النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ ج - ٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة ٨٣٥- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: " كان رسول الله عَّ ◌ُله يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه وكان بين ذلك. وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوى جالسا، كان يقول: فى كل ركعتين التحية. وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراض السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم" رواه مسلم (١٩٤:١). عبد الله بن عمر: إنى أشتكى" اهـ. ولفظ البخارى: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر "أنه كان يرى عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يتربع فى الصلاة إذا جلس ففعلته وأنا يومئذ حديث السِّن فنهانى عبد الله بن عمر قال: إنما سنة الصلاة الحديث" والظاهر أن الواقعة واحدة، فلا يحمل حديث الباب على القعدة الأولى فافهم. قوله: "عن عائشة إلخ" قال النووى فى شرحه لمسلم: فيه حجة لأبى حنيفة ومن وافقه أن الجلوس فى الصلاة يكون مفترشا، سواء فيه جميع الجلسات اهـ (١-١٩٥). قلت: وأوله البيهقى بأن هذا وارد فى التشهد الأول، ورده العلامة ابن التركمانى فى الجوهر النقى بأن إطلاقه يدل على أن ذلك كان فى التشهدين بل هو فى قوة قولها: وكان يفعل ذلك فى التشهدين إذ قولها أولا: "وكان يقول: فى كل ركعتين التحية" يدل على هذا التقدير اهـ (١-١٤٨). وقال الشوكانى فى النيل: وأما حديث وائل وحديث عائشة فقد أجاب عنهما القائلون بمشروعية التورك فى التشهد الأخير بأنهما محمولان على التشهد الأوسط جمعا بين الأدلة، لأنهما مطلقان عن التقييد بأحد الجلوسين، وحديث أبى حميد مقيد، وحمل المطلق على المقيد واجب. ولا يخفاك أنه يبعد هذا الجمع ما قدمنا أن مقام التصدى لبيان صفة صلاته عرّه يأبى الاقتصار على ذكر هيئة أحد التشهدين وإغفال الآخر مع كون صفته مخالفة لصفة المذكور لاسيما حديث عائشة فإنها قد تعرضت فيه لبيان الذكر المشروع فى كل ركعتين، وعقبت ذلك بذكر هيئة الجلوس، فمن البعيد أن يخص بهذه الهيئة أحدهما ويهمل الآخر اهـ (٢-١٦٨). ١٠٢ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن ٨٣٦- عن: سمرة رضى الله عنه "نهى (رسول الله عَّ له) عن الإقعاء والتورك فى الصلاة" رواه الحاكم فى المستدرك والبيهقى (كنز العمال ١٠٤:٤). وإسناد المستدرك صحيح على قاعدة كنز العمال، وأورده فى العزيزى (٣٨٩:٢) عن أنس مرفوعا به وعزاه إلى الإمام أحمد والبيهقى ثم قال: وقال العلقمى: بجانبه علامة الصحة اهـ. واعلم أن الحافظ ابن حجر قال فى بلوغ المرام (١-٤٥) بعد ما أخرج حديث عائشة هذا: أخرجه مسلم وله علة اهـ. وقال الشوكانى فى النيل: (٢-١٦٩): وهى أنه رواه أبو الجوزاء عن عائشة رضى الله عنها قال ابن عبد البر: لم يسمع منها و حديثه عنها مرسل اهـ، قلت: قال الحافظ فى تهذيب التهذيب (١-٣٨٤): وقال جعفر الفریابی فی كتاب الصلاة: ثنا مزاحم بن سعيد ثنا ابن المبارك ثنا إبراهيم بن طهمان ثنا بديل العقيلى عن أبى الجوزاء قال: "أرسلت رسولا إلى عائشة يسألها فذكر الحديث" (أى حديث المتن). فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك، فشافهها على مذهب مسلم فى إمكان اللقاء اهـ، فهو صحيح متصل عند مسلم ولذا لم یذ کر له متابعا، فارتفع الإشكال. قوله: "عن سمرة إلخ". قلت: هذا صريح فى ترجيح ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من كراهة التورك فى الصلاة وعدم الفرق بين الجلستين فى الهيئة، كما فصل الشافعى رحمه الله تعالى ومن وافقه بينهما. ولا يجوز حمله على القعدة الأولى، فإن لفظ الصلاة عام لها وللقعدة الثانية كما لا يخفى، وأيضا فلو خص كراهة التورك بالأولى يلزم تخصيص كراهة الإقعاء بها أيضا، ولم يقل به أحد، بل الإقعاء مكروه فى الصلاة مطلقا عندهم جمیعاً، فكذا قرينه. وحديث أنس ذكره فى مجمع الزوائد (١-١٧٦) بلفظ: "إن النبى علّ نهى عن الإقعاء والتورك فى الصلاة". قال الهيثمى: رواه البزار عن شيخه هارون بن سفيان ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. قلت: لا يضرنا عدم وجدانه بعد تصحيح العلقمى للحديث. وفيه أيضا عن سمرة "أن النبى عّ لّ نهى عن التورك والإقعاء، وأن لا نستوفز فى صلاتنا". رواه البزار والطبرانى، وفيه سعيد بن بشير وفيه ٨٠ 8 B. 4 ١٠٣ ج - ٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة ٨٣٧- أخبرنا: مالك أخبرنا مسلم ابن أبى مريم(١) عن على بن عبد الرحمن المعاوى(٢) أنه قال: "رآنى عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى فى الصلاة، فلما انصرفت نهائى، وقال: اصنع كما كان رسول الله عَ ظله يصنع(٣)، فقلت: كيف كان رسول الله عَّ ه يصنع؟ قال: كان رسول الله عَ لّه إذا جلس وضع كقه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بالتى تلى الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى". رواه الإمام محمد ابن كلام اهـ. قلت: قال أبو حاتم: محله الصدق، وقال بقية سألت عنه شعبة فقال: ذلك صدوق اللسانى، وقال ابن الجوزى: وثقه شعبة ودحيم، وقال ابن عيينة: حدثنا سعيد بن بشير وكان حافظا اهـ ملخصا من الميزان (١-٣٧٦). وقد عرفت أن الراوى إذا اختلف فی توثيقه وتضعيفه فهو حسن الحدیث، فالحدیث يحتج به، ولاسيما وله شاهد من حديث أنس. فما روى عن أبى حميد من التورك فى القعدة الأخيرة لابد من حمله على العذر، فإنه إذا تعارض الحاظر والمبيح والقول والفعل يترجح الحاظر والقول على معارضه، والله أعلم. قوله: "أخبرنا مالك إلخ". قلت: دلالته على سنية الإشارة فى التشهد ظاهرة. قال فى التعليق الممجد: "قوله: وهو قول أبى حنيفة". قد ذكر ابن الهمام فى فتح القدير والشمنى فى شرح النقاية وغيرهما أنه ذكر أبو يوسف فى الأمالى مثل ما ذكر محمد، فظهر أن أصحابنا الثلاثة اتفقوا فى تجويز الإشارة لثبوتها عن النبى عّ لّ. وأصحابه بروايات متعددة وطرق متكثرة لا سبيل إلى إنكارها ولا إلى ردها، وقد قال به غيرهم من العلماء حتى قال ابن عبد البر: إنه لا خلاف فى ذلك. وإلى الله المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى كصاحب الخلاصة والبزازية والكبرى والعتابية والغيائية والولوالجية وعمدة المفتى والظهرية وغيرها حيث ذكروا أن المختار هو عدم الإشارة بل ذكر بعضهم أنها مكروهة، والذى حملهم على ذلك سكوت أئمتنا عن هذه المسألة فى (١) وثقة أبو داود والنسائى وابن معين، كذا فى الأسعاف. (٢) وثقة أبو زرعة والنسائى، كذا قال السيوطى. (٣) لعل عبثه كان فى حالة الجلوس فلذلك علمه كيفية الجلوس النبوى. ج - ٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة ١٠٤ الحسن فى "الموطأ" (ص١٠٦)، ورجاله ثقات من رجال مسلم، وقال: وبصنيع رسول الله ع آ نأخذ، وهو قول أبى حنيفة اهـ. ٨٣٨- عن وائل بن حجر قال: قلت: "لأنظرن إلى صلاة رسول الله ے ◌ّ، وساق الحديث، وفيه: ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده ظاهر الرواية، ولم يعلموا أنه قد ثبت عنهم بروايات متعددة، ولأنه ورد فى أحاديث متكثرة، فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم فى هذه المسألة مع كونه مخالفا لما ثبت عن النبى معَّ له وأصحابه، بل وعن أئمتنا أيضا، بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفى، وثبت عن رسول الله عَ ليه وأصحابه الإثبات لكان فعل الرسول وأصحابه أحق وألزم بالقبول، فکیف؟ وقد قال به أئمتنا أيضا اهـ (ص١٠٦). قلت: فلله دره لقد أصاب وأجاد، و شفی واشتفی. وقال الشرنيلالى فى "نور الإيضاح": وتسن الإشارة فى الصحيح لأنه معّ لّ رفع إصبعه السبابة وقد أحناها شيئًا، ومن قال: إنه لا يشير أصلا فهو خلاف الرواية والدراية. وفى "حاشيته" للطحطاوى: قوله: "وتسن الإشارة" أى من غير تحريك فإنه مكروه عندنا، كذا فى "شرح المشكاة" للقارئ، وتكون إشارته إلى جهة القبلة، كما يؤخذ من كلامهم، قوله: "فهو خلاف الرواية" لأنه روى فى عدة أخبار، منها ما أخرجه ابن السكن فى "صحيحه" عن ابن عمر قال: قال رسول الله مرّه: ((الإشارة بالإصبع أشد على الشيطان من الحديد» والمذکور فی کیفیة الإشارة قول أصحابنا الثلاثة، كما فى "الفتح" وغيره، فلا جرم أن قال الزاهدى: لما اتفقت الروايات عن أصحابنا جميعا فى كونها سنة، وكذا عن الكوفيين والمدنيين، وكثرت الأخبار والآثار كان العمل بها أولى، كما فى الحلبى وابن أمير حاج، قوله: و "الدراية" لأن الفعل يوافق القول، فكما أن القول فيه النفى والإثبات يكون الفعل كذلك، فرفع الإصبع النفى ووضعه الإثبات اهـ (ص١٥٦). ١ قوله: "عن وائل برواية أبى داود إلخ": قلت: دلالته على الباب ظاهرة، والحديث رواه أيضا النسائى وسكت عنه (١٨٦:١) وفيه: "وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين وحلق، ورأيته يقول هكذا وأشار بشر بالسبابة من اليمنى وحلق الإبهام ١٠٥ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن الیسری علی فخده اليسرى، وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين والوسطى اهـ"، وقال العلامة السندى: أى وضع حد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى. وهذا الوجه هو الموافق للرواية المتقدمة فى الكتاب، وهى "جعل حد مرفقه الأيمن على فخذه"، وسیجیء أيضا اهـ. قلت: وهو ما أخرجه النسائی وقد سكت عنه فى حديث وائل رضى الله عنه: "وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض اثنتين الحديث"، وقال المظهر: كما فى "عون المعبود" (٣٦١:١): أى رفع مرفقه عن فخذه وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتداهـ، وفى حديث صححه البيهقى، كما فى "عون المعبود" أيضا ناقلا من "المرقاة": "أنه عليه السلام جعل مرافقه اليمنى على فخذه اليمنى اهـ". قلت: ولعل الراجح ما قاله السندى، والمراد أنه عليه السلام وضع مرفقه الأيمن قريبا من فخذه اليمنى كأنه وضعها عليها مبالغة، فإن الحقيقة لا تتيسر إلا بتكلف، فافهم. واعلم أنه قد ورد فى وضع اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات مختلفة: إحداها: التحلیق، کما فی حدیث وائل هذا. والثانية: ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ((أن رسول الله مِّ كان إذا جلس فى الصلاة وضع يده اليمنى على ركبتيه اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة اهـ)) (٢١٦:١)، وفى "الحاشية": قال الطيبى فى " شرح المشكاة": أى عقد اليمنى عقد ثلاثة وخمسين، وذلك بأن يقبض الخنصر والوسطى ويرسل المسبحة ويضم إليهما الإبهام مرسلةً اهـ. والثالثة: قبض كل الأصابع والإشارة بالسبابة، كما مر فى حديث ابن عمر برواية محمد بن الحسن فى "الموطأ"، وأخرجه أيضا مسلم نحوه سندا ومتنا (٢١٦:١). والرابعة: ما أخرجه مسلم من حديث ابن الزبير رضى الله عنه بلفظ: ((كان رسول الله عَّ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبتيه)) اهـ (٢١٦:١). والخامسة: وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض، والإشارة بالسبابة، ج -٣٫ هيئة جلسة التشهدين والإشارة ١٠٦ وحلق حلقة، ورأيته يقول هكذا وحلق بشر (الراوى) الإبهام والوسطى، وأشار بالسبابة"، رواه أبو داود (٣٦١:١)، وسكت عنه، وفی حدیثه عند وقد أخرج مسلم رواية أخرى عن ابن الزبير تدل على ذلك، لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة ولم یذ کر القبض، ولفظه: ((ووضع يده الیسری علی ر کبته الیسری، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه))، وكذا فى رواية عن ابن عمر عنده اقتصر فيها على الوضع والإشارة بدون ذكر القبض (٢١٦:١)، وكذا أخرج أبو داود والترمذی من حدیث أبی حمید بدون ذکره فیمکن أن تحمل الرواية التى لم یذکر فیها القبض على الرواية التى فيها القبض حمل المطلق على المقيد، ولكن اختلاف الروايات فى كيفية الإشارة يقتضى أنه عرّ كان يفعل مرة كذا ومرة كذا، فلا يحمل إحداها على الأخرى. طريق التطبيق بين مختلف الحديث فى أكثر المواضع قال الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوى رحمه الله تعالى فى "أشعة اللمعات (٢٠٠:١): "وذر بعض احادیث اشارات بی عقد نیز آمده، ومختار بعض حنفيه این است، غالبًا عمل آنحضرت نیز مختلف بود گاهے چنین و گاهے چنان، ووجه تطبیق در اكثر مواضع كه روايات مختلف آمده همين است اهـ". وفى "التعليق الممجد" (ص١٠٦) ما نصه: وثبت التحليق بروايات أخر صحيحة، فيحمل الاختلاف على اختلاف الأحوال والتوسع فى الأمر، وظاهر بعض الأخبار الإشارة بدون التحليق والعقد، والمختار عند جمهور أصحابنا هو العقد أو التحليق، والثانى: أحسن، كما حققه على القارئ فى رسالته "تزيين العبارة" اهـ ملخصا. قلت: قال العلامة القارئ فى رسالته المذكورة ما نصه: والصحيح المختار عند جمهور أصحابنا أنه يضع كفيه على فخذه، ثم عند وصوله إلى كلمة التوحيد يعقد البنصر والخنصر ويحلق الوسطى والإبهام ويشير بالمسبحة رافعا لها عند النفى وواضعا لها عند الإثبات، ثم يستمر على ذلك، لأنه ثبت العقد عند الإشارة بلا خلاف، _ولم يوجد أمر يغيره، فالأصل إلقاء الشىء على ما هو عليه، واستصحابه إلى آخره، ومآله إليه هذا اهـ (ص١٧). ١٠٧ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن الضياء المقدسى:" وقبض اثنتين وحلق حلقة فى الثالثة"، كذا فى "كنز العمال" (٢٢١:١). وفى "عون المعبود" (٣٧٥:١) ما نصه: وفى المحل "شرح الموطأ": قال الحلوانى من الحنفية: يقيم إصبعه عند قوله: "لا إله" ويضع عند قوله: "إلا الله" فيكون الرفع للنفى والوضع للإثبات، وقال الشافعية: يشير عند قوله: "إلا الله"، وروى البيهقى فيهما حديثا ذكره النووی اهـ، قلت: لم أقف على أحد منهما، فإن سنن البیہقی و کثیرا من کتبه لیس عندی، فمن وقف عليهما فلیحقق سندهما. وفى "المسوى" للشيخ ولى الله: أكثر أهل العلم على استحباب الإشارة بالمسبحة اليمنى عند كلمة التهليل، ويشير عند قوله: "إلا الله"، وهو (أى استحباب أصل الإشارة) الصحيح من مذهب أبى حنيفة، ذكره محمد فى "الموطأ" اهـ، كذا فى "حاشية موطأ مالك"، وفى "الدر المختار مع رد المحتار" (٥٣٠:١)، بل فى متن "درر البحار" وشرحه "غرر الأذكار" (١): المفتى به عندنا أنه يشير باسطا أصابعه كلها، وفى "الشرنبلالية عن البرهان": الصحيح أنه يشير بمسبحته وحدها يرفعها عند النفى، ويضعها عند الإثبات. واحترز بالصحيح عما قيل: لا يشير لأنه خلاف الدراية والرواية، وبقولنا: بالمسبحة عما قيل: يعقد عند الإشارة اهـ، وفى العينى عن "التحفة": الأصح أنها مستحبة، وفى المحيط: سنة اهـ. قلت: وكونها سنة هو الصحيح عندى، صرح به فى "نور الإيضاح"، كما مر، فإن قلت: كيف يصح الاحتراز بلفظ المسبحة عما قيل: يعقد عند الإشارة؟ فإن الإشارة لا تكون إلا بها، سواء عقد أو لم يعقد. قلت: معناه أن قولنا: يشير بمسبحته وحدها يدل على أن الإشارة لا دخل فيها إلا للمسبحة فقط، وهذا احتراز عما قيل: يعقد عند الإشارة، فإن فى حالة العقد يكون لبقية الأصابع أيضا دخل ما فى الإشارة، فافهم فإن هذا غاية توجيه كلام البرهان، وقد غلطه الحلبى والطحطاوى والشامى فى ذلك، ولعلهم لم يفهموا مراده، والله أعلم. قال العلامة الشامى: والذى تحصل من كلام البرهان قول ملفق من القولين، وهو (١) كذا فى الأصل، وفى "رد المحتار" سماه غرر الأفكار، ولعله هو الصواب. ج -٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة ١٠٨ الإشارة مع بسط الأصابع بدون عقد، وقد علمت أنه خلاف المنقول فى كتب المذهب، وأن ما نقله الشارح عن درر البحار وشرحه خلاف الواقع، ولعله قول غريب لم نر من قاله، فتبعه فى البرهان ومشى عليه الناس فى عامة البلدان، وأما المشهور المنقول فى كتب المذهب فهو ما سمعته اهـ (١-٥٣١). قلت: فى قوله: "فهو ما سمعته" إشارة إلى ما ذكره قبل ما نصه: فهذه النقول كلها صريحة بأن الإشارة المسنونة إنما هى على كيفية خاصة وهى العقد أو التحليق، وأما رواية بسط الأصابع فليس فيها إشارة أصلا إلى أن قال: فليس لنا قول بالإشارة بدون تحلیق، ولهذا فسرت الإشارة بهذه الکیفیة فی عامة الكتب إلى أن قال: إنه ليس لنا سوى قولين، الأول وهو المشهور فى المذهب بسط الأصابع بدون إشارة، والثانى بسط الأصابع إلى حين الشهادة، فیعقد عندها ویرفع السبابة عند النفی ویضعها عند الإثبات، وهذا ما اعتمده المتأخرون لثبوته عن النبى معَّ بالأحاديث الصحيحة، ولصحة نقله عن أئمتنا الثلاثة، فلذا قال فى الفتح: إن الأول خلاف الرواية والدراية، وأما ما عليه عامة الناس فى زماننا من الإشارة مع البسط بدون عقد فلم أر أحدا قال به سوى الشارح تبعا للشرنبلالى عن البرهان اهـ. وأجاب عنه فى التحرير المختار بما نصه: إنما اختار صاحب البرهان بسط الأصابع كلها، والإشارة بالمسبخة فقط تحصيلا للمسنون من الإشارة وعملا بقوله عليه السلام: "أسكنوا فى الصلاة"، وحديث أبى حميد الساعدى خال عن ذكر القبض، ولفظه عند الترمذى: "فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه" والحاصل أنه اختلف التصحيح فى الكيفية، والكل وارد عنه عليه السلام، فما قاله فى البرهان لم يخرج عن السنة النبوية وإن كان المشهور خلافه. ثم رأيت فى شرح المشكاة لملا على قارئ فى رواية لمسلم من باب التشهد "أنه ظهر كان إذا جلس فى الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى والتى تلى الإبهام يدعو بها ويده اليسرى على ركبتيه باسطها عليها" ما نصه: ظاهر هذه الرواية عدم عقد الأصابع مع الإشارة وهو مختار بعض أصحابنا أهـ (ض-٦٣ و٦٤) ملخصا. ١٠٩ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن ٨٣٩- حدثنا عقبة (ثقة- تق) بن مكرم نا سعيد (صدوق يخطئ- تق) ابن سفيان الحجدرى نا عبد الله (مقبول) بن معدان قال: أخبرنى عاصم(١) بن كليب الحرمى عن أبيه عن جده (٢) قال: ((دخلت على النبى عّ لّه وهو يصلى، وقد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه وبسط السبابة، وهو يقول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبى وقال الطحطاوى فى حاشيته على مراقى الفلاح تحت قول المصنف: وأشرنا إلى أنه لا يعقد شيئا من أصابعه، وقيل: إلا عند الإشارة بالمسبحة فيما يروى عنهما اهـ ما نصه: صنیعه یقتضی ضعف العقد، ولیس کذلك إذ قد صرح فى النهر بترجيحه وأنه قول كثير من مشايخنا، قال: وعليه الفتوى كما فى عامة الفتاوى، وكيفيته أن يعقد الخنصر والتى تليها محلقا بالوسطى والإبهام، ومنه يعلم أنه اختلف الترجيح اهـ من السيد إلى أن قال: والعقد وقت التشهد فلا يعقد قبل ولا بعد، وعليه الفتوى اهـ (ص-١٥٧) ملخصا. قوله: "حدثنا عقبة بن مكرم إلخ". قلت: دلالته على وضع اليدين على الفخذين ظاهرة. قال المحقق فى الفتح: وفى مسلم: ((كان ◌َّ إذا جلس فى الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار باصبعه التى تلى الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى))، ولا شك أن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق، فالمراد - والله أعلم- وضع الكف ثم قبض الأصابع بعد ذلك عند الإشارة، وهو المروى عن محمد فى كيفية الإشارة اهـ (١-٢٧٢). قال الشيخ: فى هذا الحديث وأمثاله الوضع على الفخذين، وفى حديث عباس بن سهل وغيره ورد الوضع على الركبتين، والجمع بينهما بأن الكفين كانتا على الفخذين وأطراف الأصابع عند الركبتين، وهو المذهب عندنا كما فى فتح القدير (١- ٢٧٢): وينبغى أن يكون أطراف الأصابع على حرف الركبة لا مباعدة عنها اهــ والحكمة فيه أن الأصابع تتوجه إلى القبلة حيتئذ بخلاف ما ذهب إليه الطحاوى من أخذ الركبة، فإن الأصابع تكون حينئذ متوجهةً إلى الأرض اهـ. قلت: قد ورد فی فی رواية عند مسلم ما (١) عاصم وأبوه كلاهما صدوقان. (٢) شهاب بن مجنون صحابی. .: ١١٠ ج -٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة على دينك)) رواه الترمذى فى كتاب الدعوات من جامعه (١٩٨:٢) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه اهـ، قلت: وإسناده لا بأس به. ٨٤٠- عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رجلا كان يدعو بإصبعيه فقال يدل على قول الطحاوى وهِى ما رواه عن ابن الزبير قال: ((كان رسول الله عّ لّه إذا قعد یدعو (یتشهد) وضع يده الیمنی علی فخذه الیمنی ویده الیسری علی فخذه اليسرى وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم (يدخل) كفه اليسرى ركبته اهـ)) (١- ٢١٦). قال النووى: قد أجمع العلماء على استحباب وضعها (أى الكف اليسرى) عند الركبة أو على الركبة، وبعضهم يقول بعطف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله: "ويلقم كفه اليسرى ركبة اهـ" فالأوجه أن يقال: إن الكل ثابت عنه مّ لّهِ، والأخذ بكله واسع، والراجح ما ورد فى أكثر الروايات أنه يضع يديه على الفخذين أو عند الركبتين، والحكمة فيه ما مر أن فيه توجيه الأصابع إلى القبلة، وفى حديث عقبة بن مكرم ما يدل على أنه ينبغى أن يستمر على قبض الأصابع وبسط السبابة إلى آخر الصلاة، فإن الراوى رآه مَّه على هذه الحالة وهو يدعو ويقول: "يا مقلب القلوب! ثبت قلبى على دينك وذلك إنما هو فى آخر الصلاة، وأخذ بعض أصحابنا به كما مر عن القارئ، ولا يخفى أن بسط السبابة أعم من الإشارة فلا دلالة فيه على إبقاء الإشارة إلى آخر الصلاة بل على إبقاء القبض والبسط فحسب ولو بدون الإشارة، نعم! قال القارئ فى تزيين العبارة (ص-٨): وروى أبو يعلى نحوه وقال فيه بدل بسط يشير بالسبابة اهـ، فلو صح هذا لدل على إبقاء الإشارة أيضا إلى آخر الصلاة كما ذهب إليه بعض الأكابر. وفى المحلى شرح الموطأ: ونقل عن بعض أئمة الشافعية والمالكية أنه یدیم رفعها إلى آخر التشهد، واستدل له بما فى أبى داود "أنه رفع إصبعه، فرأيناه يحركها ويدعو" وفيه تحريكها دائما إذا الدعاء بعد التشهد، قال ابن حجر المكى: ويسن أن يستمر على الرفع إلى آخر التشهد انتهى كذا فى عون المعبود (١-٣٧٥) قلت: وقد عرفت أن الفتوى عندنا على أن يرفع عند النفى ويضع عند الإثبات وسيأتى الجواب عن رواية أبى داود هذه، فانتظر. قوله: "عن أبى هريرة رضى الله عنه إلخ". قلت: فيه دلالة على كراهة الإشارة ١١١ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن رسول الله عَ لّم: ((أحد أحد)) رواه الترمذى (١٩٥:٢) وقال: حسن غريب، ومعنى هذا الحديث إذا أشار الرجل بإصبعيه فى الدعاء(١) عند الشهادة لا يشير إلا بإصبع واحدة اهـ. ٨٤١- عن وائل بن حجر "أنه رأى النبى عّ لّ جلس فى الصلاة ففرش رجله اليسرى ووضع ذراعيه على فخذيه، وأشار بالسبابة يدعو بها" رواه النسائی (١٨٧:١) وسكت عنه. قلت: إسناده حسن. ٨٤٢- عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه "أن رسول الله مر ◌ّ كان إذا قعد فى التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة لا بالإصبعين، والمراد بالدعاء فى قوله: وكان يدعو بالإصبعين هو التشهد، كما مر وسیجیئ له زيادة تحقيق، فانتظر. قوله: "عن وائل بن حجر إلخ". قلت: فيه ذكر الوضع والإشارة بدون القبض والتحليق، ودلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. وقوله: "يدعو بها" قال فى عون المعبود ناقلا عن المرقاة ما نصه: والتشهد حقيقة النطق بالشهادة، وإنما سمى التشهد دعاء لاشتماله عليه، ومنه قوله فى الرواية الثانية: يدعو بها أى يتشهد بها اهـ (١-٣٧٥). قلت: وقد ورد تسمية الذكر بالدعاء فى عدة من الآيات، وفى حديث رواه الترمذى وصححه العزيزى عن شيخه (٢-٢٣٩) عن ابن عمر مرفوعًا: ((خير الدعاء (دعاء) يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير)» وفيما رواه الترمذى أيضا، وقال: حسن غریب، والحاكم وقال: صحيح، والنسائی وابن ماجة وابن حبان فى صحيحه كما فى العزيزى (١- ٢٤٥) عن جابر رضى الله عنه مرفوعًا ((أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله اه)). قوله: "عن عامر إلخ". قلت: فيه أيضا ذكر الوضع والإشارة بدون العقد، وقوله: "لا يجاوز بصره إشارته" أى بل كان يتبع بصره إشارته، لأنه الأدب الموافق للخضوع، (١) سمى التشهد دعاء لأن الثناء على الكريم دعاء، قاله الشيخ. ١١٢ ج - ٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة يجاوز بصره إشارته رواه النسائى (١٨٧:١) وسكت عنه. ٨٤٣- عن عبد الله بن الزبير "أن النبى عّ لّه كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها" رواه النسائى (١٨٧:١) وسكت عنه، وأخرجه أيضا أبو داود (٣٧٥:١). والمعنى لا ينظر إلى السماء حين الإشارة إلى التوحيد كما هو عادة بعض العوام، بل ينظر إلی إصبعه ولا یجاوز بصره عنها. قوله: "عن عبد الله بن الزبير". قلت: فيه نفى تحريك الإصبع عند الإشارة وهو المذهب عندنا، قال الطحطاوى فى حاشته على مراقى الفلاح: قوله: "وتسن الإشارة" أى من غيرٍ تحريك، فإنه مكروه عندنا، كذا فى شرح المشكاة للقارئ اهـ (ص-١٥٦). ولعل وجه الكراهة كونه عبثًا، قال الشيخ: والمكروه إنما هو تتابع التحريك كما هو عادة بعض الناس من الوهابية، فلو حرك مرة أو مرتين، أو تحركت الإصبع بدون القصد فلا يكره، فإن القليل منه لا يعد عبثا اهـ. وأما ما رواه النسائي وسكت عنه من حديث وائل بن حجر قال: قلت: "لأنظرن إلى صلاة رسول الله مَّ كيف يصلى، فنظرت إليه، فوصف وذكر الحديث إلى أن قال: ثم قبض اثنين من أصابعه، وخلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها، يدعو بها" مختصر اهـ (١-١٨٧) فهو محمول على معنى الرفع، كما فى عون المعبود ناقلا عن المحلى، ونصه: ففيه تحريك السبابة عند الرفع، وبه أخذ مالك والجمهور على أن المراد بالتحريك ههنا هو الرفع لا غير اهـ (١-٣٧٥). وفى المرقاة (١-٥٥٨): ويمكن أن يكون معنى "يحركها" يرفعها إذ لا يمكن رفعها بدون تحريكها، والله أعلم. قال المظهر: اختلفوا فى تحريك الإصبع إذا رفعها للإشارة، والأصح أنه يضعها من غير تحريك اهـ. وفيه أيضا (١-٥٥٩): قال ابن حجر: وخبر تحريك الأصابع مذعرة للشيطان ضعیف اهـ. قلت: ویترجح حدیث نفی التحريك على رواية التحريك بوجهين، الأول بأنه قال النووى فيه: إسناده صحيح، وهو يفيد الترجيح عند التعارض على حديث وائل، فإنه مسكوت عنه، قاله القارئ فی شرح المشكاة (١-٥٥٩). والثانی أن عبد الله بن الزبير حكى مواظبته مّ ر على عدم التحريك، فقال: "كان النبى مَّه يشير بإصبعه إذا ١١٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن ٨٤٤- عن خفاف رضى الله عنه بن أيماء بن رحضة الغفارى قال: "كان رسول الله عَّ يّ إذا جلس فى آخر صلاته يشير بإصبعه السبابة، وكان المشركون يقولون: "يسحر بها" وكذبوا، ولكنه التوحيد" ، رواه أحمد مطولا وقد تقدم فى صفة الصلاة، والطبرانى فى الكبير، كما تراه، ورجاله ثقات (مجمع الزوايد ١٩٧:١). ٨٤٥- عن مالك بن نمير الخزاعى من أهل البصرة أن أباه حدثه "أنه رأى دعا ولا يحركه اهـ". ولفظ "كان" يدل على المواظبة والاستمرار فى الأكثر، وأما وائل بن حجر فإنما حكى رويته التحريك فى صلاة واحدة، فهو محمول على التحريك اتفاقًا من غير قصد، والله أعلم. قوله: "عن خفاف إلخ". قلت: فيه دلالة على كون تلك الإشارة للتوحيد أى لإظهاره فعلا، ليتطابق فيه القلب واللسان وغيرهما من الجوارح، وهذا يقتضى أن يكون محل الإشارة قوله: لا إله إلا الله، فإنه هو المشتمل على التوحيد من بين كلمات التشهد، ولا يخفى أن التوحيد مشتمل على النفى والإثبات، فينبغى أن تكون الإشارة أيضا مشتملة عليهما، ومن ههنا قال أصحابنا أن يرفع السبابة عند قوله: لا إله، ويضعها على قوله: إلا الله، فيكون الرفع للنفى والوضع للإثبات. ومن قال بالرفع عند قوله: إلا الله، لم تكن الإشارة فى قوله مشتملة على النفى والإثبات جميعا، فافهم. وما ورد فى حديث أبى يعلى عن عاصم بن كليب عن أبيه عن جده (أنه مرّ له قبض أصابعه ويشير بالسبابة، وهو يقول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبى على دينك)) كما ذكره القارئ فى تزيين العبارة (ص-٨) وهو يدل على عدم وضع السبابة على قوله: إلا الله، بل يشعر ببقاء الإشارة إلى وقت الدعاء فى آخر الصلاة. فالجواب عنه أنه أراد بقوله: "يشير بالسبابة" أنه لم يقبضها مثل غيرها من الأصابع بل كانت مبسوطة، فعبر البسط بالإشارة، يدل عليه رواية الترمذى بلفظ: "بسط السبابة"، والله أعلم. وأيضا فلم أقف على صحة هذه الرواية التى أخرجها أبو يعلى، يمكن الجمع بين الروايتين بما قررنا آنفا على تقدیر صحتها، فلا إشكال. قوله: "عن مالك إلخ". قلت: دلالته على مسائل الباب ظاهرة مع بعض كيفية ١١٤ ج - ٣ رسول الله عّ لّ قاعداً فى الصلاة، واضعا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، رافعا إصبعه السبابة، قد أحناها شيئا وهو يدعو" أخرجه النسائى (١٨٧:١) وسکت عنه. ٨٤٦- عن عبد الله بن زبير رضى الله عنه قال: "كان رسول الله مَّ ◌َّه إذا جلس فى الثنتين أو فى الأربع يضع يديه على ركبتيه، ثم أشار بإصبعه". أخرجه النسائی وسكت عنه. ٨٤٧- حدثنا: على (ثقة، كما مر) بن محمد ثنا عبد الله (ثقة، كما مر) بن إدريس عن عاصم (صدوق) ابن کلیب (صدوق) عن أبيه عن وائل بن حجر قال: "رأيت النبى م ێے قد حلق الإبهام والوسطى، ورفع التى تليها، يدعو بها فى التشهد . رواه ابن ماجه (ص-٣٦). قلت: رجاله رجال مسلم غير على وكليب، والأول ثقة عابد، والثانی صدوق، وفى الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، كذا فى تعليق السندى (١٥٣:١). باب التشهد ووجوبه ٨٤٨- عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه. قال: كنا مع النبى عٍَّ فى الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبى الإشارة من الجنو. قوله: "عن عبد الله بن الزبير إلخ". قلت: فيه دلالة على كون الإشارة مسنونة فى كلا القعدتین. قوله: "حدثنا على إلخ". قلت: هو يدل على هيئة العقد والإشارة، وقد مر أن التحليق هو الأفضل عندنا وإن كان الكل واسعا. وقوله: "يدعو بها فى التشهد" معناه يشير بنها عند النطق بكلمة الشهادة، يعنى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، فافهم. باب التشهد ووجوبه قوله: "عن عبد الله الحديثين إلخ". قلت: دلالتهما على ألفاظ التشهد وعلى ١١٥ التشهد ووجوبه إعلاء السنن عَ لِّ: ((لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: "التحيات اللّه والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))، فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد فى السماء أو بين السماء والأرض. ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)). الحديث رواه الإمام البخارى (١١٥:١). وجوبه ظاهرة لوقوع صيغة الأمر فيهما، وأفضل التشهد عندنا تشهد ابن مسعود. قال إمامنا محمد بن الحسن فى الموطأ (ص-١٠٧): قال محمد: التشهد الذی ذکر (أى عن غير ابن مسعود) كله حسن، وليس يشبه تشهد عبد الله بن مسعود، وعندنا تشهده أهـ. وفى التلخيص الحبير: حديث ابن مسعود فى التشهد متفق على صحته وثبوته. قال الترمذى: هو أصح حديث روى فى التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، ثم روى بسنده عن خصيف "أنه رأى النبى ◌َّ فقال: يا رسول الله! إن الناس قد اختلفوا فى التشهد، فقال: عليك بتشهد ابن مسعود". وقال البزار: أصح حدیث فی التشهد عندی حدیث ابن مسعود رضى الله عنه، روى عنه من نيف وعشرين طريقا، ولا نعلم روى عن النبى منّ ◌ُلّر فى التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالا ولا أشد تظافرا بكثرة الأسانيد والطرق. وقال مسلم: إنما اجمتع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضًا، وغيره قد اختلف أصحابه. وقال محمد بن يحيى الذهلى: حديث ابن مسعود أصح ما روى فى التشهد. وروى الطيرانى فى التكبير من طريق عبد الله بن بريدة بن الخصيب عن أبيه قال: ما سمعت فی التشهد أحسن من حديث ابن مسعود. وقال الشافعى لما قيل له: كيف صرت إلى اختيار حديث ابن عباس فى التشهد؟ قال: " لما رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن عباس صحيحا كان عندى أجمع وأكثر لفظا من غيره، فأخذت به غير معنف بمن يأخذ بغيره مما صح ورجح غيره تشهد ابن مسعود بما تقدم، وبکون رواته لم یختلفوا فی حرف منه، بل نقلوه مرفوعًا على صفة واحدة بخلاف غيره اهـ ملخصا (١-١٠١). ١١٦ ج - ٣ التشهد و وجوبه ٨٤٩- وعنه: قال: علمنى رسول الله مآپآ التشهد و کفی بین کفیه كما يعلمنى السورة من القرآن، فقال: ((إذا قعد أحدكم فى الصلاة فليقل: التحيات الله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كل عبد صالح فى السماء والأرض. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)) اهـ. أخرجه الأئمة الستة عنه واللفظ لمسلم، زادوا فى رواية إلا الترمذى وابن ماجة: ((ثم وجوه الترجيح لتشهد ابن مسعود رضى الله عنه: وقال الحافظ فى الفتح ما نصه: وقال البزار لما سئل عن أصح حديث فى التشهد قال: هو عندی حديث ابن مسعود، وروى من نيف وعشرين طريقا، ثم سرد أكثرها وقال: لا أعلم فی التشهد اثبت منه ولا أصح أسانید ولا أُشهر رجالا اهـ. ولا اختلاف بين أهل الحديث فى ذلك، وممن جزم بذلك البغوى فى شرح السنة. ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره، وأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا فى ألفاظه بخلاف غيره، وأنه تلقاه عن النبى مّ تلقينا، فروى الطحاوى من طريق الأسود بن يزيد عنه قال: "أخذت التشهد من فى رسول الله مرّةٍ ولقنيه كلمة كلمة". وقد تقدم أن فى رواية أبى معمر عنه "علمنى رسول الله سّطفي التشهد وكفى بين كفيه" ولابن أبى شيبة وغيره من رواية جامع بن أبى راشد عن أبى وائل عنه قال: ((كان رسول الله عَّ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)). وقد وافقه على هذا اللفظ أبوسعيد الخدرى وساقه بلفظ ابن مسعود أخرجه الطحاوى، لكن هذا الأخير ثبت مثله فى حديث ابن عباس عند مسلم، ورجح أيضًا بثبوت الواو فى الصلوات والطيبات، وهى تقتضى المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلا بخلاف ما إذا حذفت، فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء فى الأول صريح فيكون أولى. ورجح بأنه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره، فإنه مجرد حكاية، ولأحمد من حديث ابن مسعود ((أن رسول الله عَ ليه علمه التشهد، وأمره أن يعلمه الناس)) ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته اهـ ملخصا (٢ -٢٦١). قلت: وقد علمت أن الأحاديث المذكورة فى الفتح صحاح أو حسان كما صرح به الحافظ فى مقدمته، فالأحاديث المذكورة فى عبارة الفتح هذه كلها محتج بها، فهذه ١٢٧ التشهد و وجوبه إعلاء السنن ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به)) قال الترمذى: أصح حديث عن النبى عَبٍّ فى التشهد حديث ابن مسعود، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين انتهى. ثم أخرج عن معمر عن خصيف(١) قال: رأيت النبى عَ ◌ّه (أى فى المنام) فقلت له: إن الناس قد اختلفوا فى التشهد، فقال: ((عليك بتشهد ابن مسعود)) اهـ (من الزيلعى ٢١٨:١). ٨٥٠- عن إبراهيم أن الربيع بن خثيم لقى علقمة فقال: "إنه قد بدا لى أن أزيد فى التشهد "ومغفرته" فقال له علقمة: ننتهى إلى ما علمناه اهـ. رواه تسعة وجوه ذكرها الحافظ لترجيح تشهد ابن مسعود على غيره، وإنما يشار كه تشهد ابن عباس فى الواحد فحسب. ورجح أيضا بما قاله الطحاوى: إنا قد رأينا عبد الله شدد فى ذلك حتى أخذ على أصحابه الواو فيه، كى يوافقوا لفظ رسول الله عَ ليه، ولا نعلم غيره فعل ذلك. فما روى عن عبد الله فيما ذكرنا ما حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمان بن يزيد قال: " كان عبد الله يأخذ علينا الواو فى التشهد اهـ" (١-١٥٧). قلت: رجاله كلهم ثقات. ورجح أيضا بما ذكره النووى فى الأذكار (ص-٣١): روينا فى سنن البيهقى بإسناد جيد عن القاسم قال: علمتنى عائشة رضى الله عنها قالت: هذا تشهد رسول الله مرّ له التحيات لله، فذكره كلفظ ابن مسعود إلى آخره. قال الزيلعى: وفيه فائدة حسنة وهى أن تشهده عليه السلام بلفظ تشهدنا اهـ (ص-٢١٨). فتلك عشرة كاملة من المرجحات لتشهد ابن مسعود بعد إخراج الواحد المشترك بينه وبين تشهد ابن عباس، وله ترجيحات أخر ستعرفها متفرقة فى كلامنا إن شاء لسيلك الله تعالی. قوله: "عن إبراهيم إلخ". قلت: فيه دلالة على أن أصحاب عبد الله كانوا يتنكبون. عن الزيادة فى التشهد، وينتهون إلى ما علموه، وكانوا أشد محافظة عليه، وهذا أيضا من وجوه الترجيح له. (١) قلت: لم أجد ذلك فى نسخة الترمذى الموجودة عندى، ولكين ذكره الزيلعى والحافظ ابن حجر وغزياة إلى الترمذى، فلعله كان موجودا فى النسخة الموجودة عندهما، والله أعلم. ١١٨ ج - ٣ التشهد و وجوبه الطحاوى (١٥٧:١) بإسناد رجاله ثقات إلا مؤملا فقد تكلم فيه، ووثقه ابن معین وغیره، کذا فی التہذیب (٣٨٠:١٠)، فالسند حسن. ٨٥١- حدثنا: فهدثنا أبو غسان (هو ابن معاوية ثقة حافظ) ثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق (هو السبيعى ثقة حافظ مشهور) قال: "أتيت الأسود ابن يزيد (ابن سليمان) فقلت: إن أبا الأحوص (هو مالك بن إسماعيل بن درهم حافظ ثقة إمام) قد زاد فى خطبة الصلاة " والمباركات " قال: فأته، فقل له: إن قوله: "حدثنا فهذا إلخ". قلت: فيه دلالة على أن الأسود كان يكره زيادة حرف فی تشهد ابن مسعود، وأسود تابعی جليل روى عن أبى بكر وعمر وحذيفة وابن مسعود وعائشة رضى الله عنهم، وغيرهم،، ذكره جماعة ممن صنف فى الصحابة لإدراكه، وقال ابن سعد: سمع من معاذ بن جبل باليمن قبل أن يهاجر، وقال العجلى: كوفى جاهلی (يعنى أدرك الجاهلية) ثقة، وذكره إبراهيم النخعى فيمن كان يفتى من أصحاب ابن مسعود، وقال ابن حبان فى الثقات: كان فقيها زاهدا اهـ من تهذيب التهذيب (١-٣٤٣) ملخصا. وقد عرفت أن قول التابعى الكبير حجة عند الحنفية، فقول الأسود يصلح دليلا لما قاله فى البحر بما نصه: ثم وقع لبعض الشارحين أنه قال: والأخذ بتشهد ابن مسعود أولى، فيفيد أن الخلاف فى الأولوية حتى لو تشهد بغيره كان آتيا بالواجب، والظاهر خلافه، لأنهم جعلوا التشهد واجبًا، وعينوه فى تشهد ابن مسعود، فكان واجبًا، ولهذا قال فى السراج الوهاج: ويكره أن يزيد فى التشهد حرفًا أويبتدئ بحرف قبل حرف، قال أبو حنيفة: ولو نقص من تشهده أو زاد فيه كان مكروهًا، لأن أذكار الصلاة محصورة فلا يزاد عليها اهـ. وإذا قلنا بتعينه للوجوب كانت الكراهة تحريمية، وهى المحمل عند إطلاقها كما ذكرنا غير مرة اهـ (١-٣٢٥). قلت: ولكن يعارضه ما مر من قول محمد فى الموطأ: التشهد الذى ذكر كله حسن، وليس يشبه تشهد عبد الله بن مسعود، وعندنا تشهده اهـ فإنه يشير إلى أن الخلاف إنما هو فى الأفضلية، والأخذ بكل تشهد حسن. وعلى هذا فما يستفاد من كلام أسود من أن الزيادة على تشهد بن مسعود تكره محمول على التنزيه وخلاف الأولى. قال الرملى: ١١٩ التشهد و وجوبه إعلاء السنن الأسود ينهاك، ويقول لك: إن علقمة ابن قيس يعلمهن من عبد الله كما يتعلم السورة من القرآن، عدهن عبد الله فى يديه، ثم ذكر تشهد عبد الله". رواه الطحاوى (١٥٧:١) ورجاله رجال الشيخين إلا فهد بن سليمان، وهو ثقة صحح له الطحاوى، ووثقه صاحب الجوهر النقى (٢٢١:٢). بل الظاهر أن الخلاف فى الأولوية، ومعنى قولهم: التشهد واجب أى التشهد المروى على الاختلاف لا واحد بعينه، وقواعدنا تقتضيه. ومن صبغ يده فى الفقه وعلم حقيقة اصطلاحهم رضيه، تأمل. ثم رأيت فى النهر قريبًا مما قلت فإنه قال: وأقول: عبارة بعضهم • بعد سبر وجوه ترجيحات (تشهد) ابن مسعود رضى الله تعالى عنه: فكان الأخذ به أولى وقال الشارح فی وجوه الترجيحات له: إنه عليه الصلاة والسلام أمره أن يعلمه الناس فيما رواه أحمد، والأمر للوجوب، فلا ينزل عن الاستحباب. وهذا صریح فی نفی الوجوب، وعليه فالكراهة السابقة تنزيهية اهـ. والله تعالى الموفق. وأقول: ولو قلنا: تحريمية فالمراد . الزيادة والنقص على المروى بمطلقه (لا على الواحد بعينه) تأمل. (كذا فى حاشية البحر للعلامة ابن عابدين ١-٣٢٥). وفى التعليق الممجد (ص-١٠٨): وقد ذكر ابن عبد البر أن الاختلاف فى التشهد وفى الأذان والإقامة وعدد التكبير على الجنائز وعدد التکبیر فی الیدین ورفع الأيدى عند الركوع والرفع (منه) فى الصلاة ونحو ذلك كله اختلاف فى مباح، وبمثله ذكر أحمد بن عبد الحليم بن تيمية فى منهاج السنة فليحفظ اهـ. وقال الإمام النووى فى شرح مسلم (١-١٧٣): واتفق العلماء على جواز كلها واختلفوا فى الأفضل منها، فمذهب الشافعی وبعض أصحاب مالك أن تشهد ابن عباس أفضل لزيادة لفظة "المباركات" فيه، وهى موافقة لقول الله عز وجل: ﴿تحية من عند الله مباركة طيبة﴾، ولأنه أكده بقوله: ((يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن اهـ)). قلت: زيادة "المباركات" يعارضها ما فى تشهد ابن مسعود من زيادة الواوات وهى أبلغ فى الثناء، ووروده بلفظ الأمر وليسا فى تشهد ابن عباس. قال الزيلعى (١-٢١٩): أما الأمر فلیس فی تشهد ابن عباس فی ألفاظهم الجمیع، وهی فی تشهد ابن مسعود، أما الواو فليست فى تشهد ابن عباس عند الجميع اهـ ملخصا بلفظه. والتأكيد المذكورة بلفظ: ١٢٠ ج -٣ التشهد ووجوبه يعلمنا التشهد إلخ قد ورد فى تشهد ابن مسعود أيضا كما ترى فى المتن، وفيه زيادة التأكيد بقوله: "كفى بين كفيه" وليست فى تشهد ابن عباس. ثم قال النووى: وقال أبو حنيفة وأحمد رضى الله عنها وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل، لأنه عند المحدثين أشد صحة وإن كان الجميع صحيحا، وقال مالك رحمه الله تعالى: تشهد عمر بن الخطاب الموقوف عليه أفضل، لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد، فدل على تفضيله، وهو: التحيات لله الزاكيات، لله الطبيبات، الصلوات لله، سلام عليك أيها النبى إلى آخره اهـ. وصححه النووى فى الأذكار (ص-٣١). ونقله الزيلعى فى نصب الراية (١-٢١٩) ثم قال: وهذا إسناد صحيح اه لكن فيه زيادة "لله" بعد "الطيبات" أيضا. قلت: وهذا الترجيح معارض بما ورد من تعليم الصديق رضى الله عنه وسيدنا معاوية لتشهد ابن مسعود على المنبر أيضا، كما سيجىء فى المتن، على أن حديث عمر رضى الله عنه فيه غير مرفوع حقيقة بخلاف حديث ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهما، ورجح فى الهداية تشهد ابن مسعود بما نصه: لأن فيه الأمر وأقله الاستحباب. والألف واللام وهما للاستغراق، وزيادة الواو وهى لتجديد الكلام كما فى القسم وتأكيد التعليم، اهـ (١-٢٧٣ مع الفتح). وأورد عليه وجود الألف واللام وتأكيد التعليم فى تشهد ابن عباس أيضا. وأجاب عنه المحقق فى الفتح بما نصه: قوله: "والألف واللام" هى فى رواية مسلم وأبى داود وابن ماجة عن ابن عباس رضى الله عنها، ورواية الترمذى والنسائى عنه بالتنكير وأصحاب الشافعى فى العمل على هذه الرواية، فصح الترجيح على ما ذهبوا إليه اهـ. قوله: "وتأكيد التعليم" يعنى به أخذه بيده لزيادة التوكيد ليس فى تشهد ابن عباس، أما نفس التعليم ففى تشهد ابن عباس اهـ (١-٢٧٣). قال الحافظ فى الفتح: وأما من رجحه (أی تشهد ابن عباس) بكون ابن عباس من أحداث الصحابة فیکون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو بکون إسناد حديثه حجازيا وإسناد ابن مسعود كوفيا، وهو مما يرجح به، فلا طائل فيه لمن أنصف، نعم! يمكن أن يقال: إن الزيادة التى فى حديث ابن عباس وهى "المباركات" لا تنافى رواية ابن