النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ ج - ٣ طريق السجود وسجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه)) متفق عليه (بلوغ المرام (١: ٥٠). ٧٩٠- عن أبى حميد بهذا الحديث (المذكور فى "السنن") قال: ((وإذا سجد مبێ فرج بین فخذيه غیر حامل بطنه علی شیء من فخذیه))، رواه أبو داود (٢٦٧:١)، وسكت عنه. أصحاب النبى عّ لّ له مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال: استعينوا بالركب)) وترجم له الرخصة فى ذلك أى فى ترك التفريج. قال ابن عجلان أحد رواته: ذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيا، وقد أخرج الترمذى الحديث المذكور ولم يقع فى روايته (لفظة) "إذا انفرجوا" فترجم له ما جاء فى الاعتماد إذا قام من السجود فجعل محل الاستعانة بالركب لمن يرفع من السجود طالبا للقيام، واللفظ محتمل ما قال: لكن الزيادة التى أخرجها أبو داود تعين المراد اهـ (٢-٢٤٤). قلت: هذا من المواضع العجيبة التى تقضى على الحافظ بقلة مراجعته للكتب المشهورة، فإن الترمذى روى هذا الحديث عن أبى هريرة، ولفظه "قال: اشتكى أصحاب النبى معَِّ مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا فقال: استعينوا بالركب اهـ" وفيه لفظة إذا تفرجوا موضع إذا انفرجوا، وقد ترجم له ما جاء فى الاعتماد فى السجود (١-٣٨) ولم يقل ما جاء فى الاعتماد إذا قام من السجود، كما نقله الحافظ عنه، فليتنبه لهذا، والله يفتح ما يشاء لمن يشاء فلله الحمد، وكان هذا الفتح بعد ما نقلت ما تعقب الحافظ به على إمام الحرمين، وسيأتى ذكره بعد صفحة فانتظر. وفى غنية المستملى (ص-٣٦٧): وكذا إبداء الضبعين ومجافاة البطن عن الفخذين وتوجيه الأصابع نحو القبلة فيه فإن كل ذلك سنة اهـ. قوله: فی حديث أبى حميد الأخير "وفرج بين فخذيه إلخ". قلت: دلالته على فصل إحدى الفخذين عن الأخرى فى السجود ظاهرة، ويعارضه ما رواه أبو داود، وسكت عنه عن أبى هريرة عن النبى مطلّم قال: «إذا سجد أحد کم فلا یفترش یدیه افتراش الكلب وليضم فخذيه اهـ)) (١-١٣٧) ورواه ابن خزيمة (فى صحيحه) نحوه إلا أن فيه لفظة ذراعيه موضع یدیه، كما فى فتح البارى (٢-٢٤٤) ووجه التوفيق بينهما ما قاله الشيخ أطال الله بقائه أن معنى قوله مرّ له: (وليضم فخذيه)) أى ليقارب بينهما، فالحاصل ٤٢ إعلاء السنن باب وجوب الرفع من السجدة والجلسة بين السجدتين واستحباب الذكر بينهما وافتراض السجدة الثانية ٧٩١- عن رفاعة بن رافع وكان بدريا قال: "كنا مع رسول الله عَ لّه إذ دخل رجل المسجد"، فذكر حديث المسىء صلاته، وفيه: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا)) الحديث، رواه النسائى فى "صحيحه" (١) المسمى بـ "المجتبى"، وسكت عنه، وإسناده صحيح. أنه لا يفرج بينهما كل التفريج، ولا يباعد بينهما، ولم أر فى ضم الفخذين وتفريجها تصريحا من الفقهاء إلا ما فى رد المحتار فى بيان الركوع (قوله: ويسن أن يلصق كعبيه) قال السيد أبو السعود: وكذا فى السجود أيضا، وسبق فى السنن أيضا اهـ، والذى سبق هو قوله: وإلصاق كعبيه فى السجود سنة اهـ (١-٥١٥) ولا يخفى أن إلصاق الكعبين يستدعى إلصاق الفخذين فى الجملة أيضا، فافهم والله أعلم. وأما سنية إلصاق الكعبين فى السجود فيدل عليه حديث عائشة، وهو التاسع والعشرون من الباب، وفيه "فوجدته . ساجدا راصا عقبيه" أى ملصقا أحدهما بالآخر. باب وجوب الرفع من السجدة والجلسة بين السجدتین واستحباب الذكر بينهما وافتراض السجدة الثانية قوله: "عن رفاعة إلخ". قلت: دلالته على مسائل الباب ما سوى الذكر بين السجدتين ظاهرة، لما فيه من صيغة الأمر المقتضية للوجوب، وقد ذكرنا أقوال الفقهاء الحنفية فى وجوب نفس الرفع من الركوع، والجلوس بين السجدتين، ووجوب الطمأنينة فى الركوع والسجود من هذا الكتاب، فتذكر. وفى رد المحتار (١- ٤٩٦) وتقدم أن مختار الكمال وغيره رواية وجوب الرفع من الركوع والسجود إلخ، وفى العالمكيرية (١-٤٣) السجود الثانى فرض كالأول بإجماع الأمة كذا فى الزاهدی اهـ. (١) قلت: قد أطلق الحافظ الذهبى اسم الصحيح على "سنن النسائي" فى "تذكرة الحفاظ" (١١٤:١). ٤٣ ج - ٣ وجوب الرفع من السجدة والجلسة بين السجدتين ٧٩٢- عن أنس رضى الله عنه قال: ((كان رسول الله عَّ ◌ُله إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم))، رواه مسلم، كذا فى "النيل" (١٥٥:٢). ٧٩٣- عن ابن عباس رضى الله عنه قال: كان النبى عَّه يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي وارحمنى وعافنی واهدنی وارزقنى))، رواه أبو داود لطيفة: قال الحافظ فى التلخيص (١-٩٨): ونقل الرافعى عن إمام الحرمين فى النهاية أنه قال: فى قلبى من الطمأنينة فى الاعتدال شىء فإنه معَّ ذكرها فى حديث المسىء صلاته فى الركوع والسجود، ولم يذكرها فى الاعتدال والرفع بين السجدتين، فقال: "اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل جالساً ولم يتعقبه الرافعى وهو من المواضع العجيبة التى تقضى على هذا الإمام بأنه كان قليل المراجعة لكتب الحديث المشهورة فضلا عن غيرها، فإن ذكر الطمأنينة فى الجلوس بين السجدتين ثابت فى الصحيحين ففى الاستئذان من البخارى من حديث يحيى بن سعيد القطان، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وهو أيضا فى بعض كتب السنن، وأما الطمأنينة فى الاعتدال فثابت فى صحيح ابن حبان ومسند أحمد من حديث رفاعة بن رافع، ولفظه: ((فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى يرجع العظام إلى مفاصلها)) ورواه أبو على بن السكن فى صحيحه، وأبو بكر بن شيبة فى مصنفه من حديث رفاعة بلفظ "ثم ارفع حتى تطمئن قائما" قلت: ثم أفادنى شيخ الإسلام جلال الدين أدام الله بقائه أن هذا اللفظ فى حديث أبى هريرة فى سنن ابن ماجة، وهو كما أفاد، زاده الله عزا، قلت: إسناد ابن ماجة قد أخرجه مسلم فى صحيحه، ولم يسق لفظه اهـ. قوله: "عن أنس إلخ". دلالته على الجلسة بين السجدتين وتطويلها ظاهرة، ولكن التطويل محمول على ما إذا كان المأمون لا يتثقلون بذلك أو يصلى منفردا. قوله: "عن ابن عباس إلخ وعن رجل". قلت: دلالتهما على استحباب الذكر بين ٤٤ وجوب الرفع من السجدة والجلسة بين السجدتین إعلاء السنن (٣١٦:١)، وسكت عنه، وفى "بلوغ المرام" (٥١:١): رواه الأربعة إلا النسائى، وصححه الحاكم اهـ، وفى "الأذكار" للنووى (ص٢٨): روينا فى "سنن البيهقى": عن ابن عباس رضى الله عنه فى حديث مبيته عند خالته ميمونة، وصلاة النبى معَِّ فى الليل، فذكره قال: وكان إذا رفع رأسه من السجدة قال: ((رب اغفر لي وارحمنى واجبرنى وارفعنى وارزقنى واهدنى))، وفى رواية أبى داود: ((وعافنی))، وإسناده حسن اهـ. ٧٩٤- عن رجل من عبس عن حذيفة رضى الله عنه: أنه انتهى إلى النبى مرّ له إلى أن قال: ((وكان النبى معَّ- يقول بين السجدتين: رب اغفر لى، رب اغفر لی)، رواه النسائی (١٧٢:١)، وفیه رجل لم يسم کما تراه، ولكن قال فى "التقريب" (ص٢٨٩): كأنه صلة بن زفر اهـ. السجدتين ظاهرة، وفى الدر المختار (ص١-٥٢٧) وليس بينهما ذكر مسنون اهـ والمراد نفى تأكده لا نفى استحبابه، صرح بذلك فى رد المحتار ونصه: وعدم كونه مسنونا لا ينافى الجواز كالتسمية بين الفاتحة والسورة، بل ينبغى أن يندب الدعاء بالمغفرة بين السجدتين خروجا من خلاف الإمام أحمد، لإبطاله الصلاة بتركه عامدا، ولم أر من صرح بذلك عندنا، لكن صرحوا باستحباب مراعاة الخلاف، والله أعلم (١-٥٢٨). قلت: لا سيما إذا ورد عن النبى معَّ له بسند صحيح، ولكن تلزم الإمام مراعاة أحوال المأمومین. فحیث لا یتثقلون بالدعاء الوارد فی سنن أبى داود يدعو به، وإلا فيقتصر على قوله: "رب اغفر لى" كما ورد عند النسائى، ولو تركه رأسا لا يلام عليه، فإن هذا الذكر ورد فى صلاة الليل دون المكتوبة، كما يظهر من مجموع الأحاديث، ولذا قال الشرنبلالی فی نور الإيضاح: وليس فيه (أى فى الجلوس بين السجدتين) ذکر مسنون، والوارد فیه محمول علی التهجد اهـ (ص-١٦٥) وحديث ابن عباس هذا فيه کامل أبو العلاء التميمى الكوفى، وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان، وقال النسائى: ليس بالقوى، وقال فى موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن عدى: رأيت فى بعض رواياته أشیاء أنكرتها، وأرجو أنه لا بأس به، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وليس بذاك، وقال ٤٥ ج - ٣ قلت: وهو من رجال الجماعة، وقد أخرج ابن ماجة فى "سنته" (٦٤:١): حدثنا علی بن محمد ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة: أن النبى عّ لّه كان يقول بين السجدتین: (رب اغفر لی، رب اغفر لی)) اهـ، رجالھم کلهم ثقات، وهو یؤید قول الحافظ أن المجهول فى رواية النسائی هو صلة بن زفر. باب هيئة الجلوس بين السجدتین ٧٩٥- عن ميمونة رضى الله عنها قالت: ((كان رسول الله عَّ له إذا سجد خوی بیدیه حتی یری وضح إبطيه، وإذا قعد اطمأن على فخذه الیسری))، رواه ابن المثنى: ما سمعت ابن مهدى يحدث عنه شيئا قط وقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من حيث لا يدرى، فبطل الاحتجاج بأخباره اهـ. ملخصا من تهذيب التهذيب (٨- ٤١٠). تنبيه: قد رقم فى التهذيب على اسم كامل أبى العلاء علامة مسلم، ولكن لم أجد فى كتاب الجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسرانى أحدا اسمه كامل، فلعله من زلة الکاتب، والله أعلم. وقال الترمذى بعد ما أخرجه: هذا حديث غريب، ثم قال: وروی بعضهم هذا الحديث عن كامل أبى العلاء مرسلا اهـ (١-٣٨). وأخرجه ابن ماجة وقيده بصلاة الليل (١-٦٤). وأما حديث حذيفة فلا أرى له علة، ورجاله فى سند ابن ماجة رجال الجماعة إلا على بن محمد شيخ ابن ماجة، وهو ثقة، وإلا المستورد بن أحنف فهو من رجال مسلم والأربعة، ولا أدرى لماذا أعرض عنه النيموى فى آثار السنن، واقتصر على حديث ابن عباس. باب هيئة الجلوس بين السجدتين قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة، وفى الدر المختار مع الشامية "وافتراش رجله اليسرى (أى من السنن) فى تشهد الرجل والجلسة بين السجدتين" أى مع نصب اليمنى اهـ (١-٤٩٧) وفيه مع الشامية: ويوجه أصابعه فى المنصوبة نحو القبلة، هو السنة فى الفرض والنفل اهـ (١- ٥٣٠). قلت: ويعارض أحاديث الباب ما أخرجه مسلم ٤٦ هيئة الجلوس بين السجدتين إعلاء السنن النسائى (١٧٢:١)، وسكت عنه، قلت: ورجاله كلهم ثقات. ٧٩٦- عن ابن عمر رضى الله عنه قال: ((من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى))، رواه النسائى (١٧٣:١)، وسكت عنه. قلت: ورجاله رجال "الصحيحين" إلا الربيع بن سليمان بن داود شيخ النسائى وهو ثقة، وإلا إسحاق بن بكر فهو من رجال مسلم ثقة، قال فى "آثار السنن" (١٢٢:١): وإسناده صحيح. ٧٩٧- عن أبى حميد الساعدی مرفوعا: ((ثم يهوى إلى الأرض فیجافى یدیه عن جنبیه، ثم يرفع رأسه ويثنی رجله اليسرى، ويقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يسجد ثم يقول: الله أكبر)) الحديث، رواه أبو داود والترمذى وابن حبان، وإسناده صحيح (آثار السنن ١١٩:١). عن طاوس، قال: "قلنا لابن عباس فى الإقعاء على القدمين، فقال: هى السنة، فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل، فقال ابن عباس: بل هى سنة نبيك مرّ له". وما رواه عبد الرزاق عن ابن طاوس عن أبيه "أنه رأى ابن عمر وابن الزبير وابن عباس يقعون" إسناده صحيح كذا فى آثار السنن (١-١١٨) قال الحافظ فى التلخيص والبيهقى عن ابن عمر أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول: إنه من السنة، وفيه عن ابن عمر وابن عباس أنهما كان يقعيان، وعن طاوس قال: "رأيت العبادلة يقعون" أسانيدها صحيحة. واختلف العلماء فى الجمع بين هذا وبين الأحاديث الواردة فى النهى عن الإقعاء فجنح الخطابى والماوردى إلى أن الإقعاء منسوخ، ولعل ابن عباس لم يبلغه النهى، وجنح البيهقى إلى الجمع بينهما، بأن الإقعاء ضربان، أحدهما أن يضع إليتيه على عقبيه، ويكون ركبتاه فى الأرض، وهذا هو الذى رواه ابن عباس، وفعله العبادلة، ونص الشافعى فى البويطى على استحبابه بين السجدتين، لكن الصحيح أن الافتراش أفضل منه لكثرة الرواة له، ولأنه أعون للمصلى وأحسن فى هيئة الصلاة، والثانى أن يضع إليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، وهذا هو الذى وردت الأحاديث بكراهته، وتبع البيهقى على هذا ٤٧ هيئة الجلوس بين السجدتین ج - ٣ ٧٩٨- عن عائشة رضى الله عنها قالت: ((كان رسول الله عَ ليه يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان(١))، أخرجه مسلم، وهو مختصر (آثار السنن ١١٩:١). ٧٩٩- حدثنا على بن محمد ثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبی إسحاق عن الحارث عن على قال: قال لى رسول الله عَّ ◌ُله: ((لا تقع إقعاء الكلب بين السجدتين))، رواه ابن ماجة (٦٤:١)، ورجاله رجال الشيخين إلى على بن محمد، وهو ثقة كما مر، وإلا الحارث وهو من رجال الأربعة مختلف فيه، وقد مر توثيقه فی "الكتاب"، فهو حسن. ٨٠٠- عن المغيرة بن حكيم: "أنه رأى عبد الله بن عمر رضى الله عنه پرجع فی سجدتین فی الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذکر له ذلك، فقال: إنها ليست بسنة الصلاة وإنما أفعل هذا من أجل أنه اشتكى"، رواه مالك فى "الموطأ"، وإسناده صحيح (آثار السنن ١١٩:١). الجمع ابن الصلاح والنووى وأنكرا على من ادعى فيهما النسخ، وقالا: كيف ثبت النسخ مع عدم تعذر الجمع وعدم العلم بالتاريخ اه؟ (١-٩٨ و٩٩). قلت: وقد مال إلى هذا الجمع ابن الهمام وغيره من أصحابنا، ولكن لا يخفى على المتفطن أن حديث سمرة عند الطبرانى وأثر ابن عمر الذى أخرجه مالك وكذا محمد بن الحسن فى موطأ به صريح فى النهى عن الإقعاء بالمعنى الأول أيضا، ولذلك نص محمد بعده على أنه لا ينبغى أن يجلس على عقبيه بين السجدتين، ولكنه يجلس بينهما كجلوسه فى صلاته، وهو قول أبى حنيفة اهـ (ص-١١٢). والقول الفيصل فى هذا المقام أن الإقعاء بالمعنى الثانى لا خلاف فى كراهتها، وبالمعنى الأول مختلف فيه فأثبت ابن عباس كونه سنة، ونفاه سمرة وابن عمر، وما ورد عنه عند البيهقى أنه من السنة فمعناه أنه من سنة الرخصة فى حالة العذر، كما يدل عليه أثره عند مالك ومحمد بن الحسن، فقد صرح فیه ابن عمر رضى الله عنه بأن جلوسه على صدور قدميه بين السجدتين إنما كان لأجل أنه كان يشتكى، وينبغى أن (١) قال فى "المجمع": هو أن يضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الإقعاء عند البعض اهـ. ٤٨ إعلاء السنن ٨٠١- وعن سمرة قال: ((كان رسول الله عّ ◌ُّه يأمرنا إذا كنا فى صلاة ورفعنا رؤوسنا من السجود (أى من السجود الأول) أن نطمئن على الأرض جلوسا، ولا نستوفز على أطراف الأقدام))، رواه بتمامه هكذا الطبرانى فى "الكبير"، وإسناده حسن (مجمع الزوائد ١٩٦:١). باب فى ترك جلوس الاستراحة ٨٠٢- عن عباس أو عياش بن سهل الساعدى: أنه كان فى مجلس فيه أبوه، وكان من أصحاب النبى معَّه، وفى المجلس أبو هريرة وأبو حميد الساعدی وأبو اسید فذکر الحدیث، وفيه: «ثم کبر فسجد، ثم کبر فقام، ولم يتورك))، رواه أبو داود، وإسناده صحيح (آثار السنن ١٢٠:١). ٨٠٣- عن النعمان بن أبى عياش قال: "أدركت غير واحد من أصحاب النبى معَّ فكان إذا رفع رأسه من السجدة فى أول ركعة والثالثة، قام كما هو، ولم يجلس"، رواه أبو بكر بن أبى شيبة، وإسناده حسن (آثار السنن ١٢١:١). يحمل أثر ابن عباس على ذلك أيضا، وحينئذ فلا حاجة إلى القول بالنسخ، ويحصل الجمع بين الروايات بأحسن وجه، قال الشرنبلالى فى نور الإيضاح: وكره الإقعاء وهو أن يضع إليتيه على الأرض وينصب ركبتيه اهـ. قال الطحطاوى فى حاشيته عليه: ويضمهما إلى صدره ويضع يديه على الأرض، وقال الكرخى: هو أن ينصب قدميه ويقعد على عقبيه واضعا يديه على الأرض اهـ. قال الزيلعى: والأول أصح، لأنه أشبه بإقعاء الكلب، يعنى أن كون الأول هو المراد فى الحديث أصح، لا أن ما قاله الكرخى: غير مكروه، بل يكره ذلك أيضا، كما فى الفتح والمضمرات، وأفاد الحلبى أن الإقعاء مكروه خارج الصلاة أيضا على التفسير الأول اهـ (ص-٢٠٣). باب فى ترك جلسة الاستراحة قوله: "عن عباس أو عياش إلخ". قلت: دلالته وكذا دلالة بقية الأحاديث على الباب ظاهرة حيث ثبت عنه عّ لّه وعن أجلة الصحابة وغير واحد منهم أنهم قاموا بعد الرفع من السجدة الثانية، ولم يجلسوا. ٤٩ ج - ٣ ترك جلوس الاستراحة ٨٠٤- عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "رمقت عبد الله بن مسعود فى الصلاة فرأيته ينهض ولا يجلس، قال: ينهض على صدور قدميه فى الركعة الأولى والثالثة"، رواه الطبرانى فى "الكبير"، ورجاله رجال الصحيح، والبيهقى فى "السنن الكبرى" وصححه (آثار السنن ١٢١:١). ٨٠٥- عن وهب بن كيسان قال: "رأيت ابن الزبير رضى الله عنه إذا سجد السجدة الثانية قام كما هو على صدور قدميه"، رواه ابن أبى شيبة، وإسناده صحيح (آثار السنن ١٢١:١). ٨٠٦- وعن عبد الرحمن بن غنم: "أن أبا مالك الأشعرى رضى الله عنه جمع قومه فقال: يا معشر الأشعريين! اجتمعوا وأجمعوا نساءكم وأبناء كم أعلمكم صلاة النبى معَّ ◌ُّه لنا بالمدينة، فذكر الحديث بطوله، وفيه: ثم قال: سمع الله لمن حمده، واستوی قائما، ثم کبر وخر ساجدا، ثم گبر فرفع رأسه، ثم کبر فسجد، ثم كبر فانتهض قائما" الحديث، رواه أحمد، وإسناده حسن (آثار السنن ١٢٠:١)، قال الهيثمى: وفى طرقها كلها شهر بن حوشب، وفيه كلام، وهو ثقة إن شاء الله (مجمع الزوائد ١٩٤:١). ٨٠٧- عن أبى هريرة قال: ((كان النبى عٍَّ ينهض فى الصلاة على صدور قدميه))، رواه الترمذى (٣٩:١)، وقال: عليه العمل عند أهل العلم قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قلت: قال العلامة أبو الطيب فى شرحه للترمذى: قوله: "عليه العمل عند أهل العلم" يدل على حسنه، لأنه لو لم يكن حسنا بل ضعيفا لما عملوا به سيما عند المعارضة اهـ (شروح أربعة للترمذى ١-٢٩٧). وقال المحقق ابن الهمام فى الفتح: وقول الترمذى: "العمل عليه عند أهل العلم" يقتضى قوة أصله وإن ضعف خصوص هذا الطريق، وهو كذلك أخرج ابن أبى شيبة عن ابن مسعود أنه كان ينهض فى الصلاة على صدور قدميه، ولم يجلس، وأخرج نحوه عن على وكذا عن ابن عمر وابن الزبير وكذا عن عمر، وأخرج عن الشعبى قال: كان عمر وعلى وأصحاب النبى معَّه ينهضون فى الصلاة على صدور أقدامهم، وأخرج عن النعمان بن أبى عياش (فذكر ٥٠ ترك جلوس الاستراحة إعلاء السنن يختارون أن ينهض الرجل فى الصلاة على صدور قدمیه، وخالد بن إياس (الراوى فى هذا السند) ضعيف عند أهل الحديث اهـ. قلت: ولكن قال ابن عدى: أحاديثه كلها غرائب وإفراد، ومع ضعفه يكتب حديثه اه، كذا فى "تهذيب التهذيب" (٨١:٣)، ولا يخفى أن حديثه هذا له شواهد صحيحة. بنحو ما مر فى المتن). وأخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم. وأخرجه البيهقى عن عبد الرحمان بن يزيد أنه رأى ابن مسعود فذكر معناه، فقد اتفق أكابر الصحابة الذين كانوا أقرب إلى رسول الله عَّ ◌ُله وأشد اقتفاء الأثره، وألزم بصحبته من مالك بن الحويرث رضى الله عنه على خلاف ما قال، فوجب تقديمه ولذا كان العمل عليه عند أهل العلم، كما سمعته من قول الترمذى اهـ (١-٢٢٨). قلت: وفى التعقبات بذيل حديث آخر ما نصه: الحديث أخرجه الترمذى وقال: حسين ضعفه أحمد وغيره، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، فأشار بذلك إلى أن الحديث اعتضد بقول أهل العلم. دليل صحة الحديث: وقد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به، وإن لم یکن له إسناد يعتمد على مثله اهـ (ص-١٢). وبعد ذلك فاندفع ما قاله الشو کانی ونصه: وما روى ابن المنذر عن النعمان بن أبى عياش قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبى معَ له فكان إذا رفع رأسه من السجدة فى أول ركعة وفى الثالثة قام كما هو، ولم يجلس، وذلك لا ينافى القول بأنها سنة، لأن الترك لها من النبى معَّه فى بعض الحالات إنما ينافى وجوبها فقط، وكذلك ترك بعض الصحابة لا يقدح فى سنيتها لأن ترك ما ليس بواجب جائز اهـ (٢-١٦٤) ووجه الاندفاع ما ورد فى حديث الترمذى من لفظة كان الدالة على المواظبة، و کذا ورد عند سعید بن منصور عن ابن مسعود بسند صحيح، وما فى حديث أبى مالك الأشعرى أنه أرى قومه صلاة النبى معَّه، وفيه أنه انتهض قائما بعد السجدة الثانية، وكذا ما فى حديث أبي حميد الساعدى أنه عَِّ كبر فسجد ثم كبر فقام، ولم يتورك، ٥١ ج - ٣ ترك جلوس الاستراحة (٨٠٨)- قال الحافظ فى "الفتح" (٢٥٠:٢): فعند سعيد بن منصور پاسناد ضعيف عن أبى هريرة أنه رضی الله عنه کان ینهض على صدور قدميه، وعن ابن مسعود مثله پاسناد صحيح. ٨٠٩- وعن إبراهيم: أنه كره أن يعتمد على يديه إذا نهض اهـ. فكل ذلك يدل على مواظبته عدّ له لترك جلسة الاستراحة، لأن هؤلاء بصدد بيان صلاة النبى عَّ وعادته الغالبة فيها، وكذا حديث النعمان بن أبى عياش، وحديث الشعبى عند أبى بكر بن أبى شيبة كلاهما بلفظة كان الدالة على المواظبة يدل على أن أكابر الصحابة رضى الله عنهم كانوا مواظبين على ترك هذه الجلسة، وذلك ينافى القول بسنيتها قطعًا. وأما ما رواه الجماعة إلا مسلما وابن ماجة كما فى النيل (١-١٦٣) عن مالك بن الحویرث انه رأی النبی مٹے یصلی، فإذا كان فی وتر من صلاته لم ینهض حتى يستوى قاعدا اهـ، فالجواب عنه ما ذكره فى الهداية (١-٩٢) ونصه: محمول على حالة الكبر، ولأنه هذه قعدة استراحة، والصلاة ما وضعت لها اهـ. قلت: ويؤيده ما رواه أبو داود وسكت عنه عن معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((لا تبادرونی بر کوع ولا بسجود فإنه مهما أُسبقکم به إذا ر کعت تدر کونی به إذا رفعت، إنی قد بدنت اهـ)). وأما ما رواه البخارى فى الاستئذان بعد ما ترجم من رد فقال: عليك السلام (٢-٩٢٣) فی حدیث المسيئ صلاته «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك فى صلاتك كلها)) اهـ فهذا لا يصح الاحتجاج به أصلا، فإن البخارى أشار إلى أن هذه اللفظة أى قوله: حتى تطمئن جالسا فى المرة الثانية وهم، فإنه عقبه بقوله: قال أبو أسامة فى الاخير: حتى يستوى قائما اهـ. صرح به الحافظ فى الفتح (٢- ٢٣١) بما نصه: تنبيه: وقع فى رواية ابن نمير فى الاستئذان بعد ذكر السجود الثانى "(«ثم ارفع حتى تطمئن جالسا)) وقد قال بعضهم: هذا يدل على إيجاب جلسة الاستراحة ولم يقل به أحد، وأشار البخارى إلى أن هذه اللفظة وهم، فإنه عقبه بأن قال: قال أبو أسامة فى الأخير: حتى تستوى قائما، ويمكن أن يحمل إن كان محفوظا على الجلوس للتشهد، ويقويه رواية ٥٢ إعلاء السنن باب ترك الاعتماد على اليدين إذا نهض فى الصلاة ٨١٠- حدثنا محمد بن عبد الملك الغزال نا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله عَّ له أن يعتمد إسحاق المذكورة قريبا، (ولفظه: فإذا جلست فى وسط الصلاة فاطمئن جالسا ثم افترش فخذك اليسرى تم تشهد). وكلام البخارى ظاهر فى أن أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواه إسحاق بن راهويه فى سنده عن أبى أسامة كما قال ابن نمير بلفظ " ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدا، ثم افعل ذلك فى كل ركعة". وأخرجه البيهقى من طريقه وقال: كذا قال إسحاق بن راهويه عن أبى أسامة والصحيح رواية عبيد الله بن سعيد بن أبى قدامة ويوسف ابن موسى عن أبى أسامة بلفظ: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تستوى قائما)) ثم ساقه من طریق یوسف بن موسی كذلك اهـ. وفيه (١١-٣١ و ٦٢ فى كتاب الاستئذان): وصل المصنف (أى البخارى) رواية أبى أسامة هذه فى كتاب الأيمان والنذور، كما سيأتى، وقد بينت فى صفة الصلاة النكتة فى اقتصار البخارى على هذه اللفظة من هذا الحديث، وحاصله أنه وقع هنا فى الأخير ((ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)) فأراد البخارى أن يبين أن روايتها خولف، فذكر رواية أبى أسامة مشيراً إلى ترجيحها، والإشكال إنما وقع فى قوله فى الرواية الأخرى: حتى تطمئن جالسا، وجلسة الاستراحة على تقدير أن تكون مرادة لا تشرع الطمأنينة فيها، وفى الجملة المعتمد الترجيح كما أشار إليه البخارى وصرح به البيهقى، وجوز بعضهم أن يكون المراد به التشهد، والله أعلم اهـ ملخصا. وقال الشوكانى فى النيل (١-١٦٤): وقد عرفت مما قدمنا فى شرح حديث المسئ أن جلسة الاستراحة مذكورة فیه عند البخاری وغيره، لا كما زعمه النووى من أنها لم تذكر فيه، وذكرها فيه يصلح الاستدلال به على وجوبها لولا ما ذكرنا فيما تقدم من إشارة البخارى إلى أن ذكر هذه الجلسة وهم، وما ذكرنا أيضا من أنه لم يقل بوجوبها أحد اهـ. باب ترك الاعتماد على اليدين إذا نهض فى الصلاة قوله: "حدثنا محمد بن عبد الملك إلخ". دلالته على الباب ظاهرة، وفى عون ٥٣ ترك الاعتماد على الیدین عند النهوض ج - ٣ الرجل على يديه إذا نهض فى الصلاة))، رواه أبو داود (٣٧٧:١)، وسكت عنه، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الملك فلم يخرجا له، وهو ثقة، كما فى الحاشية. المعبود (١-٣٧٦) قال شارح المصابيح: يعنى لا يضع يديه على الأرض ولا يتكئ عليها إذا نهض للقيام، وهذه الرواية حجة للحنفية واختيار الخرقى، وهو مروى عن عمر وعلى وابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وبه يقول مالك وأصحاب الرأى، وقال أحمد: أكثر الأحاديث على أنه لا يجلس للاستراحة ولا يضع يديه معتمدا عليهما، وذهب الشافعى إلى أنه يجلس، وبه قال مالك بن الحويرث وأبو حميد، ورواية عن أحمد إلى أن قال: واحتجوا على الاعتماد على الأرض بحديث أيوب السختيانى عن أبى قلابة، وفيه "فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام" رواه البخارى فى صحیحه اه. قلت: يعارضه ما رواه سعيد بن منصور عن أبى هريرة بإسناد ضعيف وعن ابن مسعود بإسناد صحيح أنه يع تر كان ينهض على صدور قدميه اهـ وقد ذكرناهما فى الباب السابق عن الفتح فتذكر، فما رواه أيوب السختيانى عن أبى قلابة محمول على حالة الكبر، وهذا فيه جمع بين الأخبار، أو محمول على أنه فعله مرة لبيان الجواز، وحديث ابن عمر هذا صريح فى النهى عن الاعتماد وقت النهوض، وما قاله فى عون المعبود ونصه: وأجابوا عن حديث ابن عمر هذا بأنه ضعيف من وجهين، أحدهما أن راويه محمد بن عبد الملك مجهول، الثانى أنه مخالف لرواية الثقات، لأن أحمد بن حنبل رفيق محمد بن عبد الملك الغزال فى رواية هذا الحديث عن عبد الرزاق، وقال فيه: " نهى أن يجلس الرجل فى الصلاة وهو يعتمد على يده" وقد علم من قاعدة المحدثين وغيرهم أن من خالف الثقات كان حديثه شاذا مردودا اهـ ملخصا (١-٣٧٦). التنبيه على زلة صاحب عون المعبود فالجواب عن الأول بأن قوله: إن محمد بن عبد الملك مجهول عجيب عن مثله، وهو يقضى عليه بقلة مراجعته لكتب الرجال، فقد قال فى تهذيب التهذيب: محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادى أبو بكر الغزال جار أحمد روى عن جعفر بن محمد بن ٥٤ ترك الاعتماد علی الیدین عند النهوض إعلاء السنن خمرة بن عون وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وحسين بن محمد وغيرهم، روى عنه الأربعة وعبد الله بن أحمد وابن أبى الدنيا وموسى بن هارون وأبو يعلى والبجيرى وقاسم المطرز والسراج وابن صاعد والبغوى وابن أبى حاتم والقاسم والحسين ابنا إسماعيل المحامليان وآخرون، قال النسائى: ثقة، وقال ابن أبى حاتم: سمع منه أبى، وهو صدوق، وذكره ابن حبان فى الثقات اهـ ملخصا (٩-٣١٥ و٣١٦) فهل مثل هذا الذى روى عنه أصحاب السنن وأكثر المصنفين فى الحديث يكون مجهولا؟ كلا! بل هو ثقة معروف، فلعله التبس عليه بمحمد بن عبد الملك بن أبى محذورة، فإنه قال فيه ابن القطان: "مجهول" قال: لا نعلم روى عنه إلا الحارث، ولكن ذكره أيضا ابن حبان فى الثقات، وبهذا يرتفع الجهالة. وقال صاحب العون بعد كلامه المذكور بأسطر: ومحمد بن عبد الملك بن مروان الواسطى قال فيه فى التقريب: صدوق، وهو ممن يصحح حديثه أو يحسن بالمتابعة والشواهد اهـ. وهذا يدل على أن محمد بن عبد الملك الغزال التبس عليه بالواسطى، وهذا وهم صريح، فإن الغزال هو ابن زنجويه البغدادى، وكنيته أبو بكر الواسطى هو أبو جعفر الدقيقى، قال فى التقريب: محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادى أبو بكر الغزال ثقة اهـ (ص١٨٩) ولم يقل فيه صدوق كما نقله صاحب العون، ومع ذلك كله، فقوله: إن محمد بن عبد الملك مجهول لا يصح بحال، فإن الواسطى أيضا معروف روى عنه كثيرون، ووثقه ابن أبى حاتم، وقال ابن عقدة عن محمد بن عبد الله الحضرمى: "كان ثقة" وقال الدار قطنى: ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، وقال ابن أبى حاتم: كتبت عنه مع أبى بواسط، وسأل عنه أبى، فقال: "صدوق" وقال أبو داود: لم يكن بمحكم العقل اهـ ملخصا من تهذيب التهذيب (٩-٣١٧). وعن الثانى بأن من خالف الثقات إنما يكون روايته شاذة مردودة، إذا أتى بما ينافى روايتهم صريحا بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى، كما صرح به الحافظ فى النخبة (٣٧) وههنا ليس كذلك، فإن أبا داود رواه عن أربعة من شيوخه، فقال ابن رافع: نهى أن يصلى الرجل وهو معتمد على يده، وقال ابن شبوية: نهى أن يعتمد الرجل على يده فى الصلاة، قال أبو داود وذكره فى باب الرفع من السجود: ولا يخفى أن لفظ محمد ٥٥ ج - ٣ ترك الاعتماد علی الیدین عند النهوض ٨١١ - عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه: أن النبى عَّ له - فذكر حديث الصلاة، وأكبر علمى أنه فى حديث محمد جحادة: وإذا نهض نهض على ر کیتیه، واعتمد على فخذه، رواه أبو داود (٣٦:١)، وسكت عنه، رجاله كلهم ثقات، وهو مختصر، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه، ولكن الانقطاع لا يضر عندنا، كما مر غير مرة. الغزال لا ينافى لفظهما فإن روايتهما مطلقة، قد زاد فيها الغزال قيدًا لم يذكراهما، فقال: نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض فى الصلاة، وهذا ليس من الشذوذ فى شىء، فإن الشاذ ما رواه الثقة مخالفا لرواية الثقات، لا أن يروى الثقة ما لا يروى غيره، صرح به فى تدريب الراوى (ص٨١) وقال أحمد بن حنبل: نهى أن يجلس الرجل فى الصلاة وهو معتمد على يديه، وهذا يخالفه لفظ ابن عبد الملك ظاهرًا وفى الحقيقة لا تخالف بينهما. فإنه يحتمل أن يراد بالجلوس فيه جلسة الاستراحة فى وتر الصلاة، فيكون معناه نهى ◌ّ أن يعتمد بيديه على الأرض عند القيام، ويجلس، فذكر الغزال النهى عن الاعتماد عند القيام، وذكر أحمد النهى عن الجلوس عنده، وعن الاعتماد معًا، ولا تنافى بينهما أصلا فسلم الحديث عن العلة، ولله الحمد، على أن لرواية الغزال شواهد صحيحة كثيرة من أفعال النبى معَّهِ، وأفعال الصحابة وأقوال التابعين أنبهم كرهوا الاعتماد على الأرض عند القيام فى الصلاة، وقد ذكرناها قبل، فلو سلم شذوذه لم يصح رده بحال لأجل اعتضاده بالشواهد. قوله: "نهض على ركبتيه واعتمد على فخذه إلخ". أى اعتمد بيده على فخذه يستعين بذلك على النهوض، قال الحافظ الزين العراقى: ورواية أبى داود هذه موافقة لما قبلها، (وهو ما رواه أبو داود عن وائل، وسكت عنه قال: رأيت النبى معَّه إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) لأنه إذا رفع يديه (أى قبل ر کیتیه) تعین نهوضه علی ر کیتیه إذا لم يبق ما يعتمد عليه غيرهما، انتهى كذا فى عون المعبود (١-٣١). فما أخرجه الحافظ عن ابن عمر لترجيح الاعتماد على الأرض أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما اهـ (٢- ٢٥٠) محمول على العذر عندنا، وكذا حديث مالك بن الحويرث رضى الله عنه، وما رواه البخارى، وفيه ((إذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام)) الحديث ٥٦ إعلاء السنن باب ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح والأمر بالسكون فى الصلاة ٨١٢- عن عبد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال: ((خرج علينا رسول الله عَّةٍ فقال: ما لى أراكم رافعى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا فى الصلاة)) الحديث، رواه مسلم (١٨١:١). (١-١١٤) أو يحمل على بيان الجواز، قال فى البحر (١-٣٤٠): وكذا ترك الاعتماد مستحب لمن ليس به عذر عندنا على ما هو ظاهر كثير من الكتب المشهورة إلى قوله: وهو قول عامة العلماء، والأوجه أن يكون سنة فتركه يكره تنزيها لما تقدم من النهى اهـ، ولا يخفى أن كراهة التنزيه لا تنافى الجواز، ودلالة الحديثين على الباب ظاهرة، والله أعلم. باب ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح والأمر بالسكون فى الصلاة قوله: "عن جابر رضى الله عنه إلخ". قلت: المتمسك به فى الحديث قوله عرّ له (اسكنوا فى الصلاة)) فإنه يدل على وجوب السكون، وأن رفع الأيدى فى الصلاة ينافيه، فإن قيل: إن قوله عّ لّه ((ما لى أراكم رافعى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟)) قد ورد فى الرفع عند السلام خاصة، كما صرح به فى الحديث الثانى، وهو ما رواه مسلم عن تميم ابن طرفة عن جابر بن سمرة قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله عّ لّه قلنا: السلام عليكم ورحمة الله. السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله عزّ له: على ما تؤمون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ الحديث. قلنا: الظاهر أن حديث تميم ابن طرفة وحديث عبد الله ابن القبطية حديثان مستقلان، لأن رافع اليد عند السلام لا يقال لفاعله اسكن فى الصلاة فإنه بهذا الصنع يخرج عن الصلاة، فافهم. وثانيًا أن سياق حديث ابن طرفة يدل على أنه واقعة الصلاة خلف رسول الله مآ، وسياق حديث ابن القبطية على أنه واقعة الصلاة فرادى، فلا يصح القول باتحادهما، ولو سلم يمكن الاستدلال به أيضا على ترك الرفع عند الركوع وبعده بما قرره الشيخ أنه عّ لّ أمر بترك الرفع فى حال السلام الذى هو داخل فى الصلاة من وجه وخارج عنها من وجه كما لا ٥٧ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح. ٨١٣- عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ((ألا أصلى بكم صلاة يخفى، فدل على أن ذلك مطلوب فيما هو داخل فى الصلاة من جميع الوجوه بالطريق الأولى، كما يدل عليه تعليله عَّ له بقوله: ((اسكنوا فى الصلاة)) أفاده أستاذ الأساتذة رئيس الجهابذة المحقق مولانا محمد يعقوب عليه رحمة علام الغيوب اهـ، فهذا بعمومه يقتضى ترك الرفع عند الر کوع وبعده، ولا يقتضی تر که عند الافتتاح. فإنه لیس برفع فی الصلاة بل خارجا عنها، لأن تكبيرة الافتتاح شرط الصلاة عندنا غير داخلة فيها، على أنه مستثنى عن الحديث بالإجماع. الجواب عن طعن البخارى على الإمام واعلم أن البخارى أورد فى جزء رفع اليدين (ص -١٩) تعليقاً عن ابن المبارك أنه قال: كنت أصلى إلى جنب النعمان بن ثابت فرفعت يدى، فقال: إنما خشيت أن تطير، فقلت: إن لم أطر فى أوله لم أطر فى الثانية، قال وكيع: رحمة الله على ابن المبارك كان حاضر الجواب، فتحير الآخر اهـ. وهذا التعليق وصله ابن قتيبة فى تأويل مختلف الحديث (ص-٦٦): حدثنا إسحاق وهو ابن راهويه قال: نا وكيع أن أبا حنيفة قال: ما باله يرفع يديه عند كل رفع وخفض، أتريد أن يطير؟ فقال عبد الله بن المبارك: إن كان يريد أن يطير إذا افتتح فإنه یرید أن یطیر إذا خفض ورفع اهـ. قلت: ولا حجة فى هذا الجواب للخصم أصلا، فإن أبا حنيفة إنما شبه الرفع بالعليران كما شبه النبى معَّ ل رفع الأيادى عند السلام بأذناب خيل شمس، ومراد الإمام أن هذا الرفع فى غير موضعه، فينبغى تركه كما هو مراده عّ لّ بهذا التشبيه، فما أورده ابن المبارك على الإمام يرد على الحديث أيضا، فإنه يمكن أن يقال: إن كان الرفع عند السلام كأذناب خيل شمس، فهو عند الافتتاح مثلها، وإلا فلا، فما هو جوابكم فى الحديث فهو جوابنا عن قول ابن المبارك، فافهم. والعجب من هؤلاء الأئمة الأعلام حيث يطعنون على الإمام أبى حنيفة بما لا طعن فيه ولا يدرون أن مثل هذا يمكن إيراده على الحديث أيضا، نعوذ بالله من فرط العصبية. قوله: "عن علقمة إلخ". قلت: سنده عند الترمذى هكذا: حدثنا هناد نا و کیع عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمان بن الأسود عن علقمة الحديث، وقد تكلم ٥٨ إعلاء السنن ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح رسول الله عّه، فصلى فلم يرفع يديه إلا فى أول مرة))، رواه الترمذى (٣٥:١)، وقال: وفى الباب عن البراء بن عازب، وقال: حديث حسن، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبى معَّي والتابعين، وهو قول سفيان وأهل الكوفة اهـ، ورجاله رجال مسلم، كذا فى "الجوهر النقى" (١٣٧:١)، وصححه ابن حزم، كذا فى "التلخيص الحبير" (٨٣:١)، ورواه النسائي أيضا، کما سیأتی. على هذا الحديث بوجوه، منها أن الترمذى روى بسنده عن ابن المبارك، قال: لم يثبت عندى حديث ابن مسعود أنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا فى أول مرة، والجواب عنه أما أولا فبأن هذا الحديث روى عن ابن مسعود بوجهين، أحدهما من فعله كما رواه الترمذى وأبو داود والنسائى وأبو بكر بن أبى شيبة وأحمد وأبو حنيفة "أن عبد الله کان یرفع يديه فى أول التكبير، ثم لا يعود، ويأثر ذلك عن رسول الله عَ ليه "، وفى لفظ بعضهم قال: "ألا أصلی بکم صلاة رسول الله مێ فصلی، فلم یرفع یدیه إلا فى أول مرة" وثانيهما مرفوعًا إلى النبى معَّ أنه لم يرفع يديه إلا فى أول مرة، ونحو ذلك، كما أخرجه الطحاوى وغيره. فلعل مراد ابن المبارك أن حديث ابن مسعود لم يثبت مرفوعًا بالوجه الثانى، وأن الذى رفعه رواه بالمعنى، وأما إنكاره مطلقا فبعید عن مثله، كيف؟ وأن خلاف ابن مسعود وأصحابه فى رفع اليدين مشهور عند المحدثين، ولا يخفى أن الحديث بالوجه الأول أيضا مرفوع ولو حكما، فإن قول الصحابى "ألا أصلى بكم صلاة رسول الله عَ ليه" فى حكم الرفع، كما ثبت فى الأصول، وقال الشيخ ابن دقيق العيد فى الإمام ما نصه: و عدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من النظر فیه، وهو يدور علی عاصم بن کلیب، وقد وثقه ابن معین کما قدمناه اهـ کذا فی الزیلعی (١-٢٠٧). قلت: وهو من رجال مسلم، روى له فى صحيحه، وأخرج له البخارى تعليقا، وروى عنه شعبة، وهؤلاء لا يحدث إلا عن ثقة كما عرف، وقال ابن معين والنسائى: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال الآجرى: قلت لأبي داود: عاصم بن كليب ابن من؟ قال: ابن شهاب، كان من العباد، وذكر من فضله، وقال فى موضع آخر: كان أفضل أهل الكوفة، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال ابن شاهين فى الثقات: قال أحمد بن صالح المصرى: يعد من وجوه ٥٩ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح الكوفيين الثقات، وفى موضع آخر: هو ثقة مأمون، وقال ابن سعد: كان ثقة يحتج به، وليس بكثير الحديث اهـ. من تهذيب التهذيب ملخصا (٥-٥٥ و٥٦). وبهذا ظهر سقوط كلام الحاكم، كما نقله الزيلعى عن البيهقى عنه (١-٢٠٧) أنه قال: عاصم بن كليب لم يخرج حديثه فى الصحيح اهـ. قال الزيلعى: قال الشيخ (ابن دقيق العيد): وقول الحاكم إن حديثه لم يخرج فى الصحيح فغير صحيح، فقد أخرج له مسلم حديثه عن أبى بردة عن على فى الهدى، وحديثه عنه عن على ((نهانى رسول الله مرّ له أن أجعل خاتمى فى هذه، والتى يليها)) وغير ذلك، وأيضًا فليس من شرط الصحيح التخريج عن كل عدل، وقد خرج هو فى المستدرك عن جماعة لم يخرج لهم فى الصحيح، وقال: هو على شرط الشيخين، وإن أراد بقوله: لم يخرج حديثه فى الصحيح أى هذا الحديث، فليس ذلك بعلة، وإلا لفسد عليه مقصوده، كله من كتابه المستدرك اهـ (١-٢٠٨). ومنها ما قال المنذرى: وقال غير ابن المبارك: لم يسمع عبد الرحمان عن علقمة اهـ، وأجاب عنه الشيخ فى الإمام بأنه غير قادح، فإنه عن رجل مجهول، وقد تتبعت هذا القائل فلم أجده، ولا ذكره ابن أبى حاتم فى مراسيله، وإنما ذكره فى كتاب الجرح والتعديل، فقال: وعبد الرحمان بن الأسود دخل على عائشة وهو صغير، ولم يسمع منها، وروى عن أبيه وعلقمة، ولم يقل: إنه مرسل، وذكره ابن حبان فى كتاب الثقات، وقال: إنه مات سنة تسع وتسعین، و کان سنه سن إبراهيم النخعی، فإذا كان سنه سن النخعی فما المانع من سماعه عن علقمة مع الاتفاق على سماع النخعى منه؟ ومع هذا كله فقد صرح الحافظ أبو بكر الخطيب فى كتاب المتفق والمفترق فى ترجمة عبد الرحمان هذا أنه سمع أباه وعلقمة اهـ من الزيلعى (١-٢٠٧). ومنها أنه ورد فى رواية فرفع يديه فى أول تكبيرة ثم لم يعد وفى رواية مرفوعة ثم لا يعود، فقوله: ثم لم يعد أو ثم لا يعود غير محفوظ، قال ابن القطان فى كتابه الوهم والإيهام: ذكر الترمذى عن ابن المبارك أنه قال: حديث وكيع لا يصح، والذى عندى أنه صحيح، وإنما أنكر فيه على وكيع ثم لا يعود، وقالوا: إنه كان يقولها من قبل نفسه وتارة أتبعها الحديث كأنها من كلام ابن مسعود اهـ، وقال البخارى فى جزء رفع اليدين ٦٠ إعلاء السنن ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح (ص -١٤): ويروى عن سفيان عن عاصم بن كليب فذكر الحديث بسنده ومتنه، ثم قال: وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم قال: نظرت فى كتاب عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه "ثم لم يعد" فهذا أصح. لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل یحدث بشىء ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما فى الكتاب، ثم ذكر حديث التطبيق عن مسعود رضى الله عنه ثم قال: هذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله ابن مسعود، انتهى. قلت: أما قوله: إن الكتاب أحفظ عند أهل العلم فغير مسلم مطلقا، فإنه ربما يقع الوهم والغلط فى الكتابة، ثم يصححه ويصلحه العالم من حفظه، فلا يبعد إن كانت لفظة لا يعود سقطت من كتاب ابن إدريس لأجل زلة الكاتب، وحديث التطبيق لا يعارض هذا الحديث كما يدل على ذلك اختلاف سياقهما، فلا يترك أحد الحديثين بالآخر، وعلى تقدير اتحادهما أيضا لا يضر سفيان مخالفة ابن إدريس له، فإن زيادة الثقة مقبولة، وسفيان ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، كما فى التقريب (ص-٧٤) وعبد الله بن إدريس إنما هو ثقة فقيه عابد، كما فيه أيضا (ص-٩٨). وليس بإمام ولا حجة عندهم، والعجب من · المحدثين حيث جعلوا سفيان أحفظ من شعبة فى باب رفع الصوت بآمين، وتركوا بقوله رواية شعبة بلفظ "خفض بها صوته" وهو أمير المؤمنين فى الحديث، وتركوا أيضا قول سفیان یکتاب ابن إدريس، وهو أدنى منزلة من سفيان، والكتاب يحتمل الخطأ بأزيد من الحفظ، فهل هذا إلا مكابرة بينة. وأما ما قال ابن القطان: إنما أنكر فيه على وكيع إلخ، فيرد بما أخرجه النسائى فى صحیحه عن سوید بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن سفیان إلخ، وفيه "فرفع یدیه أول مرة ثم لم يعد" وهذا إسناد صحيح، وهو الحديث الثالث من الباب، فثبت بذلك أن وكيعا لم يتفرد بذلك بل تابعه ابن المبارك من أصحاب الثورى، ورواه أبو حنيفة بطريق آخر كما مر فى المتن، وفيه " ثم لا يعود إلى شىء من ذلك اهـ". وهو صالح فى المتابعات كما سنبينه، على أنه لو سلم كون زيادة ثم لا يعود غير محفوظة، فيغنينا عنبها ما ورد فى رواية الترمذى من قوله: "فلم يرفع يديه إلا فى أول مرة"، وما ورد فى حديث ابن أبى شيبة "أنه كان يرفع يديه فى أول ما يفتتح ثم لا يرفعهما"، وفى رواية عنده («فلم يرفع يديه إلا مرة)).