النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ ج -٤ النهى عن القراءة خلف الإمام ابن محمد ثنا قيس (١) عن عبد الرحمن بن الإصبهانى، فذكره بسنده. وهذا الأثر وإن اضطرب سیده لکنه من هذا الوجه لا بأس به. وروی عبد الرزاق فى مصنفه عن داود (٢) بن قيس عن محمد (٢) بن عجلان قال: قال على: "من قرأ مع الإمام فليس على الفطرة". وقال صاحب التمهيد: ثبت عن على وسعد وزيد بن ثابت أنه لا قراءة مع الإمام لا فيما أسر ولا فيما جهراهـ من الجوهر النقى (١: ١٥٦، ١٥٧) ملخصا. فلما ثبت عن على نفى القراءة خلف الإمام كما قاله صاحب التمهيد، فيحمل قوله: "ينصتون من خلفه، ويقرأون فى أنفسهم" على ما ذكرناه أى على التدبر فى قراءة الإمام بأنفسهم. وعلى ذلك يحمل ما أخرجه البخارى فى جزءه من طريق إسحاق بن راشد عن الزهرى عن عبيد الله بن أبى رافع عن على رضى الله عنه "إذا لم يجهر الإمام فى الصلوات، فاقرأ بأم الكتاب وسورة أخرى فى الأوليين من الظهر والعصر، وبفاتحة الكتاب فى الأخريين من الظهر والعصر، وفى الآخرة من المغرب، وفى الأخريين من العشاء". وأخرجه الدار قطنى من طريق معمر عن الزهرى عن عبيد الله بن أبى رافع بلفظ: قال: كان على يقول: "اقرأوا فى الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، خلف الإمام بفاتحة الكتاب وسورة"، وقال: هذا إسناد صحيح اهـ من التعليق الحسن (١: ٨٣). فإن البيهقى رواه من طريق معقل بن عبيد الله عن الزهرى عن عبيد الله بن أبى رافع عن على مفصلا، وفيه: "وينصتون من خلفه، ويقرأون فى أنفسهم" كما مر. ومعقل بن عبيد الله هو الجزرى، وثقه أحمد، وابن معين، والنسائى، وغيرهم كما فى التهذيب (١٠: ٢٣٤). وذكر البيهقى حديثه هذا فى معرض الاحتجاج به، فهو عنده صحيح، والروايات تفسر بعضها بعضا، فتحمل رواية إسحاق بن راشد ومعمر على رواية معقل، وأن عليا كان يقول بقراءة الفاتحة والسورة خلف الإمام فى أنفسهم مع الإنصات دون أن يتكلموا بها، ولو سلمناه أنه أراد القراءة باللسان فهو لا يفيد الخصم أصلا، لأنه يدل على قراءة المأموم فى الصلاة السرية فقط دون الجهرية، وفيه أنه يقرأ السورة بعد (١) هو قيس ربيع الربيع وثقه شعبة والثورى وأبو الوليد وغيرهم، وضعف الآخرون، هو صالح فى المتابعات ١٢. (٢) ثقة مر توثيقه فى الكتاب ١ منه. (٣) ثقة من رجال مسلم والحديث منقطع فإن ابن عجلان لم يسمع من على، والانقطاع لا يضر عندنا إذ كان الراوى ثقة ١٢ منه. ٦٢ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن الفاتحة أيضا، ولم يقل بوجوبها بل ولا استحبابها أحد، فالأمر فيه محمول على الجواز دون الإيجاب، وهذا يضر الخصم، وأما نحن فنقول: وإذا تعارضت الآثار عن على يقدم الحاظر على المبيح أو يجمع بينهما بما جمعنا به آنفا . قال البيهقى: ولا يجوز حمله على ذكرها بقلبه دون التلفظ بها لإجماع أهل اللسان على أن ذلك لا يسمى قراءة، ولإجماع أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون التلفظ بها ليس بشرط، ولا مسنون، فلا يجوز حمل الخبر على ما لا يقول به أحد، ولا يساعده لسان العرب اهـ ( كتاب القراءة، ص ١٧). قلت: أما إجماع أهل اللسان على أن ذلك لا يسمى قراءة، فغير مسلم، فقد قال فى القاموس: القراء كرمان الناسك المتعبد، كالقارى والمتقرىء ج قراؤون، وقرارىء، وتقرأ تفقه اهـ (١: ١٥). ويقال أيضا: قرأت كتاب فلان إذا فهمته بقلبك. قال فى الخلاصة: إذا حلف أن لا يقرأ كتاب فلان، فنظر فیه، وفهم ما فیه یحنث عند محمد خلافا لأبى يوسف اهـ (١: ٩٩). ومحمد إمام (١) فى اللغة مسلم. وفى مجمع البحار نقلا عن النهاية لابن الأثير فى شرح حديث " كان لا يقرأ فى الظهر والعصر": ثم قال فى آخره: "وما كان ربك نسيا" معناه أنه كان لا يجهر بالقراءة فيها، ولا يسمع نفسه قراءته، كأنه رأی قوما يقرأون يسمعون أنفسهم، ومن قرب منهم، فأراد بقوله: "وما كان ربك نسيا" أن القراءة التى تجهر بها أو تسمعها نفسك يكتبها الملكان، وإذا قرأتها فى نفسك لم يكتباها والله يحفظها لك، ولا ينساها ليجازيك عليها ا هـ (٣: ١٢٦). فثبت أن القراءة قد تطلق على التفقه والتدبر بالقلب والفهم به أيضا وعلى ذلك حمل ابن عبد البر قول أبى هريرة: "اقرأها فى نفسك أيها الفارسى" فى كتابه التمهيد، كما ذكره بعض الأفاضل فى حاشية كتاب جزو القراءة للبيهقى (ص ١٧): وأما قوله: "ولإجماع أهل العلم على أن ذكرها بقلبه دون التلفظ بها ليس بشرط، (١) قال فى البدائع: ومن الناس من طعن فى تفسير محمد الربى والأكيلة، وزعم أن الربى المرباة والأكيلة المأكولة، وكان من حقه تقليد محمد إذ هو كما كان إماما فى الشريعة كان إماما فى اللغة واجب التقليد فيها كتقليد نقلة اللغة كأبى عبيد والأصمعى، والخليل، والكسائى، والفراء وغيرهم، وقد قلده أبو عبيد القاسم بن سلام مع جلالة قدره واحتج بقوله. وكان ثعلب يقول: محمد بن الحسن عندنا من أقران سيبويه، وكان قوله حجة فى اللغة ١ هـ (٢: ٣٣). مؤلف. ٦٣ ج -٤ النهى عن القراءة خلف الإمام ولا مسنون" إلخ. قلت: ولكن لا شك فى استحبابه وندبه، لأنه من جنس التدبر فى الآيات، وقد ندب الله تعالى عباده إليه فى قوله: " كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب"، وداخل فى الذكر الخفى الذى هو أعلى أنواع الذكر، كما ورد فی حدیث سنذكره إنشاء الله تعالى. وقال فى الدر: والمؤتم لا يقرأ مطلقا، بل يستمع إذا جهر، وينصت إذا أسر، وكذا الخطبة وإن صلى الخطيب على النبى معَّ ه إلا إذا قرأ آية "صلوا عليه" فيصلى المستمع سرا بنفسه، وينصت بلسانه عملا بأمرى "صلوا"، " وأنصتوا" اهـ ملخصا (١: ٥٦٩). وهذا يدل على أن عمل القلب يعتبر به إذا تعذر العمل باللسان، وكذا القراءة، فبطل قول البيهقى: "إن القراءة بالقلب لم يقل بها أحد، ولا يساعده لسان العرب". ثم استدل على كون الإنصات والسكوت قد يطلقان على إخفاء القراءة بحديث(١) أبى هريرة قلت: "يا رسول الله! بأبى أنت وأمى أرأيت سكوتك بين التكبير، والقراءة ما هو؟" قال: أقول: "اللهم باعد بينى وبين خطاباى" ، الحديث. قلت: هذا تجوز، ولا تنكر إطلاق السكوت على إخفاء القول مجازا، وإنما الكلام فى الحقيقة، وقد أسلفنا أن حقيقة الإنصات والسكوت إنما هو قطع الكلام، ولا يجوز حمل اللفظ على المجاز ما أمكنت الحقيقة، ولم يوجد صارف عنها على ما تقرر فى الأصول. ولا صارف يصرفه عنها فى قوله مرّ اله: "إذا قرأ فأنصتوا" حتى يترك الحقيقة، ويصار إلى المجاز. وما زعمه البيهقى صارفا ليس هو عندنا بصارف، كما سنبينه إنشاء الله تعالى، ويمكن أن يقال: إن لفظة "السكوت" فى قول أبى هريرة محمولة على الحقيقة، لأنه لم يكن عنده علم بالقراءة فى هذا المحل، فأطلق السكوت على هذه الحالة حسب ما كان فى ظنه ثم سئله عَ له بقوله: ما هو؟ وحاصل سواله أن هذا السكوت هل هو سكوت حقيقة أم هو بظاهره سكوت عندنا؟ وفى الحقيقة ليس كذلك. فأجابه مرّ ة بالشق الثانى. وما ورد فى بعض الروايات بلفظ: "أرأيت إسكاتك بين التكبير، والقراءة ما تقول؟ فهو رواية (١) أخرجه البيهقى بهذا اللفظ فى كتاب القراءة (ص: ٨٣) ولم يتكلم عليه بشئ ١٢ منه. ٦٤ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن ١٠٤٦- أخبرنا: الجارود بن معاذ الترمذى حدثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله مرّ له: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد)) رواه النسائى (١٤٦:١)، وسكت عنه، وقال أيضا: ١٠٤٧- أخبرنا: محمد بن عبد الله ابن المبارك حدثنا محمد بن سعد الأنصارى قال: حدثنى محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبى صالح عن بالمعنى، ولعله من تصرف بعض الرواة والله أعلم. قوله: "أخبرنا الجارود" إلخ. قلت: الحديث أخرجه أبو داود أيضا ثم قال: هذه الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبى خالد اهـ. وفى عون المعبود: قال المنذرى: وفيما قاله نظر فإن أبا خالد هذا هو سليمان بن حبان الأحمر وهو من الثقات الذين احتج البخارى ومسلم بحديثهم فى صحيحهما، ومع هذا، فلم ينفرد بهذه الزيادة، بل قد تابعه عليها أبو سعد (١) محمد بن سعد الأنصارى الأشهلی المدنی نزیل بغداد، وقد سمع من ابن عجلان وهو ثقة، ووثقہ یحیی بن معین، ومحمد بن عبد الله المخرمى، وأبو عبد الرحمن النسائى، وقد أخرج هذه الزيادة النسائى فى سننه من حديث أبى خالد الأحمر، ومن حديث محمد بن سعد اهـ (١: ٢٣٥). وفى الجوهر النقى (١: ١٥٣): ثم أسند (أى البيهقى) عن ابن معين قال فى حديث ابن عجلان: "وإذا قرأ فأنصتوا" قال: ليس بشىء، وعن أبى حاتم ليست هذه الكلمة محفوظة، هى من تخاليط ابن عجلان. قلت (٢): ابن عجلان وثقه العجلى، وفى الكمال لعبد الغنى: ثقة كثير الحديث، وذكر الدار قطنى أن مسلما أخرج له فى صحيحه، فهذا كما مر زيادة ثقة اهـ. ١٢ منه. ١٢ منه. 5 ج - ٤ النهى عن القراءة خلف الإمام ٦٥ أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله مرّزاله: ((إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)). قال أبو عبد الرحمن: كان المخرمى يقول: هو ثقة يعنى محمد بن سعد الأنصارى، وصححه مسلم فى صحيحه (١٧٤:١)، وقال: هو عندى صحيح اهـ. وصححه ابن حزم والإمام أحمد (الجوهر النقى، ١٥٣:١). وفيه أيضا بعد قليل: وأخرج أبو داود هذا الحديث فى سننه من طريق أبى خالد عن ابن عجلان ثم قال: هذه الزيادة "إذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم من أبى خالد عندنا انتهى كلامه. وأبو خالد ثقة أخرج له الجماعة، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت وكيعا عنه، فقال: "وأبو خالد ممن يسأل عنه"، وقال أبو هشام الرفاعى: "ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين"، ونسبة أبى داود الوهم إليه دون ابن عجلان تدل على أن ابن عجلان أحسن حالا عنده من أبى خالد، وهذا أعجب، فإن ابن عجلان فيه كلام (٢) وأبو خالد ثقة بلا شك اهـ. وفى كتاب القراءة للبيهقى (ص: ٩١): قال ابن خزيمة: قال: محمد بن يحيى الذهلى: "خبر الليث أصح متنا من رواية أبى خالد" يعنى عن ابن عجلان ليس فى هذه القصة عن النبى عرّ فه "وإذا قرأ فأنصتوا" إلا خبر أبى خالد ومن لا يعتد أهل الحديث بروايته اهـ. قلت: الحديث قد صححه الإمام أحمد، ومسلم، وابن حزم، وصححه النسائى أيضا لسكوته عنه على قاعدته، وصححه الحافظ الطبرى كما ذكرنا، والجارحون قد اختلفوا فى أن الوهم من أبى خالد أو ابن عجلان، وذلك يوهن الجرح، ثم قد رد الجرح عليهم بثقة الراوى للزيادة، ومتابعة الثقة له عليها، فالحديث صحيح حجة لا شك فيه. وإطلاقه يدل على النهى عن القراءة خلف الإمام فى جميع الصلاة، وعن قراءة الفاتحة، دثین ١٢. ٦٦ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن ١٠٤٨ - عن: عمران رضى الله عنه ابن حصين أن رسول الله مرّ اللّه صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بـ (سبح اسم ربك الأعلى﴾، فلما انصرف قال: ((أيكم قرأ؟ أو أيكم القارى))؟ قال رجل: أنا، فقال: ((قد ظننت أن بعضکم خالجنیها (١)). رواه مسلم (١: ١٧٢). والسورة، وغیرها سرا، وجهرا. قوله: "عن عمران بن حصين" إلخ. قلت: الحديث يعم بظاهره الفاتحة وغيرها، والصلاة الجهرية وما سواها، وحمله البيهقى فى كتاب القراءة على النهى عن الجهر بالقراءة خلف الإمام (ص: ١١٥) وادعى اختصاص المخالجة بالجهر دون السر، وهو فى محل المنع، فإن المخالجة تكون بهما جميعا، كما هو المشاهد، فما ورد فى بعض الروايات من قوله مرزلي: "أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟" لا يدل على جهر المقتدى خلفه لاحتمال أن يكون قريبا منه، فسمع رسول الله مزلتر قراءته مع إسراره بها. قال: وقد روینا عن عمران بن حصين رضى الله عنه فى هذا الكتاب ما روى عنه فى القراءة خلف الإمام، وذلك يؤكد ما قلنا. قلت: وهو ما رواه بطريق زياد بن أبى زياد الجصاص نا الحسن حدثنى عمران بن حصين قال: "لا تزكوا صلاة مسلم إلا بطهور، وركوع، وسجود، وفاتحة الكتاب وراء الإمام وغير الإمام" اهـ (ص: ٦٨). توثیق حجاج بن أرطاة، وأنه حسنے الحديث والعجب من البيهقى كيف يحتج برواية الجصاص لمذهبه، ويعيب على بعض الحنفية فى احتجاجهم برواية الحجاج بن أرطاة؟ وهو ما رواه بطريق سلمة بن الفضل نا الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله سَطٍّ يصلى بالناس ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: "من ذا الذى يخالجنى سورتى"؟ فنهى من القراءة خلف الإمام اهـ (ص: ١١٣) ولم يعله البيهقى، والدار قطنى إلا بتفرد ١٢ منه. ج - ٤ النهى عن القراءة خلف الإمام ٠٦٧ الحجاج فى قوله: "فنهى عن القراءة خلف الإمام" والحال أن هذه الزيادة لا تنافى أصل الحديث فإن قوله معّ له: "من ذا الذى يخالجنى سورتى؟ وقوله: "قد ظننت أن بعضكم خالجينها" يدل على الكراهة والنهى عن القراءة لا على مجرد الخبر عن المخالجة كما لا يخفى، وزيادة راوى الصحيح أو الحسن مقبولة إذا لم تناف رواية الجماعة بحيث يلزم منها ردها، وهذه الزيادة كذلك، وابن أرطاة إن لم يكن من رجال الصحيح، فهو حسن الحديث حتما كما فى تدريب الراوى (ص: ٥٢). ونصه: الحسن أيضا على مراتب کالصحيح. قال الذهبى: فأعلى مراتبه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأمثال ذلك مما قيل: "إنه صحيح" وهو أدنى مراتب الصحيح، ثم بعد ذلك ما اختلف فى تحسينه وتضعيفه كحديث الحرث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة، ونحوهم اهـ ملخصا. وهو ممن أخرج له مسلم مقرونا بغيره، ذكره فى كتاب الجمع بين رجال الصحيحين فى أفراد مسلم .ص: ١٠٠)، واستشهد به البخارى تعليقا، قال فى تهذيب التهذيب: وقد رأيت له فى البخارى رواية واحدة متابعة تعليقا فى كتاب العتق اهـ. وفيه أيضا: قال البزار: كان حافظا مدلسا، وكان معجبا بنفسه، وكان شعبة يثنى عليه، ولا أعلم أحدا لم يرو عنه يعنى ممن لقيه إلا عبد الله بن إدريس اهـ. وفيه أيضا: قال حماد بن زيد: قدم علينا الحجاج ابن ثلثين أو أحد وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أرعلى حماد بن أبى سليمان، رأيت عنده داود بن أبى هند، ويونس بن عبيد، ومطر الوراق جثاة على أرجلهم يقولون: "يا أبا أرطاة! ما تقول فى كذا"؟ اهـ. وفيه أيضا: قال ابن عيينة: سمعت ابن أبى نحيج يقول: ما "جاءنا منكم مثله" يعنى الحجاج بن أرطاة، وقال الثورى: "عليكم به، فإنه ما بقى أحد أعرف بما يخرج عن رأسه منه" اهـ (٢: ١٩٦ إلى ١٩٨). قلت: هذا ثناء بن الثورى على تيقظ الحجاج (١) وحفظه. وفى التهذيب أيضا: (١) وما قال ابن حبان: إنه تركه ابن المبارك، وابن مهدى، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل فقد رده عليه الذهبى بأن هذا القول فيه محارفته وأكثر ما نقم عليه التدليس، وكان فيه تيه لا يليق أهل العلم ١ هـ كذا فى التهذيب (٢٢: ١٩٨) مؤلف. ٦٨ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن روى عنه شعبة، وهشيم، وابن نمير، والحمادان، والثورى، وحفص بن غياث اهـ (٢: ٩٦). وقد عرفت أن شعبة لا يروى إلا عن ثقة عنده، فكيف لا يحتج بزيادته إذا لم يلزم منها رد ما رواه الجماعة وهى لا تنافى أصل الحديث؟ وأما ما رواه (البيهقى) وغيره عن شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين أن النبى ◌ِّ صلى الظهر فقرأ (أى رجل) "بسبح اسم ربك الأعلى" فقال: "أيكم القارىء"؟ فقال رجل: أنا: فقال: "لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها". قال شعبة: فقلت لقتادة: أکره ذلك؟ قال: لو کره لنهی عنه. قال البيهقى: وإنما الحجة فى إقرار قتادة حين قال: "لو كرهه لنهى عنه" بأنه لم ينه عن القراءة خلفه خلاف ما رواه الحجاج بن أرطاة عنه اهـ (ص: ١١٤). فلا يلزم منه أن يكون رواية الحجاج عنه خطأ لاحتمال أن يكون قتادة سمعه عن زرارة تارة مختصرا، وقرأه على شعبة كذلك، ووقع له من السوال والجواب معه ما وقع، ثم سمعه عنه مطولا مع زيادة قوله: "فنهى عن القراءة خلف الإمام" وحدث حجاج بن أرطاة بها، أو كان سمع عنه بهذه الزيادة أو لا ثم نسيه، فروى عنه حجاج بالزيادة، وشعبة بغيرها، والجمع بين الروايات أولى من أخذ البعض، وإهمال بعضها، على أنه قد أخرجه البيهقى بنفسه من طريق شعبة ثم قال فى آخره: قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه، فقال: كرهه للنهى عنه. كذا فى غيث الغمام (ص: ١٣٠). فإذا تعارضت الروايتان عن شعبة تساقطتا فلا يعل بأحدهما ما رواه حجاج عن قتادة لا سيما وقد قال الذهبى فى الميزان عن يحيى (القطان): إن الحجاج فى روايته عن قتادة صالح اهـ وهذه روايته عن قتادة. وفيه أيضا: قال القطان: "هو وابن إسحاق عندى سواء" اهـ وقال شعبة: "اكتبوا عن حجاج بن أرطاة وابن إسحاق فإنهما حافظان" اهـ (١ : ٢١٣). ولا يخفى على من طالع كتاب القراءة للبيهقى كثرة اعتماده على ابن إسحاق وشدة المبالغة فى الاحتجاج به، فما له لا يحتج بابن أرطاة الذى هو مثل ابن إسحاق ونظيره؟ قال البيهقى: وهذا الحديث مما تفرد بروايته عنه (أى عن الحجاج) سلمة بن الفضل الأبرش وسلمة بن الفضل قد تكلموا فيه اهـ (ص ١١٥). ٦٩ ج - ٤ النهى عن القراءة خلف الإمام قلت: ما له وقد وثقه ابن معین وقال: "ثقة کتبنا عنه" قال جرير: ليس من لدن بغداد إلى أن يبلغ حراسان أثبت فى ابن إسحاق من سلمة، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا، وكان يقال: إنه من اخشع الناس فى صلاته. وقال الآجرى عن أبى داود: ثقة. وذكر ابن خلقون أن أحمد سئل عنه فقال: لا أعلم إلا خيرا ا هـ (من التهذيب ٤: ١٥٤) ملخصا . والجصاص الذى احتج البيهقى بروايته قال الأثرم: سئل عنه أبو عبد الله فكأنه لم يثبته، وقال ابن معين: ليس بشىء، وقال ابن المدينى: ليس بشىء، وضعفه جدا، وقال أبو زرعة: واهى الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائى: ليس بثقة، وقال المفضل الغلابى: مذموم، وقال الدار قطنى: متروك بصرى أقام بواسط، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: ربما وهم، وقال البزار: ليس به بأس، وليس بالحافظ، وقال أبو العرب عن النسائى: متروك، وقال العجلى: لا بأس به، وقال ابن عدى: واسطى متروك الحديث، وقال فى موضع آخر: لم نجد له حديثا منكرا وهو فى جملة من يجمع ويكتب حديثه اهـ (٣: ٣٦٨). فهذا كما ترى لم ينقل فيه أحد أنه ثقة أو صدوق، وغاية ما قيل فيه: إنه لا بأس به ويجمع حديثه، فسلمة بن الفضل فوقه بكثير، وكذا الحجاج بن أرطاة، فالاحتجاج بالجصاص والإعراض عن سلمة وابن أرطاة ليس من دأب المنصفين. وما رواه البيهقى بطريق بشر بن المفضل عن الجريرى عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال: "لا تجوز صلاة إلا بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا" اهـ (ص: ٦٨) فليس فيه ذكر القراءة خلف الإمام فلا يضرنا، ونحن قائلون بوجوب قراءة الفاتحة، وسورة معها إما حقيقة فى حق الإمام والمنفرد، وإما حكما فى حق المقتدى كما سيأتى مفصلا، ولكنه يضر الخصم، لأنه لم يقل بفرضية الزيادة على الفاتحة، وإنما جعلها سنة فى حق الإمام والمنفرد فى ركعتى الصبح، والأوليين من غيرهما، ومنع المأموم عن قراءتها فى الجهرية. صرح به الغزالى فى الوجيز (ص: ٢٦). وحديث عمر أن هذا يقتضى عدم جواز الصلاة بدون آيتين فصاعدا سوى الفاتحة، فلو استدل به على وجوب الفاتحة على المأموم لزم القول بوجوب السورة عليه أيضا ولم يقل به. ٧٠ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن ١٠٤٩ - ثنا: محمد بن بشار وعمرو بن على قالا: ثنا أبو أحمد أنا يونس ابن أبى إسحاق عن أبيه عن أبى الأحوص عن عبد الله (هو ابن سعود) قال: كانوا يقرأون خلف النبى عليه السلام فقال: «خلطتم على القرآن». رواه البزار. وهذا سند جيد، كذا فى الجوهر النقى (١٥٥:١). وفى مجمع الزوائد (١٨٥:١) بعد نقل المتن: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح اهـ. ١٠٥٠- ثنا: مالك بن إسماعيل عن حسن بن صالح عن أبى الزبير عن جابر عن النبى ◌ّ له قال: ((كل من كان له إمام فقرأته له قرأة)). رواه ابن أبى قوله: "حدثنا محمد بن بشار" إلخ قلت: دلالته على كراهة القراءة خلف الإمام ظاهرة، وهو بظاهره يعم الفاتحة والسورة جميعا، والجهرية والسرية معا، بدليل ما ذكرناه فى الحديث المار آنفا. وحمله البيهقى على الجهر بالقراءة خلفه ثم ساقه بسنده من طريق النضر بن شميل نا يونس بن أبى إسحاق عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله عن رسول الله معظمٍ أنه قال لقوم يقرأون القرآن يجهرون به: "خلطتم على القرآن". اهـ (كتاب القراءة ص: ١١٦). قلت: فيه من لم أعرفه، والظاهر من السياق أنه مدرج من بعض الرواة، وأنه فسر القراءة بالجهر من عند نفسه، والإدراج لتفسير ألفاظ الحديث يجوزه بعض الرواة، فلا قدح فى نسبته إليهم ولكن لا يخفى أنه لا يكون حجة على غيرهم، ويمكن أن يراد بالجهر مشوشة تحصل من مخافتة الجميع، لأن الجهر برفع الصوت بعيد من الصحابة رضى الله عنهم خلف رسول الله مدّ ةٍ كما لا يخفى. أو نقول: كان ذلك فى واقعة مخصوصة ولا يلزم منها تقييد الآية ﴿إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾. ولا تقييد قوله معّ ه"إذا قرأ فأنصتوا" بالإنصات عن الجهر. ومذهب ابن مسعود وأصحابه فى ترك القراءة خلف الإمام والنهى عنها مشهور. قوله: "حدثنا مالك بن إسماعيل" إلخ. فإن قلت: إن البيهقى أخرجه من طريق الحسن بن صالح عن جابر (الجعفى) وليث بن أبى سليم عن أبى الزبير عن جابر، فأدخل بين الحسن، وأبى الزبير جابرا وليثا، وقال: لا يحتج بهما. ٧١ ج - ٤ النهى عن القراءة خلف الإمام شيبة. وهذا سند صحيح (الجوهر النقى ص: ١٥٤). ١٠٥١- أخبرنا: أبو حنيفة قال: حدثنا أبو الحسن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله ابن شداد بن الهاد عن جابر بن عبد الله عن النبى عّ لٍ أنه قال: ((من صلى خلف الإمام فإن قرأة الإمام له قرأة)). رواه الإمام محمد فى الموطأ (ص: ٩٦). قال العينى: طريق صحيح اهـ (عمدة القارى، ٨٦:٣). وقال محمد بن منيع، والإمام ابن الهمام: هذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين (حاشية الطحاوى، ١٢٨:١). قلت: تابع مالك بن إسماعيل أبو نعيم عن الحسن بن صالح عن أبى الزبير، ولم يذكر الجعفى (ولا ليث بن أبى سليم) كذا فى أطراف المزى، وتوفى أبو الزبير سنة ثمان وعشرين ومأة ذكره الترمذى وعمرو بن على، والحسن بن صالح ولد سنة مأة توفى سنة سبع ستين ومأة، وسماعه من أبى الزبير ممكن، ومذهب الجمهور أن من أمكن لقاءه لشخص وروى عنه، فروايته محمولة على الاتصال، فيحمل على أن الحسن سمعه من أبى الزبير مرة بلا واسطة، ومرة أخرى بواسطة الجعفى وليث، كذا فى الجوهر النقى (١: ١٥٤) على أن ليث بن أبى سليم، وإن كان ضعيف الحفظ، فإنه يعتبر به، ويستشهد. قاله الحافظ فى مقدمة الفتح (ص: ٣٤٧). لا سيما وقد أخرج له مسلم فى صحيحه، وعلق له البخارى، وقال ابن عدى: له أحادیث صالحة، وقد روى عنه شعبة، والثوری، ومع الضعف الذی فیه یکتب حديثه اهـ (التهذيب ٨: ٤٦٧): وقد تابعه جابر الجعفى وهو وإن لم يحتج به فلا بأس به فى المتابعات. قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ. قال الدار قطنى فى سننه. لم يسنده عن موسى بن أبى عائشة غير أبى حنيفة، والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان: وقد رواه سفيان الثورى، وأبو الأحوص، وشعبة، وإسرائيل، وشريك، وأبو خالد الدالانى، وسفيان بن عيينة وغيرهم عن أبى الحسن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبى معدّ لاتيه مرسلا وهو الصواب اهـ (١: ١٢٣). ٧٢ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن قلت: رجاله رجال الجماعة إلا إمامنا الأعظم أبا حنيفة وهو ثقة لا يسئل عن مثله. قال فى الجوهر النقی (١٧٢:١): فقد وثقه کثیرون، وأخرج له ابن حبان فى صحيحه، واستشهد به الحاكم فى المستدرك اهـ. وأخرجه محمد مفصلا بالإرسال. توثيق الإمام الأعظم ومناقبه الجليلة قال العلامة العينى: لو تأدب الدار قطنى واستحيى لما تلفظ بهذه اللفظة فى أبى حنيفة، فإنه إمام طبق علمه الشرق والغرب. ولما سئل ابن معين عنه فقال: ثقة مأمون ما سمعت أحد اضعفه. هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث، وشعبة شعبة. وقال أيضا: كان أبو حنيفة ثقة من أهل الدين والصدق، ولم يتهم بالكذب، وكان مامونا على دين الله تعالى صدوقا فى الحديث. وأثنى عليه جماعة من الأئمة الكبار مثل عبد الله بن المبارك ويعد من أصحابه، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثورى، وحماد بن زيد. وعبد الرزاق، ووكيع وكان يفتى برأيه، والأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد، وآخرون كثيرون. وقد ظهر لك من هذا تحامل الدار قطنى عليه، وتعصبه الفاسد، وليس له مقدار بالنسبة إلى هؤلاء حتى يتكلم فى إمام متقدم على هؤلاء فى الدين والتقوى والعلم، وبتضعيفه إياه يستحق هو التضعيف. أ فلا يرضى بسكوت أصحابه عنه؟ وقد روى فى سننه أحاديث سقيمة، ومعلولة، ومنكرة، وغريبة، وموضوعة. ولقد روى أحاديث ضعيفة فى كتابه "الجهر بالبسملة" واحتج بها مع علمه بذلك حتى أن بعضهم استحلفه على ذلك فقال: "ليس فيه حديث صحيح". ولقد صدق القائل: حسدوا الفتى إذ لم ينالو سعيه والقوم أعداء له وخصوم وأما قوله: "وقد رواه سفيان الثورى إلى اخره" فلا يضرنا لأن الزيادة من الثقة مقبولة، ولئن سلمنا فالمرسل عندنا حجة وجوابنا عن الأحاديث التى قالوا: فى أسانيدها ضعفاء، إن الضعيف يتقوى بالصحيح، ويقوى بعضهما بعضا. وأما قوله: فى بعضها: "فهو موقوف"، فالموقوف عندنا حجة، لأن الصحابة عدول اهـ من (عمدة القارى ص٣: ج -٤ النهى عن القراءة خلف الإمام ٧٣ ٦٦: ٦٧). وقال المحقق ابن الهمام فى الفتح: فبطل رد المتعصبين، وتضعيف بعضهم لمثل أبى حنيفة مع تضييقه فى الرواية إلى الغاية حتى أنه شرط التذكر لجواز الرواية بعد أنه خط، ولم يشترط الحفاظ هذا ولم يوافقه صاحباه اهـ (١: ٢٩٦). قلت: وقد اعترف بذلك ابن معين حيث قال: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظ، ولا يحدث بما لا يحفظ. كذا فى التهذيب (١: ١٤٥). والعجب من الحافظ ابن حجر أن إمامنا عنده من الأئمة الثقات كما تشهد به تصانيفه فى الرجال، ولم يذكر فى التهذيب شيئا من أقوال الجارحين فيه بل اقتصر على أقوال معدليه ثم اقتصر فى الدراية (ص: ٩٣) على قول الدار قطنى هذا، وسكت عنه، ولم يرده عليه. وفى كتاب "الخيرات الحسان فى مناقب الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان" للعلامة مفتى الحجاز. ومحدثها الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيشمى الشافعى المكى (ص: ٧٤): قال أبو عمر يوسف ابن عبد البر (المالكى ٢): والذين رووا عن أبى حنيفة، ووثقوه، وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحدیث أكثر ما عابوا عليه الإغراق فى الرأى والقياس، وقد مر أن ذلك ليس بعیب، و كان يقال: يستدل علی نباهة الرجل من الماضین بتباین الناس فیه. ألا ترى. أُن علیا کرم الله وجهه هلك فيه فئتان محب إفراط، ومبغض فرط اهـ. وفى طبقات شيخ الإسلام التاج السبكى: الحذر كل الحدز أن تفهم من قاعدتهم أن الجرح مقدم على التعديل على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبى أو غيره لم يلتفت إلى جرحه. ثم قال بعد كلام طويل: قد عرفناك أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره فى حق من غلبت طاعاته على معصيته، ومادحوه على ذاميه، ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة فيه من تعصب مذهبى، أو منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء، أو غير ذلك. وحينئذ فلا يلتفت لكلام الثورى وغيره فى أبى حنيفة وابن أبى ذئب، وغيره فى مالك، وابن معين فى الشافعى، والنسائى فى أحمد بن صالح، ونحو ذلك. قال: ولو أطلقنا ٧٤ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن تقديم الجرح لما سلم أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون. قال ابن عبد البر: هذا باب غلط فيه كثيرون وضلت فيه فرقة جاهلية. لا تدرى ما عليها فى ذلك. ثم قال: الدليل على أنه لا يقبل فى حق من اتخذه جمهور الناس إماما فى الدين قول أحد من الطاعنين لأن السلف قد سبق من بعضهم فى بعض كلام كثير فى حال الغضب، ومنه ما حمل على الحسد، ومنه ما حمل على التاويل مما لا يلزم المقول فيه شىء منه، وذكر من كلام الصحابة، والتابعين، وتابعيهم من النظراء بعضهم فى بعض شيئا كثيرا لم يلتفت إليه أحد من العلماء، ولا حولوا عليه، لأنهم بشر يغضبون ويرضون، والقول فى الرضاء غير القول فى الغضب، فمن أراد أن يقبل قول العلماء بعضهم فى بعض، فليقبل قول من ذكرنا من الصحابة بعضهم فى بعض، وقول من ذكرنا من التابعين وأئمة المسلمين بعضهم فى بعض، فإن فعل ذلك. فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا، وإن لم يفعل، ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده، فليقف عند ما شرطناه، فإنه الحق الذى لا يصح غيره إنشاء الله تعالى اهـ. وقال الحافظ ابن حجر فى مقدمة الفتح: ومن ثمه لم يقبل جرح الجارحين فى الإمام أبى حنيفة حيث جرحه بعضهم بكثرة القياس، وبعضهم بقلة معرفة العربية، وبعضهم بقلة رواية الحديث، فإن هذا کله جرح بما لا یجرح به الراوى اهـ كذا فى تنسيق النظام (ص: ٨). وفيه أيضا (ص: ٦١): وذكر محمد بن الحسين الموصلى الحافظ فى آخر كتاب الضعفاء: قال يحي بن معين: ما رأيت أحدا أقدمه على وكيع، وكان يفتى برأى أبى حنيفة، و کان یحفظ حديثه کله، و کان قد سمع منه حدیثا کثیرا اهـ. وقال خاتم الحفاظ العلامة المحدث التقى جلال الدين السيوطى قدس الله سره فى رسالة تبييض الصحيفة (ص: ٥). ووقفت على فتيا رفعت إلى الشيخ ولى الدين العراقى صورتها هل روى أبو حنيفة عن أحد من أصحاب النبى مرّاتٍ؟ وهل يعد هو فى التابعين أم لا؟ فأجاب بما نصه: الإمام أبو حنيفة لم يصح له رواية عن أحد من الصحابة، وقد رأى أنس بن مالك، فمن بكتف فى التابعى بمجرد روية التابعى يجعله تابعيا، ومن لا ٧۵ ج - ٤ النهى عن القراءة خلف الإمام یکتف بذلك لا یعده تابعیا ا هـ. قال السيوطى: ورفع هذا السوال إلى الحافظ ابن حجر فأجاب بما نصه: أدرك الإمام أبو حنيفة جماعة من الصحابة لأنه ولد بمكة سنة ثمانين من الهجرة، وبها يومئذ من الصحابة عبد الله بن أوفى، فإنه مات بعد ذلك بالاتفاق، وبالبصرة يومئذ أنس بن مالك، ومات سنة تسعين أو بعدها، وقد أورد ابن سعد بسند لا بأس به أن أبا حنيفة رأى أنسا، وكان غير هذين من الصحابة بعده فى البلاد أحياء، وقد جمع بعضهم (هو الإمام أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبرى المقرىء الشافعى كما يظهر من تبيض الصحيفة أيضا) جزءا فيما ورد من رواية أبى حنيفة عن الصحابة لكن لا يخلو إسنادها من ضعف، والمعتمد على إدراكه ما تقدم على رؤيته لبعض الصحابة ما أورده ابن سعد فى الطبقات، فهو بهذا الاعتبار من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له، كالأوزاعى بالشام، والحمادين بالبصرة، والثورى بالكوفة، ومالك بالمدينة، ومسلم بن خالد الزنجى بمكة، والليث بن سعد بمصر، والله أعلم. هذا آخر ما ذكره الحافظ ابن حجر، وحاصل ما ذكره هو، وغيره الحكم على أسانيد ذلك بالضعف، وعدم الصحة لا بالبطلان، وحينئذ فسهل الأمر فى إيرادها، لأن الضعيف يجوز روايته، ويطلق عليه أنه وارد، كما صرحوا، فلنوردها، ونتكلم عليها حديثا حديثا اهـ. ثم سرد السيوطى أحاديث الإمام عن الصحابة، فمن أرادها، فليراجع إلى رسالته، فثبت بذلك أنه لا خلاف فى تابعية الإمام بحسب الرؤية، وعليها مدار التابعية عند المحققين وهو مختار الجمهور من أرباب أصول الحديث، كما يشير إليه عبارة النخبة وشرحها (ص: ٨٤) وغيرهما . أما روايته عن بعض الصحابة فغاية ما يقال فيه: إن إسنادها لا يخلو عن ضعف، ولا يخفى أن الضعاف مقبولة معمولة بها فى فضائل الأعمال ومناقب الرجال على ما صرحوا به، ولذلك تراهم لم يزالوا يتساهلون فى أمر المغازى والسير، ولم يتشددوا فيها تشددهم فى الأحكام، فتابعية الإمام بحسب الرواية ثابتة أيضا عند أرباب الإنصاف لا سيما وقد صرحوا بأن الضعيف إذا تعددت طرقه يرتقى إلى درجة الحسن، أو الصحيح، ويصير صالحا للاحتجاج به فى الأحكام أيضا، ولا شك أن سماع الإمام عن الصحابة ورد ٧٦ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن بطرق عديدة بتقوى بعضها ببعض، فلو لم يثبت سماعه عن الجميع ثبت القدر المشترك بينها، وهو سماعه عن البعض، وأيم الله أن هذه غاية يقتطع دونها أعناق المطى، فثبت أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تابعى ثقة إمام ، ولا يلتفت إلى قول من جرح فى مثل هذا الهمام المشهور المطاع المقدام الذى طبق علمه الشرق والغرب من ديار الإسلام. قال فى تبيض الصحيفة (ص: ١٧): وروى (الخطيب) عن محمد بن سعد الكاتب قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبى (بمعجمة، وموحدة مصغرا كوفى الأصل ثقة عابد (تقريب ص: ١٠١) يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله تعالى لأبى حنيفة فى صلاتهم. قال: وذكر حفظه عليهم السنن، والفقه اهـ. قلت: وهذا يدل على كونه رضى الله عنه حافظ للآثار، ويشهد له ذكر الذهبى إياه فى طبقات الحافظ، وقد مر قول إسرائيل: "نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه حكم، وأشد فحصه عنه". فائــدة قال فى تدريب الراوى (ص: ٢٠): وبين الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمى أن أجل الأسانيد الشافعى عن مالك عن نافع عن ابن عمر (إلى أن قال): اعترض مغلطاى على التيمى فى ذكره الشافعى برواية أبى حنيفة عن مالك إن نظرنا إلى الجلالة وابن وهب والقعنبى إن نظرنا إلى الإتقان. قال البلقينى فى محاسن الاصطلاح: فأما أبو حنيفة، فهو وإن روى عن مالك كما ذكره الدار قطنى لكن لم تشتهر روايته عنه، كاشتهار رواية الشافعى، وأما القعنبى، وابن وهب، فأين تقع رتبتهما من رتبة الشافعى؟ وقال العراقى فيما رأيته بخطه: رواية أبى حنيفة عن مالك فيما ذكره الدار قطنى فى غرائبه وفى المديح ليست من روايته عن نافع عن ابن عمر، والمسئلة مفروضة فى ذلك. قال: نعم! ذكر الخطيب حديثا كذلك فى الرواية عن مالك، وقال شيخ الإسلام: أما اعتراضه بأبى حنيفة، فلا يحسن لأن أبا حنيفة لم تثبت رواية عن مالك، وإنما أوردها الدار قطنى ثم الخطيب لروايتين وقعتا لهما عنه بإسنادين فيهما مقال، وأيضا فإن رواية أبى حنيفة عن مالك إنما هى فيما ذكره مذاكرة، ولم يقصد الرواية عنه، كالشافعى الذى ج -٤ النهى عن القراءة خلف الإمام لازمه مدة طويلة، وقرأ عليه الموطأ بنفسه اهـ. قلت: وذكر تلك المذاكرة التى جرت بين الإمام الأعظم، والإمام مالك فى تبييض الصحيفة ناقلا عن غاية الاختصار فى مناقب الأربعة أئمة الأمصار عن الدراوردى قال: رأيت مالكا، وأبا حنيفة فى مسجد رسول الله مؤتمر بعد صلاة العشاء الأخيرة وهما يتذاكران ويتدارسان حتى إذا رمى أحدهما على الذى قال به وعمل عليه أمسك أحدهما عن صاحبه من غير تعسف، ولا تخطية لواحد منهما حتى صلا الغداة فى مجلسهما ذلك اهـ (ص: ٣٤ و ٣٥). وهذا إن ثبت بإسناد محتج به، فلا دليل فيه على رواية أحدهما عن الآخر ولكن عد الخوارزمى مالكا من الرواة عن أبى حنيفة (جامع المسانيد ٢: ٥٥٩) وروايته عنه موجودة فى مسانيد الإمام. زيادة الرفع مقبولة إذا كان الرافع ثقة ولو خالفه الأکثرون وبعد ذلك كله، فلو سلم تفرد أبى حنيفة فى رفع الحديث، فهو زيادة ثقة (١) تقبل، فقد قال النووى فى مقدمة شرح مسلم: إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلا وبعضهم مرسلا، أو بعضهم موقوفا وبعضهم مرفوعا، أو وصله هو، ورفعه فى وقت، وأرسله أو وقفه فى وقت، فالصحيح الذى قاله المحققون من المحدثين، وقاله الفقهاء، وأصحاب الأصول: إن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ، لأنه زيادة ثقة وهى مقبولة اهـ. وصرح بنحوه فى شرح مسلم (١ : ٢٥٦) على أنه لم يتفرد فى ذلك بل رفعه أيضا سفيان الثورى (وهو من رجال الشيخين، والجماعة)، وشريك (القاضى وهو من رجال مسلم) عن موسى بن أبى عائشة عند أحمد بن منيع فى مسنده (وهو ثقة حافظ من رجال الجماعة)، ورفعه أيضا الحسن بن صالح عن أبى الزبير عن جابر عند ابن أبى شيبة، وعبد بن حميد (هو من رجال الشيخين ثقة حافظ، تقريب ص: ١٣٤)، فلا شك (١) وأما ما وجد فى بعض هوامش الميزان من تضعيف أبى حنيفة فقد رده النيموى فى آثار السنن (ص: ٨٨) بما لا مزيد عليه وأثبت أنه إلحاق من بعض الناس ١٢ منه. ٧٨ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن فى صحة الحديث موصولا، وجعله الحافظ فى التلخيص مشهورا (١) عن جابر (ص: ٨٧). ودلالته على معنى الباب ظاهرة ولا يقال: إنه إنما يدل على الكفاية دون المنع عن القراءة خلف الإمام لما مر من حديث أنصتوا، ولما ذكره المحقق فى فتح القدير. (١: ٢٥٩). بل يقال: القراءة ثابتة من المقتدى شرعا، فإن قراءة الإمام قراءة له، فلو قرأ لكان له قرائتان فى صلاة واحدة، وهو غير مشروع اهـ. واعلم أن البيهقى رحمه الله أظهر لهذا الحديث علة أخرى، فلنبينها ثم لنجب عنها. قال رحمه الله: إن قصة "سبح اسم ربك الأعلى" إنما رواها أبو حنيفة عن موسى ابن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر، وليس فيها أن قراءته له قراءة، وهى القصة التى رواها عمران بن حصين، ونحن نذكرها إن شاء الله تعالى. وأما القصة التى فيها "فإن قراءته له قراءة" فإن أبا حنيفة إنما رواها عن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن أبى الوليد عن جابر وهو رجل مجهول كما قال الدارقطنى رحمه الله، ولا تقوم به حجة اهـ (ص: ١٠٣). والجواب عنه بوجوه، الأول أن الراوى المجهول الحال إذا لم يكن فيه جرح ولا تعدیل، و کان كل من شيخه، والراوى عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو ثقة عند ابن حبان، وفی کتاب الثقات له کثیر ممن هذا حاله، کما ذكرناه من قبل، فأبو الوليد هذا ثقة على أصل ابن حبان، وما رواه ليس بمنكر لما يعضده من الشواهد، منها ما قد مر فى المتن عن الحسن بن صالح عن أبى الزبير عن جابر مرفوعا قال: "كل من كان له إمام فقرأته له قراءة" رواه ابن أبى شيبة فى المصنف، وعبد بن حميد فى مسنده، وقد مر أن الحافظ عده مشهورا عن جابر. والثانى أن سفيان الثورى، وشريكا رویاه عن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر كما مر، ولم يذكرا فيه أبا الوليد، وكذلك رواه محمد فى موطاه عن أبى حنيفة، وسماع عبد الله بن شداد عن جابر ممكن، فإنه من كبار التابعين حدث عن عمر (١) فإن قلت: إن ما قال بعده: وله طريق عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة 1 هـ وهذا يدل على أن طريق جابر أيضا معلولة. قلت: كلا فإن الضمير عائد إلى طرق عن جماعة من الصحابة لا إلى حديث جابر فلا يلزم منه تعليله فافهم ١٢ منه. ٧٩ ج - ٤ النهى عن القراءة خلف الإمام ابن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، ومعاذ بن جبل رضى الله عنهم. ذكره الخطيب فى تاريخه كذا فى جامع مسانيد الإمام (٢: ٤٩٤). وذكر ابن عبد البر أنه ولد على عهد رسول الله ٹے ، وقال یحیی بن بکیر وغیر واحد: فقد ليلة وجیل سنة ٨٢ کذا فى تهذيب (٥: ٢٥٢)، فيحمل على أنه سمعه عن أبى الوليد عن جابر أولا ثم سمعه عن جابر لما قد ثبت من مذهب الجمهور أن عنعنة المعاصر الممكن اللقاء محمول على السماع، حققه مسلم فى مقدمته. والثالث أن البيهقى قد اعترف بنفسه فى كتاب القراءة (ص: ١٠٤) أن ذكر أبى الوليد فى سند هذا الحديث خطأ فاحش، وهذا نصه: قال (أى ابن خزيمة): وذكر جابر فى هذا الخبر خطأ فاحش. قال أحمد (أى البيهقى): وكذلك ذكر أبى الوليد قبله، إنما الخبر عن عبد الله بن شداد عن النبى مرٍّ مرسلا. شعبة بن الحجاج عالم أهل زمانه بالحديث، وسفيان الثورى إمام أهل العراق فى الحديث، ومتقنهم، وحافظهم، ولم يكن بالعراقيين فى عصرهما مثلهما فى حفظ الحديث، وإتقانه، وابن عيينة حافظ أهل الحرم لم يكن بحرم الله مكة فى زمانه أحفظ منه رووا هذا الخبر، وجماعة غيرهم ليس فيه ذكر جابر، وقصة "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" رواها منصور بن المعتمر، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثورى، وسفيان بن عيينة، وأبو عوانة، وشريك بن عبد الله النخعى، وزائدة بن قدامة، وأبو إسحاق الفزارى، وجرير، وغيرهم عن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن رسول الله مَّةٍ مرسلا ا هـ ملخصا. فانهدم بناء الإشكال، وثبت أن الحديث إنما هو عن عبد الله بن شداد عن جابر، وذكر أبى الوليد قبله خطأ منشأه الوهم كما سنبينه. وأما قوله: إن ذكر جابر فيه خطأ أيضا، فلا يصح لما مر من قول الحافظ: إنه مشهور عن جابر، وهو فيه محجوج عليه بقوله فإن هذا سفيان الذى هو إمام أهل العراق فى الحديث ومتقنهم، وحافظهم عنده يرويه عن موسى ابن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن النبى مرّ لتر عند أحمد بن منيع فى مسنده، وتابعه على ذلك شريك، وأبو حنيفة، والحسن بن عمارة، ويشهد له رواية الحسن بن صالح عن أبى الزبير عن جابر مرفوعا، كما مر ذلك كله، فلا بد من القول بوصله. وبعد ذلك، فالبيهقى، والدار قطنى، وغيرهما قد اعترفوا لصحة إرساله، والمرسل حجة عندنا، وذكر البيهقى فى المعرفة أن الشافعى يقبل مراسيل كبار التابعين إذا اعتضد بمسند آخر أو أرسل من وجه آخر أو ٨٠ النهى عن القراءة خلف الإمام إعلاء السنن عضده قول صحابى أو فتوى عالم من أهل العلم. كذا فى الجوهر النقى (١: ٤٨)، فيلزمه قبول هذا المرسل لأن الذى أرسله من كبارالتابعين، وقد اعتضد بمسند آخر وهو رواية الحسن بن صالح عن أبى الزبير عن جابر مرفوعا، وعضده أيضا أقوال الصحابة، فقد صح عن زيد بن ثابت عند مسلم "لا قراءة خلف الإمام فى شىء من الصلوات" كما مر، وثبت ذلك عن جابر، وابن مسعود، وابن عمر، صرح به الحافظ فى الدراية (ص: ٩٤) فلا شك فى كونه حجة بالاتفاق . والرابع (١) أنه لما ثبت بقول البيهقى إن ذكر أبى الوليد قبل جابر فى هذا الخبر خطأ ، فالظاهر أن أبا الوليد هو عبد الله بن شداد بعينه، فإنه يكنی بأبى الوليد صرح به الدولابى فى الكنى (٢: ١٤٣)، والحافظ فى التقريب (ص: ١٠٤)، ويؤيده أن أبا حنيفة كان يجمع مرة بين اسمه وكنيته، كما فى جامع مسانيد الإمام أبو حنيفة عن أبى الحسن موسى بن أبى عائشة عن أبى الوليد عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله الحديث (١: ٣٣٨) أخرجه الحافظ أبو محمد البخارى الحارثى (قد مر أن الحافظ ابن حجر احتج بمسنده) عن عبد الصمد بن الفضل (ثقة كذا فى اللسان ص ٤: ٢٢)، وحمدان بن ذى النون (وثقه ابن حبان، وقال: مستقيم الحديث، كذا فى اللسان (٢: ٣٥٦)، وإسماعيل ابن بشر (ثقة) ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال أبو داود: صدوق كان قدريا ا هـ (تهذيب ١: ٢٨٤) قالوا: ثنا مكى بن إبراهيم (شيخ البخارى فى صحيحه، وبه أكثر ثلاثياته، ثقة) عن أبى حنيفة به اهـ. فلعل أبا حنيفة قال مرة: عن عبد الله بن شداد أبى الوليد، فصحفه بعض الرواة (١) قلت: ثم راجعت شرح النخبة حيث قال الحافظ: ومن المهم معرفة كنى المسلمين ممن اشتهر باسمه، وله كنية لا يؤمن أن يأتى فى بعض الروايات مكنيا لئلا يظن أنه آخرا هـ. فقال القارى فى شرحه: مثاله ما رواه الحاكم عن أبى يوسف عن أبى حنيفة عن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن أبى الوليد عن جابر مرفوعا "من صلى خلف الأم" الحديث قال الحاكم: عبد الله بن شداد هو بنفسه أبو الوليد، بينه على ابن المدينى. قال الحاكم: ومن تهاون بمعرفة الأسامى أورثه مثل هذا الوهم. أقول: الرواية الصحيحة ما رواه محمد فى الموطأ أخبرنى أبو حنيفة ثنا أبو الحسن موسى بن أبى عائشة ابن عبد الله ابن شداد بن الهاد عن جابر. ولعلك تفترح من هذا أن الوهم فى رواية الحاكم إنما هو ممن تحت أبى حنيفة كذا قال نقلا عن الشيخ وجيه الدين اهـ. (حاشية شرح النخبة ص: ١١٢) منه.