النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح واعترض الشيخ فى الإمام عليه بوجوه أحدها: تفرد ابن أبى ليلى وترك الاحتجاج به، وثانيها: رواية وكيع عنه بالوقف على ابن عباس وابن عمر، قال الحاكم: ووكيع أثبت من کل من روی هذا الحديث عن ابن لیلی. وثالثها: رواية جماعة من التابعين بالأسانيد الصحيحة عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس أنهما كان يرفعان أيديهما الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع، وقد أسنداه إلى النبى معَّ جُلّهه ورابعها: أن شعبة قال: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، وليس هذا الحدیث منها. وخامسها: أنه يستحيل أن یکون لا ترفع الأیدی إلا فى سبع مواطن صحيحا، وقد تواترت الأخبار بالرفع فى غيرها كثيرا، منها الاستسقاء، ورفعه مآ يديه فى الدعاء فى الصلات، وأمره به، ورفع اليدين فى القنوت فى الوتر، وفى صلات الصبح (من الزيلعى ملخصا ١-٢٠٦). والجواب عن الأول بأن ابن أبى ليلى لم يتفرد به، فقد روى الطبرانى فى معجمه: حدثنا أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمان النسائى ثنا عمرو بن يزيد أبو يزيد الحرمی ثنا سيف بن عبيد الله ثنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبى معَِّ قال: ((إن السجود على سبعة أعضاء إلى أن قال: ورفع الأيدى إذا رأيت البيت، وعلى الصفا والمروة وبعرفة، وعند رمى الجمار، وإذا قمت للصلاة) زيلعى (١-٢٠٦). قلت: ورجاله كلهم ثقات إلا سيف بن عبيد الله فصدوق، كما فى التقريب (ص-٨٣). وأخرج البيهقى من طريق الشافعى ثنا سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: حدثت عن مقسم عن ابن عباس عن النبى معٍَّ قال: رفع الأيدى فى الصلاة فذكر نحوه، وزاد ((وعلى الميت)) على أن ابن أبى ليلى وثقه العجلی وصحح له الترمذى أحاديث، منها حديثه فى باب ما جاء متى يقطع التلبية فى العمرة (١-١١١). وعن الثانى بأن البزار روى فى مسنده حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ثنا عبد الرحمان بن محمد المحاربى ثنا ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وعن نافع ٨٢ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن عن ابن عمر عن النبى عَّ ◌ُلّه قال: ((يرفع الأيدى فى سبع مواطن)) الحديث زیلعی (١- ٢٠٥). فهذا كما ترى رفعه عبد الرحمان بن محمد المحاربى، وهو ثقة أخرج له الشيخان فى صحيحهما، فالحديث مرفوع وإن وقفه وكيع، قال النووى فى مقدمة المنهاج وفى شرحه على مسلم (١-٢٥٦): إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم موقوفا وبعضهم مرفوعًا، فالصحيح الذى قاله المحققون من المحدثين، وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وصححه الخطیب البغدادى أن الحکم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ منه، لأنه زيادة ثقة وهى مقبولة اهـ، على أن وكيعا أيضا رفعه مرة کما ذکر البخاری معلقا فی کتاب رفع الیدین فقال: وقال و کیع: عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبى معدّ لّه قال: ((لا ترفع الأيدى إلا فى سبع مواطن)) الحديث كذا فى الزيلعى (١-٢٠٥). فثبت أن الحديث مرفوع برواية و کیع أيضا. والجواب عن الثالث بأن الآثار فى الرفع عن ابن عمر متعارضة، فقد روى مجاهد عنه ترك الرفع كما مر فى المتن بسند صحيح فلا حجة فيها، وأيضا فإن فعل الصحابى بخلاف مرويه لا يقدح فى صحة الحديث عند المحدثين كما مر، وعند الفقهاء إنما يقدح إذا ثبت خلافه بعد روايته، ولم يثبت، فسلم الحديث عن المعارضة. وعن الرابع بأن ابن أبى ليلى رواه عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وعن الحكم عن نافع عن ابن عمر والأول مرسل والثانى متصل وإذا اعتضد المرسل بالموصول فهو حجة عند الكل. كما ثبت فى الأصول. وأيضا فقد رواه عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عند الطبرانى كما مر، فالحديث متصل عن ابن عباس أيضا، على أن الحصر فى كلام شعبة استقرائى، وقال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم من حديث مقسم إلا خمس أحاديث، وعدها يحيى القطان، ومع ذلك روى الترمذى عن الحكم عن مقسم أحاديث كثيرة، وفى أكثرها لفظ السماع والتحديث، كذا فى مقدمة تنسيق النظام (ص-٤٩). ٨٣ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح وعن الخامس بما قاله فى البحر الرائق: إن المراد لا يرفع يديه على وجه السنة المؤكدة إلا فى هذه المواضع، وليس مراده النفى مطلقا، لأن رفع الأيدى وقت الدعاء (والقنوت وغيرهما) مستحب، كما عليه المسلمون فى سائر البلاد، وهكذا ذكر العينى فى شرح الهداية اهـ من بذل المجهود (٢-٨). وأما ما قاله فى الهداية: والذى يروى من الرفع محمول على الابتداء كذا نقل عن ابن الزبير رضى الله عنه، فأورد عليه الزيلعى بأنه غريب، وذكره ابن الجوزى فى التحقيق، فقال: وزعمت الحنفية أن أحادیث الرفع منسوخة بحديثین، رووا أحدهما عن ابن عباس قال: "كان رسول الله مَّه يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة وترك ما سوى ذلك" والثانی رووه عن ابن الزبير "أنه رأى رجلا يرفع يديه من الركوع، فقال: مه، فإن هذا شىء فعله رسول الله مَّ لّه ثم تركه". قال: وهذان الحديثان لا يعرفان أصلا وإنما المحفوظ عن ابن عباس وابن الزبير خلاف ذلك فأخرج أبوداود عن ميمون المكى "أنه رأى ابن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه حين يقوم وحين يركع وحين يسجد، قال: فذهبت إلى ابن عباس فأخبرته بذلك فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله مَظِلٍّ فاقتد بصلاة ابن الزبير". ولو صح ذلك لم تصح دعوى النسخ لأن من شرط الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ اهـ (١- ٢٠٦). قلت: وأحسن ما يستدل به على النسخ ما بیناه سابقا أن أحاديث الرفع قد ورد فيها ما اعترفتم بنسخه أيضا، كالرفع عند الرفع من السجدتين والرفع بين السجدتين وغيرهما، وقال الحافظ فى الفتح: روى الطحاوى حديث الباب (أى حديث ابن عمر) فى مشكله من طريق نصر بن على عن عبد الأعلى بلفظ: " كان يرفع يديه فى كل خفض ورفع وركوع وسجود وقيام وقعود وبين السجدتين، ويذكر أن النبى ◌ٍّ كان يفعل ذلك". وهذه رواية شاذة فقد رواه الإسماعيلى عن جماعة من مشائخه الحفاظ عن نصر بن على المذكور بلفظ عياش شيخ البخارى، وكذا رواه هو وأبو نعيم من طرق أخرى عن عبد الأعلى كذلك اهـ (٢- ١٥٥). قلت: سكوت الحافظ عن رجال الطحاوى يدل على أنهم ثقات، وزيادة الثقة ٨٤ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن مقبولة ما لم تكن مخالفة منافية لرواية الثقات، وههنا كذلك، فإن التطبيق ممكن بأنه معد له کانت عادته فی الرفع مختلفة، فمرة کان یرفع فی کل رفع وخفض وقيام وقعود، ومرة لم يرفع فى بعض المواضع، فروى ابن عمر كلا العادتين حسب ما رآه، فلا يترك أحد الحديثين بالآخر والحال هذه. قال البخارى فى جزء رفع اليدين: ما زاده ابن عمر وعلى وأبو حميد فى عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح، لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم اهـ كذا فى الفتح (٢-١٨٤). قلت: وهذا يؤيد ما قلنا فى التطبيق بين الأحاديث فلا يصح رد ما رواه الطحاوى، كيف؟ وقد وجدنا لما رواه شاهدا جيدا وهو ما فى مسند أحمد (٢-٣١٠): حدثنا عبد الله حدثنا أبى ثنا نصر بن باب (قال فيه أحمد: ما كان به بأس اهـ كذا فى تعجيل المنفعة ص-٤٣١) عن حجاج (هو ابن أرطاة قد مر توثيقه فى هذا الكتاب) عن الذيال بن حرملة قال: سألت جابر بن عبد الله "كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: كنا ألفا وأربعمائة، قال: وكان رسول الله عّ لِّ يرفع يديه فى كل تكبيرة من الصلاة" اهـ. والذيال بن حرملة وثقه ابن حبان، كذا فى تعجيل المنفعة (ص-١٢٢). وروى ابن ماجة فى سننه حدثنا هشام بن عمار ثنا رفدة بن قضاعة العسالى ثنا الأوزاعى عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن جده عمير بن حبيب قال: ((كان رسول الله مَّ ◌ُّ يرفع يديه مع كل تكبيرة فى الصلاة المكتوبة اهـ) (١-٦٢). قلت: رجاله كلهم ثقات إلا رفدة بن قضاعة فمختلف فيه، وثقه هشام بن عمار وضعفه آخرون، كذا فى التهذيب (٣-٢٨٣). فهو إذن حسن الحديث. وأعله أحمد بأن سماع عبد الله عن أبيه عبيد لا يعرف، كما فى التهذيب (٣-٢٨٤). قلت: قال الحافظ فى ترجمة عبيد بن عمير: روى عنه ابنه عبد الله وقيل: إنه لم يسمع منه اهـ (٧-٧١). وهذا يشعر بأن الراجح سماعه عنه، ولو سلم فالانقطاع بين الثقات ليس بعلة عندنا، والحديث يصلح متابعا لما رواه أحمد عن جابر والطحاوى عن ابن عمر فهذا يدل على أن رفع الیدین کان فى الابتداء فى مواضع عديدة من الصلاة، ثم ترك فى بعض المواضع اتفاقا، وقد روى عن ابن مسعود وعلى وأصحابهما والصديق وعمر بن الخطاب والبراء بن عازب رضى الله ٨٥ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح ٨٢٨- عن: شريك عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن البراء " أن رسول الله عّ لّه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود" أخرجه أبو داود (٢٢:٢ مع بذل المجهود) وقال: حدثنا عبد الله بن محمد الزهرى نا سفيان عن يزيد نحو حديث شريك لم يقل: " ثم لا يعود"، قال سفيان: قال لنا بالكوفة بعد: "ثم لا يعود"، قال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم وخالد وابن إدريس، لم يذكروا " ثم لا يعود"، ثم أخرج عن وكيع عن ابن أبى ليلى عن أخيه عيسى(١) عن الحكم عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن البراء بن عازب قال: "رأيت رسول الله مَّ له رفع يديه حين افتتح الصلاة، ثم لم يرفعهما حتى انصرف، قال أبو داود: هذا الحديث ليس بصحيح اهـ. قلت: نعم! ولكنه حسن كما سنذكره فى الحاشية. عنهم وغيرهم من الصحابة والتابعين ما يدل على أن الرفع عند الركوع والرفع منه متروك أيضا، وقد ثبت ذلك عنهم بأسانید صحیحة کما مر، فما ذهبنا إلیه قوی من حيث الرواية والدراية جميعًا، ولله الحمد. قوله: "عن شريك إلخ". قلت: تكلم أبو داود فى هذا الحديث بوجهين، الأول بما قاله سفيان: إن يزيد بن أبى زياد لم يذكر هذا اللفظ أولا، وذكره فى الكوفة بعد فكأنه تلقن، والثانى أن هشيما وخالدا وابن إدريس لم يذكروا عن يزيد "ثم لا يعود"، كما ذكره شريك عنه، فرواية شريك شاذة مخالفة للثقات. وتكلم فى حديث وكيع لأجل ابن أبى ليلى وهو محمد بن عبد الرحمان كما هو الظاهر. والجواب عن الأول أن يزيد بن أبى زياد من رجال مسلم والأربعة، وعلق له البخارى وقال يعقوب بن سفيان: ويزيد وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره فهو على العدالة (١) هكذا فى النسخ الموجودة للسنن عندنا، وأخرجه الطحاوى وفيه: عن ابن أبى ليلى عن أخيه وعن الحكم عن ابن أبى ليلى عن البراء (١٣٢:١)، ومثله فى مصنف ابن أبى شيبة، وقال فى الجوهر النقى: ذكر البيهقى أنه روى أيضا من جهة عيسى بن أبى ليلى وقيل: عن الحكم كلاهما عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، وأخرجه أبو داود من جهة عیسی والحکم اهـ (١٣٧:١). فالصحیح إثبات حرف العطف کما فی معانی الآثار، وخذفه من سند أبى داود من غلط الناسخین، فتنبه له. ٨٦ ترك رفع الیدین فی غير الافتتاح إعلاء السنن ٨٢٩- حدثنا: أبو بكرة قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان عن المغيرة قال: قلت لإبراهيم: حديث وائل "أنه رأى النبى معَ ◌ّه يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا والثقة وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور، وقال ابن شاهين فى الثقات: قال أحمد بن صالح المصرى: يزيد بن أبى زياد ثقة، ولا يعجبنى قول من تكلم فيه اهـ ملخصا من التهذيب (١١-٣٣١). وهذا تعديل مفسر يرد على ضعفه لتغيره، فإن أحمد بن صالح ويعقوب بن سفيان وثقاه مع علمهما بما قاله فيه غيرهما، ولم يؤثر ذلك عندهما. وأيضا فالمختلط والمتغير إذا توبع أو وجد لما رواه شاهد يقبل حديثه ويحتج به، كما ذكرناه فى المقدمة، ويزيد كذلك، فقد تابعه حكم وعيسى بن أبى ليلى عن عبد الرحمان بن أبى ليلى علی قوله: "ثم لا يعود"، كما أخرجه أبو داود والطحاوى والبيهقى عن وكيع، وكلاهما ثقتان، بل عيسى ثقة ثبت وهو أقوى من يزيد بلا شك، كما فى الجوهر النقى (١-١٣٧). وقول أبى داود فيه: "هذا الحديث ليس بصحيح" لا يضرنا، فإن محمد بن أبى ليلى وإن تكلم فيه فإنه ليس دون يزيد بل مثله، فقد أثنى عليه العجلى وقال: كان فقيها صاحب سنة، صدوقا، جائز الحديث، وقال يعقوب بن سفيان، ثقة عدل فى حديثه بعض المقال، كما فى التهذيب (٩-٣٠٢) وقد حسن له الترمذى غير ما حديث، فالحدیث حسن. وأما قول أبى داود: "إن هشيما وخالدا وابن إدريس لم يذكروا عن يزيد " ثم لا يعود" كما ذكره شريك عنه" فيعارض هذا قول ابن عدى فى الكامل: رواه هشيم وشريك وجماعة معهما عن يزيد بإسناده، وقالوا فيه: "ثم لم يعد" اهـ. وأخرجه الدار قطنى كذلك من رواية إسماعيل بن زكريا عن يزيد، وأخرجه البيهقى فى الخلافيات من طريق النضر بن شميل عن إسرائيل، هو ابن يونس بن أبى إسحاق عن يزيد اهــ كذا فى الجوهر النقى (١-١٣٦). فلاح بذلك عدم تفرد يزيد عن عبد الرحمان بن أبى ليلى وعدم تفرد شريك عن يزيد عنه فى قوله: "ثم لا يعود" بل لكل منهما متابع فى ذلك، فالحق أن الحديث حسن صالح للاحتجاج به، هذا والله تعالى أعلم. قوله: "حدثنا أبو بكرة إلخ". قلت: معنى قول إبراهيم إن وائلا قليل الصحبة بالنبى عَ ظُلّه وابن مسعود طويل الصحبة به، ولم يصل وائل معه إلا صلاة معدودة بخلاف ابن ٨٧ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك". رواه الطحاوى (١٣٢:١). قلت: سند حسن رجاله كلهم ثقات إلا مؤمل بن إسماعيل فمختلف فيه، وثقه بعضهم وتكلم فيه آخرون، وفى التقريب (ص-٢١٩): صدوق سىء الحفظ اهـ، ولما رواه شاهد من رواية أبى يوسف القاضى عن حصين بن عبد الرحمن وعمرو بن مرة عن النخعی وقد ذ کرناه قبل. مسعود، فإنه صلى معه صلاة كثيرة وشاهد من أحواله ما لم يشاهده وائل وأمثاله، فالترجيح لرواية ابن مسعود. واعترض على ذلك الفقيه أبو بكر بن إسحاق بأن هذه علة لا تسوى شيئًا لأن رفع اليدين قد صح عن النبى معَّه ثم عن الخلفاء الراشدين ثم عن الصحابة والتابعين وليس فى نسيان عبد الله بن مسعود رفع اليدين ما يوجب أن هؤلاء الصحابة لم يروا النبى عرّ له. رفع يديه، فد نسى ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون بعد وهى المعوذتان، ونسى ما اتفق العلماء كلهم على نسخه وتركه من التطبيق، ونسى كيفية قيام اثنين خلف الإمام، ونسى ما لم تختلف العلماء فيه أن النبی مێ صلى الصبح فى يوم النحر فى وقتها، ونسى كيفية جمع النبى معَّه بعرفة، ونسى ما لم يختلف فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض فى السجود ونسى كيف كان يقرأ النبى عرّ له ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾. وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا فى الصلاة كيف لا يجوز مثله فى رفع اليدين؟ اهـ، ذكره البيهقى عنه، كما فى الجوهر النقى (١-١٣٩). قلت: فحاصل قولك أن لا يحتج بشىء من أحاديث ابن مسعود رضى الله عنه أصلا لجواز طرؤ النسيان عليه، فليلزمك إخراج أحاديثه بأسرها عن كتب الحديث لاسيما عن الصحيحين، وإخراج اسمه عن جماعة حفاظ الحديث، واللوم على المحدثين الذين عدوه من حفاظ الصحابة كالذهبى فإنه ذكره فى تذكرته، وعده من الحفاظ، وأثنى عليه بأنه: صاحب رسول الله عَّ وخادمه، وأحد السابقين الأولين ومن كبار البدريين، ومن نبلاء الفقهاء والمقرئين، كان ممن يتحرى فى الأداء ويشدد فى الرواية، ويزجر تلامذته عن التهاون فى ضبط الألفاظ، وكان يقل من الرواية للحديث، ويتورع فى الألفاظ. وعن أبى ٨٨ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن عمرو الشيبانى "كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا لا يقول: قال رسول الله عَّ له، فإذا قال: قال رسول الله عَ لّه استقلته الرعدة، وقال: هكذا أو قريب من ذا"، وكتب عمر إلى أهل الكوفة "قد آثرتكن بعبد الله بن مسعود على نفسى" وقد نظر عمر مرة إليه فقال: "كنيف ملئ علما"، وسئل حذيفة عن أقرب الناس برسول الله عَّ لِ هديا ودلا وسمتا، فقال: "هو ابن مسعود لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد عّ لٍّ أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفى" اهـ ملتقطا من (١-١٣ و١٤ و١٥). فإن قلت: نفرق بين سائر أحاديثه وبين حديثه فى ترك رفع اليدين، فنقبلها ولا نقبله قلت: رحمك الله! فبين لنا وجه الفرق بينهما، فلم تركت حديثه فى ذلك لاحتمال النسيان؟ ولم تترك سائر أحاديثه بهذا الاحتمال بعينه؟ فإن قلت: وجه الفرق تفرده برواية ترك رفع اليدين دون ما سواه، قلت: هذه فرية بلا مرية، ودعوى بلا بينة، فقد صح عن على وعمر رضى الله عنهما ما يؤيد قول ابن مسعود ولم نجد أحدًا ذكر عثمان رضى الله عنه فى جملة من كان يرفع فى الركوع والرفع منه، فقولك: "إن الرفع فى الركوع صح عن النبى عدّ له ثم عن الخلفاء الراشدين ليس بصحيح، وقال ابن التركمانى: والذى روى عن عمر فى الرفع فى الركوع والرفع منه، ذكر البيهقى سنده وفيه من هو مستضعف، ولهذا قال البيهقى فى الباب السابق: ورويناه عن أبى بكر وعمر وذكر جماعة، ولم يذكره بلفظ الصجة كما فعل ابن إسحاق. ومقوله: "ثم عن الصحابة والتابعين" تساهل، فإن فى الصحابة من قصر الرفع على تكبيرة الافتتاح كما تقدم، وكذا جماعة من التابعين منهم الأسود وعلقمة وإبراهيم وخيثمة وقيس بن أبى حازم والشعبى وأبو إسحاق وغيرهم، روى ذلك كله ابن أبى شيبة فى مصنفه بأسانيد جيدة. وروى ذلك أيضا بسند صحيح عن أصحاب على وابن مسعود، وناهيك بهم (وفيهم كثرة لا تخفى) وقد ذكرنا أكثر ذلك فيما تقدم. وقوله: "وليس فى نسيان عبد الله إلى آخر" دعوى لا دليل عليها ولا طريق إلى معرفة أن ابن مسعود علم ذلك ثم نسيه، والأدب فى هذه الصورة التى نسبه فيها النسيان ٨٩ ج -٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح أن يقال: لم يبلغه(١) كما فعل غيره من العلماء. وقوله: "ونسى كيفية قيام الاثنين خلف الإمام" أراد به ما روى أنه صلى بالأسود وعلقمة فجعلهما عن يمينه ويساره، وقد اعتذر ابن سيرين عن ذلك بأن المسجد (أى البيت) كان ضيقا، ذكره البيهقى فيما بعد فى باب المأموم يخالف السنة فى الموقف. وقوله: "ونسى أنه عليه السلام صلى الصبح فى يوم النحر فى وقتها" ليس بجيدة إذ فى صحيح البخارى وغيره عن ابن مسعود أنه عليه السلام صلى الصبح يومئذ بغلس، فما نسى أنه صلاها فى وقتها بل أراد أنه صلاها فى غير وقتها المعتاد وهو الإسفار، وقد تبين ذلك بما فى صحيح البخارى من حديثه: فلما كان حين يطلع الفجر قال: "إن النبى عَ ظٍّ كان لا يصلى هذه الساعة إلا هذه الصلاة فى هذا المكان فى هذا اليوم". وقوله: "نسى ما لم يختلف العلماء فيه وضع المرفق والساعد إلى آخره" أراد بذلك ما روى عن ابن مسعود أنه قال: "هينت عظام ابن آدم للسجود (٢)، فاسجدوا حتى بالمرافق" إلا أن عبارة ابن إسحاق ركيكة، والصواب أن يقال: من كراهة وضع المرفق والساعد. وفى المحتسب لابن جنى: قرأ "والذكر والأنثى" بغير "ما" (خلق) النبى عليّ وعلى وابن مسعود وابن عباس. وفى الصحيحين أن أبا الدرداء قال: "والله لقد أقرأنيها رسول الله عَ ◌ّةٍ ". فثبت أن ابن مسعود لم ينفرد بذلك، ولا نسلم أنه نسى كيف كان (١) وهذا ليس بنقص فقد خفى بعض الأحكام على الصديق وعلى وعمر رضى الله عنهما، حتى أخبرهما من هو أصغر منهما كما لا يخفى على من مارس الحديث. (٢) قلت: لم يجب ابن التركمانى عن هذا الإيراد، وظنى أن رواية السجود على المرافق لا تصح عنه فقد روى الطيرانى فى الكبير عن ابن مسعود "أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم" وإسناده حسن إلا أنه فيه إسماعيل بن عمرو البجلی متكلم فيه وثقه ابن حبان، وروى عنه أيضا "إذا سجد أحدكم فلا يسجد مضطجعا ولا متور كا" وسنده صحيح، ولا يخفى أن السجود على المرافق هو السجود مضطجعا بعينه، وقد نهى عنه، وروى الطبرانى فى الكبير أيضا عن عبد الله بن زياد قال: حدثنى من رأى ابن مسعود قال: " كأنى أنظر إليه وهو ساجد فجافى مرفقيه حتى كدت أن أرى بياض إبطيه" ذكر الروايات كلها الهيثمى فى مجمع الزوائد (١-١٩١ و١٩٢). وفيها موافقة لما روته جماعة الصحابة رضى الله عنهم من السجود على سبعة أعظم، وكراهة وضع المرافق والساعد فيه، فلا يقبل ما يخالفه إلا بعد النظر فى إسناده، والله أعلم. ٩٠ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن النبى معَّ يقرأها، وإنما سمعها على وجه آخر فأدى كما سمع اهـ من الجوهر النقى (١-١٣٩ و١٤٠). وأما قوله: "وقد نسى ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون بعد، وهى المعوذتان إلخ". ففيه أن ابن مسعود لم ينسهما ولم ينكر كونهما قرآنا منزلا من الله، وكيف يسوغ له أو لأحد من العرب ذلك؟ وهو يشاهد فيهما من الإعجاز مثل ما فى غيرهما من السور، بل إنما كان ينكر إدخالهما فى المصحف لظنه أنهما أنزلنا للتعوذ فقط لا للتلاوة، ومن هنا يظهر لك تحامل البيهقى على الحنفية حيث يجرح أدلتهم بذكر أمثال هذه الأقوال التى فيهما إساءة الأدب بحق الصحابة، ويسكت عنها ولا يردها على قائلها. وأيم الله! إنى معترف بجلالة البيهقى وثقته وزهده وحفظه. وبعظيم منته على المسلمين، وكذا بجلالة الفقيه أبى بكر بن إسحاق، ولكن جلالة الصحابة وعظمتهم وأدبهم فى القلب أعظم من جلالة جميع الناس بعدهم، فلم يسغى السكوت فى هذا المقام، ورأيت رد هذه الأقوال وإظهار خطاء قائلها ألزم وأولى، هذا ولله الحمد فى الآخرة والأولى. تكميل: قال الشوكانى فى النيل: إنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقى أنه قال بعد أن ذكر رسول الله عَّ ◌ٍ كان برفع يديه عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الاعتدال: "فما زالت صلاته حتى لقى الله تعالى" اهـ (٢-٦٧). وقال فى (ص-٦٨) منه بعد نقل الحديث بلفظ البخارى ومسلم بدون زيادة "فما زالت تلك صلاة إلخ" ما نصه: الحديث أخرجه البيهقى بزيادة "فما زالت تلك صلاته حتى لقى الله تعالى". قال ابن المدينى: هذا الحديث عندى حجة على الخلق كل من سمعه فعليه أن يعمل به، لأنه ليس فى إسناده شىء اهـ. وهذا يوهم بظاهره أن ابن المدينى قواه مع هذه الزيادة التى ذكرها البيهقى، وأنه ثابت عن رسول الله مرّ بها وليس فى إسناده بهذه الزيادة شىء، وهذا غلط، بل كلام ابن المدينى راجع إلى الحديث بلفظ أخرجه الشيخان ولا ريب فى صحة إسناده وخلوه عن العلة، نعم! لنا كلام فيه من حيث المعنى لتعارض الآثار عن ابن عمر فى ذلك كما ٩١ ج - ٣ باب هيئة جلسة التشهدين والإشارة ٨٣٠- عن: وائل بن حجر قال: "قدمت المدينة، قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله عَ ◌ّه، فلما جلس يعنى للتشهد افترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى يعنى على فخذه اليسرى، ونصب رجله اليمنى". رواه الترمذى (٣٨:١) وقال: حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم اهـ. ذكرناه قبل. وأما هو بالزيادة التى رواها البيهقى فليس بصحيح أصلا، بل كأنه موضوع، فإن الزيلعى سرد سنده وقال: قال الشيخ فى الإمام: ويزيل هذا التوهم يعنى دعوى النسخ ما رواه البيهقى فى سننه من جهة الحسن بن عبد الله بن حمدان الرقى ثنا عصمة بن محمد الأنصارى ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله عّ لٍّ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك فى السجود، فما زالت تلك صلاته حتى لقى الله تعالى". رواه عن أبى عبد الله الحافظ عن جعفر بن محمد بن نصر عن عبد الله بن قريش بن خزيمة الهروى عن عبد الله بن أحمد الدجمحى عن الحسن به اهـ (١-٢١٣) وعبد الرحمان بن قريش اتهمه السليمانى بوضع الحديث كما فى اللسان (٣-٤٢٥) ولم يوثقه أحد. وعصمة بن محمد الأنصارى قال أبو حاتم: ليس بقوى، وقال يحيى بن معين: كذاب يضع الحديث، وقال العقيلى: يحدث بالبواطيل عن ثقات، وقال الدارقطنى وغيره: متروك، وقال ابن عدى: عصمة بن فضالة بن عبيد الأنصارى مدنى كل حديثه غير محفوظ اهـ من اللسان (٣-١٧٠). فلا حجة فیه، ولا يدفع به دعوی النسخ أصلا، فتنبه له فقد اغتر بهذه الزيادة كثير من الناس، والله أعلم. باب هيئة جلسة التشهدين والإشارة قوله: "عن وائل بن حجر الحديثين إلخ". قلت: ذهب أبو حنيفة وأصحابه والثورى وابن المبارك وأهل الكوفة إلى استحباب فرش اليسرى والجلوس عليها، ونصب اليمنى فى التشهدين، وقال مالك والشافعى وأصحابه: إنه يتورك المصلى فى التشهد الأخير، وقال أحمد بن حنبل: إن التورك يختص بالصلاة التى فيها تشهدان، (كذا فى النيل ٢-١٦٧). . وعند بعض المالكية الإفتراش فيهما كما عند الحنفية، (كذا فى حاشية مسند الإمام ٩٢ إعلاء السنن ٨٣١- وعنه: قال: "صليت خلف رسول الله ◌ّ له، فلما قعد وتشهد فرش قدمه اليسرى على الأرض وجلس عليها". رواه سعيد بن منصور والطحاوى، وإسناده صحيح (آثار السنن ١٢٣:١). ٨٣٢- عن: عباس بن سهل الساعدى رضى الله عنه قال: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله صَ لِّ فقال أبو حميد: "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله عَّ له إن رسول الله عَ ليه ص-٧٥). وليحفظ لفظ الترمذى فى الأول: "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم"، وقوله فى حديث أبى حميد: "وبه يقول بعض أهل العلم"، فإن فيه دلالة على أن قول الأكثر موافق لقول أبى حنيفة فى هذا الباب. ودلالة الحديثين على قوله ظاهرة، ووجه الاستدلال بهذين الحديثين وبما بعده من حديث رفاعة وابن عمر أن رواتها ذكروا هذه الصفة لجلوس التشهد ولم يقيدوه بالأول، واقتصارهم عليها من دون تعرض لذكر غيرها مشعر بأنها هى الهيئة المشروعة فى التشهدين جميعاً، ولو كانت مختصة بالأول لذكروا هيئة التشهد الأخير ولم يهملوه، لاسيما وهم بصدد بيان صلاة رسول الله عَّ ◌ُّه وتعليمه لمن لا يحسن الصلاة، فعلم بذلك أن هذه الهيئة شاملة لهما. قوله: "عن عباس بن سهل إلخ". قلت: ورد فى رواية أخرى عن أبى حميد "حتى کانت الر کعة التى تنقضی فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركا، ثم سلم" أخرجه الترمذى (ص- ٤٠٩) وقال: حسن صحيح. وأجاب عنه فى الهداية بما نصه: وجلس فى الأخيرة كما جلس فى الأولى لما روينا من حديث وائل، وعائشة رضى الله تعالى عنهما(١) ولأنها أشق على البدن، فكان أولى من التورك الذى يميل إليه مالك رحمه الله تعالى، والذى يروى أنه عّ لّ قعد متوركا، ضعفه الطحاوى رحمه الله تعالى، أو يحمل على الكبر اهـ (١-٩٣). قال الشيخ أطال الله بقائه: ولم يؤثر هذا العذر فى القعدة الأولى لكون زمانها يسيرا اهـ. قلت: حديث التورك رواه إمام المحدثين أبو عبد الله البخارى رحمه الله تعالى فى (١) وسيأتى حديثها. ٩٣ ج - ٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة جلس يعنى للتشهد فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع کفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار پإصبعه يعنى السبابة رواه الترمذى (٣٨:١). وقال: حسن صحيح، وبه يقول بعض أهل العلم. صحیحه، فقال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن خالد عن سعيد هو ابن أبى هلال عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء، وحدثنا الليث عن يزيد بن أبى حبيب ويزيد بن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسا فى نفر من أصحاب رسول الله عّ لّ فذكرنا صلاة النبى عبّ فقال أبو حميد الساعدى رضى الله عنه: "أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله عدّ له فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: فإذا جلس فى الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس فى الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته". وسمع الليث يزيد بن أبى حبيب ويزيد محمد بن عمرو بن حلحلة وابن حلحلة من ابن عطاء اهـ. قال الحافظ فى الفتح (٢-٢٥٥): قوله: وإذا جلس فى الركعة الآخرة إلخ. فى رواية عبد الحميد: "حتى إذا كانت السجدة التى يكون فيها التسليم". وفى روايته عند ابن حبان: " تكون خاتمة الصلاة، أخرج رجله اليسرى وقعد متور كا على شقه الأيسر اهـ وفيه فى بيان الجرح فى السند والجواب عنه ما لفظه: ثم إن رواية الليث ظاهرة فى اتصاله بين محمد بن عمرو وأبى حميد، ورواية عبد الحميد صريحة فى ذلك (ففى رواية عاصم عنه عند أبى داود وغيره: "سمعت أبا حميد فى عشرة"، وفى رواية هشيم عنه عند سعيد بن منصور: "رأيت أبا حميد مع عشرة اهـ". ذكر الحافظ كله فيما قبل) وزعم ابن القطان تبعًا للطحاوى أنه غير متصل لأمرين، أحدهما أن عيسى بن عبد الله بن مالك رواه عن محمد بن عمرو بن عطاء فأدخل بينه وبين الصحابة عباس بن سهل، - أخرجه أبو داود وغيره، ثانيهما أن فى بعض طرقه تسمية أبى قتادة رضى الله عنه فى الصحابة المذكورين، وأبو قتادة قديم الموت يصغر سن محمد بن عمرو بن عطاء عن إدراكه. والجواب عن ذلك أما الأول فلا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه وبين ٩٤ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن شيخه واسطة، إما الزيادة فى الحديث وإما ليثبت فيه، وقد صرح محمد بن عمرو المنكدر بسماعه، فتكون رواية عيسى عنه من المزيد فى متصل الأسانيد. أما الثانى فالمعتمد فيه قول بعض أهل التاريخ أن أبا قتادة رضى الله عنه مات فى خلافة على رضى الله عنه وكان قتل على رضى الله عنه فى سنة أربعين، وأن محمد بن عمرو بن عطاء مات بعد سنة عشرين ومائة وله نيف وثمانون سنة، فعلى هذا لم يدرك أبا قتادة رضى الله عنه. والجواب أن أبا قتادة رضى الله عنه اختلف فى وقت موته، فقيل: مات سنة أربع وخمسين، وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن، وعلى الأول فلعل من ذكر مقدار عمره أو وقت وفاته وهم، أو الذى سمى أبا قتادة فى الصحابة المذكورين وهم فى تسميته، ولا يلزم من ذلك أن يكون الحديث الذى رواه غلطًا لأن غيره ممن رواه معه عن محمد بن عمرو بن عطاء أو عن عباس بن سهل قد وافقه اهـ (٢-٢٥٣). قلت: فلما جاز أن يكون من ذكر مقدار عمره أو وقت وفاته وهم أو الذى سمى أبا قتادة فى الصحابة المذكورين وهم فى تسميته، فلم لا يجوز أن يكون عبد الحميد هو الذى وهم فى حكايته سماع محمد بن عمرو بن عطاء عن أبى حميد ورؤيته إياهم؟ فقد قال فى التقريب: عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصارى صدوق، رمى بالقدر، وربما وهم اهـ (ص-١٦). وفى تهذيب التهذيب: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان الثورى يضعفه، وقال النسائى فى كتاب الضعفاء ليس بالقوى اهـ ملخصا (١٦ - ١١٢). قال الطحاوى: فإذا فهد ويحيى بن عثمان قد حدثانا قالا: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثنا یحیی وسعيد بن أبی مريم قالا: حدثنا عطاف بن خالد قال: حدثنى محمد ابن عمرو بن عطاء قال: حدثنى رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبى مَّه جلوسًا، فذ کر نحو حدیث أبی عاصم سواء، قال أبو جعفر: فقد فسد بما ذكرنا حديث أبى حميد، لأنه صار عن محمد بن عمرو عن رجل، وأهل الإسناد لا يحتجون بمثل هذا فإن ذكروا فى ذلك ضعف العطاف بن خالد، قيل لهم: وأنتم أيضا تضعفون عبد الحميد أكثر من تضعيفكم للعطاف مع أنكم لا تطرحون حديث العطاف كله، إنما تزعمون أن حديثه فى القديم صحیح کله وأن حديثه بآخره قد دخله شىء، هكذا قال يحيى بن معين ج - ٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة ٩٥ فی کتابه، فأبوصالح سماعه من العطاف قديم جدا، فقد دخل ذلك فیما صححه یحیی من حديثه مع أن سن محمد بن عمرو بن عطاء لا يحتمل مثل هذا، وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعًا لمحمد بن عمرو من أبى حميد إلا عبد الحميد، وهو عندكم أضعف، ولكن الذی روی حدیث أبی حمید ووصله لم يفصل حكم الجلوس كما فصله عبد الحميد اهـ (١- ١٥٣). قال الزيلعى: وأجاب البيهقى فى كتاب المعرفة فقال: أما تضعيفه (أى الطحاوى) لعبد الحميد بن جعفر فمردود بأن یحیی بن معین وثقه فی جمیع الروايات عنه، و کذلك أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم فى صحيحه. وأما ما ذكر من انقطاعه فقد حكم البخارى بأنه سمع أبا حميد وأبا قتادة وابن عباس. وقوله: إن أبا قتادة قتل مع على رضى الله عنه رواية شاذة رواها الشعبى، والصحيح الذى أجمع عليه أهل التاريخ أنه بقى إلى سنة أربع وخمسين، ونقله عن الترمذى والواقدى والليث وابن مندة فى الصحابة وأطال فيه اهـ (١-٢٢٤). قلت: وقال ابن عبد البر: روى من وجوه عن موسى بن عبد الله والشعبى أنهما قالا: "صلى على على أبى قتادة وكبر عليه سبعا، قال الشعبى: وكان بدريا" ورجح هذا ابن القطان اهـ كذا فى تهذيب التهذيب (١٢-٢٠٥). وفيه أيضا أنه توفى بالكوفة. قلت: فأهل الكوفة أدرى بوقت وفاته من غيرهم، والشعبى تابعى جليل ثقة قد أدرك خمسمائة من الصحابة كما مر، وهو من أهل الكوفة، فلا يرد قوله بقول المؤرخين مثل الواقدى وغيره. وفى فتح القدير (١-٢٤٥): ومحمد بن عمرو بن عطاء صرح غير واحد من الحفاظ بسماعه من أبى قتادة وأبى حميد، منهم الحافظ عبد الغنى قال: توفى فى خلافة الوليد بن يزيد بن عبد المالك وخلافته أول سنة ثمان وسنتين، ومدتها تسع سنين وأشهر، وأبو قتادة قيل: قتل بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، قال الحافظ عبد الغنى: الأصح أنه مات بالمدينة سنة أربع وخمسين. وأبو حميد عبد الرحمان الساعدى توفى فى آخر خلافة معاوية رضى الله عنه، ووفاة معاوية سنة ستین، وقيل: تسع وخمسين اهـ. قلت: ولى فيما قاله الحافظ عبد الغنى نظر قوى، أما أولا فلأنه يلزم من قوله ٩٦ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن المذكور أن يكون وفاة محمد بن عمرو بن عطاء سنة سبع وسبعين أو قبلها، وقد قال الحافظ فى الفتح وفى تهذيب التهذيب (٩-٣٧٥): ومحمد بن عمرو بن عطاء إنما مات بعد سنة عشرين ومائة، وله نيف وثمانون اهـ. وأما ثانيا فلأنه قال: إن أبا قتادة مات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهذا خلاف ما عليه المؤرخون وأهل الكوفة، قال فى تهذيب التهذيب (١٢-٢٠٤): وقال الواقدى: توفى بالكوفة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين سنة، ولم نر بين علمائنا خلافًا فى ذاك. قال: وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة وعلى بها، وصلى عليه. اهـ. فهذا كما ترى يدل على أن المؤرخين وأهل الكوفة إنما اختلفوا فى وقت وفاته، ولم يختلف أحد فى أنه مات بالكوفة، فلا يصح قول الحافظ عبد الغنى إنه مات بالمدينة. وفى الجوهر النقى (١-١٤٤) ما نصه: وقال القطان ما ملخصه: فيجب التثبت فى قوله: "فيهم أبو قتادة"، فإن أبا قتادة قتل مع على وهو صلى عليه، هذا هو الصحيح، وقتل على سنة أربعين، ومحمد بن عمرو لم يدرك ذاك، وقيل: توفى أبو قتادة سنة أربع وخمسين، وليس بصحيح، ويزيد ذلك تأكيدا أن عطاف بن خالد روى الحديث فقال: حدثنى محمد بن عمرو قال: حدثنى رجل أنه وجد عشرة الحديث، فبين أن بين محمد بن عمرو وبين أولئك الصحابة رجلا، وعطاف لعله أحسن حالا من عبد الحميد أهـ. قال ابن حنبل: عطاف من أهل المدينة ثقة صحيح الحديث، وقال ابن معين: لا بأس به، وهو توثيق منه على ما عرف. ورواه عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمرو فقال: عن عياش أو عباس ابن سهل الساعدى، ولم يذكر فيه الفرق بين الجلوسين اهـ ملخصا. وفيه أيضا (١-١٣٤): قلت: عبد الحميد مطعون فى حديثه، كذا قال يحيى بن سعيد - وهو إمام الناس فى هذا الباب- وقال الطحاوى: لم يسمع محمد بن عمرو من أبى حميد ولا من أبى قتادة، لأنه سنه لا يحتمل هذا، لأن أبا قتادة قتل مع على وصلى عليه على، وكذا قال الهيثم بن عدى. وقال ابن عبد البر: هو الصحيح. وفى الكمال: وقيل: توفى بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، ولهذا قال ابن حزم: ولعله وهم فيه يعنى عبد الحميد اهـ وبالجملة فمحمد بن عمرو بن عطاء قد اختلف فى سماعه هذا الحديث عن أبى ٩٧ ج - ٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة حميد بمحضر من أبى قتادة، فرجح الطحاوى عدم سماعه منه، وانتصر الشیخ تقى الدين ابن دقيق العيد للطحاوى كما صرح به فى فتح القدير (١-٢٧٤). ووافقه ابن القطان على ذلك، ورجح غيرهم سماعه منهما. ويرجح قول الطحاوى كون عطاف بن خالد وعيسى بن عبد الله بن مالك قد أثبتا الواسطة بين محمد بن عمرو وأبى حميد. وعيسى ابن عبد الله ذکره بن حبان فى الثقات (كذا فى التهذيب ٨-٢١٧). ولم يذكر غيره فيه جرحاً. وعطاف بن خالد قد مر توثيقه عن ابن معين فى كلام الطحاوى مفصلا، وزيادة الثقة مقبولة لاسيما إذا تابعه عليها غيره، فالراجح إثبات الواسطة. وتصريح سماع محمد بن عمرو لهذا الحديث عن أبى حميد لم يثبت إلا عن عبد الحميد بن جعفر ولم يتابعه على ذلك أحد، وهو متكلم فيه، فلا يحتج بما تفرد به. وإذا علمت ذلك فقد ثبت كون الحديث منقطعًا، وليس ذكر التورك فى الجلوس الأخير إلا فى هذا الحديث المنقطع وهو ليس بحجة عندهم، وأما الموصول فليس فيه ذكر التورك أصلا كما فصله الطحاوى بما لا مزيد عليه (١-٥٣) فإن قلت: إن المنقطع حجة عندكم، قلنا: نعم إذا لم يعارض أقوى منه، وأيضا فهو محمول عندنا على العذر لكبر أو غيره، ودليل ذلك أن مسلما ذكر فى صحيحه من حديث ابن الزبير صفة ثالثة لجلوس التشهد الأخير، وهى "أنه مرّ ◌ّ كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرش قدمه اليمنى" اهـ كذا فى النيل (٢-١٦٨) وهذا محمول على العذر اتفاقا، فكذا حديث أبى حميد عندنا، لأنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر. واعلم أن حديث أبى حميد مع كونه مضطرب الإسناد مضطرب فى المتن أيضا، فإن سياق الليث فيه حكاية أبى حميد بصفة الصلاة بالقول، و كذا فى رواية كل من رواه عن محمد ابن عمرو بن حلحلة ونحوه رواية عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو ابن عطاء، ووافقهما فليح عن عباس بن سهل، وخالف الجميع عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عباس، فحكى أن أبا حميد وصفها بالفعل، ولفظه عند الطحاوى وابن حبان: "قالوا: فأرنا، فقام يصلى وهم ينظرون، فبدأ فكبر الحديث"، كذا ذكره الحافظ فى الفتح (٢-٢٥٣) ثم قال: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون وصفها ٩٨ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن مرة بالقول ومرة بالفعل اهـ. قلت: وبالإمكان لا يرتفع الاضطراب وإلا لم يبق فى الدنيا حديث مضطرب فافهم. قال: وقد وافق عيسى أيضا عنه عطاف بن خالد لكنه أبهم عباس بن سهل أخرجه الطحاوى أيضا ويقوى ذلك أن ابن خزيمة أخرج من طريق ابن إسحاق أن عباس بن سهل حدثه فساق الحديث بصفة الفعل أيضًا، والله أعلم اهـ. قلت: وبهذا ظهر أن عيسى بن عبد الله ليس متفردًا فى حكاية الفعل حتى يعدوا روايته شاذة بل له متابع وشاهد، فقوى الاضطراب. قال العلامة ابن التركمانى فى الجوهر النقى (١-١٣٤): وأيضا فقد اضطرب سند هذا الحديث ومتنه، فرواه العطاف بن خالد فأدخل بين محمد بن عمرو وبين النفر من الصحابة رجلا مجهولا، ويدل على أن بينهما واسطة أن أبا حاتم بن حبان أخرج هذا الحديث فى صحيحه من طريق عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمرو عن عباس بن سهل الساعدى أنه كان فى مجلس فيه أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدى الحديث، وذكر المزى ومحمد بن طاهر المقدسى فى أطرافهما أن أبا داود أخرجه من هذا الطريق، وأخرجه البيهقى فى "باب السجود على اليدين والركبتين" من طريق الحسن بن حر (حدثنى عيسى بن عبد الله بن مالك عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بنى مالك عن عياش أو عباس بن سهل الحديث. ثم قال: وروى عتبة بن أبى حكيم عن عيسى بن عبد الله بن العباس بن سهل عن أبى حميد) لم يذكر محمدا فى إسناده. وقال البيهقى فى "باب القعود على الرجل اليسرى بين السجدتين": (وقد قيل فى إسناده عن عيسى بن عبد الله سمعه من عباس بن سهل أنه حضر أبا حميد). ثم فى رواية عبد الحميد أيضا أنه رفع عند القيام من الركبتين، وقد تقدم أنه يلزم الشافعى، وفيها أيضا التورك فى الجلسة الثانية. وفى رواية عباس بن سهل التى ذكرها البيهقى بعد هذه الرواية خلاف هذه، ولفظها: "حتى فرغ ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته"، فظهر بهذا أن الحديث مضطرب الإسناد والمتن اهـ ملخصا. ٩٩ ج - ٣ هيئة جلسة التشهدين والإشارة ٨٣٣- عن: رفاعة بن رافع أن النبى عَّه قال للأعرابى: "إذا سجدت فمكن بسحودك، فإذا جلست فاجلس على رجلك اليسرى" رواه أحمد وابن أبى شيبة وابن حبان (فى صحيحه (نيل الأوطار ١٦٧:٢). ٨٣٤- عن: عبد الله بن عمر رضى الله عنه فى حديث طويل فيه وقال: "إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثنى اليسرى، فقلت: إنك تفعل قوله: "عن رفاعة بن رافع إلخ". قلت: رواه أبو داودا بلفظ: "فإذا جلست فى وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد اهـ". قال الشوكانى فى النيل: وقد خرجه أيضا النسائى وابن ماجة والترمذى وحسنه، ولكنه انفرد وأبو داود بهذه الزيادة أعنى قوله: "فإذا جلست فى وسط الصلاة إلخ". وفى إسنادها محمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث اهـ (٢-١٦٦). قلت: قال الحافظ فى الدراية (ص-١٩٣): وابن إسحاق لا يحتج بما ينفرد به من الأحكام فضلا عما إذا خالفه من هو أثبت منه. ويستفاد من كلامه فى الجلد التاسع (ص-٥١٤) من الفتح أن الراوى المختلف فيه من الشيوخ الذين إذا انفرد أحدهم بالحديث لم يكن حجة اهـ. وفى تهذيب التهذيب (٩-٤٣): وقال أيوب بن إسحاق بن سامرى: سألت أحمد فقلت له: يا أبا عبد الله! إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبله؟ قال: لا، والله إنى رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا اهـ فقوله: "فى وسط الصلاة" زيادة تفرد بها ابن إسحاق فلا يحتج بها، على أنه يمكن أن رسول الله مرّ ◌ُلّه بين حكم الجلوس للأعرابى مرتين، فقال مرة: ((فإذا جلست فاجلس على رجلك اليسرى)) ولم يقيده بوسط الصلاة ولا غيره، ثم قال: ((فإذا جلست فى وسط الصلاة فاطمئن إلخ)) ولعله أفرد القعدة الأولى بالذكر لمزيد الاعتناء بالطمأنينة فيها، والله أعلم. قوله: "عن عبد الله بن عمر إلخ". قلت: رواية البخارى مجملة لا تكشف المقصود، لأن ثنى اليسرى عام من أن يجلس عليها أو يجلس على الورك، وأوضحه ما فى رواية النسائى من قوله: ((والجلوس على اليسرى)). والحديث يدل صراحة على ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه أن افتراش اليسرى والجلوس عليها ونصب اليمنى سنة الصلاة فى القعدتين جميعا، فإن قوله: "سنة الصلاة" يعمهما كما لا يخفى، وقول الصحابى: السنة ١٠٠ هيئة جلسة التشهدين والإشارة إعلاء السنن ذلك (أى التربع) فقال: إن رجلاى لا تحملانى" رواه البخارى (١١٤:١) ورواه النسائى ولفظه: قال: " ومن سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس علی الیسری" وإسناده صحيح، کذا فی آثار السنن (١٣٣:١). كذا داخل فى المرفوع كما مر غير مرة، فهو حديث قولى مرفوع وكل ما ورد فى التورك إنما هو من قبيل الأفراد التى لا عموم لها وتحتمل الوجوه. وأما ما رواه الطحاوى عن يحيى بن سعيد "أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس فنصب رجله الیمنی وثنی رجله الیسری وجلس عن ور که اليسرى ولم يجلس على قدميه، ثم قال: أرانى هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثنى أن أباه عبد الله بن عمر كان يفعل ذلك اهـ" (١-١٥١) فهو محمول على الهيئة التى كان ابن عمر يقعد عليها بسبب العلة وعدم حمل رجليه القعدة المسنونة. فإن قلت: هذا يخالف ما ورد فى رواية البخارى وغيره أن القعود الذى كان ابن عمر يرتكبه لأجل العلة هو التربع، وما أراه القاسم فيه نصب اليمنى فهو ليس بتربع، قلت: إن التربع مستعمل فى معنيين أحدهما أن يخالف بين رجليه فيضع رجله اليمنى تحت ركبتيه اليسرى ورجله اليسرى تحت ركبتيه اليمنى، والثانى أن يثنى رجليه فى جانب واحد فتكون رجله الیسری تحت فخذه وساقه الیمنی، ویثنی رجله الیمنی فتكون عند إليتيه اليمنى، كذا فى التعليق الممجد ناقلا عن الباجى فى شرح الموطأ (ص-١١١). وما أراه القاسم قريب من الصورة الثانية كما هو ظاهر، ولا فرق بينهما إلا فى نصب اليمنى وثنيبها فهو داخل فى التربع مجازا، على أن العلة لا تقضى هيئة واحدة، فيمكن أنه كان يتربع مرة ويتورك أخرى حسب ما تيسر له لأجل العلة، وأيضا فإنه حكاية فعل لا يترك بها القول، وهو نص فى كون الافتراش والجلوس على اليسرى من سنة الصلاة. ولا يمكن حمله على القعدة الأولى، فإن قول ابن عمر رضى الله عنه: إن سنة الصلاة إلخ كان فى القعدة الأخيرة كما يظهر مما رواه مالك فى الموطأ (ص- ٣٠) عن عبد الله بن دينار "أنه سمع عبد الله بن عمرو صلى إلى جنبه رجل فلما جلس فى أربع تربع وثنى رجليه، فلما انصرف عبد الله عاب ذلك عليه، فقال الرجل: فإنك تفعل ذلك، فقال