" هذا والله تعالى أعلم.
وقال ابن أمير حاج فى شرح المنية: إن حديث مكحول رواه الدار قطنى، وأعله بأن
مكحولا لم يسمع من أبى هريرة، ومن دونه ثقات، وحاصله أنه مرسل، وهو حجة عندنا،
وعند مالك، وجمهور الفقهاء، فيكون حجة عليه، وقد روى بعدة طرق للدار قطنى، وأبى
نعيم، والعقيل كلها مضعفة من قبل بعض الرواة، وبذلك يرتقى إلى درجة الحسن عند
المحققين ١ هـ (ص: ٤٧٩).

13.
إعلاء السنن
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
١٩٣
والصلاة واجبة عليكم على كل مسلم يموت برا كان أو فاجرا وإن هو عمل
الكبائر اهـ وعزاه إلی ابی یعلی وأبى داود.
وفى الزيلعى (٢٣٨:٢): ومن طريق أبى داود رواه البيهقى فى المعرفة،
وقال: إسناده صحيح إلا أن فيه انقطاعا اهـ.
قلت: والانقطاع فى القرون الثلاثة لا يضر عندنا.
١١٦٤ - عن: ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله عز له: ((من
سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر)). رواه القاسم بن أصبغ فى
كتابه، وابن ماجة، وابن حبان فى صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على
شرطهما ("الترغيب" ٧٠:١).
١١٦٥- وعنه: أنه سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد
الجماعة ولا الجمعة، فقال: هذا فى النار. رواه الترمذى موقوفا
("الترغيب" ٧١:١).
قلت: وتصدير المنذرى إياه بلفظة "عن" تدل على أنه صالح.
قوله: "عن ابن عباس برواية القاسم بن إصبغ" إلخ. قلت: ظاهره عدم صحة
الصلاة بدون الإجابة، وإليه ذهبت الظاهرية وهو محمول عندنا على عدم القبول بدليل ما
يأتى عن على "لا تقبل صلاة جار المسجد إلا فى المسجد" وبدليل ما يأتى من قوله مرّقه:
((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) وهو يفيد جواز صلاة المنفرد
أيضا، ودلالته على وجوب الجماعة ظاهرة، ولم نقل بالافتراض، فإنه يتوقف عندنا على
كون الدليل قطعى الثبوت، والدلالة، والأمر ليس كذلك، فإن الحديث لم يتواتر وقوله
تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ ليس نصافى الجماعة، كما لا يخفى على من نظر فى
التفسير.
قوله: "وعنه موقوفا" إلخ. قلت: دلالته على وجوب الجماعة وحضور الجمعة
ظاهرة.
؟

١٩٤
ج -٤
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
١١٦٦- عن: عائشة رضى الله عنها مرفوعا: ((لا صلاة لجار المسجد إلا
فى المسجد)). رواه ابن حبان، وفيه عمر بن راشد قال فيه ابن حبان: لا يحل
ذكره إلا بالقدح (اللآلى المصنوعة، ٩:٢)، وفى التعقبات للسيوطى: قلت: لم
يتهم بكذب، وقد وثقه العجلى، فقال: لا بأس به، وقال أبو زرعة، والبزار: لين،
وللحديث طرق أخرى عن جابر، وأبى هريرة، وعلى اهـ ملخصا. قلت:
فالحدیث حسن.
١١٦٧ - عن: الثورى، وابن عيينة عن أبى حيان (التيمى) عن أبيه عن
على قال: ((لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد)). قال الثورى فى حديثه: قيل
لعلى: ومن جار المسجد؟ قال: من سمع النداء (اللآلى المصنوعة، ٩:٣).
قلت: سند صحیح، أبو حيان من رجال الجماعة، وأبوه سعید بن حيان
ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال العجلى: كوفى ثقة روى عن على، وأبى
هريرة، وشريح القاضى، وغيرهم، أخرج له أبو داود، والترمذى، كذا فى
التهذيب (١٩:٤)، والحديث أخرجه الشافعى، وابن أبى شيبة أيضا هكذا
موقوفا عن على بلفظ: ((لا تقبل صلاة جار المسجد إلا فى المسجد إذا كان
فارغا أو صحيحا، قيل: ومن جار المسجد؟ قال: من أسمعه المنادى)) كذا فى
المقاصد الحسنة (ص:٢١٨).
١١٦٨ - عن: أسامة بن زيد رضى الله عنه قال: قال رسول الله مّ له:
((لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم)). رواه ابن ماجة من رواية
قوله: "عن عائشة وعن الثورى" إلخ. قلت: دلالته على وجوب إتيان المسجد
للصلاة ظاهرة، وفيه رد على من ذهب إلى أن وجوب الجماعة مطلق عن حضور
المسجد، وقد أشرنا إليه قبل.
قوله: "عن أسامة بن زيد" إلخ. قلت: واستدل بعضهم على عدم وجوب الجماعة
بتر که مێ ما هم به، وأجاب عنه فى فتح البارى (٢: ١٠٥) بما نصه، وتعقبه ابن دقيق
العيد فقال: هذا ضعيف، لأنه مَّهِ لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا

١٩٥
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
إعلاء السنن
الزبرقان بن عمر، والضمرى عن أسامة، ولم يسمع منه، كذا فى "الترغيب"
(٧١:١)، فهو منقطع، ولا كلام فى سنده غير ذلك على ما يظهر من قاعدة
الترغيب المذكورة فى خطبته.
يدل على عدم الوجوب، لاحتمال أن يكون أنزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذى ذمهم
بسببه، على أنه قد جاء به فى بعض الطريق بيان سبب الترك وهو فيما رواه أحمد من
طريق سعيد المقبرى عن أبى هريرة بلفظ: "لولا ما فى البيوت من النساء والذرية لأقمت
صلاة العشاء وأمرت فتيانى يحرقون" الحديث.
قلت: وهو حسن على قاعدة الحافظ أو صحيح.
قال بعض الناس: ولكن فى مجمع الزوائد: وأبو معشر ضعيف (١: ١٥٨). فلعل
الحافظ نسى قاعدته فى هذا الموضع اهـ.
قلت: لم ينس الحافظ، فإن أبا معشر مختلف فيه. قال أبو حاتم: كان أحمد
يرضاه ويقول: كان بصيرا بالمغازى، وقد كنت أهاب حديثه حتى رأيت أحمد يحدث
عن رجل عنه، فتوسعت بعد فيه، قيل له: فهو ثقة. قال صالح: لين الحديث محله
الصدق، وقال أبو زرعة الدمشقى: كان كيسا حافظا ا هـ ملخصا من التهذيب (١٠ :
٤٢٠). ومن كان هذا حاله فهو حسن الحديث مثل ابن لهيعة، وابن أبى ليلى، وغيرهما.
وأخرجه المنذرى فى الترغيب (ص: ٦٩) مصدرا بلفظة "عن" وهو علامة الحسن وما
يقاربه، كما يظهر من مقدمته. وفى الفتح أيضا: قال الباجى وغيره: إن الخبر ورد مورد
الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التى
يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب بأن المنع
وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزا بدليل حديث أبى هريرة الآتى فى
الجهاد الدال على جواز التحريق بالنار ثم على نسخه، فحمل التهديد على حقيقته غير
ممتنع اهـ (٢: ١٠٥).
قلت: حديث أبى هريرة رضى الله عنه أخرجه البخارى (١: ٤٢٣) عن أبى هريرة
رضى الله عنه أنه قال: بعثنا رسول الله ◌َّهِ فى بعث فقال: إن وجدتم فلانا، وفلانا

ج - ٤.
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
١٩٦
فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله مَّ ته حين أردنا الخروج: إنى أمرتكم أن تحرقوا فلانا،
وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما ا هـ وفى حاشيته عن
الفتح، ومحله إذا لم يتعين التحريق طريقا إلى الغلبة على الكفار حال الحرب اهـ.
واعلم أن حديث الوعيد بالنار قد ورد عند مسلم عن ابن مسعود بلفظ: "لقد
هممت أن آمر رجلا يصلى بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم" اهـ
كذا فى مجمع الزوائد (١: ١٥٩)، فاستدل به بعضهم على أن المراد بالصلاة الجمعة لا
باقى الصلاة، ونصره القرطبى، كما فى الفتح (٢: ١٠٦).
وفى الزيلعى (١: ٢٣٦) قال البيهقى: والذى يدل عليه سائر الروايات أنه عبر
بالجمعة عن الجماعة و كلاهما صحيح انتهى.
وقال النووى فى الخلاصة: بل هما روايتان، رواية فى الجمة، ورواية فى الجماعةاهـ.
قلت: أخرج أبو داود، وسكت عنه هو، والمنذرى عن أبى هريرة يقول: قال رسول
الله عزٍّ: ((لقد هممت أن آمر فتيتى، فيجمعوا حزما من حطب ثم آتى قوما يصلون فى
بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم". قلت: ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف! الجمعة
عنى أو غيرها؟ قال: صمتا أذناى إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله مظلته،
ما ذكر جمعة ولا غيرها اهـ. وفيه دلالة على وجوب الجماعة مطلقا .
قال الحافظ فى الفتح بعد ما أشار إلى الحديث المذكور ما نصه: فظهر أن الراجح
فى حديث أبى هريرة أنها لا تختص بالجمعة، وأما حديث ابن مسعود، فأخرجه مسلم،
وفيه الجزم بالجمعة وهو حديث مستقل، لأن مخرجه مغائر لحديث أبى هريرة، فيحمل
على أنهما واقعتان كما أشار إليه النووى والمحب الطبرى ا هـ (٢١: ١٠٧).
قلت: وفى حديث أبى هريرة هذا دلالة على أن الجماعة فى البيوت لا تنوب عن
الجماعة الواجبة لكونه مرّةٍ أوعدهم على الصلاة فى البيوت مطلقا مع احتمال كونهم
يجمعون بها ، فالحق ما قاله الحلوانى: إن الجماعة فى البيت مع أهله بدعة مكروهة أى قبل.
فوت الجماعة فى المسجد لا بعدها كما مر.

١٩٧
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
إعلاء السنن
١١٦٩- عن: عبد الله بن عمر رضى الله عنه أن رسول الله عَ ليه قال:
((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)). رواه البخارى
(٨٩:١).
١١٧٠- عن: أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله عز له:
((الصلاة فى الجماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة، فإذا صلاها فى فلاة فأتم
ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة))(١) رواه أبو داود، وقال: قال عبد
الواحد بن زياد فى هذا الحديث: «صلاة الرجل فى الفلاة تضاعف على صلاته
فى الجماعة)). ورواه الحاكم بلفظه. وقال: صحيح على شرطهما، وصدر
قوله: "عن ابن عمر" إلخ. قال الشيخ ابن تيمية: وهذا الحديث يرد على من
أبطل صلاة المنفرد بغير عذر، وجعل الجماعة شرطا، لأن المفاضلة بينهما تستدعى
صحتهما، وحمل النص على المنفرد وبعذر لا يصح، لأن الأحاديث قد دلت على أن
أجره لا ينقص عما يفعله لو لا العذر، فروى أبو موسى رضى الله عنه عن النبى معَ اقٍ قال:
((إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما)). رواه أحمد،
والبخارى، وأبو داود إلخ كذا فى النيل (٣: ٨).
وقال الحافظ فى الفتح (١١٤:٢): يقتضى صحة صلاته منفردا لاقتضاء صيغة
"افعل" الاشتراك فى أصل التفاضل، فإن ذلك يقتضى وجود فضيلة فى صلاة المنفرد،
وما لا يصح لا فضيلة فيه. قال القرطبى وغيره: ولا يقال: إن لفظة "افعل" قد ترد
الإثبات صفة الفضل فى إحدى الجهتين كقوله تعالى: "وأحسن مقيلا"، لأنا نقول: إنما
يقع ذلك على قلة حيث ترد صيغة أفعل مطلقة غير مقيدة بعدد معين، فإذا قلنا: هذا
العدد أزيد من هذا بكذا، فلا بد من وجود أصل العدد ا هـ قلت: فدلالته على الجزء
الثانى من الباب ظاهرة.
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ. قلت: دلالته على الجزء الثانى بمثل ما ذكرناه آنفا
(١) قال الزيلعى: إسنادها جيد.

١٩٨
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
ج - ٤
الحديث عند البخارى وغيره. ورواه ابن حبان فى صحيحه، ولفظه قال:
قال رسول الله مرّ الله: ((صلاة الرجل فى جماعة تزيد على صلاته وحده
ظاهرة، وفيه دلالة على فضيلة الصلاة فى الفلاة. قال الحافظ المنذرى: وقد ذهب بعض
العلماء إلى تفضيلها على الصلاة فى الجماعة اهـ (ترغيب ص: ٦٨).
قلت: ويؤيده لفظ عبد الواحد بن زياد فى هذا الحديث: صلاة الرجل فى الفلاة
تضاعف على صلاته فى الجماعة اهـ. قلت: ومعناه والله أعلم أن الرجل إذا ذهب إلى
الفلاة لحاجة، فحان وقت الصلاة، فصلاته فى الفلاة منفردا تفضل على صلاته فى
العمران بالجماعة، وليس معناه أن يترك جماعة المسجد عمدا ويذهب إلى الفلاة للصلاة
هناك، ويؤيد ما قلنا حديث سلمان الفارسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله مرّ له: ((إذا
كان الرجل بأرض فئ فحانت الصلاة، فليتوضأ، فإن لم يجد ماء فليتيمم فإن أقام صلى
معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه)). رواه عبد الرزاق
بسند رجاله رجال الجماعة، وقد مر ذكره فى باب الأذان من هذا الكتاب (٢: ١٠٦). ففى
قوله عز له: ((إذا كان الرجل بأرض فئ فحانت الصلاة)) دلالة على ما قلنا: إن هذه
الفضيلة إنما يحصل إذا كان الرجل ذهب إلى الفلاة لحاجة فحانت الصلاة هناك، لا إذا
ما ذهب إليها لأجل الصلاة لا غير، وقصد ترك الجماعة فى المسجد، فإن ذلك لم ينقل
عن رسول الله مرّظله ولا عن أحد من أصحابه أنهم ذهبوا من العمران إلى الصحراء يوما
لأجل الصلاة هناك، فحسب تاركين لجماعة المسجد، وهم أفضل من سعى إلى نيل
الدرجات، ودرك الفضائل، وحمله بعض الناس على المسافر تبعا للحافظ فى الفتح (٢:
١١٣) وحمل لفظ عبد الواحد على التفسير بالرأى، وكلاهما لا دليل عليه، فالظاهر من
لفظ الحديث إطلاقه فى المسافر والمقيم جميعا، والظاهر من كلام أبى داود أن لفظ عبد
الواحد من جملة الزيادة فى الحديث دون التفسير بالرأى، والله سبحانه وتعالى أعلم. هذا،
وقد اختلفت الروايات فى عدد فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، قال الترمذى:
عامة من رواه قالوا: خمسا وعشرين إلا ابن عمر، فإنه قال: سبعا وعشرين، واختلف فى
أيهما أرجح، فقيل: رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع، لأن فيها زيادة من
عدل حافظ، ومال قوم إلى الجمع بينهما بوجوه، فقال بعضهم: السبع مختصة بالجهرية،

١٩٩
وجوب إتيان الجماعة فى المسجد عند عدم العلة
إعلاء السنن
بخمس وعشرين درجة، فإن صلاها بأرض فئ فأتم ركوعها وسجودها
تكتب صلاته بخمسين درجة)). كذا فى الترغيب (٦٨١) للحافظ
المنذری.
١١٧١- عن: أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال له: ((من توضأ
فأحسن وضوءه ثم راح، فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها،
وحضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شىء)). رواه أبو داود، والنسائى،
والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (الترغيب ٦٨:١).
والخمس بالسرية. قال الحافظ: وهذا الوجه عندى أوجهها لما سأبينه (١) قال: وظهر لی
فى الجمع بين العددين أن أقل الجماعة إمام ومأموم، فلو لا الإمام ما سمى
المأموم مأموما، وكذا عكسه، فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس
وعشرين درجة حمل الخبر الوارد بلفظها على الفضل الزوائد، والخبر الوارد بلفظ سبع
وعشرين على الأصل والفضل كذا فى الفتح (٢: ١١٠، ١١١) ومن شاء التفصيل،
فليراجعه.
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. قلت: دلالته على صحة صلاة المنفرد ظاهرة. وفيه
دلالة أيضا على أن من فاتته الجماعة فى المسجد يدرك ثواب الجماعة إذا راح إلى المسجد
متوضأ، ومعناه والله أعلم، إذا راح فى وقت يرجى فيه إدراك الجماعة فلم يدرك، وأما إذا
راح إليه فى ضيق الوقت بحيث لا يرجى فيه إدراك الجماعة أصلا، وكان التأخير لا
بعذر، بل بمجرد الكسل والغفلة، فمثله لا يدرك ثواب الجماعة إلا أن يتفضل الله عليه
بكرمه، فإن فضله لا يتقيد بشئ، وهو ذو الفضل العظيم.
(١) وحاصل ما بينه أن صلاة الجماعة تختص بخمس وعشرين خصالا لا توجد في صلاة الفذ، وساق ذكرها،
قال: وتفوق الجهرية على السرية بشيئين: الإنصات للقراءة، والإسماع لها، وتأمين القوم بتأمين الإمام
وتوافقهما لتأمين الملائكة ، فالجماعة في الجهرية تفوق على صلاة الفذ بسع وعشرين ، وفي السرية بخمس
وعشرين. منه

ج - ٤
٢٠٠
باب الأعذار فى ترك الجماعة
١١٧٢ - عن: ابن عمر رضى الله عنه أنه أذن فى ليلة ذات برد، وربح،
ومطر، وقال فى آخر ندائه: ((ألا صلوا فى رحالكم، ألا صلوا فى الرحال)»، ثم
قال: إن رسول الله مرّ الأر كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر فى
السفر أن يقول: «ألا صلوا فى رحالكم» رواه مسلم، ورواه البخاری نحوه، وروى
بقى بن مخلد هذا الحديث فى مسنده بإسناد صحيح، وزاد فيه: أمر مؤذنه،
فنادى بالصلاة حتى إذا فرغ من أذانه قال: ناد أن رسول الله عز له يقول: ((لا
باب الأعذار فى ترك الجماعة
قوله: "عن ابن عمر" إلخ. قلت: دلالته على جواز ترك الجماعة فى الليل بعذر
البرد، والريح الشديدين، والمطر، بقى أن هذه الثلاثة عذر فى النهار أيضا أم لا؟ وسيأتى
بيانه، فانتظر، وفى الحديث دلالة على أن كلمة: ((ألا صلوا فى رحالكم)) تقال بعد الفراغ
من الأذان، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى فى باب الكلام فى الأذان فى المجلد الثانى من
الكتاب فراجعه. وقال الحافظ فى الفتح تحت حديث ابن عمر هذا برواية البخارى بلفظه
ثم يقول: على أثره: "ألا صلوا فى الرحال" ما نصه: قوله: "ثم يقول على أثره" صريح فى
أن القول المذكور كان بعد الفراغ من الأذان، وقال القرطبى لما ذكر رواية مسلم بلفظ:
يقول فى آخر ندائه يحتمل أن يكون المراد فى آخره قبيل الفراغ منه، جمعا بينه وبين
حديث ابن عباس، وقد قدمنا فى باب الكلام فى الأذان عن ابن خزيمة أنه حمل حديث
ابن عباس على ظاهره، وأن ذلك يقال بدلا من الحيعلة نظرا إلى المعنى لأن معنى حى
على الصلاة هلموا إليها، ومعنى الصلاة فى الرحال تأخروا عن المجئ، ولا يناسب إيراد
اللفظين معا، لأن أحدهما نقيص الآخراهـ.
ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة فى الرحال
رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل
الفضيلة ولو يحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم اهـ (٢: ٩٣).