النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
التشهد و وجوبه
إعلاء السنن
مسعود، ورجح الأخذ به لكون أخذه عن النبى معَّ ه كان فى الأخير اهـ (٢-٢٦٢).
قلت: وهذا الترجيح أيضا لا طائل فيه، لأن أحداً لم يرجح رواية أصاغر الصحابة على
أكابرهم بهذه العلة، ولأن ابن مسعود رضى الله عنه وإن تقدمت هجرته فقد دامت
صحبته وملازمته للنبى معَّه إلى أن قبض. وأيضا فما فى رواية ابن مسعود من زيادة
الواوات والألف واللام وزيادة لفظ "عبده" وما فى رواية أبى موسى عند مسلم من زيادة
"وحده لا شريك له"، لا تنافى رواية ابن عباس، فكان الأخذ بها أولى أيضا، ولم يأخذ
بها الشافعی.
وجملة الكلام أن كل تشهد ثبت عنه عطله بسند يحتج به فهو حسن والأخذ به
جائز إلا أن تشهدنا راجح لكونه أقوى ثبوتا، ولورود الأمر بتعليمه، وكونه تشهد النبى
ګّ كما مر، ولا حاجة إلى الترجيحات المتكلفة، فكل منه شاف كاف.
واعلم أنه قال الحافظ فى التلخيص الحبير (١-١٠١): وأكثر الروايات فيه (أى
فى تشهد ابن مسعود) بتعريف السلام فى الموضعين، ووقع فى رواية للنسائى "سلام
علينا" بالتنكير، وفى رواية للطيرانى "سلام عليك" بالتنكير أيضا اهـ. قلت: لم أجد
التنکیر فی المجتبى للنسائی فی تشهد ابن مسعود ولعله فى السنن الكبرى له، ولكن
يعارض كلام الحافظ فى التلخيص كلامه فى الفتح حيث قال فيه: قوله: "السلام عليك
أيها النبى" قال النووى: يجوز فيه وفيما بعده أى السلام حذف اللام وإثباتها، والإثبات
أفضل وهو الموجود فى روايات الصحيحين، قلت: لم يقع فى شىء من طرق ابن مسعود
بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك فى حديث ابن عباس وهو من أفراد مسلم اهـ (٢-٢٥٩)
فهذا صريح فى نفى التنكير عن حديث ابن مسعود بجميع طرقه، فلعل ما صدر عنه فى
التلخيص من زلة القلم، والله أعلم.
نعم! قد وقع فى رواية عند النسائى عن ابن مسعود زيادة " وحده لا شريك له"(١)
(١) زاد ابن أبى شيبة من رواية أبى عبيدة عن أبيه " وحده لا شريك له" وسنده ضعيف، لكن ثبت هذه الزيادة فى
حديث أبى موسى عند مسلم، وفى حديث عائشة الموقوف فى الموطأ، وفى حديث ابن عمر عند الدار قطنى إلا أن
سنده ضعيف، وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح عن ابن عمر فى التشهد أشهد أن لا إله إلا الله، قال ابن
عمر: "زدت فيها وحده لا شريك له"، وهذا ظاهره الوقف.

١٢٢
ج - ٣
التشهد و و جوبه
٥
بعد قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" (١-١٧٤) ولكن فيه حارث بن عطية متكلم فيه،
وثقه ابن معين وقال ابن حبان فى الثقات: ربما أخطأ وقال الساجى فى الضعفاء: قال أحمد
ابن حنبل: جلست إليه فلم أكتب عنه، كذا فى التهذيب (٢-١٥١) ملخصا. فلا يقبل
زيادته إذا خالف الإثبات. وفى مجمع الزوائد عن الشعبى قال: " كان ابن مسعود يقول
بعد السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته: السلام علينا من ربنا"، رواه الطبرانى فى
الكبير ورجاله رجال الصحيح اهـ (١-١٩٩). قلت: رجال الصحيح منهم من تكلم فيه
وأخرج له الشيخان فى المتابعات، فلا يحتج بهذا ما لم يعرف السند بتفصيله، لأن الحافظ
قد نص فى الفتح على أن الرواة عن ابن مسعود من الثقات لم يختلفوا فى ألفاظه بخلاف
غيره اهـ كما مر، فهذا يقضى بضعف كل ما ورد عن ابن مسعود من الاختلاف، وبأنه
من رواية غير الثقات، على أن رواية الشعبى هذه معارضة بما مر فى المتن أصحاب عبد الله
كانوا يكرهون الزيادة فى تشهده، وقالوا: إن عبد الله عدهن فى يده، وبما مر أيضا أن عبد
الله کان یشدد علیهم ويأخذ عليهم الواو فى التشهد، فهذه الروايات كلها تدل على أن
عبد الله كان يتنكب عن الزيادة فيه. وقال محمد فى الموطأ: وكان عبد الله بن مسعود
رضی الله عنه یکره أن یزاد فیه حرف أو ينقص منه حرف اهـ (ص-١٠٨) فلا يحتج بها
(أى برواية الطبرانى) ما لم تعلم تفصيل سندها، فإنه يمكن أن يكون فيه أحد تكلم فيه فلا
يقبل روايته إذا خالفت الثقات، والله أعلم.
وكذا لا يحتج بما ورد فى بعض الروايات أن بعض الصحابة رضى الله عنهم ومنهم
ابن مسعود كانوا يقولون بعد وفاته مطله: "السلام على النبى" ويتركون الخطاب، كما
فى فتح البارى ونصه: ففى الاستئذان من صحيح البخارى من طريق أبى معمر عن ابن
مسعود وبعد أن ساق حديث التشهد قال: "وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام
يعنى على النبى"، كذا وقع فى البخارى، وأخرجه أبو عوانة فى صحيحه، والسراج
والجوزقى وأبو نعيم الإصبهانى والبيهقى من طرق متعددة إلى أبى نعيم شيخ البخارى فيه
بلفظ: "فلما قبض قلنا: السلام على النبى" بحذف لفظ "يعنى" وكذلك رواه أبو بكر بن
أبى شيبة عن أبى نعيم. قال السبكى فى شرح المنهاج بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبى
عوانة وحده: إن صح هذا عن الصحابة دل على أن الخطاب فى السلام بعد النبى معَّ له غير

١٢٣
التشهد و و جوبه
إعلاء السنن
واجب، فيقال: السلام على النبى، قلت: قد صح بلا ريب وقد وجدت له متابعا قويًا، قال
عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج أخبرنى عطاء "أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يقولون
والنبى معَّ حى: السلام عليك أيها النبى، فلما مات قالوا: السلام على النبى" وهذا
إسناد صحيح اهـ (٢-٢٦٠).
ووجه عدم الاحتجاج به أن هذا الموقوف يخالف المرفوع، فإن النبى عَّ له علم
التشهد تعليما عاما، وقد كان فى زمنه معدّ لّ من يصلى حاضرا معه، ومنهم من يصلى
غائبا عنه، ولم يفرق النبى عّلّ بينهما فى ذلك، ولا تفاوت بین من صلى فى زمنه ماێ.
غائبا عنه وبين من صلى بعد وفاته مت له، وهذا التغيير فيه مساغ للاجتهاد، فلا يقال: إن له
حكم الرفع، وأيضا فقد عارضه ما رواه سعيد بن منصور من طريق أبى عبيدة بن عبد الله
ابن مسعود عن أبيه أن النبى معَّ ر علمهم التشهد، فذكره قال: فقال ابن عباس: إنما كنا
نقول: السلام عليك أيها النبى إذ كان حيا، فقال ابن مسعود: هكذا علمنا وهكذا نعلم اهـ
ذكره الحافظ فى الفتح أيضا (٢- ٢٦٠). فهذا ظاهر فى أن ابن عباس إنما قاله بحثا، وأن
ابن مسعود لم يرجع إليه بل أجاب عنه بقوله: "هكذا علمنا وهكذا نعلم" قال الحافظ:
لكن رواية أبى معمر أصح، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه والإسناد إليه مع ذلك ضعيف
اهـ. قلت: قد مر غیر مرة أن الدارقطنی صحح حديث أبى عبيدة عن أبيه، فإما إن ثبت
عنده سماعه منه أو عرف أن الواسطة بينهما ثقة، فما أعله به الحافظ ليس بعلة وقد تأيدت
رواية أبى عبيدة بشواهد صحيحة، فإن ابن مسعود قد علم الناس(١) التشهد بلفظ الخطاب
بعده مّ، وكذا أصحابه كانوا يعملونه به، وهذا مما يصدق قوله فى هذه الرواية:
«هكذا علمنا وهكذا نعلم)) فافهم.
وقال الشيخ أطال الله بقائه: ويمكن أن يكون هذا التغيير من بعضهم بقصد إسماع
بعض الأعراب والعوام صدا لهم عن شائبة الشرك التى عسى أن يقعوا فيها توهما من
ظاهر الخطاب، كما قال عمر رضى الله عنه للحجر الأسود لما أراد تقبيله بمحضر من
(١) قد روى النسائى وسكت عنه عن علقمة عن ابن مسعود، فذكر التشهد بلفظ: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله
وبركاته، وفيه: قال عبيد الله: قال زيد عن حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: لقد رأيت ابن مسعود يعلمنا هؤلاء
الكلمات كما يعلمنا القرآن اهـ ملخصا (١-١٧٤) فثبت أن عبد الله كان يعلم التشهد بلفظ الخطاب.

ج - ٣
التشهد ووجوبه
٨٥٢- عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: ((كنا نقول قبل أن يفرض
التشهد: السلام على الله، السلام على جبرئيل وميكائيل، فقال رسول الله عَ اله
لا تقولوا هكذا فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، فذكره)) رواه
الدار قطنى (١٣٣:١) وقال: هذا إسناد صحيح، وصححه البيهقى أيضا كما
فى التلخيص الحبير (١٠٠:١).
العوام: "إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت النبى معَّ ه يقبلك ما
قبلتك"، رواه البخارى (١-٢١٧). قلت: وهذا يؤيد ما قدمنا من أن هذا التغيير فيه
مساغ للاجتهاد، فليس له حكم الرفع، والله أعلم.
قوله: "عن ابن مسعود برواية الدار قطنى إلخ". قلت: دلالته على وجوب التشهد
ظاهرة كما هو مقتضى قوله: "قبل أن يفرض التشهد" ومعناه الوجوب، كما صرح به
الشوكانى فى النيل بما نصه: وقد صرح صاحب ضوء النهار أن الفرض هنا بمعنى التعيين
وهو شىء لا وجود له فى كتب اللغة، وقد صرح صاحب النهاية أن معنى فرض الله
أوجب، وكذا فى القاموس وغيره، ومن جملة ما اعتذر به فى ضوء النهار أن قول ابن
مسعود هذا اجتهاد منه، ولا يخفى أن كلامه هذا خارج مخرج الرواية، لأنه بصددها لا
بصدد الرأى، وقول الصحابى: فرض علينا، وجب علينا إخبار عن حكم الشارع وتبليغ
إلى الأمة، وهو من أهل اللسان العربى، وتجويزه ما ليس بفرض فرضًا بعيدا اهـ (٢-١٧٦)
ملخصا.
قلت: وما قاله الشوكانى من أن الفرض بمعنى التعيين هو شىء لا وجود له فى
كتب اللغة فعجيب من مثله، قال فى القاموس: الفرض كالضريب التوقيت اهـ
(١-٤٥٧) والتوقيت هو التحديد والتعيين كما لا يخفى. وفى الصراح: قوله تعالى:
﴿لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضًا﴾ أى مقتطعا محدودا اهـ (ص-٢٨٣) وفى
الكشاف تحت قوله تعالى: ﴿أو تفرضوا لهنّ فريضة﴾: إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو
حتى تفرضوا، وفرض الفريضة تسمية المهراهـ (١-٢٧١). وفى حاشية الجمل على
الجلالين: قوله تعالى: ﴿وقد فرضتم لهن فريضة﴾ أى سميتم لهن فى العقد مهرًا اهـ،
وهذا فى غير المفوضة، وأما فى المفوضة فالمراد فيها بالفرض التقدير الحاصل بعد العقد اهـ

١٢٥
التشهد و وجوبه .
. إعلاء السنن
٨٥٣- عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: " كان النبى عليه يعلمنا
التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: تعلموا، فإنه لا صلاة إلا
بتشهد". رواه البزار برجال موثقين، وفى بعضهم خلاف لا يضر إن شاء الله
تعالى (مجمع الزوائد ٣٨:١).
٨٥٤- عن ابن مسعود قال: "من السنة أن يخفى التشهد". رواه الترمذى
وقال: حسن غريب، والعمل عليه عند أهل العلم. وقال الزيلعى (٣١٩:١):
(١-١٩٤). قلت: ولا يخفى أنه لا يستقيم الفرض فى هذه الآية، إلا بمعنى التقدير
والتحديد. وفى مجمع البحار: وحينئذ فرض لأسامة فى ثلاثة آلاف وخمسمائة أى قدر
ذلك المقدار من بيت المال رزقا له اهـ (٢-٦٩).
فقول صاحب ضوء النهار: إن الفرض هنا بمعنى التعيين لا يصح رده بما زعمه
الشوكانى، بل نقول: إن المراد بالفرض هنا الوجوب بدليل ورود صيغة الأمر فى التشهد،
كما مر، وبدليل قوله مّ له: تعلموا فإنه لا صلاة إلا بتشهد كما سيأتى فى رواية البزار
ورجاله موثقون. وذلك الوجوب يعم التشهد فى القعدة الأولى والأخرى، والفرض
والنفل، وبه قالت الحنفية، وفى الكافى: ظاهر الرواية عن أبى حنيفة أنهما (أى التشهدين)
واجبتان اهـ كذا فى حاشية النووى (١-١٧٣). وإنما لم نقل بفرضيتهما لأن الفرض لا
يثبت عندنا بخبر الواحد. وأيضا فقد ورد فى حديث رواه النسائى وغيره وسكت عنه
(١-١٧٩) عن ابن بحينة "أن النبى - صلى فقام فى الشفع الذى كان يريد أن يجلس
فیه، فمضی فی صلاته حتى إذا كان فى آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم .
أهــ قال السندى: قوله: فقام فى الشفع إلخ يدل على أن القعدة الأولى ليست مما يبطل
بتركها الصلاة، بل يجزئ عنها سجود اهـ. قلت: وهى مشتملة على التشهد أيضا، فثبت
أن ترك التشهد لا يبطل الصلاة، والفرق بين التشهد الأول والثانى يحتاج إلى دليل، وأما
الفرق بين القعدة الأولى والثانية فسيأتى.
قوله: "عن ابن مسعود برواية البزار إلخ". قلت: دلالته على وجوب التشهد
ظاهرة.
قوله: "عن (عبد الله) بن مسعود برواية الترمذى إلخ". قلت: دلالته على سنية

١٢٦
التشهد و وجوبه
ج - ٣
رواه الحاكم فى كتاب المستدرك، وقال: صحيح على شرط البخارى
ومسلم اهـ
إخفاء التشهد ظاهرة. واعلم أن المراد بالسنة إذا وردت فى الأحاديث هى الطريقة النبوية
دون المصطلحة، فإن الاصطلاح حادث لم يكن هناك، فتعم الواجب وغيره، قال فى
البحر: وصرحوا بأنه إذا جهر سهوا بشىء من الأدعية والأثنية ولو تشهدا فإنه لا يجب
عليه السجود، قال العلامة الحلبى: ولا يعرى القول بذلك فى التشهد من تأمل اهـ
(٢-٩٧).
قلت: محصله الاختلاف بين أصحابنا فى وجوب إخفاء التشهد، والظاهر وجوبه
لأن المواظبة على الإخفاء ثابتة كما يدل عليها رواية الترمذى المذكورة، وما رواه
الطحاوى حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عمر بن حبيب قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن
عبد الرحمان بن الأسود عن أبيه عن عبد الله أنه قال: أخذت التشهد من فى رسول الله
مرّله لقنيها كلمة كلمة، ثم ذكر التشهد الذى فى حديث أبى وائل (وهو مذكور قبل
ذلك) وزاد: قال: کانوا یخفون التشهد ولا یظهرونه اهـ. رجاله ثقات إلا عمر بن حبيب
فقد تكلموا فيه، قال زكريا بن يحيى الساجى: وكان صدوقًا ولم يكن من فرسان
الحدیث، وقال ابن عدى: هو حسن الحدیث یکتب حديثه مع ضعفه اه کذا فى التهذيب
(٧-٤٣٢). والحديث ذكره الحافظ فى الفتح كما مر، فهو حسن أو صحيح عنده على
قاعدته.
المواظبة بدون الترك دليل الوجوب:
والمواظبة بدون الترك دليل الوجوب عند بعض الحنفية كما صرح به المحقق فى
الفتح فى باب صلاة العيدين بما نصه: قوله: وجه الأول (أى الوجوب) مواظبة النبى مَ له
أى من غير ترك، وهو ثابت فى بعض النسخ، أما مطلق المواظبة فلا يفيد الوجوب اهـ.
وفى النهاية: ولا سنة دون المواظبة؛ والمواظبة إنما تكون دليل الوجوب إذا كانت من غير
ترك اهـ (٢- ٤٠). قلت: ولم يثبت ترك إخفاء التشهد أحيانا عنه عَّ له فالقول بوجوبه
أظهر (١) كما يشير إليه كلام الحلبى، والله أعلم.
(١) قلت: ولكنه لا يتم على قول صاحب البحر، فإن المواظبة بدون الترك لا تكفى عنده للوجوب، كما سيأتى فى
الباب الآتى.

١٢٧
إعلاء السنن
٨٥٥- عن عبد الله (ابن مسعودٍ) مرفوعا: إذا قعدتم فى كل ركعتين
فقولوا: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله
وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد
أن محمدا عبده ورسوله" الحديث أخرجه النسائى (١٧٤:١) وسكت عنه.
ورواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى من طرق بألفاظ فيها بعض اختلاف، وفى
بعضها طول، وجميعها رجالها ثقات، كذا فى النيل للشوكانى (٢: ١٦٥).
٨٥٦- عن الأسود قال: "كان عبد الله يعلمنا التشهد فى الصلاة، فيأخذ
علينا الألف والواو". رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد
١٩٨:١).
وجوب التشهد فى كل ركعتين:
قوله: "عن عبد الله برواية النسائى إلخ". قلت: هو صريح فى وجوب التشهد فى
كل ركعتين، ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها وفيه: "وكان يقول: فى كل
ركعتين التحية اهـ". وقد مر فى المتن فى باب هيئة جلسة التشهدين والإشارة.
وإطلاقه يعم الفرض والتطوع. ويعارضه فى التطوع ما رواه ابن حبان فى
صحيحه، وأبو العباس السراج فى مسنده عن عائشة (أن النبى معَ ◌ّه كان إذا أوتر بتسع
ركعات لم يقعد إلا فى الثامنة فيحمد الله ويذكره ثم يدعو ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلى
" التاسعة، فيجلس ويذكر الله ويدعو ثم يسلم تسليمة، ثم يصلى ركعتين وهو جالس))
الحديث وإسناده على شرط مسلم كذا فى التلخيص الحبير (١-١٠٤). والجواب عنه
بأنه حكاية فعل، وحديث الباب قول فيقدم عليه، ويمكن التطبيق بينهما بأن المراد بقولها:
"لم يقعد إلا فى الثامنة" لم يقعد قعودا طويلا إلا فى الثامنة، فجعلت قعوده مَّه فى الثانية
والرابعة والسادسة فى حكم العدم لخفته، فافهم، وسيأتى له مزيد تفصيل فى باب الإيتار
بثلاث فانتظر.
قوله: "عن الأسود إلخ". يدلّ على الاهتمام بتعليم التشهد، وشدة المحافظة على
ألفاظها، وهو مما يرجح تشهد ابن مسعود على غيره، فإنه لم يثبت عن غيره أنه فعل ذلك.

١٢٨
ج -٣
التشهد و و جوبه
٨٥٧- عن أبى راشد قال: "سألت سلمان الفارسى رضى الله عنه عن
التشهد فقال: أعلمكم كما علمنيهن رسول الله عَّ له، علمني رسول الله عد اله
التشهد حرفا حرفا، فذكر مثل ابن مسعود، وزاد: "وحده لا شريك له" بعد
أشهد أن لا إله إلا الله. رواه الطبرانى فى الكبير، والبزار وفيه بشر بن عبيد الله
الدارسی. کذبه الأزدی، وقال ابن عدى: منكر الحديث، وذكره ابن حبان فى
الثقات اهـ (مجمع الزوائد ١٩٩:١). ولكن تشهد ابن مسعود ليس فيه "وحده
لا شريك له"، وهو أصح سندا وأثبت، فيقدم على هذا مع جوازه أيضا.
٨٥٨- عن الفضل بن دكين عن سفيان عن زيد العمى عن أبى صديق
الناجى عن ابن عمر "أن أبا بكر كان يعلمهم التشهد على المنبر كما يعلم
الصبيان فى المكتب "التحيات لله، والصلوات والطيبات، فذكر مثل حديث ابن
مسعود سواء . رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه. ورواه أبو بكر بن مردويه فى
كتاب التشهد له من رواية أبى بكر مرفوعا أيضا، وإسناده حسن اهـ، (التلخيص
الخبير ١٠٣:١). قلت: رجال هذا السند رجال الجماعة : غير زيد، وقد وثق.
٨٥٩- عن معاوية بن أبى سفيان رضى الله تعالى عنهما "أنه كان يعلم
الناس التشهد وهو على المنبر عن النبى عّ لّه، التحيات لله والصلوات والطيبات
إلى آخره سواء". رواه الطبرانى فى معجمه (أى الكبير كما سيأتى) (كذا فى
الزيلعى ٢١٨:١). يعنى أن لفظ تشهده كلفظ ابن مسعود سواء. وفى التلخيص
الحبير (١٠٣:١): وحديث معاوية رضى الله عنه رواه الطبرانى فى الكبير، وهو
مثل حديث ابن مسعود رضى الله عنه وإسناده حسن اهـ.
قوله: "عن أبى راشد وعن الفضل بن دكين إلى آخر الأحاديث". دلالتها على
الجزء الأول من الباب ظاهرة.
فائدة:
قال الحافظ فى التلخيص: قوله (أى الرافعى): المنقول أن النبى م . كان يقول فى
تشهده: أشهد أنى رسول الله كذا قال، ولا أصل لذلك، بل ألفاظ التشهد متواترة عنه أنه

١٢٩
إعلاء السنن
عدد رواة التشهد:
وفيه أيضاً: فجملة من رواه أربعة وعشرون صحابيا اهـ.
باب ترك الزيادة على التشهد فى القعدة الأولى
٨٦٠- عن أبى عبيدة بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه
قال: " كان النبى عّ لّه فى الركعتين كأنه على الرضف، قلت: حتى يقوم؟ قال:
ذلك يريد". رواه النسائى فى صحيحه وفى التلخيص: (أى رواه) الشافعى
وأحمد والأربعة والحاكم، وهو منقطع، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه اهـ.
قلت: قد مر أن الدارقطنى صحح حديثه عن أبيه ولا يضر الاختلاف فى
التصحيح.
٨٦١- عن تميم بن سلمة " كان أبو بكر إذا جلس فى الركعتين كأنه على
الرضف". رواه ابن أبى شيبة، وإسناده صحيح (التلخيص الحبير ١٩٨:١).
٨٦٢- عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: "علمنى رسول الله
مَ طلّ التشهد فى وسط الصلاة وفى آخرها، قال: فكان يقول إذا جلس فى وسط
الصلاة وفى آخرها على وركه اليسرى: "التحيات لله والصلوات والطيبات،
كان يقول: أشهد أن محمدا رسول الله أو عبده ورسوله اهـ (١-٧٩). قلت: فيه دلالة
على تواتر التشهد ثبوتا، ولكنه لا يستلزم كون الأمر به متواترا، حتى يلزمنا القول
بفرصيته، فافهم.
باب ترك الزيادة على التشهد فى القعدة الأولى
قوله: "عن أبى عبيدة إلخ". قال العلامة السندى فى تعليقه على النسائى: قوله:
فى الركعتين كأنه على الرضف" - بفتح الراء وسكون ضاد معجمة وفاء- الحجارة
المحماة، الواحدة الرضفة، والمراد بقوله: "فى الركعتين" فى جلوس الركعتين فى غير
الثنائية، يدل عليه قوله: "حتى يقوم". وكونه على الرضف كناية عن التخفيف، و"حتى
فى قوله: "حتى يقوم" للتعليل، بقرينة الجواب بقوله: "ذلك يريد" اهـ (١-١٧٥).

١٣٠
ج - ٣
السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". قال: ثم إن
كان فى وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان فى آخرها دعا بعد
تشهده بما شاء الله أن يدعو ثم يسلم". رواه الإمام أحمد، ورجاله موثقون
(مجمع الزوائد ١٠١:١). ورواه الإمام ابن خزيمة (فى صحيحه) كذا فى
التلخيص (١٩٨:١).
٨٦٣- وعن عائشة رضى الله عنها: "أن رسول الله عّ لّه كان لا يزيد فى
الركعتين على التشهد". رواه أبو يعلى من رواية أبى الحويرث عن عائشة رضى
الله عنها والظاهر أنه خالد ابن الحويرث، وهو ثقة، وبقية رجاله رجال
الصحیح (مجمع الزوائد).
باب ما جاء فى الاقتصار على الفاتحة فى الأخريين
وجواز التسبيح موضعها، وجواز السكوت
٨٦٤- عن ابن أبى قتادة عن أبيه "أن النبى معَّ كان يقرأ فى الظهر فى
قلت: ولا يخفى أن التخفيف فى القعدة الأولى بالنسبة إلى الثانية إنما يحصل إذا لم
يصل ولم يدع فيها، فثبت مقصود الباب، وكذا دلالة أثر الصديق رضى الله عنه على
الباب بهذا التقرير ظاهرة، وحديثا عبد الله وعائشة رضى الله عنهما صريحان فى عدم
الزيادة على التشهد فى القعدة الأولى. وظاهر إطلاق الأحاديث يعم الفرض والتطوع،
واختلف أصحابنا فى التطوع، والراجح جواز الزيادة على التشهد فى القعدة الأولى منه،
ودليله (أى دليل جواز الزيادة فى التطوع) ما مر فى حديث رواه حبان والسراج "أن النبى
لتر كان إذا أوتر أوتر بتسع ركعات، لم يقعد إلا فى الثامنة فیحمد الله ویذ کره ثم يدعو
ثم ينهض ولا يسلم إلخ". وسيأتى البسط فى باب التطوع، فانتظره.
باب ما جاء فى الاقتصار على الفاتحة فى الأخریین
وجواز التسبيح موضعها، وجواز السكوت
قوله: "عن ابن أبى قتادة عن أبيه إلخ". قلت: دلالة الحديث على الجزء الأول من

١٣١
القراءة فى الركعتين الأخريين
إعلاء السنن
الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفى الركعتين الأخريين بأم الكتاب" الحديث.
رواه الإمام البخارى (١٠٧:١)، وله عنه رضى الله عنه فى رواية "أن النبى مرّ له
كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها فى الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة
العصر" الحديث.
الباب ظاهرة إلا أن فيه ذكر الظهر والعصر دون المغرب والعشاء، والأثر الثانى يدل على
الاقتصار عليها فى الركعة الأخيرة من المغرب أيضًا لما فيه من تخصيص الأوليين بقراءة
الفاتحة وسورة، فعلم أن ابن عمر كان لا يقرأ فى الركعة الأخيرة من المغرب مثل قراءته فى
الأوليين منه، بل كان يقتصر فيها على الفاتحة فحسب، وهو الأظهر، أو كان
يسبح أو يسكت.
وقد ورد ما يدل على الزيادة على أم القرآن فى الأخريين من الرباعية، وفى الأخيرة
من المغرب، ففى "نيل الأوطار" (٢-١٢٠): عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه ((أن
النبى معَّه كان يقرأ فى صلاة الظهر فى الركعتين الأوليين فى كل ركعة قدر ثلاثين آية،
وفى الأخريين قدر قراءة خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفى العصر فى الركعتين
الأوليين فى كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفى الأخريين قدر نصف ذلك)). رواه
أحمد ومسلم اهـ. فهذا يدل على أنه مَّ كان يزيد على الفاتحة فى كل ركعة من
الرباعية. وفى التلخيص الحبير (١-٨٧): وفى رواية لأحمد وابن حبان والبيهقى فى
قصة المسىء صلاته أنه قال له فى آخره: "ثم افعل ذلك فى كل ركعة" اهـ وفى بلوغ المرام
(١-٤٤) فى هذه القصة ما لفظه: ولأبى داود: "ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله" ولابن
حبان (فی صحیحه) "بما شئت اهـ".
قال بعض الناس: فثبت بهذا أن قراءة أم القرآن وما زاد عليها مأمور بها فى كل
ركعة اهـ. قلت: وسبق منا (فى الجزء الثانى من الإعلاء) أن رواية أبى داود وابن حبان
هذه شاذة، قد تفرد محمد بن عمرو بزيادة أم القرآن فيها، وخالف الثقات، فتذكر. وأما
ما ورد فى حديث المسىء صلاته من قوله مَّ له: (ثم افعل ذلك فى كل ركعة)) اهـ فالمشار
إليه بذلك هو الطمأنينة فى الركوع والسجود، لا القراءة، يدل عليه رواية محمد بن عمرو
بلفظ: "ثم اصنع ذلك فى كل ركعة وسجدة اهـ" وكذا فى الفتح للحافظ ابن حجر

١٣٢
ج - ٣
القراءة فى الركعتين الأخريين فى الصلوة المفروضة
٨٦٥- أخبرنا: مالك أخبرنا نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما "أنه كان
(٢-٢٣١)، والذى أمره النبى معَ ◌ّه فى الركوع والسجود إنما هو الطمأنينة لا القراءة،
كما لا يخفى، فحديث الأعرابى لا يدل على وجوب نفس الفاتحة فى الأوليين فضلا عن
وجوبها ووجوب الزيادة عليها فى الأخريين، فافهم. كيف؟ وقد صح عنه منّ أنه اقتصر
على الفاتحة فى الأخريين وفى رواية سعد أنه كان يحذف فيهما (أى فى الأخريين) كما
سيأتى، فلو وجبت الزيادة على الفاتحة فيهما لم يتركها قط، فلما علمنا ترك عدم وجوبها
فيهما. وحديث أبى سعيد رضى الله عنه محمول على الجواز إن صح ما ظنه، فإن صلاة
الظهر والعصر لا يجهر فيهما فمدار معرفة قدر القراءة فيهما على الظن أو الاطلاع عليه
من النبى مرّ، والأول أظهر لما فى رواية عنه عند مسلم (١-١٨٥): قال: "كنا نحزر(١).
قيام رسول الله معه فى الظهر والعصر، فحزرنا قيامه فى الركعتين الأوليين من الظهر
قدر قراءة "آلم تنزيل السجدة" وحزرنا قيامه فى الأخریین قدر النصف من ذلك، وجزرنا
قيامه فى الركعتين من العصر على قدر قيامه من الأخريين من الظهر، وفى الأخريين من
العصر على النصف من ذلك" ولم يذكر أبو بكر (أى شيخ مسلم) فى روايته "آلم تنزيل
السجدة" وقال: "قدر ثلاثين آية" اهـ. وروى مالك فى الموطأ (ص-٢٧) عن أبى عبيد
مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسبى عن قيس بن الحارث عن أبى عبد الله
الصنابحى أنه قال: "قدمت المدينة فى خلافة أبى بكر فصليت ورائه المغرب، فقرأ فى
الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة وسورة من قصار المفصل، ثم قام فى الثالثة، فدنوت
منه حتى أن ثيابى لتكاد أن تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية ﴿ربنا لا تزغ
قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ أهـ. وأورده الحافظ
فى الفتح (٢-٢١٦) فإسناده صحيح أو حسن على قاعدته، قلت: رجاله ثقات تابعيون،
وفيه الزيادة على الفاتحة فى الأخيرة من المغرب، وهو أيضًا محمول على الجواز لأن الفعل
لا يدل على الوجوب.
قوله: "أخبرنا مالك إلخ". الحديث يدل على جواز قراءة السورتين والسور فى
ركعة واحدة من المكتوبة، ويعرضه ما رواه الطحاوى قال: حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا أبو
(١) الجزر بالحاء المهملة والزاء المعجمة وبعدها راء مهملة معناه التقدير والخرص، كذا فى القاموس.

١٣٣
القراءة فى الركعتين الأخريين فى الصلوة المفروضة
إعلاء السنن
إذا صلى وحده يقرأ فى الأربع جميعا من الظهر والعصر فى كل ركعة بفاتحة
الكتاب وسورة من القرآن، وكان أحيانا يقرأ بالسورتين أو الثلاث فى صلاة
الفريضة فى الركعة الواحدة (جوازا)، ويقرأ فى الركعتين الأوليين من المغرب
كذلك بأم القرآن وسورة سورة". رواه الإمام محمد بن الحسن فى المؤطأ
(ص: ١٠١) وإسناده صحيح، ورجاله رجال الجماعة. قال محمد: السنة أن تقرأ
فى الفريضة فى الركعتين بفاتحة الكتاب وسورة، وفى الأخريين بفاتحة الكتاب،
وإن لم تقرأ فيهما أجزاك، وإن سبحت فيهما أجزاك، وهو قول أبى حنيفة
رحمه الله.
داود قال: ثنا شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ابن لبيبة قال: قال رجل لابن عمر: إنى
قرأت المفصل فى ركعة أو قال: فى ليلة فقال ابن عمر: "إن الله لو شاء لأنزله جملةً واحدةً
ولكن فصله لتعطى كل سورة حظها من الركوع والسجود" (١-٢٠٤). قلت: رجاله
ثقات إلا ابن لبيبة واسمه محمد بن عبد الرحمان بن لبيبة قد اختلف فيه، وثقه ابن حبان
وهو من رجال مسلم كما فى تهذيب التهذيب (٩-٣٠١) وفيه انقطاع، فإن ابن لبيبة من
السادسة كما فى التقريب (ص-١٨٩) والسادسة طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت
لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج (كذا فى التقريب ص-٣) ولكنه لا يضر عندنا
كما مر غير مرة، ويمكن التطبيق بأن فعله لبيان الجواز، وقوله لبيان السنية.
قال الطحاوى: حدثنا أبو بكرة قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان عن عاصم عن أبى
العالية قال: أخبرنى من سمع النبى عرّ له يقول: "لكل سورة ركعة" اهـ (١-٢٠٤) رجاله
ثقات، ورواه أيضًا أحمد عن أبى العالية ولفظه: قال: أخبرنى من سمع رسول الله مَ ظله
يقول: "لكل سورة حظها من الركوع والسجود" اهـ ورجاله رجال الصحيح، (كذا فى
مجمع الزوائد ١-١٨٧). فهذا يدل على أن السنة فى الصلاة أن تقرأ بعد الفاتحة سورة
واحدة، قال فى رد المحتار: قوله: سورة أشار إلى أن الأفضل قراءة سورة واحدة، ففى
جامع الفتاوى: روى الحسن عن أبى حنيفة أنه قال: لا أحب أن يقرأ سورتين بعد الفاتحة
فى المكتوبات، ولو فعل لا يكره، وفى النوافل لا بأس به اهـ (١-٥١٣) وسيأتى البسط
فى باب القراءة إن شاء الله تعالى.

١٣٤
ج -٣
القراءة فى الركعتين الأخريين فى الصلوة المفروضة .
٨٦٦- عن إبراهيم رحمه الله تعالى "إن ابن مسعود رضى الله عنه كان لا
يقرأ خلف الإمام وكان إبراهيم يأخذ به، وكان ابن مسعود إذا كان إماما قرأ فى
الركعتين الأوليين ولا يقرأ فى الأخريين". رواه الطبرانى فى الكبير، وإبراهيم لم
يدرك ابن مسعود (مجمع الزوائد ١٨٥:١) قلت: قد مر غير مرة أن مراسيله
فى حكم المسانيد، فلا يضر هذا لانقطاع.
٨٦٧- عن معمر عن الزهرى عن عبيد الله بن أبى رافع قال: " كان يعنى
عليا يقرأ فى الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ فى
الأخريين". رواه عبد الرزاق، وسنده صحيح (الجوهر النقى ١٣٣:١).
٨٦٨- نا: شريك عن أبى إسحاق عن على وعبد الله أنهما قالا: "اقرأ فى
الأوليين وسبح فى الأخريين". رواه ابن أبى شيبة، وفيه انقطاع، كذا قال
الزيلعى (٢٩١:١).
قوله: "عن إبراهيم إلخ". دلالته على جواز السكوت فى الأخريين ظاهرة، وكذا
دلالة حدیث معمر بعده.
قوله: "نا شريك إلخ". قلت: دلالته على جواز التسبيح مكان الفاتحة فى الأخريين
ظاهرة إلا أن قراءة الفاتحة أفضل من التسبيح، وهو أفضل من السكوت. قال فى غنية
المستملى: وليس المراد التسوية بين الثلاثة، فإن القراءة أفضل بلا شك، وكذا التسبيح
أفضل من السكوت بلا شك، ففى المحيط وغيره: قراءة الفاتحة وحدها فى الأخريين سنة،
وفى المرغينانى: أنها أفضل وفى الواقعات: هى أحب إلى أن قال: وعلى هذا اختلف فى
الاقتصار على السكوت، قيل: لا يكره، وقيل: يكره وهو الظاهر. وفى المحيط: لو سبح
فيهما ولم يقرأ لم يكن مسيئًا، ومثله فى المرغمينانى. قال السروجى: لأن القراءة شرعت
فيهما على وجه الثناء والذكر، ولذا تعينت الفاتحة لكونها ثناء اهـ. ولا خفاء على ظاهر
الرواية أن الإساءة منتفية فى الاقتصار على التسبيح، لأنهما إنما تثبت بترك الواجب،
والقراءة غير واجبة فيهما فى ظاهر الرواية، ولكن على قول من جعل القراءة فيهما سنة
-وهو ظاهر من مواظبته عليه السلام عليها- ينبغى أن يكره الاقتصار على التسبيح أيضا،
انتهى (ص-٢٧٣ و٢٧٤).

١٣٥
القراءة فى الركعتين الأخريين فى الصلوة المفروضة
إعلاء السنن
قلت: رجاله رجال الجماعة إلا شريكا لم يخرج له البخارى فى صحيحه
إلا تعليقا وأبو إسحاق لم يسمع من على وابن مسعود، كما يستفاد من التقريب
والتهذيب، وذلك لا يضر عندنا.
٨٦٩- عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال: "شكى أهل الكوفة سعدا
إلى عمر، فعزله واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن
يصلى، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق! إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن
تصلى، قال: أما أنا والله فإنى كنت أصلى بهم صلاة رسول الله عد له ما أخرم
عنها، أصلى صلاة العشاء فأركد فى الأوليين وأخف(١) فى الأخريين، قال: ذاك
الظن بك يا أبا إسحاق". الحديث رواه البخارى (١٠٤:١).
قوله: "عن جابر بن سمرة الحديثين إلخ". فيهما دلالة على تخفيف القراءة وحذفها
فى الأخريين من العشاء، والمراد به الاقتصار على الفاتحة فيهما. وفى رواية للبخارى عنه:
قال سعد: كنت أصلى بهم صلاة رسول الله مطل صلاتى العشاء الحديث (١- ١٠٥)
وفى نسخة: "صلاتى العشىء"، والمراد بصلاتى العشاء صلاة المغرب والعشاء، وبصلاتى
العشى صلاة الظهر والعصر، وقد مر أنه مرّ ◌ُّر كان يقتصر على الفاتحة فى الأخريين من
الظهر والعصر، وسيأتى أنه كان يفعل كذلك فى الأخريين من المغرب، فظهر بذلك أن
قول سعد: "وأخف أو أحذف فى الأخريين" معناه الاقتصار على الفاتحة وترك الزيادة
عليها فى الأخريين من العشاء، فاندفع بذلك ما قاله بعض الناس ولفظه: ولم أقف على
حديث ذكر فيه ذلك أى الاقتصار على الفاتحة فى الأخريين من العشاء، ووجه الاندفاع
ظاهر، فإن قول سعد فى الرواية الثانية: ((أما أنا فأمد فى الأوليين وأحذف فى الأخريين))
يعم الصلاة الرباعية كلها، وقد خص العشاء بالذكر فى الرواية الأولى، فثبت بذلك اتحاد
العشاء بسائر الرباعيات فى القراءة، فافهم.
(١) قوله: "وأخف" بضم أوله وكسر الخاء المعجمة، وفى رواية الكشميهنى: "وأحذف" يفتح أوله وسكون المهملة،
وكذا هو فى رواية عثمان بن سعيد الدارمى عن موسى بن إسماعيل شيخ البخارى فيه، أخرجه البيهقى، وكذا هو
فى جميع طرق هذا الحديث الذى وقفت عليها إلا أن فى رواية محمد بن كثير عن شعبة عند الإسماعيلى بالميم
بدل الفاء اه قاله الحافظ فى الفتح (١٩٧:٢).

١٣٦
ج - ٣
القراءة فى الركعتين الأخريين فى الصلوة المفروضة
٨٧٠- عن أبى عون قال: "سمعت جابر بن سمرة قال: قال عمر لسعد:
لقد شكوك فى كل شىء حتى الصلاة، قال: أما أنا فأمد فى الأوليين وأحذف
فى الأخريين، ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله عليه، قال: صدقت،
ذاك الظن بك أو ظنى بك" رواه البخارى (١٠٦:١).
٨٧١- أخبرنا: مالك حدثنا وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله
رضى الله عنه يقول: "من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء
أما قوله: "وأحذف فى الأخريين" فقد اختلف الشراح فى تفسير معناه، فقال
بعضهم: أراد به حذف التطويل، وقال بعضهم: معناه أحذف القراءة فى الأخريين، قال
العلامة العينى فى العمدة: واستدل بعض أصحابنا لأبى حنيفة ومن قال بقوله فى عدم
وجوب القراءة فى الأخريين بالحديث المذكور، وعن هذا قال صاحب الهداية وغيره: إن
شاء قرأ فى الأخريين، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت، وهو المأثور عن على وابن مسعود
وعائشة إلا أن الأفضل أن يقرأ اهـ (٣-٦٢).
قوله: "أخبرنا مالك حدثنا وهب إلخ". قلت: استدل بظاهره بعضهم على وجوب
قراءة الفاتحة فى الأخريين، فإن قوله: من صلى ركعةً إلخ يعم الأوليين والأخريين جميعاً،
ولكن الاستدلال به لا يتم، فإنه يمكن أن يراد بالركعة الصلاة، يؤيده حديث أبى هريرة
بلفظ: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهى خداج إلخ" أخرجه محمد فى
الموطأ (ص-٩٣) بسند صحيح وابن ماجة وغيره، وأخرجه الطيرانى فى الأوسط من
حديث مهران مرفوعًا، ولفظه: قال: "من لم يقرأ بأم الكتاب فى صلاته فهى خداج". قال
الهيثمى فى مجمع الزوائد (١- ١٨٦): وفى إسناده جماعة لم أعرفهم اهـ. نعم! يبعد هذا
الاحتمال رواية أحمد بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فى كل ركعة إلخ" ولكنى
لم أقف(١) على سندها فإن صحت كانت كافية فى الاستدلال بها على وجوب الفاتحة فى
الأخريين أيضًا، وكذا حديث أبى قتادة الدال على مواظبته مَّ ه على قراءة الفاتحة فى
الأخريين يفيد وجوبها، فإنه لم يثبت فى حديث أنه مرّظهر تركها فيهما أحيانا، والمواظبة
بدون الترك تفید الوجوب کما مر.
(١) قلت: وقد فتشت عليها فى مسند جابر من المسند فلم أجدها، والله أعلم.

١٣٧
القراءة فى الركعتين الأخريين فى الصلوة المفروضة
إعلاء السنن
الإمام". أخرجه محمد فى الموطأ (ص-٩٣) وإسناده صحيح، وأخرجه
الترمذى (٤٢:١) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد ولفظه:
قال: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فى كل ركعة إلا وراء الإمام" كذا فى
التعليق الممجد(ص-١٩٣)، وأخرجه الطحاوى (١٢٨:١) مرفوعا قال: حدثنا
بحر بن نصر قال: حدثنا یحیی بن سلام قال: ثنا مالك عن وهب بن کیسان عن
جابر بن عبد الله عن النبى عرّ ه أنه قال: "من صلى ركعة فلم يقرأ فيها بأم
المواظبة بدون الترك دليل السنة المؤكدة:
ويعكر عليه ما قاله فى البحر (١-١٨): والذى ظهر للعبد الضعيف أن السنة ما
واظب النبى معَّ عليه لكن إن كانت لا مع الترك فهى دليل السنة المؤكدة، وإن كانت مع
الترك أحیانا فھی دلیل غیر المؤ كدة، وإن اقترنت بالإنكار على من لم يفعله فھی دلیل
الوجوب، فافهم اهـ قلت: ولعل الحق لا يتجاوز عنه.
وفى التعليق الممجد عن الحلية ما نصه: هذا التخيير أى بين القراءة والتسبيح
والسكوت مروى عن أبى يوسف عن أبى حنيفة، ذكره فى التحفة والبدائع وغيرهما،
وزاد فى البدائع: هذا جواب ظاهر الرواية، وهو قول أبى يوسف ومحمد، وهذا يفيد أنه
لا حرج فى ترك القراءة والتسبيح عامدا، ولا سجود سهو عليه فى تركهما ناسيًا. وقد
نص قاضيخان فى فتاواه على أن أبا يوسف روى ذلك عن أبى حنيفة ثم قال قاضيخان:
وعليه الاعتماد، وفى الذخيرة: وهو الصحيح من الروايات، لكن فى محيط رضی الدین
السرخسى: وفى ظاهر الرواية أن القراءة سنة فى الأخريين ولو سبح فيهما ولم يقرأ لم
يكن مسيئًا لأن القراءة فيهما شرعت على سبيل الذكر والثناء، وإن سكت فيهما عمدا
يكون مسيئًا لأنه ترك السنة. وروى الحسن عن أبى حنيفة أنها (أى القراءة) فيهما واجبة
حتى لو تركها ساهيًا يلزمه سجود السهو، ثم فى البدائع: الصحيح جواب ظاهر الرواية
لما روينا عن على وابن مسعود (سيأتى سندهما) أنهما كان يقولان: المصلى بالخيار، وهذا
باب لا يدرك بالقياس، فالمروى عنهما كالمروى عن النبى مظهر، انتهى. ويمكن أن يقال:
وبهذا يندفع ترجيح رواية الحسن بما فى مسند أحمد عن جابر قال: ((لا صلاة إلا بقراءة
فاتحة الكتاب فى كل ركعة إلا وراء الإمام)) وبما اتفق عليه البخارى ومسلم عن أبى قتادة

١٣٨
ج - ٣
القراءة فى الركعتين الأخريين فى الصلوة المفروضة
القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام" اهـ. بحر بن نصر ثقة كذا فى التقريب
(ص-٢٢) ویحیی بن سلام تكلم فيه ضعفه الدارقطنى وغيره، وذكره ابن حبان
فى الثقات، وقال: ربما أخطأ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، ربما وهم، وقال أبو
حاتم: صدوق، وقال أبو العرب: كان من الحفاظ ومن خيار خلق الله اهـ ملخصا
من اللسان (٣٦٠:٦ و٣٦١) وبقية رجاله رجال الصحيح.
(أن رسول الله مرة كان يقرأ فى الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب)) لأن کون الأول مفيدا
للوجوب، والثانى مفيدا للمواظبة المفيدة للوجوب إنما هو إذ لم يوجد صارف عنه، وأما
إذا وجد صارف فلا، وقد وجد ههنا وهو أثر على وابن مسعود، لأنه كالمرفوع، والمرفوع
صورة ومعنى يصلح صارفًا، فكذا ما هو مرفوع معنى. انتهى كلام صاحب الحلية اهـ
(ص-١٠٢).
وقال المحقق ابن الهمام فی الفتح ما ملخصه: بقی أن یقال: فلم لم يثبت الوجوب
فى الأخريين كما هو محصل رواية الحسن عن أبى حنيفة أنه إذ لم يقرأ يكره ويسجد
للسهو؟ والجواب أن قول الصحابة على خلافه صارف له عن الوجوب، وذلك ما روى
ابن شيبة عن شريك عن أبى إسحاق السبيعى عن على وابن مسعود قالا: "اقرأ فى الأوليين
وسبح فى الأخريين"، وهو عن عائشة رضى الله عنها غريب بخلافه عن غيرها. وفى موطأ
محمد بن الحسن: حدثنا محمد(١) بن أبان القرشى عن حماد عن إبراهيم عن علقمة بن
قيس "أن عبد الله بن مسعود كان لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه وما يخافت فيه من
الأوليين ولا فى الأخريين وإذا صلى وحده قرأ فى الأوليين فاتحة وسورة، ولم يقرأ فى
الأخريين بشىء". وهذا بعد ما فى الأول من الانقطاع إنما يتم إذا لم يكن عن غيرهما بين
الصحابة خلافه، وإلا فاختلافهم حينئذ فی الوجوب لا يصرف دليله عنه، فالأحوط رواية
الحسن اهـ (١-٣٩٤).
قلت: قد عرفت أن الإرسال والانقطاع لا يضر عندنا إذا كانا من ثقة، ودليل
الوجوب ليس عند المحقق سوى ما فى حديث المسىء صلاته من قوله ما له: ((ثم افعل ذلك
فى صلاته كلها)) وفى رواية: ((فى كل ركعة) أو ما فى حديث أبى قتادة من المواظبة، وقد
(١) قد سبق قول أحمد فيه أنه لم يكن ممن يكذب، وأيضًا فلروايته هذه شواهد، فافهم.

١٣٩
القراءة فى الركعتين الأخريين فى الصلوة المفروضة
إعلاء السنن .
٨٧٢- ابن: (ثقة) أبى داود قد حدثنا قال: ثنا خطاب (ثقة عابد، كذا
فى التقريب) بن عثمان قال: حدثنا إسماعيل (ثقة فى حديث أهل بلده) بن
عیاش عن مسلم (هو الزنجى ظ- وثقه ابن معين وابن حبان والدارقطنى كذا فى
تهذيب التهذيب) بن خالد عن جعفر (من رجال مسلم صدوق ثقة مأمون) بن
محمد عن الزهرى (لا يسئل عن مثله) عن عبيد الله بن أبى رافع (ثقة كذا فى
التقريب) عن على رضى الله عنه "أنه كان يقرأ فى الركعتين الأوليين من الظهر
بأم القرآن وقرآن وفى العصر مثل ذلك، وفى الأخريين منهما بأم القرآن وفى
المغرب فى الأوليين بأم القرآن وقرآن، وفى الثالثة بأم القرآن. قال عبيد الله: وأراه
قد رفعه إلى النبى معَّ له " رواه الطحاوى (١٢١:١) ورجاله ثقات إلا أن فى
حديث إسماعيل بن عياش عن غير أهل الشام كلام، وللحديث شواهد
صحیحة فهو محتج به.
سبق منا أنهما لا ينتهضان دليلين على الوجوب، فبقى أثرا على وابن مسعود سالمين عن
المعارضة، فافهم.
وقال فى الدر: واكتفى المفترض فيما بعد الأوليين بالفاتحة، فإنها سنة على الظاهر،
ولو زاد لا بأس به وهو مخير بين قراءة الفاتحة، وصحح العينى وجوبها وتسبيح ثلاثًا أو
سكوت قدرها، وفى النهاية قدر تسبيحة فلا يكون مسيئا بالسكوت على المذهب اهـ.
وفى رد المحتار: قوله: وصحح العينى وجوبها، هذا مقابل ظاهر الرواية، وهو رواية الحسن
عن الإمام وصححها ابن الهمام أيضًا من حيث الدليل، ومشى عليها فى "شرح المنية"،
فأوجب سجود السهو بترك قراءتها ساهيا، والإساءة بتركها عمدا اهـ. وفيه أيضًا: قوله:
"وفى النهاية قدر تسبيحة" قال شيخنا (يعنى به ابن الهمام): وهو أليق بالأصول (حلية)
أى لأن ركن القيام يحصل بها لما مر أن الركنية تتعلق بالأدنى اهـ (١-٥٣٣). قلت: ففى
المسألة للإمام قولان مصححان، فاختر أيهما شئت، ولكن الأحوط هو العمل بالوجوب،
والله تعالى أعلم.
قوله: "ابن أبى داود قد حدثنا إلخ". قلت: دلالته على الاكتفاء بالفاتحة فى الأخيرة
من المغرب ظاهرة مرفوعًا.

ج -: ٣
١٤٠
باب افتراض القعدة الأخيرة قدر التشهد
وعدم افترض الصلاة والسلام بعد التشهد
٨٧٣- عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فی حدیث التشهد وقال بعد
قوله: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: قال: ((فإذا قضيت هذا أو قال: فإذا
فعلت هذا فقد قضيت صلاتك))، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد
باب افتراض القعدة الأخيرة قدر التشهد
وعدم افتراض الصلاة والسلام بعده
قوله: "عن عبد الله بن مسعود إلخ". قال فى عون المعبود (١-٣٦٧): قال الخطابى
فى المعالم: قد اختلفوا فى هذا الكلام، هل هو من قول النبى مه أو من قول ابن
مسعود؟ فإن صح مرفوعًا إلى النبى معَّةٍ ففيه دلالة على أن الصلاة على النبى مّ له فى
التشهد غير واجبة اهـ. وفيه: قال أبو الحسن السندى فى شرح شرح النخبة: وأما قول
الخطابى: اختلفوا فيه هل هو من قول النبى مطل أو من قول ابن مسعود؟ فأراد به اختلاف
الرواة فى وصله وفصله لا اختلاف الحفاظ، فإنهم متفقون على أنها مدرجة، كذا قاله
العراقى، انتهى. قلت: اتفاق الحافظ على إدراجه غير مسلم، فإن أبا داود رواه متصلا
بقوله مګ وسكت عنه، ولو كان مدرجا عنده لصرح به، وبعد ذلك فلا اختلاف بينهم
فى صحة وقفه، وقد بینا أن الموقوف فى مثله له حكم المرفوع، ويؤيده حديث عبد الله بن
عمرو مرفوعًا، فإنه بمعناه، وسیأتی ذکره عن قريب.
وفی نصب الراية (١-٢٢١): وقال ابن حبان بعد أن أخرج الحدیث فى صحيحه
فى النوع الحادى والعشرين من القسم الأول بلفظ السنن: وقد أوهم هذا الحديث من لم
يحكم الصناعة أن الصلاة على النبى مّظله فى التشهد ليست بفرض، فإن قوله: "إذا قلت
هذا" زيادة أدرجها زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر وقال: ذكر بيان (أى بيان اسم
راوى) أن هذه الزيادة من قول ابن مسعود لا من قول النبى مَّ له، وإن زهيرا أدرجه فی
الحديث. ثم أخرجه عن ابن ثوبان عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة به سندا
ومتنا، وفى آخره: قال ابن مسعود: فإذا فرغت من هذا فرغت من صلاتك، فإن شئت
٠