النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
إعلاء السنن
السنن عن جابر رضى الله عنه قال: جاء سليك الغطفانى يوم الجمعة ورسول الله عز له
يخطب، فجلس فقال له: ((يا سليك! قم فاركع ركعتين، وتجوز فيهما ثم قال: إذا جاء
أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما)) (٩٧:٢).
والجواب عنه ما قال ابن العربى رحمه الله تعالى "أنه قد عارض قصة سليك ما هو
أقوى منها كقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا﴾ وقوله منز له: «إذا
قلت لصاحبك: انصت، والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت)) متفق عليه. قال: فإذا
امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغى بالإنصات مع قصر زمنه (قلت: ومع كونه أيضا
أعلى من السنة وتحية المسجد) فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها (قلت: ومع كونها
أدنى منزلة من الأمر بالمعروف) أولى. وعارضوا أيضا بقوله مرّ له وهو يخطب للذى دخل
يتخطى رقاب الناس: ((اجلس فقد آذيت)) أخرجه أبو داود والنسائى وصححه ابن
خزيمة وغيره من حديث عبد الله بن بشر قالوا: فأمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية. وروى
الطبرانى من حديث ابن عمر(١) رفعه: إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا
كلام حتى يفرغ الإمام. فتح البارى(٣).
قلت: وقد تقدم قوله مرّ الّ فى حديث عطاء(٢): ((وإن وجد الإمام قد خرج جلس
فاستمع وأنصت)) إلخ. فإذا اجتمع المحرم والمبيح يقدم المحرم. وقد أجاب الحافظ ابن
حجر عن قول ابن العربى بما لا يشفى الغليل، وظنى أن هذا كلام لا يعارضه دليل. وفى
البحر الرائق: وجه دلالة هذه الرواية (أى رواية أبى هريرة: إذا قلت لصاحبك: انصت
يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت على منع النافلة) أنه يدل على المنع عن الأمر
بالمعروف فى ذلك الوقت نصا، وعلى المنع عن الصلاة النافلة دلالة، لأن الأمر بالمعروف
هو أعلى من السنة وتحية المسجد (٤).
وعند الشافعى يصلى تحية المسجد فى حال الخطبة وبه قال أحمد، وقال ابن
(١) قد تقدم أن فيه أيوب بن نهيك ضعفه جماعة وذكر ابن حبان فى الثقات، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى:
(مؤلف) .
(٢) باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب إلخ ٣٣٨:٢ وعبارة ابن العربى هذه منقولة منه.
(٣) هذا الحديث صحيح كما مر (مؤلف).
(٤) البحر ١٦٧:٢ .

٨٢
ج - ٢
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
٥٢٨- عن: ابن شهاب عن ثعلبة بن أبى مالك القرظى رضى الله عنه أنه
أخبره أنهم كانوا فى زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه يصلون يوم الجمعة
حتى يخرج عمر بن الخطاب، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون
قال ثعلبة: جلسنا نتحدث فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم
يتكلم منا أحد. قال ابن شهاب: فخروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع
الكلام. رواه الإمام مالك فى "الموطأ" (ص٣٦) قلت: ورجاله رجال الصحيح،
وثعلبة مختلف فى صحبته. قال صاحب التهذيب: له رؤية. وقال العجلى:
تابعى ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال ابن أبى حاتم فى المراسيل: هو
من التابعين. كذا فى تهذيب التهذيب (٢٥:٢١).
٥٢٩- عن: أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله مرّ الٍ قال: ((إذا قلت
لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت)) رواه إمام الدنيا أبو
عبد الله البخارى (١٢٧:١ و١٢٨) وقال الطحاوى (٢١٥:١): ولقد تواترت
الروايات عن رسول الله مرّ التٍّ بأن من قال لصاحبه: أنصت، والإمام يخطب يوم
المنذر: اختلفوا فيمن دخل المسجد والإمام يخطب فقال الحسن: يصلى ركعتين، وبه
قال مكحول وابن عيينة والمغيرة والشافعى وابن حنبل وإسحاق وأبو ثور وطائفة من
المحدثين. وعندنا يجلس ولا يصلى. قال ابن المنذر: وبه قال عطاء وصالح وعروة وقتادة
والنخعى. وقال ابن بطال فى شرح البخارى: والمنع قول الجمهور من أهل العلم وذكره
ابن أبى شيبة عن عمر وعثمان وعلى وابن عباس رضى الله عنهم. "عينى على الهداية"
(١٠١٠:١)، والله سبحانه أعلم وعلمه أتم وأحكم.
قوله: فى حديث ثعلبة: "جلسنا نتحدث إلخ" قلت: دلالته على قول الصاحبين
ظاهرة، وهو محمول عند أبى حنيفة على التحدث بما يتعلق بأمور الآخرة، كما هو
الظاهر من حال الصحابة فى مثل هذا الوقت، أو يقال: إذا تعارض المحرم والمبيح يقدم
المحرم، وقد مر ما يدل على الإنصات من حين يخرج الإمام، ودلالة بقية الأحاديث على
مسائل الباب ظاهرة، والله أعلم.
جـ
فيـ
ษ
غيـ
6
B
D

٨٣
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
إعلاء السنن
الجمعة فقد لغا اهـ. (معانى الآثار: ٢١٥).
٥٣٠- عن: ابن عباس رضى الله عنه قال رسول الله مَ له: ((من تكلم يوم
الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذى يقول له:
أنصت، ليست له جمعة))(١) رواه أحمد بإسناد لا بأس به (بلوغ المرام ٨٢:١).
: ٥٣١- حدثنا: بحر بن نصر قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: سمعت
معاوية بن صالح يحدث عن أبى الزاهرية(٢) عن عبد الله بن بسر قال: كنت
جالسا إلى جنبه يوم الجمعة فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة
فقال له رسول الله عَ لِّ ((اجلس فقد آذيت وآنيت)). قال أبو الزاهرية: وكنا
نتحدث حتى يخرج الإمام. أخرجه الطحاوى (٢١٥:١) والنسائى (٢٠٧:١)
واللفظ للطحاوى اهـ. قلت: ورجاله كلهم ثقات. وأخرجه الحاكم فى
المستدرك (٢٨٨:١) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره عليه المذهبى
وزاد: ((ورسول الله (عز له يخطب)).
٥٣٢- حدثنا: روح بن الفرج (٣) قال: ثنا عبد الله بن محمد الفهمى قال:
أنا ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن أبى المصعب(٤) عن عقبة بن عامر قال:
قوله: "حدثنا بحر بن نصر إلخ" قلت: قد مر قول الحافظ آنفا أن ابن خزيمة وغيره
صحح الحديث، ووجه الاستدلال به أنه ◌ِّ ◌ّرِ أمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية، فهو
يعارض قصة سليك فتحمل على خصوصية ذلك كما سنبينها إنشاء الله تعالى.
قوله: "حدثنا روح بن الفرج إلخ" قلت: دلالته على كراهة الصلاة حالة الخطبة
ظاهرة، والصحابى لا يحكم على شىء بكونه معصية من رأيه فهو مرفوع حكما، ولو سلم
أنه حكم بالقياس فاجتهاد الصحابى حجة عندنا، وسيأتى الكلام على رواته فانتظر.
(١) أى ثوابها الخاص (مؤلف).
(٢) اسمه حدیر بن کریب.
(٣) ثقة، كذا فى التهذيب ٢٩٧:٣ (مؤلف).
(٤) ابن هبيرة ثقة، وأبو المصعب مقبول (مؤلف).

٨٤
ج - ٢
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
((الصلاة والإمام على المنبر معصية)). أخرجه الطحاوى (٢١٧:١) وفيه ابن
لهيعة، وثقه أحمد وابن وهب قاله العينى(١) وحسن له الترمذى(٢) واحتج به
غير واحد، قاله الهيثمى فى مجمع الزوائد (١٢٦:١).
٥٣٣- عن ابن عمر: ((أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بينما هو قائم
فى الخطبة يوم الجمعة إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبى
عَ لِّ فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إنى شغلت فلم انقلب إلى أهلى حتى
سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. قال: والوضوء أيضا! وقد علمت أن
رسول الله مزار كان يأمر بالغسل)» رواه البخارى(٣).
٥٣٤- حدثنا ابن أبى داود قال: ثنا إسماعيل بن الخليل قال: ثنا على
ابن مسهر عن هشام بن عروة قال: رأيت عبد الله بن صفوان دخل المسجد يوم
الجمعة وعبد الله بن الزبير يخطب على المنبر، وعليه إزار ورداء ونعلان وهو
قوله: "عن ابن عمر إلخ". وجه الاستدلال به أن عمر رضى الله عنه أنكر على
عثمان رضى الله عنه فى ترك الغسل، ولم ينقل أنه أمره بالركعتين، ولا نقل أنه
صلاهما. (قاله العينى فى شرح البخارى (٣١٤:٣) وكان ذلك بمحضر من الصحابة،
فدل على أن أمر التحية أهون من الغسل، فلا يترك بها الإنصات المأمور به حالة الخطبة،
بل التحية يسقط الغسل بها .
قوله: "حدثنا ابن أبى داود" وفيه: "قال رأيت عبد الله بن صفوان إلخ". قلت:
وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر أحد منهم على ابن صفوان فى تركه التحية
فدل على أن ترك التحية وقت الخطبة هو السنة. قال الحافظ فى الفتح: "وتعقب بأن
تركهم الإنكار لا بدل على تحريمها، بل يدل على عدم وجوبها ولم يقل به مخالفوهم"
انتهى (٢٤١:٢). قلت: شأن الصحابة أرفع من أن يتركوا الإنكار على ترك السنة، لا
(١) فى عمدة القارى، باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب ٣١٧:٣.
(٢) وراجع ما علقته عليه فى ٧٣:١ من إعلاء السمان.
(٣) باب فضل الغسل يوم الجمعة (١٢٠:١).

٨٥
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
إعلاء السنن
متعمم بعمامة، فاستلم الركن ثم قال: ((السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله
وبركاته ثم جلس ولم يركع)). أخرجه الطحاوى (٢١٧:١) وقال العينى:
"بإسناد صحيح" (٣١٦:٣).
٥٣٥- حدثنا: ابن مرزوق قال ثنا وهب قال: ثنا شعبة عن توبة العنبرى،
قال: قال الشعبى: أرأيت الحسن حين يجىء وقد خرج الإمام فيصلى، عمن
أخذ هذا؟ لقد رأيت شريحا إذا جاء خرج الإمام لم يصل)) أخرجه الطحاوى
(٢١٦:١) ورجاله كلهم ثقات. قال العينى: إسناد صحيح (٣١٦:٣).
سيما بعد ما شاهدوا إنكار النبى معَ ◌ّ على سليك، فثبت بترك إنكارهم على ابن صفوان
أن قصة سليك إما أن تكون فى حال إباحة الأفعال أثناء الخطبة أو كانت مختصة به.
وأما ما ورد فى حديث ابن صفوان أنه سلم على ابن الزبير وهو يخطب فيحمل على أنه
سلم فى حال سكوته حين جلس بعد الخطبة الأولى أو يؤول قوله: "وهو يخطب" بمعنى
إرادة الخطبة قبل ابتدائها .
قوله: "حدثنا ابن مرزوق إلخ". قلت: إن الشعبى تابعى كبير وقد أنكر على
الحسن فى صلاته بعد خروج الإمام أشد الإنكار بقوله "عمن أخذ هذا؟" فدل على أن
ذلك لم يثبت عنده عن أحد من الصحابة، واستدل عليه بفعل شريح فإنه من أجلة
التابعين الكبار فعلم به أن الصلاة بعد خروج الإمام متروك، وأنه مما ينكر عليه وهو قول
أصحابنا. ودلالة بقية الآثار على الباب ظاهرة.
وقال الحافظ فى الفتح: "قال جماعة منهم القرطبى: أقوى ما اعتمده المالكية فى
هذه المسألة عمل أهل المدينة خلفا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل
فى حال الخطبة ممنوع مطلقاً" قال الحافظ: "وتعقب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك،
فقد ثبت فعل التحية عن أبى سعيد الخدرى وهو من فقهاء الصحابة من أهل المدينة،
وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضا، فروى الترمذى وابن خزيمة وصحاه عن عياض
ابن أبى سرح أن أبا سعيد الخدرى دخل ومروان يخطب فصلى الركعتين فأراد حرس
مروان أن يمنعوه، فأبى حتى صلاهما ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد ما سمعت رسول الله

٨٦
ج - ٢
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
٥٣٦- حدثنا: ابن أبى داود قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثنى الليث
قال: ثنى عقيل عن ابن شهاب فى الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام
يخطب قال: يجلس ولا يسبح أى لا يصلى)). أخرجه الطحاوى (٢١٧:١):
وقال العينى: "إسناد صحيح" (٣١٦:٣).
وَّ الٍّ يأمر بهما، انتهى، ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحا ما يخالف ذلك"(١).
قلت: لا يرد به على المالكية شىء، فإنهم لا يدعون الإجماع المصطلح فى هذه
المسألة، ولا يحرمون الصلاة حال الخطبة به حتى ينقض بفعل أبى سعيد، بل مرادهم
بالاتفاق اتفاق جمهورهم على ذلك، وبمنع الصلاة كراهتها، فلا يضر مخالفة البعض،
فقد ثبت فى الأصول أن الحاظر والمبيح إذا اجتمعا يقدم الحاظر، لا سيما إذا كان أقوى
من المبيح وأرجح لموافقة الجمهور له، وههنا كذلك فإن عمل أكثر أهل المدينة سلفا عن
خلف غير أبى سعيد على أن التنفل حال الخطبة ممنوع مطلقا، وناهيك به لإثبات
الكراهة.
أما قوله: ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحا ما يخالف ذلك، فيرده ما قدمنا
عن عطاء أن ابن عباس وابن عمر كانا يكرهان الكلام والصلاة يوم الجمعة بعد خروج
الإمام، إسناده حسن. وما قدمنا عن أبى هريرة مرفوعا: "خروج الإمام يوم الجمعة للصلاة
يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام" وإسناده حسن، وما قدمنا عن عقبة بن عامر قال :.
"الصلاة والإمام على المنبر معصية" قال العينى: "وكيف يقول هذا القائل ولم يثبت
عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، وأى مخالفة أقوى من هذا حيث جعل الصلاة
والإمام على المنبر معصية. وكيف يقول شارح الترمذى: لم يقع عن أحد منهم التصريح
بمنع التحية، وأى تصريح يكون أقوى من قول عقبة؟ حيث أطلق على فعل هذه الصلاة
معصية، فلو كان قال يكره "أولا يفعل" لكان منعا صريحا، فضلا أنه قال "معصية"
وفعل المعصية حرام، وإنما أطلق عليه المعصية لأنها فى هذا الوقت تخل بالإنصات
المأمور به، فيكون بفعلها تاركا للأمر وتارك الأمر يسمى عاصيا، وفعله يسمى معصية،
(١) فتح البارى: باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب (٣٤٠:٢).

٨٧
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
إعلاء السنن
٥٣٧- حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم عن سفيان عن ليث
عن مجاهد "أنه كره أن يصلى والإمام يخطب" أخرجه الطحاوى، وقال
العينى: بإسناد صحيح.
٥٣٨- حدثنا أحمد بن الحسن قال: ثنا على بن العاصم عن خالد الحذاء
"أن أبا قلابة جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يصل" أخرجه
. الطحاوى، وقال العينى: إسناد صحيح.
وفى الحقيقة هذا الإطلاق مبالغة.
فإن قلت: فى سند أثر عقبة، عبد الله بن لهيعة، قلت: ما له؟ وقد قال أحمد: من
كان مثل ابن لهيعة بمصر فى كثرة حديثه وضبطه واتقانه، وحدث عنه أحمد كثيراً"(١).
قلت: وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد فى توثيق ثابت بن الوليد بن عبد الله بن جميع:
"وروى عنه أحمد، وشيوخه ثقات" اهـ (٨٠:١). وهذا يدل على توثيق شيوخ أحمد
كلهم(٢). قال العينى: وقال ابن وهب: حدثنى الصادق البار والله عبد الله بن لهيعة اهـ.
قلت: وتصديه لابن لهيعة وحده وسكوته عن باقى الرواة يدل على أنهم ثقات، ولم أجد
فى العبادلة من يلقب بالفهمى، ثم وجدت ترجمته فى "كشف الأستار عن رجال معانى
الآثار" (طبع الهند) (ص٥٨) أنه عبد الله بن محمد بن إسحاق بن عبيد بن سويد
الفهمى المصرى يعرف بالبيطارى. قال أحمد: ثقة صالح، وذكره ابن حبان فى الثقات.
وأبو مصعب هذا هو مشرح بن هاعان كذا فى كتاب الكنى للدولابى (١١٥:٢) سمع
عقبة بن عامر، ولم يذكره الدولابى بجرح ولا تعديل. وفى التهذيب: عن ابن معين: ثقة،
وعن ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به اهـ (١٥٥:١٠)، والباقون كلهم ثقات.
(١) عمدة القارى (٣١٧:٣).
(٢) ذكره الهيثمى فى باب التاريخ من كتاب العلم تحت حديث أبى الطفيل: "أدركت ثمانى سنين من حياة رسول
الله مَِّ إلخ". قلت: ولكن الهيثمى قد صرح بتضعيف ابن لهيعة فى مواضع كثيرة من كتابه، وفى باب
التاريخ نفسه تحت حديث أبى ذر الطويل.

ج - ٢
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
٨٨
الجواب عن قصة سليك:
والجواب عن قصة سليك بوجوه، أقواها عندى أنها محمولة على وقت إباحة
الأفعال فى الخطبة، يدل عليه ما رواه النسائي بسند صحيح رجاله ثقات عن أبى سعيد
الخدرى يقول: ((جاء رجل يوم الجمعة - والنبى مرّ له يخطب- بهياة بذة، فقال له رسول الله
مَّ الِ: أ صليت؟ قال: لا، قال: صلى ركعتين، وحث الناس على الصدقة، فألقوا ثيابهم
فأعطاه منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله مَ الله يخطب، فحث الناس
على الصدقة قال: فألقى أحد ثوبيه إلخ" (٢٠٨:١) قال العينى:" وإنما قال هذا القائل
(أراد به الطحاوى) أن قضية سليك كانت فى حالة إباحة الأفعال فى الخطبة قبل أن
ينهى عنها، ألا يرى أن فى حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه "فألقى الناس ثيابهم
وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه، وكذلك مس الحصى،
وقول الرجل لصاحبه "أنصت" كل ذلك مكروه. فدل ذلك أن ما أمر به منے سليكا وما
أمر به الناس بالصدقة عليه كان فى حال إباحة الأفعال فى الخطبة اهـ)) (٣١٥:٣).
قلت: وكذلك قوله عّ لّ فى هذه القصة: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام
يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما)) رواه مسلم (٢٨٧:١) لا يقال: إن إسلام سليك
متأخر جدا، وتحريم الكلام فى الصلاة متقدم جدا، لأنا لم نبن كراهة الصلاة فى الخطبة
على تحريم الكلام فى الصلاة، بل بناءها على كراهة مس الحصى وأمثاله من قول الرجل
"أنصت" فى الخطبة، وتحريم الكلام فى الصلاة لا يستلزم كراهة مس الحصى والقول
بأنصت، فيمكن أن يكون هذا الحكم متأخرا عن قصة سليك، بل هو المتعين لما عرفت
من اشتمالها على أمور لا يجوز ارتكابها فى الخطبة إجماعا، كنزع الرجل ثوبه وإلقاءه إلى
أحد، وأيضاً يجوز أن يكون معنى قوله مّله: ((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب)) أى"يريد
أن يخطب" فليركع ركعتين قبل شروع الإمام فى الخطبة وليتجوز فيهما.
ويؤيد هذا المعنى ما ورد فى رواية مسلم عن أبى الزبير عن جابر أنه قال: ((جاء
سليك الغطفانى يوم الجمعة ورسول الله عَظ ◌ٍّ قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن
يصلى، فقال له رسول الله مرّ له: أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما)) -وفى
رواية له: «ثم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز

٨٩
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
إعلاء السنن
فيهما)) اهـ (٦٨٧:١). فالظاهر أن أمره مرّ الر سليكا بالركعتين وقوله: ((إذا جاء أحدكم
إلخ)) كان كله وهو قاعد قبل شروعه فى الخطبة، والظاهر أنه أمسك له النبى من الآن.
الخطبة وانتظره حتى فرغ من صلاته، ثم أحذ فى خطبته.
يدل عليه ما رواه الدارقطنى فى "سننه" من حديث عبيد بن محمد العبدی حدثنا
معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس قال: "دخل رجل المسجد ورسول الله عَ ل يخطب
(أى يريد أن يخطب، لحديث جابر: ورسول الله مٍَّ قاعد على المنبر) فقال له رسول الله
مرّ: قم فاركع ركعتين وامسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته)). قال الدارقطنى:
أسنده عبيد ابن محمد ووهم فيه، ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل حدثنا معتمر عن أبيه
قال: جاء رجل والنبى ◌َّاللّهِ يخطب (قد مر معناه) فقال: يا فلان أصليت؟ قال لا، قال:
قم، ثم انتظره حتى صلى، قال: وهذا المرسل هو الصواب.
قلت: والمرسل حجة عندنا، ويؤيده ما أخرجه ابن أبى شيبة: حدثنا هشيم قال:
أخبرنا أبو معشر عن محمد بن قيس أن النبى ◌ّ: حيث أمره أن يصلى ركعتين أمسك
عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه ثم عاد(١) إلى خطبته اهـ (عمدة القارى ٣: ٣١٣).
قلت: رجاله ثقات، وأبو معشر هو نجيح تكلموا فيه. قال أبو حاتم: كان أحمد يرضاه
ويقول: كان بصيراً بالمغازى، قال: وقد كنت أهاب حديثه حتى رأيت أحمد يحدث
عن رجل عنه، فتوسعت بعد فيه، قيل له: فهو ثقة؟ قال: صالح لين الحديث محله
الصدق. وقال أبو زرعة الدمشقى: كان كيسا حافظا انتهى ملخصا من التهذيب
(٤٢٠:١٠). ومحمد بن قيس هو المدنى من رجال مسلم، قال يعقوب بن سفيان: وأبو
داود ثقة وذكره ابن حبان فى الثقات اهـ (تهذيب ٤١٤:١).
قلت: فكل ما ورد فيه أن سليكا جاء ورسول الله مَ الِ يخطب، محمول عندنا على
المجاز، بدليل رواية مسلم ((جاء سليك ورسول الله مَّةٍ قاعد على المنبر)) وكذا قوله مرّ له:
((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين)) (٢) معناه: إذا جاء والإمام يريد أن
(١) يعنى أخذ فى خطبته، ولكن لما كان جلوس الإمام على المنبر فى حكم الخطبة، صح إطلاق العود على ابتداء
الكلام (مؤلف) .
(٢) قلت: وقوله "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب إلخ" مما انتقده الدار قطنى على الشيخين أن شعبة خالف الجماعة فى

ج - ٢
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
٩٠
يخطب قبل ابتداءه فى الكلام، بقرينة ما ذكرناه. فإن قلت: هذا صرف الكلام عن
ظاهره. قلت: مثل هذا شائع فى المحاورات کثیرا. ونظيره ما ورد فى حديث أبى داود وابن
حبان عن أبى بكرة ((أن النبى مَّ لِّ دخل فى صلاة الفجر فكبر ثم أومأ إليهم أن مكانكم)).
وروى مسلم عن طريق يونس عن الزهرى "قبل أن يكبر فانصرف". وفيه دليل على أنه
انصر قبل أن يدخل فى الصلاة فتعارضا. قال الحافظ: " ويمكن الجمع بينهما يحمل قوله
"كبر" على "أراد أن يكبر" اهـ" (١).
فكذا لما تعارضت الأحاديث المانعة عن الصلاة والكلام حال الخطبة بقوله مرّ له:
((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب)) إلخ حملناه على مجاز كما مر، على أن صرف هذه
اللفظة عن ظاهرها مما لا محيص عنه لأحد، فإن الشافعية أيضا خصصوا عمومها
بالداخل فى آخر الخطبة، وقالوا: معناه إذا جاء أحدكم والإمام يخطب يعنى إذا جاء فى
بدء الخطبة أو وسطها وأما إذا جاء فى آخرها فلا يركع بل يترك التحية. قال الحافظ:
"قيل: يخص عموم حديث الباب بالداخل فى آخر الخطبة كما تقدم. قال الشافعى: أرى
للإمام أن يأمر الآتى بالركعتين ويزيد فى كلامه ما يمكنه الإتيان بهما، قبل إقامته الصلاة
فإن لم يفعل كرهت ذلك "(٢).
قلت: زيادة الإمام فى كلامه لأجل فراغ الواردين عن التحية يؤدى إلى تطويل
الخطبة وهو خلاف السنة، فإن الإمام مأمور بقصرها كما سنبينه فى بابه، وأيضا فربما
يفضى إلا تطويل زائد حيث تتابع الواردون فى آخر الخطبة، وفيه قلب الموضوع أيضا
حيث جعل الإمام تابعا والمأموم متبوعا. قال الحافظ: وحكى النووى عن المحققين أن
المختار أن لم يفعل أن يقف حتى تقام الصلاة لئلا يكون جالسا بغير تحية او متنفلا حال
إقامة الصلاة اهـ .
قال الحافظ فى الفتح: ((قيل: كانت هذه القضية قبل شروعه ◌ّ لّه فى الخطبة،
سياق المتن، وهم إنما أو ردوه على حكاية قصة الداخل، وأمر النبى مرّ قر له بصلاة ركعتين والنبى معد لةٍ يخطب
وهى قصة محتملة للخصوص، وسياق شعبة يقتضى العموم فى حق كل داخل، قاله الحافظ فى مقدمة الفتح
(ص٣٥٣).
(١) باب هل يخرج من المسجد لعلة، من كتاب الأذان (١٠١:٢).
(٢) فتح البارى، باب إذا رأى الإمام رجلا جاء إلخ (٣٤١:٢).

٩١
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
إعلاء السنن
٥٣٩- عن: أنس قال: ((كان: رسول الله مرّاللّه ينزل عن المنبر، فيعرض له
الرجل فيكلمه فيقوم معه النبى معَ ةٍ حتى يقضى حاجته، ثم يتقدم إلى مصلاه
ويدل عليه قوله فى رواية الليث عند مسلم: والنبى مرّ تِّ قاعد على المنبر))، وأجيب بأن
القعود على المنبر لا يختص بالابتداء بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضا اهـ"
(٣٣٩:٢). قلت: فإذا جاء الاحتمال بطل استدلال الشافعية ومن وافقهم بهذا الحديث
على جواز التحية حال الخطبة، على أن ما ذكرنا من الاحتمال هو أولى مما ذكرت، لما
عرفت من أنه مُّ انتظر سليكا وامسك عن خطبته حتى فرغ من ركعتيه، وهذا مما لا
ينبغى أن يكون بين الخطبتين لأن زمن هذا القعود لا يطول، وأيضا فى أمره مرّ ه الناس
بالصدقة عليه فألقوا ثيابهم، ونزع الرجل الثوب حال الخطبة مكروه إجماعا . فالظاهر أن
المراد بالقعود ابتداء قعوده.
قال الحافظ: " ويحتمل أيضا أن يكون الراوى تجوز فى قوله "قاعد" لأن الروايات
الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبى معَّهِ يخطب". قلت: واحتمال التجوز
يجرى فى قوله "يخطب" أيضا، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. أما قوله: "لأن
الروايات الصحيحة كلها مطبقة إلخ " فجوابه أن رواية "قاعد" أيضا صحيحة رواها
مسلم، ولا ترجيح بكثرة الأدلة. وأيضا فالروايات المانعة عن الصلاة والكلام حال
الخطبة والآمرة بالإنصات والاستماع لها تؤيد هذه الرواية، فافهم.
فإن قيل: إن الصلاة والإمام قاعد على المنبر ولو قبل شروعه فى الكلام مكروهة
أيضا عند الحنفية. قلنا: إنها تكره قبل شروع الإمام فى الخطبة عند أبى حنيفة احتياطا
لمخافة فوت الاستماع والإنصات المأمور بهما فى هذا الوقت، وتزول هذه المخافة إذا فرغ
عنها قبل الشروع فيها، أو صلى بأمر الإمام، وأمسك هو عن الكلام، وانتظر فراغه عن
الركعتين كما فعله رسول الله رسم لته فى هذه القضية، فلا تكره والحال هذه، لم أره صريحا
ولكنه مقتضى تعليل العينى فى كلامه المذكور آنفا والله أعلم.
قوله: "عن أنس إلخ". قال أبو داود بعد تخريج هذا الحديث: والحديث ليس
بمعروف عن ثابت وهو مما تفرد به جرير بن حازم اهـ (١٦٦:١). وقال الترمذى: هذا

٩٢
كراهة الصلوة والكلام بعد خروج الإمام للخطبة
ج - ٢
فيصلى)) أخرجه النسائي(١) وسكت عنه، وأخرجه أيضا أبو داود والترمذى
وتکلما فيه، رجاله كلهم ثقات، ولکن وهم فیه جرير بن حازم اهـ.
٥٤٠- أخبرنا ابن أبى فديك -هو محمد بن إسماعيل- عن ابن أبى
ذئب -هو محمد بن عبد الرحمن- عن ابن شهاب قال: حدثنى ثعلبة بن أبى
مالك: ((أن قعود الإمام يقطع السبحة وأن كلامه يقطع الكلام وإنهم كانوا
يتحدثون يوم الجمعة. وعمر جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم
يتكلم أحد حتى يقضى الخطبتين كليهما فإذا قامت الصلاة ونزل عمر
تكلموا)) اهـ. رواه الشافعى فى "مسنده" (ص-٣٥)، ورجاله رجال الصحيح
وأخرجه الطحاوى أيضا وصحح إسناده العينى فى "العمدة" (٣١٦:٣).
حديث لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، سمعت محمدًا - هو البخارى - يقول: وهم
جرير بن حازم فى هذا الحديث، والصحيح ما روى عن ثابت عن أنس قال: ((أقيمت
الصلاة فأخذ رجل بيد النبى ◌ّ ◌ِّ فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم)). قال محمد:
والحديث هذا وجرير بن حازم ربما يهم فى الشىء وهو صدوق اهـ (٦٨:١). قلت:
والحديث فيه حجة لهما، فإنه لا بأس بالكلام عندهما إذا نزل الإمام عن المنبر قبل أن
يكبر، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بإطلاق الأحاديث المتقدمة، وهذا الحديث
بعد صحته محمول عنده على التكلم بما يتعلق بالآخرة، على أن الحاظر مقدم على المبيح
إذا اجتمعا، وأيضا فهذا الحديث فعلى والقول مقدم على الفعل بالاتفاق، والله تعالى
أعلم.
قوله: "أخبرنا ابن أبى فديك إلخ". قلت: هذا الأثر أيضا يدل على ما ذهبا إليه.
ولأبى حنيفة فى الجواب عنه ما قد ذكرناه فى حديث أنس. قال العلامة العينى: "فإن
قلت: روى أنس عن النبى ◌ِّ أنه كان إذا نزل عن المنبر سأل الناس عن حوائجهم
وعن أسعار السوق ثم يصلى. قلت: حديث أنس كان فى ابتداء الإسلام حين كان
الكلام مباحا فى الصلاة" اهـ (بناية ١٠١٢:١). قلت: والأحسن فى الجواب عندى أنه
(١) الكلام والقيام بعد النزول عن المنبر (١٥٩:١).

٩٣
إعلاء السنن
٥٤١- حدثنا عباد بن العوام عن يحيى بن سعيد عن يزيد بن عبد الله عن
ثعلبة بن أبى مالك القرظى قال: "أدركت عمر وعثمان رضى الله تعالى عنهما
فكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة وإذا تكلم تركنا الكلام". أخرجه ابن أبى
شيبة فى "مصنفه" كذا قال العينى فى العمدة (٣١٦:٣). قلت: ورجاله رجال
الصحيح.
باب عدم جواز الجمع بين الصلاتين جمعا حقیقیا
٥٤٢- عن: عبد الله رضى الله عنه قال: ((كان رسول الله منّ الله يصلى
عليه الصلاة والسلام كان إماما وخطيبا، ولا بأس له أن يتكلم لأنه يخطب، والخطبة من
أولها إلى آخرها كلام، والله أعلم. قال عبد من عباد الله (١): والسر فيه أن كلام غير الإمام
قد يعارض الخطبة أو الصلاة، وكلام الإمام لا يحتمل ذلك.
قوله: "حدثنا عباد بن العوام إلخ". قلت: يزيد بن عبد الله هو ابن أسامة بن الهاد
الليثى من رجال الجماعة ثقة حسن الحديث وكثيرة، كذا فى التهذيب (٣٤٠:١١)،
ودلالة الحديث على معنى الباب ظاهرة، وإنما ذكرته مكررا لأن رواية المؤطأ تدل على أن
لفظة "خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام" من قول الزهرى، ورواية الشافعى
والطحاوى تدل على أنها من كلام ثعلبة، وله رؤية، وذكرت رواية ابن أبى شيبة لما فيها
من ذكر عثمان أيضا مع عمر رضى الله عنهما .
باب عدم جواز الجمع بين الصلاتين جمعا حقيقيا (٢)
قلت: أحاديث الباب تدل دلالة صريحة على أن ما ثبت عن النبى عوبه من
(١) كتبه سيدى حكيم الأمة بيده (مؤلف).
(٢) أجمعوا على أن الجمع بين الظهر والعصر فى وقت الظهر بعرفة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة سنة، واختلفوا فى
غير هذين الموضعين، فأجازه جماعة من أهل العلم بعذر، منهم مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن
=

٩٤
ج - ٢
عدم جواز الجمع بين الصلاتين جمعا حقيقيا
الصلاة لوقتها إلا بجمع وعرفات)). رواه النسائي وإسناده صحيح (آثار السنن
٧٢:٢) .
٥٤٣- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: ((كان رسول الله عَز اله فى
الجمع بين الصلاتين فهو جمع صورى لا حقيقى، وبه تحصل التطبيق بين الأحاديث.
وأما ما يعارضها من الأحاديث ويتعذر حمله على الجمع الصورى، فمنها ما فى بلوغ المرام
(٧٩:١) عن أنس قال: ((كان رسول الله مرّه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر
إلى وقت العصر(١) ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر
ثم ركب)) "متفق عليه" وفى رواية الحاكم فى الأربعين بالإسناد الصحيح: ((صلى الظهر
والعصر ثم ركب)). ولأبى نعيم فى مستخرج مسلم: "كان إذا كان فى سفر فزالت
الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً (٢) ثم ارتحل" اهـ ورواه مسلم عنه (٢٤٥:١) بلفظ:
=
المنذر وطاوس ومجاهد وعكرمة، وروى ذلك عن سعيد بن زيد وسعد وأسامة ومعاذ وأبى موسى وابن عمر،
ومنعه طائفة منهم ابن سيرين والحسن والنخعى وأبو حنيفة وصاحباه، وهو رواية ابن القاسم عن مالك
واختياره. هذا ملخص ما فى المغنى لابن قدامة (٢٧١:٢ ونيل الأوطار ١٨٠:٣).
وأما الأسباب المبيحة للجمع عند القائلين به فاتفقوا على أن السفر منها، ثم قال مالك: لا يجوز الجمع فى السفر
إلا إذا جدبه السير، وخالفه الشافعى فلم يشترط ذلك واشترط مالك فى إحدى الروايات عنه أن يكون السفر
سفر قربة كالحج والغزوة، خلافا للشافعى، فإنه أجازه فى كل سفر مباح، وهو رواية المدنيين عن مالك.
وأما الجمع فى الحضر فأجازه جماعة من أهل الظاهر وأشهب من أصحاب مالك من غير عذر، وأما الجمع فى
حضر لعذر المطر فأجازه الشافعى ليلا كان أو نهارا، ومنعه مالك وأحمد فى النهار، وأجازاه فى الليل، وأجازاه
أيضا فى الطين دون المطر فى الليل. وأما المرض فيجوز لأجله الجمع عند مالك وأحمد وعطاء، ولا يجوز عند
الشافعى. ثم المرض للمبيح للجمع عند مالك هو مخافة أن يغمى عليه أو البطن، وعند أحمد كل ما يلحقه
بتأدية كل صلاة فى وقتها مشقة وضعف، هذا ملخص ما فى المغنى لإبن قدامة (٢٧٤:٢ و٢٧٧ وبداية المجتهد
١٣٦:١ و١٣٧).
(١) قلت: معناه، وكذا معنى قوله "إلى أول وقت العصر" يعنى يقرب وقت العصر أو أول وقتها، وهذا التأويل نظير
ما أولوه فى حديث إمامة جبريل: "صلى العصر فى اليوم الأول حين كان كل شىء مثل ظله وصل الظهر فى
اليوم الثانى حين كان ظل شىء مثله لوقت العصر بالأمس" فلما كان ظاهره يدل على اشتراك الوقت بين الظهر
والعصر أولوه بأن المراد أنه صلى الظهر فى اليوم الثانى فى قرب الوقت الذى صلى فيه العصر بالأمس (مؤلف).
(٢) قال العلامة العينى فى شرح البخارى: "فى ثبوت هذه الزيادة نظر، ألا ترى أن الحاكم لم يورده فى مستدركه مع
شهرته فى تساهله فى التصحيح، والبخارى مع تتبعه فى أشياء على الحنفية لم يذكر هذه الزيادة" اهـ. قال:
"والمحفوظ عن عقيل الراوى فى الكتب المشهورة هكذا بدون ذكر العصر اهـ". وأما رواية الطبرانى فقد تفرد به
=

٩٥
عدم جواز الجمع بين الصلاتين جمعا حقيقيا
إعلاء السنن
السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء)). رواه الطحاوى
وأحمد والحاكم وإسناده حسن. كذا فى آثار السنن (٧٣:٢).
٥٤٤- عن: نافع وعبد الله بن واقد أن مؤذن ابن عمر رضى الله عنه قال:
الصلاة، قال: سر، سر، حتى إذا كان قبل غيوب الشفق تزل فصلى المغرب،
ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلى العشاء ثم قال: ((إن رسول الله مرّ الةٍ كان إذا
((كان النبى ◌ّ لّه إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين فى السفر أخر الظهر حتى يدخل أول
وقت العصر ثم يجمع بينهما)) وله أيضا ((إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت
العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينهما وبين العشاء حين يغيب الشفق
اهـ)). وفى مجمع الزوائد (٢٠٥:١) عنه بلفظ: ((وإن النبى ◌ّ لِّ كان إذا كان فى السفر
فزاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر جميعا، وإن ارتحل قبل إن تزيغ
الشمس جمع بينهما فى أول العصر، وكان يفعل ذلك فى المغرب والعشاء رواه الطبرانى
فى "الأوسط" ورجاله موثقون اهـ.
فالجواب عنها أنه يعارضها روايته عند البزار وقد مرت فى المتن، وهى تدل على
أن رسول الله مَّار كان يجمع صورة لا حقيقة، فإذا تعارضت الآثار عن أنس تساقطت
فلا حجة فيها لأحد، وأيضا فإن الثلاثة الأخيرة من أحاديث المتن تدل على التفريط
بالصلاة بعد الوقت، وكذلك قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا
موقوتا﴾ ينافيها فيقدم الحاظر على المبيح، كما هو قاعدتهم والله أعلم.
وأما ما رواه مسلم (١: ٢٧٦) عن ابن عباس رضى الله عنه قال: ((صلى رسول الله
وَظ ◌ِّ الظهر والعصر جميعا بالمدينة فى غير خوف ولا سفر)). قال أبو الزبير: "فسألت
سعيدا لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتنى فقال: أراد أن لا يحرج أحدا
يعقوب ابن محمد الزهرى وفيه مقال، قال أحمد: يعقوب بن محمد ليس يسوى بشىء، وقال أبو زرعة: واهى
الحديث، وعن ابن معين أحاديثه تشبه أحاديث الواقدى (عمدة القارى ٥٨٤:٣)، وقال فى التقريب: صدوق
كثير الوهم والرواية عن الضعفاء (ص٢٤٢) وأما حديث أبى الطفيل عن معاذ (وقد بسط الكلام فى حديث
معاذ هذا ابن أمير الحاج فى عنية المستملى (ص٥٠٨) فقال الحاكم فيه: إن الحديث موضوع وأنكره أبو داود،
وقال أبو داود: ليس فى تقديم الوقت حديث قائم. كذا فى عمدة القارى (٥٦٩:٣ و٥٧٤).

٩٦
ج - ٢
عدم جواز الجمع بين الصلاتين جمعا حقيقيا
عجل به أمر صنع مثل الذى صنعت، فسار فى ذلك اليوم والليلة مسيرة
ثلاث)) رواه أبو داود والدارقطنى، وإسناده صحيح (آثار السنن ٧٣:٢).
٥٤٥- عن: كثير بن قاروند قال: سألنا سالم بن عبد الله عن صلاة أبيه
فى السفر وسألناه هل كان يجمع بين شىء من صلاته فى سفره؟ فذكر أن
صفية بنت أبى عبيد كانت تحته، فكتبت إليه وهو فى زراعة له: إنى فى آخر
يوم من أيام الدنيا وأول يوم من الآخرة، فركب فأسرع السير إليها، حتى إذا
حانت صلاة الظهر قال له المؤذن: الصلاة يا أبا عبد الرحمن! فلم يلتفت إليه
حتى إذا كان بين الصلاتين(١) نزل فقال: أقم، فإذا سلمت فأقم، فصلى ثم
ركب حتى إذا غابت الشمس قال له المؤذن: الصلاة. فقال: كفعلك فى صلاة
الظهر والعصر، ثم سار حتى إذا اشتبكت النجوم نزل ثم قال للمؤذن: أقم فإذا
سلمت فأقم، فصلى ثم انصرف فالتفت إلينا، فقال: قال رسول الله مَ له ((إذا
حضر أحدكم الأمر الذى يخاف فوته فليصل هذه الصلاة)). رواه النسائي
وإسناده صحيح (آثار السنن ٧٣:٢).
من أمته" ، وما فى "مجمع الزوائد" (٢٠٦:١) عن عبد الله بن مسعود قال: ((جمع رسول
الله ◌َظلّ بين الأولى والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له فى ذلك، فقال: صنعت
هذا لكى لا تحرج أمتى)) رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير، وفيه عبد الله بن عبد
القدوس ضعفه ابن معين والنسائى، ووثقه ابن حبان، وقال البخارى: صدوق إلا أنه
يروى عن أقوام ضعفاء. قلت: وقد روى هذا عن الأعمش وهو ثقة اهـ. فهو محمول
على الجمع الصورى، وحمله على الجمع الحقيقى خلاف الإجماع. قال الترمذى فى
"علله": جميع ما فى هذا الكتاب من الحديث هو معمول به وبه أخذ بعض أهل العلم
ما خلا حديثين حديث ابن عباس: ((أن النبى مّ له جمع بين الظهر والعصر بالمدينة،
والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر" إلخ (٢٣٥:٢)، فهذا الحديث ظاهره
متروك بالإجماع لم يقل به أحد.
(١) هذا هو موضع الاستدلال منه فتنبه له (مؤلف).

٩٧
عدم جواز الجمع بين الصلاتين جمعا حقيقيا
إعلاء السنن
٥٤٦- عن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب عن أبيه عن
جده: ((أن عليا كان إذا سافر سار بعد ما تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم ثم
ينزل فيصلى المغرب ثم يدعو بعشائه فيتعشى، ثم يصلى العشاء ثم يرتحل
ويقول: هكذا كان رسول الله ير مَ لّه يصنع)) رواه أبو داود وإسناده صحيح
"آثار السنن" (٧٤:٢).
٥٤٧- عن: ابن جابر قال: حدثنى نافع قال: خرجت مع عبد الله بن عمر
فى سفر يريد أرضا له فأتاه آت فقال: إن صفية بنت أبى عبيد لما بها، فانظر أن
تدركها، فخرج مسرعا ومعه رجل من قريش يسايره، وغابت الشمس فلم
يصل الصلاة وكان عهدى به وهو يحافظ على الصلاة، فلما أبطأ قلت:
وأخرج الترمذى عن ابن عباس عن النبى معَ لٍ قال: ((من جمع بين الصلاتين من
غير عذر فقد أتى بابا من الكبائر)). وفيه حنش حسين بن قيس. قال الترمذى: هو
ضعيف عند أهل الحديث ضعفه أحمد وغيره اهـ (١: ٢٦). قلت: الحديث أخرجه
الحاكم فى المستدرك عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس ثم قال: حنش بن قيس
الرحبى يقال له: أبو على من أهل اليمن سكن الكوفة ثقة اهـ (١). وفى التهذيب بعد ذكر
الكلام الطويل فيه: وزعم أبو محصن أنه شيخ صدوق. وقال أبو بكر البزار: لين
الحديث اهـ (٢: ٣٦)، على أن لما رواه شاهدا صحيحا موقوفا، فقد صح عن عمر بن
الخطاب رضى الله عنه أنه كتب إلى أبى موسى: "واعلم أن جمعا بين الصلاتين من غير
عذر من الكبائر" أخرجه عبد الرزاق فى المصنف(٢) عن معمر عن قتادة عن أبى العالية
الرياحى كذا فى اللآلى (١٣:٢) ورجاله رجال الصحيح (١)، وهو موقوف فى حكم
(١) قلت: قال الذهبى تحته: "قلت: بل ضعفوه".
(٢) أخرجه فى باب من نسى صلاة الحضر والجمع بين الصلاتين فى السفر (٥٥٢:٢ رقم ٢٢-٤٤).
(٣) وروى ابن أبى شيبة فى "مصنفه": حدثنا وكيع ثنا أبو هلال عن حنظلة السدوسي عن أبي موسى أنه قال: الجمع
بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، وروى البيهقي والحاكم عن أبي العالية عن عمر أن الجمع بين الصلاتين
من غير عذر من الكبائر. وفي التهذيب : قال علي بن المديني في أبي العالية : أنه سمع من عمر. قال الزيلعي :
ثم أسند الحاكم عن أبي قتادة العدوي أن عمر كتب إلى عامل له : ثلاث من الكبائر ، الجمع بين الصلاتين إلا
من عذر، والفرار من الزحف، والنهبى. كذا في "فتح الملهم" عن "الجوهر النقي" (ص- ٢٦١ ج٣).

ج - ٢
عدم جواز الجمع بين الصلاتين جمعا حقيقيا
٩٨
الصلاة يرحمك الله! فالتفت إلى ومضى، حتى إذا كان فى آخر الشفق (١) نزل
فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق، فصلى بنا ثم أقبل علينا،
فقال: إن رسول الله عز له كان إذا عجل به السير صنع هكذا)) رواه النسائى
وأبو داود والطحاوى والدارقطنى، وإسناده صحيح (آثار السنن ٧٤:٢).
٥٤٨- عن: أبى عثمان قال: ((وفدت أنا وسعد بن مالك رضى الله عنه(٢)
ونحن نبادر للحج فكنا نجمع بين الظهر والعصر، تقدم من هذه ونؤخر من
هذه، ونجمع بين المغرب والعشاء نقدم من هذه ونؤخره من هذه حتى قدمنا
مكة)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح (آثار السنن ٧٤:٢).
المرفوع.
فإن قلت: هذا حجة على الحنفية، لأنه يقتضى جواز الجمع بين الصلاتين
بعذر، قلت: هذا استدلال بالمفهوم وهو ليس بحجة عندهم على أنه قال فى المضمرات:
إن المسافر إذا خاف اللصوص أو قطاع الطريق ولا ينتظره الرفقة جاز له تأخير الصلاة
لأنه بعذر اهـ (رد المحتار ٣٩٧:١). فجمع التأخير بين الصلاتين بعذر يجوز عند الحنفية
أيضا، ولكن مطلق السفر ليس بعذر عندهم، بل المخافة على نفسه أو ماله، وأما جمع
التقديم، فلا يجوز أصلا فى غير عرفة، وقد ذهب جمع كثير من العلماء إلى الجمع
الصورى. وقال النووى: "هو (أى الجمع الصورى) احتمال ضعيف أو باطل، لأنه
مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل". وأجاب عن قوله الحافظ فى الفتح بما نصه: "وهذا
الذى ضعفه استحسنه القرطبى ورجحه قبله إمام الحرمين، وجزم به من القدماء ابن
الماجشون والطحاوى وقواه ابن سيد الناس "(٣) قلت: ومن المتأخرين اختاره الشوكانى فى
(١) وأخرجه البخارى فى الحج والجهاد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر بلفظ: "حتى إذا كان بعد غروب
الشفق" اهـ. وزعم البيهقى فى المعرفة أن الجمع لا يمكن بينهما. قلت: من قال "بعد غروب الشفق" أراد به
أكثر الشفق، أو أراد به الحمرة ومن قال "قبل غيوب الشفق" أراد به البياض، وقد قدمنا أن الشفق يطلق على
المعنيين فالتوفيق حاصل على قول أبى حنيفة اهـ. (تعليق آثار السنن ٧٤:٢).
(٢) أبو عثمان تابعى وسعد بن مالك صحابى (مؤلف).
(٣) فتح الباري باب تأخير الظهر إلى العصر (٢-١٩).

٩٩
عدم جواز الجمع بين الصلاتين جمعا حقيقيا
إعلاء السنن
٥٤٩- عن: أنس: ((أنه كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين فى السفر
أخر الظهر إلى آخر وقتها وصلاها، وصلى العصر فى أول وقتها ويصلى
المغرب فى آخر وقتها ويصلى العشاء فى أول وقتها، ويقول: هكذا كان رسول
الله ◌َّ لِّ يجمع بين الصلاتين فى السفر)). رواه البزار وفيه ابن إسحاق وهو ثقة
ولكنه مدلس (مجمع الزوائد ٢٠٦:١). وفى الترغيب (٥٣٠:٢): وبالجملة فهو
ممن اختلف فيه وهو حسن الحديث)) اهـ.
٥٥٠- عن: عثمان بن عبد الله بن موهب قال: ((سئل أبو هريرة رضى الله
عنه ما التفريط فى الصلاة؟ قال: أن تؤخر حتى يجىء وقت الأخرى)). رواه
الطحاوى وإسناده صحيح (آثار السنن ٧٥:٢).
٥٥١- عن: أبى قتادة رضى الله عنه أن رسول الله عَ ه قال: ((أما إنه
٠٧٧
النيل وله فى هذه المسألة رسالة مستقلة سماها "تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع" (آثار
السنن ٧٥:٢).
فائدة:
فى التلخيص الحبير قوله: "ولا يجوز الجمع بين الصبح وغيرها ولا بين العصر
والمغرب، لأنه لم يرد بذلك نقل عن رسول الله مَّ ه" هو كما قال (١٣١:١) والمقصود
من هذا النقل، التنبيه على أن ذلك ليس بمنقول.
فائدة:
لا بأس بتقليد غير إمامه عند الضرورة الشديدة:
قال فى الدر: "ولا بأس بالتقليد عند الضرورة، لكن بشرط أن يلتزم جميع ما
يوجبه ذلك الإمام، لما قدمنا أن الحكم الملفق باطل بالإجماع" قال العلامة الشامى "فقد
شرط الشافعى رضى الله عنه لجمع التقديم ثلاثة شروط: تقديم الأولى، ونية الجمع قبل

ج - ٢
١٠٠
ليس فى النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل حتى يجىء وقت الصلاة
الأخرى)) رواه مسلم وآخرون (آثار السنن ٧٥:٢).
٥٥٢- عن: طاوس عن ابن عباس رضى الله عنه قال: ((لا يفوت صلاة حتى
يجىء وقت الأخرى)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح (آثار السنن ٧٥:٢).
باب كراهية النوم قبل صلاة العشاء
إلا لمن يثق بالانتباه والسمر بعدها إلا فى مصلحة
٥٥٣- عن: أبي برزة الأسلمى رضى الله عنه: ((أن النبى معَ لِّ كان
يستحب أن يؤخر العشاء التى يدعونها العتمة. وكان يكره النوم قبلها والحديث
الفراغ منها ، وعدم الفصل بينهما بما يعد فاصلا عرفا، ولم يشترط فى جمع التأخير سوى
نية الجمع قبل خروج الأولى، "نهر" ويشترط أيضا أن يقرء الفاتحة فى الصلاة ولو
مقتديا وأن يعيد الوضوء من مس فرجه أو أجنبية وغير ذلك من الشروط والأركان
المتعلقة بذلك الفعل والله تعالى أعلم" (٣٩٧:١). وقال الطحطاوى فى حاشيته على
مراقى الفلاح: وكثيرا ما يبتلى المسافر بمثله لا سيما الحاج، ولا بأس بالتقليد كما فى
البحر والنهر (ص٣١٠) .
باب كراهية النوم قبل صلاة العشاء
إلا لمن يثق بالانتباه والسمر بعدها إلا فى مصلحة
قلت: الحديث الأول يدل على كراهتهما (١)، والثانى على كراهة السمر فقط.
(١) وقد كرهه جماعة وأغلظوا فيه، منهم ابن عمر وعمر وابن عباس، وإليه ذهب مالك، ورخص فيه بعضهم، منهم
على وأبو موسى وهو مذهب الكوفيين، وشرط بعضهم أن يجعل منه من يوقظه لصلاتها، وروى عن ابن عمر =