النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الإسفار بالفجر
ج - ٢
صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء (بجمع)
وصلى الفجر قبل ميقاتها". رواه البخارى(١) ولمسلم: قبل وقتها بغلس.
المسلمين، فيتعين تأويله على ما ذكرته، وقد ثبت فى صحيح البخارى فى هذا الحديث
فى بعض رواياته: أن ابن مسعود صلى الفجر حين طلع الفجر بالمزدلفة، ثم قال: إن
رسول الله عّ لِّ صلى الفجر هذه الساعة، وفى رواية له: فلما طلع الفجر قال: إن رسول
الله عَ لِّ كان لا يصلى هذه الساعة إلا هذه الصلاة فى هذا المكان من هذا اليوم، والله
أعلم. وفى هذه الروايات كلها حجة لأبى حنيفة فى استحباب الصلاة آخر الوقت فى
غير هذا اليوم" (٣) . . .
وقال ابن التركمانى: إن الحديث الصحيح عن ابن مسعود يدل على أن الإسفار
أفضل، فذكر الحديث ثم قال: "فدل على أن تأخيرها كانت معتادا للنبى مرٍّ وأنه عجل
بها يومئذ قبل وقتها المعتاد، وابن مسعود كذلك كانت عادته إلخ" "الجوهر النقي" (٣).
وقال الشوكانى فى "النيل" (١ - ٣٢١) بعد ذكر الحديث ما نصه: "والحديث
استدل به من قال باستحباب الإسفار، لأن قوله: "قبل ميقاتها" قد بين فى رواية مسلم
أنه فى وقت الغلس، فدل على أن ذلك الوقت أعنى وقت الغلس متقدم على ميقات
الصلاة المعروف عند ابن مسعود، فيكون ميقاتها المعهود هو الإسفار، لأنه الذى يتعقب
الغلس، فيصلح ذلك للاحتجاج به على الإسفار".
وقال بعض الناس: إن حديث ابن مسعود المذكور يمكن حمله على تغليس شديد
اهـ. قلت: إن أراد بالتغليس الشديد وقتا لا يحصل فيه اليقين بطلوع الفجر فالحمل
علیه غير جائز، وإن أراد به وقتا یتیقن فيه بطلوعه فالحمل عليه لا يجد يه نفعا، فإنه هو
الوقت المستحب لصلاة الفجر عند القائلين بالتغليس ولا يستحبون التأخير عنه كما فى
(١) باب متى يصلى الفجر بجمع، من الحج (٢٢٨:١) وما بين القوسين ساقط عن رواية البخارى، وزاده المؤلف من
رواية مسلم، وهى عنده فى كتاب الحج، باب استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر بالمزدلفة إلخ
(١ :٤١٧) .
(٢) شرح النووى (٤١٧:١).
(٣) باب تعجيل صلاة الصبح (١١٧:١) وهامش البيهقى (٤٥٥:١).

٢٢
الإسفار بالفجر
إعلاء السنن
٤٧١- عن: رافع بن خديج رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله عَ ليه
يقول: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)) رواه الترمذى (٢٣:١) وقال: حديث
رافع بن خديج حديث حسن صحيح، ولفظ ابن حبان فى "صحيحه":
"أسفروا بصلاة الصبح فإنه أعظم للأجر" كذا قال الزيلعى قال: وفى لفظ له:
"فكلما أصبحتم بالصبح فإنه أعظم لأجوركم "(١).
٤٧٢- وفى "مجمع الزوائد" عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن
جده قال قال رسول الله (عز لتي: أسفروا بالفجر فإنه أعظم لأجركم أو للأجر" رواه
البزار ورجاله ثقات(٢).
الترمذى (١ - ٢٢): وقال الشافعى وأحمد وإسحاق: "معنى الإسفار أن يضح الفجر، فلا
يشك فيه، ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة". وحديث ابن مسعود يدل على أنه
وَ لِّ قدم الفجر بالمزدلفة عن ميقاتها المعتاد وصلاها بغلس، ولا شك فى أنه صلاها بعد
طلوع الفجر باليقين، فثبت أن وقتها المعتاد متأخر عنه جداً، حتى عد ابن مسعود ذلك
التقديم تحويلا للصلاة عن وقتها، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان وقتها المعتاد بالإسفار فإن
التقديم اليسير لا يعد من التحويل، ولا يصح قوله: "صلاها قبل ميقاتها" إلا إذا كان
تقديمها زائدا بزيادة بينة، فافهم.
قوله: عن رافع بن خديج إلخ. قال الزيلعى: "وتأول الخصوم الإسفار فى هذه
الأحاديث بظهور الفجر، وهذا باطل، فإن الغلس الذى يقولون به هو اختلاط ظلام
الليل بنور النهار كما ذكره أهل اللغة، وقبل ظهور الفجر لا يصح صلاة الفجر، فثبت
أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير، وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة، وأيضا فقوله:
"أعظم للأجر" يقتضى حصول الأجر فى الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح
(١) وذكره الزيلعى عن عدة من الصحابة بطرق مختلفة أخرجها أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، راجع "نصب
الراية" (٢٣٥:١) وحديث ابن حبان قد ذكره الهيثمى بلفظين: ((اصبحوا بالصبح، فإنكم كلما أصبحتم
بالصبح كان أعظم لأجوركم)) و((اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)) راجع "موارد الظمان" (ص ٨٩ رقم ٢٦٣
و٢٦٤).
(٢) "مجمع الزوائد"، باب وقت صلاة الصبح (٣١٥:١).

٢٣
الإسفار بالفجر
ج - ٢
الفجر وظهوره لم يكن فى وقت الغلس أجر، لخروجه عن الوقت. قال فى "الإمام": وفسر
الإمام أحمد الإسفار فى الحديث ببيان الفجر وطلوعه أى لا تصلوا إلا على تبين من
طلوعه، قال: وهذا يرده بعض ألفاظ الحديث أو يبعده انتهى"(١).
وقال الشوكانى فى "النيل": "وقد أجاب القائلون بالتغليس عن أحاديث
الإسفار بأجوبة، منها: أن الإسفار التبين والتحقق فليس المراد إلا تبين الفجر وتحقق
طلوعه، ورد بما أخرجه ابن أبى شيبة وإسحاق وغيرهما بلفظ: "ثوب بصلاة الصبح يا
بلال حين يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار" (٢).
قال بعض الناس: وقد نوقش الاستدلال بحديث رافع بن خديج على أفضلية
الإسفار بأن حديثه عند أبى داود بلفظ: "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم أو أعظم
للأجر" اهـ (١ - ١٦٢).
وقال السندى فى تعليقه على "ابن ماجه" (ص - ١١٩): " وقوله: "اصبحوا
بالصبح" أى صلوها عند طلوع الصبح، يقال: أصبح الرجل إذا دخل فى الصبح، قال
السيوطى فى حاشية "أبى داود": قلت: وبهذا يعرف أن رواية من روى هذا الحديث
بلفظ: "اسفروا بالفجر" مروية بالمعنى، وإنه دليل على أفضلية التغليس بها لا على
التأخير إلى الإسفار، انتهى" (١).
قلت: لا نسلم قوله: أن معنى "أصبحوا بالصبح" صلوها عند طلوعه، بل نقول:
معناه نوروا بالصبح، كذا قال العينى فى شرح البخارى (٢ - ٢٥٥)، لأن اللفظ إذا قارن
اسما بمعناه أفاد التأكيد، يقال: تعزز بالعزة وتجمل بالجمال، ومنه ظل ظليل وليل أليل،
ويؤيده رواية "الطبرانى" بلفظ: "نوروا بالفجر" وقال العلقمى: بجانبه علامة الحسن"
("عزيزى " ٣ - ٣٨٥).
سلمنا أن معنى الإصباح هو الدخول فى الصباح، ويقال: أصبح الرجل إذا دخل
فى الصبح، ولكن إذا قيل: أصبح زيد بالصبح يكون معناه: نور به، لما قد أفاد لفظ
(١) نصب الراية (٢٣٨:١).
(٢) باب وقت صلاة الفجر وما جاء فى التغليس (١٥:٢).
(٣) هنا انتهت عبارة السندى (٢٣٠:١) من طبع التازية بمصر.

٢٤
الإسفار بالفجر
إعلاء السنن
٤٧٣- عن: محمود بن لبيد عن رجال من قومه (١) من الأنصار أن رسول
الصبح تأكيدا فى معنى الإصباح، وعلى هذا قوله مرّ تين: "أصبحوا بالصبح واسفروا
بالفجر" بمعنى واحد، وبعد ذلك ما بناه السيوطى عليه كله بناء الفاسد على الفاسد.
على أن حديث ابن أبى شيبة المذكور آنفا بلفظ "ثوب بصلاة الصبح يا بلال حتى
يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار" وغيره من الأحاديث التى سيأتى ذكرها فى المتن ترد
هذا التأويل برد صريح كما لا يخفى، فإنه لا يمكن القول بكون جميع روايات الإسفار
مروية بالمعنى وروايات التغليس مروية باللفظ، وهل هذا إلا تحكم محض؟.
حديث الإسفار متواتر:
ثم إن السيوطى رحمه الله قد عد حديث "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" من
المتواترات بهذا اللفظ فى رسالته "الأزهار المتناثرة فى الأحاديث المتواترة" (٢) ولفظ
"أصبحوا" ليس بمتواتر فيكون لفظ "اسفروا" أرجح وأولى، واحتمال تصرف الرواة فيه
أبعد.
ثم قال العلامة السندى: "لكن قد يقال: اسفروا هو الظاهر، لا اصبحوا لأنه لو
كان "اصبحوا" صحيحا لكان مقتضى قوله: "أعظم للأجر" أنه بلا إصباح تجوز
الصلاة، وفيها أجر دون أجر، ويمكن الجواب بأن معنى "اصبحوا" تيقنوا بالإصباح
بحيث لا يبقى فيه أدنى وهم إلخ" قلت: إن التيقن بالإصباح بحيث لا يبقى فيه أدنى
وهم لا يحصل للعامة إلا بعد زوال ظلمة الليل المختلطة بضياء الفجر، وهذا هو المعنى
بالإسفار، على أن هذا التأويل أيضا ترده الأحاديث الأخر كما مر إجمالا فتذكر.
وسيأتيك تفاصيلها إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
قوله: "عن محمود بن لبيد إلخ" قلت: دلالته على استحباب الإسفار ظاهرة.
(١) هم الصحابة (مؤلف).
(٢) كما نقله عنها حامد آفندى، صاحب "الفتاوى الحامدية" فى رسالته "الصلاة الفاخرة فى الأحاديث المتواترة"
(ص٦٤) (مؤلف) .

٢٥
الإسفار بالفجر
ج - ٢
الله ◌َّ الٍ قال: ((ما أسفرتم بالصبح فإنه أعظم للأجر)) رواه النسائى(١) وسكت
عنه، وصحح سنده الحافظ الزيلعي (١٢٤:١).
٤٧٤- عن: بیان قال: قلت لأنس رضى الله عنه: حدثنی بوقت رسول
الله ◌َِّ فى الصلاة، قال: "كان يصلى الظهر عند دلوك الشمس، ويصلى
العصر بين صلاتكم الأولى والعصر، وكان يصلى المغرب عند غروب
الشمس، ويصلى العشاء عند غروب الشفق، ويصلى الغداة عند طلوع
الفجر حين يفتح البصر، كل ما بين ذلك وقت -أو قال -: صلاة" رواه أبو
يعلى وإسناده حسن، كذا قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٣).
٤٧٥- حدثنا موسى بن هارون ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا المعتمر
سمعت بيانا أبا سعيد(٣) قال سمعت أنسا يقول: "كان رسول الله مرّ له يصلى
الصبح حين يفسح البصر رواه الإمام أبو محمد القاسم ابن ثابت السرقسطى
وقوله مرِّ ((ما أسفرتم بالفجر)» يرد تأويلات الخصوم فى معنى الإسفار بأسرها .
قوله: "عن بيان إلخ" قلت: معنى "حين يفتتح البصر" ومعنى قوله: "حين
يفسح البصر" واحد، يعنى إذا رأى الشىء من بعد، وهذا هو المعنى بالإسفار عند
الحنفية كما سيأتى.
قوله: "حدثنا موسى بن هارون إلخ" قلت: رجال الحديث كلهم ثقات، فالإمام
أبو محمد ذكره الحافظ السيوطى - نور الله تعالى مضجعه - فى "بغية الوعاة"
(ص-٣٧٦) فى رديف القاف.
ترجمة الإمام قاسم بن ثابت:
قاسم بن ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف ابن سليمان بن يحيى بن
(١) باب الإسفار (٦٥:١).
(٢) باب بيان الوقت (٣٠٤:١).
(٣) وكناه فى تهذيب التهذيب "أبا بشر"، ويمكن أن تكون له كنيتان (مؤلف).

٢٦
الإسفار بالفجر
إعلاء السنن
فى كتاب "غريب الحديث"، وقال: يقال: فسح البصر وانفسح: إذا رأى
الشىء من بعد، يعنى به: إسفار الصبح انتهى. (زبلعى ١٢٥:١) قلت: هذا
إسناد صحيح.
يحيى أبو محمد السرقسطى العوفى. قال ابن الفرضى: عنى بالحديث واللغة هو وأبوه،
فأدخلا الأندلس علما كثيرا، ويقال: إنه أول من أدخل إليها كتاب "العين" وسمع فى
رحلته من النسائى والبزار وغيرهما، وكان قاسم عالما بالحديث والفقه، متقدما فى النحو
والغريب والشعر، ورعا ناسكا زاهداً خيراً، مجاب الدعوة، طلب للقضاء فامتنع من
ذلك، فأراد أبوه إكراهه عليه، فسأله الاستخارة ثلثة أيام، فيروون أنه دعا على نفسه
بالموت. قال ابن الفرضى: وهذا الخبر مستفيض عند أهل سرقسطة، وألف "الدلائل"
فى شرح الحديث بلغ فيه المغاية من الإتقان، ومات قبل إكماله، فأكمله أبوه بعده،
وكانت وفاته سنة ثنتين وثلاث مائة بسرقسطه اهـ. وفى "تذكرة الحفاظ" (٣ - ٨٦) له
ذكر مختصر تبعا لذكر أبيه، ونصه: "وكان ابنه (يعنى به القاسم) من الأدباء الكبار،
مات شابا بعد سنة ثلاثمائة".
موسى بن هارون ثقة:
وموسى بن هارون بن عبد الله الحمال - بالمهملة - ثقة حافظ كبير بغدادى، مات
سنة أربع وتسعين ومائتين. كذا فى "التقريب" (ص - ٢١٨) وبقية رجال الإسناد ثقات
من رجال "مسلم"، فالحديث صحيح الإسناد، وهو يدل بظاهره على أنه عّ لٍّ كان
مواظبا على الإسفار بصلاة الصبح.
فما رواه "أبو داود" من حديث أسامة بن زيد المذكور فى الباب السابق وفيه: "ثم
كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ولم يعد إلى ان يسفر إلخ" ليس محمولا
على حقيقته بل هو تخمين بمارآه، أو هو محمول على ما يقابل الإسفار الزائد، فمعناه أنه
مرِّ أسفر بالفجر مرة جداً وكان صلاته بعد ذلك التغليس (أراد به ما يقابل الإسفار
الشديد) ويؤيده حديث رجل سأل عن مواقيت الصلاة، وفيه: " ثم أخر الفجر من الغد

٢٧
الإسفار بالفجر
ج - ٢
٤٧٦- عن: رافع بن خديج أن رسول الله مَّ الِ قال لبلال: "نور بصلاة
الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الأسفار". رواه ابن أبى حاتم وابن
عدى والطيالسى وإسحاق وابن أبى شيبة، والطبرانى، وإسناده حسن ("آثار
السنن" ٤٧:١٠) وفى "مجمع الزوائد" (١): «قلت: لرافع حديث فى الإسفار
غير هذا، رواه الطبرانى فى "الكبير" ولرافع عند الطبرانى فى "الكبير" أيضاً:
سمعت رسول الله مَّ اله يقول: "نوروا بالصبح بقدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم"
وهما من رواية هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج عن أبيه، وقد ذكرهما
ابن أبى حاتم ولم يذكر فى أحد منهما جرحاً وتعديلاً.
قلت: وهرير ذكره ابن حبان فى الثقات وقال: "يروى عن أبيه" اهـ.
حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس إلخ". رواه "مسلم" من حديث
أبى موسى ورواه "الطبرانى" من حديث جابر بسند حسن، وقد ذكرناه فى الباب السابق
وفيه: "ثم أذن للفجر فأخرها حتى كادت الشمس أن تطلع إلخ" فحديث أسامة عندنا
محمول على نفى هذا الإسفار بخصوصه، وهو المراد بقوله: "ولم يعد إلى أن يسفر إلخ".
وليس فيه نفى الإسفار مطلقا حتى تتعارض الآثار.
قوله: عن رافع بن خديج آلخ. قلت: قد بين فى "التعليق الحسن" وجه تحسين
الإسناد ، فليراجع. واشتغال الهيثمى بحال هرير وعبد الرحمن دون من سواهما مشعر بأن
بقية رجال الإسناد عنده ثقات (١) وهرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج روى عن أبيه
وجه. قال الدورى: عن ابن معين ثقة اهـ. (تهذيب التهذيب ٢٦:١١) والحديث أصرح
دلالة على استحباب الإسفار بالفجر كما هو قول أبى حنيفة رحمه الله.
(١) مجمع الزوائد، باب وقت صلاة الصبح (٣١٦:١).
(٢) قلت: وقد ذكره الحافظ فى "التلخيص" (١٨٣:١ رقم ٢٦١) معزيا إلى ابن أبى شيبة وإسحاق بلفظ " ثوب
· بصلاة الصبح يا بلال إلخ" وسكت على إسناده، وهو دليل على حسن إسناده عنده، ثم إنه عارضه بحديث
عائشة عند الحاكم، وهو: "ما صلى رسول الله مَّر الصلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله" وظاهر أنه لا تقوم به
المعارضة، لأن الإسفار لا يستلزم أن تكون الصلاة فى آخر الوقت.

٢٨
الإسفار بالفجر
إعلاء السنن
دلائل التغليس والجواب عنها:
واحتج القائلون بالتغليس بأحاديث: منها ما فى "صحيح مسلم" (١ - ٢٣٠) عن
عائشة رضى الله عنها: "لقد كان نساء من المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول الله عز له
متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن وما يعرفن من تغليس رسول الله عَظ له بالصلاة ا
هـ". وفيه عن جابر بن عبد الله: "والصبح كانوا (يعنى الصحابة) مع النبى عرّ له - أو
قال كان النبى مرّ اللّه - يصليها بغلس اهـ". ذكره فى حديث طويل. ولفظه فى " كنز
العمال" (٤ - ١٨٧): "والصبح كان يصليها بغلس" رواه الضياء فى "المختارة". وفى
"مجمع الزوائد" عن على بن أبى طالب قال: "كنا نصلى مع رسول الله عّ لِّ صلاة
الصبح، ثم ننصرف وما يعرف بعضنا بعضا" رواه البزار ورجاله ثقات" (١).
فالجواب عنها ما ذكره فى "تابع الآثار" (ص - ٧١): "وما روى من التغليس يمكن
تعليله بعارض حضور النساء (فى الجماعات)، ولما منع عنه عاد الحكم إلى أصله. على
أن القول أقوى من الفعل". وقال العلامة ابن الهمام فى الفتح (١ - ١٩٩): "فالأولى
حمل التغليس على غلس داخل المسجد، لأن حجرتها رضى الله عنها كانت فيه، وكان
سقفه عريشا متقاربا (٢) ونحن نشاهد الآن أنه يظن قيام الغلس داخل المسجد، وأن
صحنه قد انتشر فيه ضوء الفجر وهو الإسفار، وإنما وجب هذا الاعتبار لما وجب من
ترجيح رواية الرجال خصوصا مثل ابن مسعود، فإن الحال أكشف لهم فى صلاة
الجماعة". قلت: هذا الجواب لا يمشى فى حديث على، فإنه من رواية الرجال أيضا،
فالجواب عنه: أنه يعارض حديث أبى برزة الأسلمى عند "مسلم" (٣) قال: " كان رسول
الله ◌ٍَّ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان يقرأ
فى صلاة الفجر من المائة إلى الستين، وكان ينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعضاه".
ويمكن حمل حديث على ابن أبى طالب رضى الله عنه على عدم المعرفة داخل المسجد،
(١) "مجمع الزوائد"، باب منه فى وقت صلاة الصبح (٣١٧:١).
(٢) كذا فى الأصل بخط المؤلف، وفى الفتح (١: ١٥٧) "مقاربا".
(٣) باب استحباب التبكير بالصبح (٢٣٠:١) قلت: وأخرجه البخارى أيضا بلفظ: "كان النبى مرّ له يصلى الصبح
وأحدنا يعرف جليسه". وفى رواية "وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه". أخرجه فى
باب وقت الظهر عند الزوال (٧٧:١) وفى باب وقت العصر (٧٨:١) وفى باب ما يكره من السمر بعد العشاء
من المواقيت (٨٤:١) وفى باب القراءة فى الفجر من الأذان (١: ١٠٦).

٢٩
ج - ٢
. الإسفار بالفجر
٤٧٧- عن إبراهيم النخعى قال: "ما اجتمع أصحاب محمد مَّ الِ على
شىء ما اجتمعوا على التنوير" رواه الطحاوى (١٠٩:١) وقال الزيلعى
(١ :١٢٥): "بسند صحيح".
وحديث أبي برزة على المعرفة فى صحته (١).
والحق فى الجواب، أن الآثار الفعلية فى الإسفار والتغليس عن رسول الله مت طلّه
وأصحابه متعارضة، فإذا تعارضت تساقطت، ولم يبق فيها حجة لأحد، والآثار القولية
مثل قوله مّ له: "أسفروا بالفجر" و"يا بلال نور بصلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع
نبلهم من الإسفار" وأمثالهما لا يعارضها شىء، فلزم التعويل عليها والعمل بها، والله
أعلم.
قوله: عن إبراهيم النخعى إلخ. قلت: وإبراهيم لم يلق أحدًا من الصحابة إلا
عائشة ولم يسمع منها، وكان يرسل كثيرا، كذا فى "طبقات المدلسين" (ص: ٨).
ولكن قد تقدم صحة مراسیله فی ( كتاب الطهارة) باستثناء البعض، وهذا ليس منه.
قال بعض الناس: إلا أن الاحتجاج به غير صحيح لما روى ابن ماجة عن مغيث
ابن سمى قال: "صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن
عمر فقلت: ماهذه الصلاة؟ قال: هذه صلاننا كانت مع رسول الله مرّ له وأبى بكر وعمر،
فلما طعن عمر أسفر بها عثمان" اهـ. قال العلامة السندى فى تعليقه على ابن ماجة:
"فى الزوائد إسناده صحيح" اهـ. وقال أيضا: "أى بسبب التغليس الشديد خاف عثمان
فأسفر بها، ووافقه الصحابة على ذلك للمصلحة المذكورة، لأن ذلك هو الأولى من
التغليس حين رأوا انتفاء تلك المصلحة، وهذا الإسفار فى وقت عثمان رضى الله عنه هو
(١) قلت: ويمكن الجواب عن حديث عائشة بأنها إنما تقصد عدم معرفة النساء بالحجاب، لا بالغلس، وأما لفظ "من
الغلس" فليس من قولها، وإنما هو إدراج من أحد الرواة، ويدل على ذلك لفظ ابن ماجة فى باب وقت صلاة
الفجر: "كن نساء المؤمنات يصلين مع النبى معَّ لتر صلاة الصبح، ثم يرجعن إلى أهلهن، فلا يعرفهن أحد،
تعنى من الغلس" (٢٢٩:١) مع حاشية السندى، فقوله: "تعنى من الغلس" صريح أنه ليس من قولها، وإنما هو
تفسير من أحد الرواة، ولا حجة فيه، والله أعلم.

٣٠
الإسفار بالفجر
إعلاء السنن
٤٧٨- عن: عبد الرحمن بن يزيد قال: " كان عبد الله بن مسعود يسفر
بصلاة الفجر" رواه الطبرانى فى "الكبير" ورجاله موثقون (مجمع الزوائد) (١).
٤٧٩- عن: على بن ربيعة قال: سمعت عليا يقول لمؤذنه: "أسفر أسفر"
محمل ما روى الطحاوى عن إبراهيم" فساقه(٢).
قلت: لا نسلم أن هذا الإسفار فى وقت عثمان هو محمل ما روى الطحاوى عن
إبراهيم، فإن حديث جبير بن نفير يدل على ان علة الإسفار بالفجر عند أبى الدرداء رضى
الله عنه هى كونه أفقه لهم فإنه قال: "أسفروا بهذه الصلاة فإنه أفقه لكم إنما تريدون أن
تخلوا بحوائجكم" وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد(٣). وأيضا فعلة إسفار
عثمان رضى الله عنه ليست يعم جميع الصحابة بل هى خاصة بالأمراء والحكام، فيبعد
اجتماع جميع الصحابة على الإسفار لأجل ذلك، على أنه يمكن حمل حديث مغيث
على الإسفار الشديد. فقوله: إنه صلى مع ابن الزبير الصبح بغلس (أراد به ما يقابل
الإسفار الشديد) ومعنى قول ابن عمر: "فلما طعن عمر أسفر بها عثمان" (يعنى أسفر بها.
جدًا) وكذلك الأمراء بعده، ويؤيده ما روى الطحاوى عن على أنه كان يصلى الفجر وهم
يتراؤون الشمس مخافة أن تطلع. ذكره الحافظ فى "الدراية" (ص : ٥٤) وسكت عنه.
قوله: "عن عبد الرحمان بن يزيد إلخ"، قلت: قال الحافظ فى "الدراية" (ص
:٥٤): "وأخرجه الطحاوى بسند صحيح عن ابن مسعود من فعله" اهـ. وقال العلامة
ابن التركمانى فى "الجوهر النقى": قال ابن أبى شيبة فى مصنفه: ثنا وكيع عن سفيان
عن أبى إسحاق عن عبد الرحمان بن يزيد قال: "كان ابن مسعود ينور بالفجر" وهذا
سند صحيح" اهـ (١١٧:١).
قوله: "عن على بن ربيعة إلخ". وفى الجوهر النقى: "قال ابن أبى شيبة فى
(١) باب وقت صلاة الصبح (١ -٣١٦).
(٢) سنن ابن ماجة مع تعليق السندى، طبع التازية بمصر (٢٣٠:١).
(٣) وسيأتي بتمامه في المتن، ويؤيد المصنف أيضا ما أخرجه ابن أبي شيبة (١- ٣٢٢) قال: "حدثنا الثقفي عن أيوب
عن محمد قال: كانوا يحبون أن ينصرفوا من صلاة الصبح وأحدهم يرى مواقع نبله" ومراسيل محمد بن
سيرين من أصح المراسيل.

٣١
ج - ٢
الإسفار بالفجر
يعنى بصلاة الصبح(١) رواه عبد الرزاق، وابن أبى شيبة، والطحاوى، وإسناده
صحيح (آثار السنن ٤٨:١).
٤٨٠- عن: جبير بن نفير قال: "صلى بنا معاوية الصبح بغلس، فقال
أبو الدرداء: أسفروا بهذه الصلاة فإنه أفقه لكم، إنما تريدون أن تخلوا
بحوائجكم" (٢) رواه "الطحاوى" وإسناده حسن(٣) "آثار السنن" (٤٧:١).
٤٨١- عن: مجاهد قال: كنت أقود مولاى قيس بن السائب، فيقول:
أدلكت الشمس؟ فإذا قلت: نعم، صلى الظهر، ويقول: "هكذا كان رسول الله
مَّ لِّ يفعل، وكان النبى عّ لِّ يصلى العصر والشمس بيضاء، وكان النبى
عَّه يصلى المغرب والصائم يتمارى أن يفطر، وكان النبى عّ لّه يصلى الفجر
حتى يتغشى النور السماء". رواه الطبرانى فى "الكبير" هكذا. وفى "الأوسط"
مصنفه: ثنا شريك عن سعيد بن عبيد - هو الطائى - عن على بن ربيعة أن عليا رضى الله
عنه قال: يا ابن التياح أسفر بالفجر. ورجال هذا السند على شرط "مسلم" ، إلا شريكا
فإنه أخرج له فى المتابعات، وصحيح الحاكم روايته كما مر، وقد تابع شريكا على هذا
الأثر الثورى" (١١٧:١).
قوله: "عن جبير بن نفير إلخ". قلت: دلالته على المقصود ظاهرة.
قوله: فى حديث مجاهد: "وكان النبى ◌ّالتٍّ يصلى الفجر حتى يتغشى النور
السماء إلخ". قلت: الحديث يدل على مواظبته مرّ على الإسفار بالفجر بدلالة
صريحة، ومسلم ابن كيسان الملائى وإن ضعفه جماعة فقد روى عنه شعبة، وسفيان
(١) هذا لفظ عبد الرزاق، غير أن فيه: "يعني" صلاة الصبح" بدون الباء (باب وقت الصبح ١ - ٥٦٩ رقم ٢١٦٥)،
ولفظ الطحاوي: "يا قنبر! أسفر أسفر" (١ - ١٠٦) ولفظ ابن أبي شيبة: " يا ابن التياح! أسفر بالفجر" (١- ٣٢١).
(٢) أي تريدون بالصلوة في الغلس أن تفرغوا وتشتغلوا بالحوائج الدنيوية ، وتتركون ما هو أفقه لكم من المكث في
مكان صلاة الفجر إلى طلوع الشمس والاشتغال بالتهليل والتسبيح مما ندب إليها الشارع مَ الله. كذا فى "أمانى
الأحبار" للشيخ محمد يوسف الكاندلوی (٣٩٣:٢).
(٣) "الطحاوى" (١٠٨:١)، وأخرجه ابن أبى شيبة أيضا سوى قوله "إنما تريدون إلخ" (٣٢١:١).

٣٢
الإسفار بالفجر
إعلاء السنن
وزاد: "ويؤخر العشاء" وفيه مسلم الملائى، روى عنه شعبة وسفيان، وضعفه
بقية الناس أحمد وابن معين وجماعة اهـ. "مجمع الزوائد" (١).
وكفى بهما قدوة (٢). وقال الدارقطنى: ضعيف، وقال مرة: مضبوط الحديث اهـ (تهذيب
١٠ : ١٣٦). وفى "التهذيب" أيضا (٤:١): "فاقتصرت من شيوخ الرجل ومن الرواة عنه
إذا كان مكثرا على الأشهر والأحفظ والمعروف - إلى أن قال -: ولا أعدل عن ذلك إلا
لمصلحة، مثل أن يكون الرجل قد عرف من حاله أنه لا يروى إلا عن ثقة، فإننى أذكر
جميع شيوخه أو أكثرهم، كشعبة ومالك وغيرهما اهـ، فثبت بذلك أن مسلم الملائى ثقة
عند شعبة، وقد عرفت أن الاختلاف لا يضر، فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن، لا
سيما وقد تأيد معناه بالآثار الصحيحة التى قد مر ذكرها .
معنی الإسفار وحده:
ثم اعلم أن معنى الغلس كما قاله الزيلعى: هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار،
فالاسفار هو زوال هذه الظلمة. قال فى "مجمع البحار" (١١٨:١): "أسفر الصبح إذا
انكشف وأضاء" اهـ. وحده عند الحنفية أن يبدأ فى وقت يبقى منه بعد أدائها إلى آخر
الوقت ما لو ظهر له فساد صلاته أعادها بقراءة مسنونة مرتلة ما بين الخمسين والستين
آية قبل طلوع الشمس، كذا قال ابن الهمام فى "الفتح" (١٩٩:١).
وقال الشيخ عبد الحق فى كتابه "فتح المنان" (٤٢٧:٢): "وأقول: لو كانت
طهارته بالغسل ينبغى أن يكون وقتا يسعه أن يغتسل ويعيد الصلاة. نقل عن "الأسرار"
أن المراد من التعجيل هو أن يكون الأداء فى النصف الأول فإن صح هذا القول أنحل به
الإشكالات كلها" اهـ.
(١) باب بيان الوقت (٣٠٥:١).
(٢) قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان شعبة أمة وحده فى هذا الشأن، يعنى فى الرجال وبصره بالحديث وتثبته
وتنقيته للرجال، وقال أبو بكر بن منجويه: كان من سادات أهل زمانة حفظا وإتقانا وورعا وفضلا، وهو أول
من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين اهـ (تهذيب التهذيب ٣٤٥:٤) فثبت لهذا أن
شعبة لا يروى إلا عمن كان صالحا عنده فإنه لا يروى إلا عن ثقة (مؤلف).

٣٣
ج - ٢
الإسفار بالفجر
قال ابن الهمام بعد كلامه المذكور: "ولا يظن أن هذا يستلزم التغليس إلا من لم
يضبط ذلك الوقت. وروى الحسن عن أبى حنيفة فى الفصل بين أذان الفجر والصلاة
قال: يؤذن ثم يصلى ركعتين ثم يمكث قدر قراءة عشرين آية ثم يثوب ثم يمكث قدر
عشرين آية ثم يقيم. وهذا يقتضى أن يشرع وأطراف الغلس قائمة، ولا شك أن فيه.
إسفارًا ما، وعن الطحاوى: من كان من عزمه التطويل بدأ بغلس، ومن لا أسفر، ولا
خلاف لأحد فى سنية التغليس بفجر مزدلفة" اهـ.
ولعلك قد عرفت بذلك أن الحنفية لا يريدون بالإسفار إلا ما ورد فى الحديث من
أن ينور بقدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم ويفسح فيه البصر - أى يرى الشىء من بعد- قال ..
الشيخ عبد الحق رحمه الله: "والمعنى الفقهى فيه أن تأخير الفجر إلى آخر وقت الصباح
بالإجماع لا كراهة فيه، وتقليل الجماعة أمر مكروه، وكذلك إيقاع الناس فى الحرج.
والتغليس فى الفجر يؤدى إلى أحد الأمرين، ألا يرى أن رسول الله مع تر نهى معاذًا عن
تطويل القراءة، وعلل أن فى ذلك تنفير الناس عن الجماعة، وتطويل القراءة فى الصلاة فى
الأصل سنة فوق تعجيل الصلاة فى أول الوقت" اهـ.
يعنى فلما نهى النبي ◌ّظلّ عن تطويل القراءة لما فيه من تنفير الناس وإملالهم
وإيقاعهم فى الحرج فكيف لا يكون تعجيل الصلاة فى أول الوقت منهيا عنه لأجل هذه
العلة، بل هو أولى بالنهى فإن تطويل القراءة سنة فوقه، وقد أخرج البيهقى من طريق
موسى بن عقبة عن سالم أبى النضر: "أن النبى مري كان يخرج بعد النداء إلى المسجد،
فإن رأى أهل المسجد قليلا جلس حتى يجتمعوا ثم يصلى". وإسناده قوى مع إرساله،.
قاله الحافظ فى "الفتح"(".
فهذا الحديث بعمومه يدل على أنه لتر كان يراعى تكثير الجماعة ويؤخر الصلاة
له، ويتقى تقليلها فى جميع الصلوات، فى الفجر وغيرها، فتكثير الجماعة سنة فوق
تعجيلها أول الوقت، وأخرج الحاكم فى "المستدرك" (٢٠٢:١) عن على بن أبى طالب
قال: "كان رسول الله ◌َيٍّ يكون فى المسجد حين تقام الصلاة، فإذا راهم قليلا جلس ثم
صلى، وإذا رآهم جماعة صلى ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين
(١) باب من انتظر الإقامة من كتاب الأذان (٩١:٢).

٣٤
الإسفار بالفجر
إعلاء السنن
ولم يخرجاه، وأقره الذهبى أيضا فقال: على شرطهما اهـ فافهم.
أدلة القائلین بالتغلیس:
واحتج القائلون بالتغليس أيضا بحديث ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال
رسول الله مَِّ: ((أفضل الأعمال الصلاة فى أول وقتها)). رواه "الترمذى" و"الحاكم"
وصححاه، وأصله فى "الصحيحين" اهـ، كذا فى "بلوغ المرام" (٢٧:١). وفى "الدراية"
(ص٥٥): "أخرجه ابن حبان وابن حزيمة". فالجواب عنه أولا: أن قوله "فى أول وقتها"
زيادة شاذة مخالفة للثقات، والمحفوظ: ((الصلاة على وقتها)). قال الحافظ فى الفتح:
: " (تنبيه) اتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور فى الباب وهو قوله "على وقتها"
وخالفهم على بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم، فقال: "الصلاة فى أول
وقتها" أخرجه الحاكم والدارقطنى والبيهقى من طريقه. قال الدارقطنى: ما أحسبه
حفظه، لأنه كبر وتغير حفظه. قلت: ورواه الحسن بن على المعمرى فى "اليوم والليلة"
عن أبى موسى محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة كذلك. قال الدارقطنى: تفرد به
المعمرى فقد رواه أصحاب أبى موسى عنه بلفظ: "على وقتها" ثم أخرجه الدارقطنى عن
المحاملى عن أبى موسى كرواية الجماعة، وهكذا رواه أصحاب غندر عنه، والظاهر أن
المعمرى وهم فيه لأنه كان يحدث من حفظه، وقد أطلق النووى فى شرح المهذب: أن
رواية "فى أول وقتها" ضعيفة اهـ. ولكن لها طريق أخرى أخرجها ابن خزيمة فى صحيحه
والحاكم وغيرهما من طريق عثمان بن عمر بن مالك بن مغول عن الوليد، وتفرد عثمان
بذلك، والمعروف عن مالك بن مغول كرواية الجماعة. كذا: أخرجه المصنف وغيره،
وكان من رواه كذلك ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون اخذها من لفظ "على" لأنها .
تقتضى الاستعلاء على جميع الوقت فيتعين أوله" انتهى كلام الحافظ(١).
. وفى الجوهر النقى: "قلت: اختلف فيه على ابن مغول، فرواه عثمان بن عمر عنه
كذلك، ورواه عنه محمد بن سابق ولفظه: "الصلاة على ميقاتها" أخرجه من طريقه
البخارى فى "صحيحه". قال البيهقى: وكذلك رواه بتدار عن عثمان بن عمر (أى بلفظ
(١) "فتح البارى" باب فضل الصلاة لوقتها (٨:٢).

٣٥
الإسفار بالفجر
ج - ٢
"فى أول وقتها)). قلت: الذى رواه مسلم فى "صحيحه" عن غندر عن شعبة خلاف
هذا، وسنذكره إنشاء الله تعالى. قال البيهقى: وكذلك رواه على بن حفص المدائنى عن
شعبة عن الوليد بن العيزار. قلت: المدائنى هذا قال أبو حاتم: لا يحتج به، والمشهور
عن شعبة: الصلاة على وقتها، وكذلك رواه الشيخان من رواية جماعة منه، قال: وروى
غندر عن شعبة عن عبد المكتب عن أبى عمرو عن رجل من أصحاب النبى معَّ اه بمثله.
قلت: قد تقدم أن المشهور عن شعبة: "على وقتها"، وقد ذكر مسلم حديث شعبة
كذلك ثم قال: حدثنا محمد بن بشارنا محمد بن جعفر نا شعبة بهذا الإسناد مثله. فهذه
الرواية الصحيحة عن غندر خلاف ما ذكره البيهقى عنه. وقال ابن حيان فى
"صحیحه " الصلاة فى أول وقتها تفرد به عثمان بن عمر"(١) .
فثبت أن رواية "فى أول وقتها" رواية بالمعنى، والمحفوظ قوله مَ له: ((الصلاة على
وقتها)) فلا يصح الاحتجاج بها، ومن ظن أن معناها واحد فظنه ليس بحجة علينا. قال
ابن دقيق العيد: "ليس فى هذا اللفظ (يعنى على وقتها) ما يقتضى أولا ولا آخراً، وكأن
المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء" اهـ. كذا فى "فتح البارى" (٧:٢).
وثانيا: أن المراد بأول الوقت أول الوقت المختار أو المطلق، لكنه خص ببعض
الأخبار (أعنى بها أحاديث الإسفار والإبراد بالظهر وتأخير العشاء إلى ثلث الليل) وهى
أحاديث صحيحة كذا قال القارى فى "شرح المشكاة" (٤٠٥:١)، وهذا كله للتطبيق بين
الأحاديث، فلله در الإمام الأعظم المقدام لأهل التحقيق ما أدق نظره فى فقه الحديث !
فافهم.
وفى الباب عن أم فروة قالت: «سئل النبى مرّ ◌ّ أى الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة
لأول وقتها))، أخرجه الترمذى وقال: "حديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله بن
عمر العمرى، وليس هو بالقوى عند أهل الحديث، واضطربوا فى هذا الحديث" اهـ (٢).
وذكر الدارقطنى فى "كتاب العلل" فى هذا الحديث اختلافا كثيراً واضطرابًا، وقال فى
(١) "الجوهر النقى" (١١٢:١) و"هامش البيهقى" (٤٣٤:١) باب الترغيب فى التعجيل بالصلوات فى أوائل
الأوقات.
(٢) جامع الترمذى، باب ما جاء فى الوقت الأول من الفضل (٢٤:١).

٣٦
الإسفار بالفجر
إعلاء السنن
"الإمام": "وما فيه من الاضطراب فى إثبات الواسطة بين القاسم وأم فروة وإسقاطها يعود
إلى العمرى وقد ضعف، ومن أثبت الواسطة يقضى على من أسقطها، وتلك الواسطة
مجهولة" اهـ (من الزبلعی مختصراً)(١).
وعن على بن أبى طالب أن النبى مرّ ◌ٍّ قال له: "يا على ثلاث لا تؤخرها: الصلاة
إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفوا. قلت: قال الزيلعى: "قال
الترمذى: غريب، وما أرى إسناده بمتصل" (١٢٨:١). على أن هذا الحديث حجة لنا لا
علينا، فإن تزويج الأيم بعد وجود الكفو لا يكون فى أول جزء من الوقت كما لا يخفى،
بل يقصد ويتهيأ لذلك، فكذلك ينبغى أن يتهيأ ويستعد للصلاة بدخول الوقت.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله مظلته: ((الوقت الأول من الصلاة رضوان الله،
والوقت الآخر عفو الله" . أخرجه الترمذى. قلت: فيه يعقوب بن الوليد المدنى. قال ابن
حبان: يعقوب بن الوليد كان يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على
جهة التعجب وما رواه إلا هو، انتهى. وقال أحمد: كان من الكذابين الكبار. وقال
البيهقى فى "المعرفة": حديث ((الصلاة فى أول الوقت رضوان الله)) إنما يعرف بيعقوب
ابن الوليد، وقد كذبه أحمد بن حنبل وسائر الحفاظ. وقال أبو حاتم: كان يكذب
والحديث الذى رواه موضوع اهـ. من "الزيلعى" مختصراً (١٢٧:١).
وعن عائشة قالت: ((ما صلى النبى مَّلٍ صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه
الله)) اهـ. أخرجه الترمذى وقال: حديث غريب وليس إسناده بمتصل (٢٤:١). قال
البيهقى: هو مرسل، إسحاق بن عمر لم يدرك عائشة. وقال ابن القطان فى كتابه: إنه
منقطع وإسحاق ابن عمر مجهول، ونقل عن عبد البر أنه قال: إسحاق بن عمر أحد
المجاهيل إلخ (زيلعى ١٢٧:١)، وقال: الحافظ فى "التهذيب": "قلت: فرقهما الذهبى فى
"الميزان" فقال فى الراوى عن عائشة: تركه الدارقطنى" (٢٤٥:١) اهـ. على أن الحديث
لا ينفى الصلاة فى وسط الوقت فهو ليس بحجة علينا، فإنا لا نقول بتأخير الصلاة إلى
آخر وقتها .
(١) نصب الراية، أحاديث الخصوم العامة لسائر الأوقات (٢٤١:١).

٣٧
. ج - ٢
الإسفار بالفجر
٤٨٢- عن: ابن عباس رضى الله عنه قال: بت عند خالتى ميمونة بنت
الحارث زوج النبى معَ اللهِ -فذكر الحديث بطوله وفيه -: ((ثم قام فقمت عن يساره
فجعلنى عن يمينه فصلى خمس ركعات، ثم صلى ركعتين، ثم نام حتى
سمعت غطيطه أو خطيطه، ثم خرج إلى الصلاة)). أخرجه "البخارى"(١).
هذا، وقد أطلنا الكلام فى هذا الباب لقدح بعض الناس على الحنفية فى قولهم
بالإسفار بالفجر، ولله الحمد على ما علم وألهم. وأما ما فى "نيل الأوطار)"(٢) عن معاذ بن
جبل قال: بعثنى رسول الله ◌ّظٍّ إلى اليمن فقال: ((يا معاذ! إذا كان فى الشتاء فغلس
بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملهم، وإذا كان فى الصيف فأسفر بالفجر
فإن الليل قصير والناس يناؤون فأمهلهم حتى يدركوا)). رواه الحسين ابن مسعود البغوى
فى "شرح السنة" وأخرجه بقى بن مخلد فى مسنده "المصنف" وأخرجه أيضا أبو نعيم
فى "الحلية" كما قال السيوطى فى "الجامع الكبير" اهـ. فلم أقف على حال إسناده، وإن
ثبت(٣) فهو حديث قولى(٤) مفسر رافع للاختلاف وجامع للأحاديث المختلفة فى الباب،
والله تعالى أعلم.
قوله: "عن ابن عباس إلخ". قلت: الركعتان بعد خمس ركعات هما سنتا
الفجر، كذا قاله الحافظ فى "الفتح"(٥) والدليل عليه قوله مظهر: ((اجعلوا آخر صلانكم
بالليل وترًا)) رواه مسلم(٦) عن ابن عمر، فلو جعلنا ركعتين بعد الوتر الركعتين من صلاة
(١) أخرجه فى مواضع مختلفة، وأخرجه بهذا اللفظ فى باب السمرة بالعلم (٢٢:١) غير أن فيه: "بت فى بيت خالتى
إلخ" .
(٢) باب وقت صلاة الفجر وما جاء فيها من التغليس إلخ (١٨:٢).
(٣) ولا يخفى عليك أن المراد بالتغليس فى الشتاء على تقدير صحة الحديث إنما هو ما يقابل الإسفار الشديد، فقد.
عرفت أن الصلاة فى الغلس الزائد سبب لتقليل الجماعة وإيقاع الناس فى الحرج، وأيضا يعارضه ما ورد فى
الحديث الصحيح أنه ◌ّلتر كان يصلى الفجر حين يفسح البصر، وقال: "نوروا بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع
نبلهم". وهذا هو معنى الإسفار عندنا (مؤلف).
(٤) وفى "فيض البارى" أن فى سنده سيفا صاحب الفتوح، وهو ضعيف ولكن سند الحلية ليس فيه هذا (مؤلف)
قلت: راجع له فيض البارى (١٣٦:٢) باب وقت الفجر.
(٥) فى باب السمر فى العلم (١٨٩:١).
(٦) باب صلاة الليل وعدد ركعات النبى مزله (٢٥٧:١).

٣٨
الإسفار بالفجر
إعلاء السنن
٤٨٣- عن: عائشة زوج النبى معَّ له قالت: ((كان رسول الله منز له يصلى
فذكرت صلاته بالليل قالت: فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له
الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن
حتى يأتيه المؤذن للإقامة)). أخرجه "مسلم)"(١).
٤٨٤- عن: على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: ((كان رسول الله مظ له
يكون فى المسجد حين تقام الصلاة فإذا رآهم قليلا جلس ثم صلى، وإذا راهم
جماعة صلى)) أخرجه الحاكم فى المستدرك (٢٠٣:١)، وقال: هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره عليه الذهبى فى "تلخيصه"
فقال: على شرطهما .
٤٨٥- عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله معالي قال لبلال:
الليل لم يكن آخر صلاته وترًاً وهو خلاف عادته ◌ٍَّ. إذا علمت ذلك فالحديث يدل
على أنه مرٍّ كان يؤخر فرض الفجر عن أول وقته تأخيراً زائداً حتى إنه كان ينام بعد
سنة الفجر نوما مستغرقا فيسمع غطيطه ثم يخرج فيصلى، ولا يخفى أن ذلك يستدعى
دخوله فى حد الإسفار.
قوله: "عن عائشة إلخ". قلت: فيه دلالة أيضا على إسفاره مّ له بصلاة الفجر، لما
فيه أن المؤذن بعد ما يؤذن كان يأتيه مرّ الر إذا تبين له الفجر واضحا، فيخبره بوقت
الصلاة، فيقوم ويصلى سنة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن ثانيًا
للإقامة. وهذا يستدعى مدة لا يشك فى حصول الإسفار بعدها .
قوله: "عن على إلخ". فيه دلالة على أنه مرّ ◌ّر كان يراعى كثرة الجماعة دون أول
وقت الصلاة، فكان يجلس إذا كانت الجماعة قليلة فإذا اجتمعوا قام فصلى، ولا يخفى
أن رعاية تكثير الجماعة إنما هو فى الإسفار دون التغليس.
قوله: "عن جابر إلخ". قلت: فيه دلالة أيضا على مراعة اجتماع المصلين وتأخير
(١) الباب السابق (٢٥٤:١).

٣٩
الإسفار بالفجر
ج - ٢
((إذا أذنت فترسل فى أذانك، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك
قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء
حاجته)) أخرجه الحاكم(١) فى المستدرك (٢٠٤:١) وقال: هذا حديث ليس فى
إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائد، والباقون شيوخ البصرة. وقال الذهبى فى
تلخيصه: قال الدارقطنى: عمرو بن فائد متروك.
قلت: فالحدیث ضعیف ولکن له شواهد من أحاديث الباب، وحسنه
العزيزى فى شرح "الجامع الصغير" برواية سلمان وأبى هريرة وغيرهما (٢).
٤٨٦- عن: أبى بن كعب رضى الله عنه قال: صلى رسول الله عَلِلّه
صلاة الصبح فذكر الحديث بطوله -وفيه- وقال: ((صلاتك مع الرجل أزكى
من صلاتك وحدتك، وصلاتك مع الرجلين أزكى من صلاتك مع الرجل، وما
كثرت فهو أحب إلى الله عز وجل)) أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٢٤٨:١
و٢٤٩)، وقال بعد ما سرد له أسانيد كثيرة: وقد حكم أئمة الحديث يحيى بن
معين وعلى بن المدينى ومحمد بن يحيى الذهلى لهذا الحديث بالصحة، وأقره
عليه الذهبى فى "تلخيصه".
الصلاة عن أول وقت مدة معتدة بها، حتى يفرغ المعتَصر من قضاء حاجته والجنب عن
اغتساله ونحوهما، وذلك لا يمكن إذا كانت الصلاة فى الغلس، والحديث. وإن كان
ضعيفا ولكن حديث على المار آنفا يشهد له، فافهم.
قوله: "عن أبى بن كعب إلخ" قلت: فيه دلالة أيضًا على فضيلة إكثار الجماعة
ولا يخفى أنه فى الإسفار أوقع وأتم فهو الأفضل، ولذا قال ◌ّ لِّ: ((اسفروا بالفجر فإنه
أعظم للأجر)) والله أعلم، وإنما ذكرت هذه الأحاديث الخمسة الأواخر مع كونها غير.
صريحة فى الإسفار بمنطوقها ، بل دالة عليه بمفهومها ، لمزيد التأكيد وإلا ففيما ذ کرته من
(١) قلت: أخرجه الترمذى أيضا من طريق عبد المنعم فى باب الترسل فى الأذان، وقال: "حديث جابر هذا حديث لا
نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول" .
(٢) وعزاهما إلى كتاب الأذان لإبن حبان، راجع لفظ "اجعل" (٤٨:١).

٤
إعلاء السنن
تأخير الظهر فى الصيف وتعجيلها فى الشتاء
٤٨٧- عن: أنس بن مالك رضى الله عنه قال: ((كان رسول الله عليه إذا
كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل)). رواه النسائى (١)، ورجاله ثقاة من
رجال الصحيح.
٤٨٨- عن: أبى سعيد رضى الله عنه قال: قال رسول الله عزله: ((ابردوا
بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)) أخرجه البخارى (٢).
٤٨٩- حدثنا محمد بن أبى بكر المقدمى قال: حدثنا حرمى بن عمارة
قال: حدثنا أبو خلدة -هو خالد بن دينار- قال: سمعت أنس بن مالك يقول:
"كان النبى ◌ّ لّ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة يعنى
الأحاديث الصريحة الصحاح فيما قبل كفاية للاحتجاج للإسفار، فافهم.
تأخير الظهر فى الصيف وتعجيلها فى الشتاء(٣)
قوله: "عن أنس بن مالك إلخ" برواية النسائى. قلت: سنده هكذا: أخبرنا عبيد
الله بن سعيد قال: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم (اسمه عبد الرحمن بن عبد الله
البصرى) قال: حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة، قال: سمعت أنس بن مالك الحديث.
فعبيد الله بن سعيد هو ابن يحيى بن برد اليشكرى، مولاهم، أبو قدامة
السرخسى الحافظ نزيل نيسابور من رجال "الصحيحين"، كان إماما خيرا فاضلا. قال
(١) (٨٧:١ ) باب تعجيل الظهر فى البرد (مؤلف).
(٢) باب الإبراد بالظهر فى شدة الحر (١: ٧٧).
(٣) يستحب تأخير الصلوات كلها فى الجملة عند أبى حنيفة ما عدا المغرب فإنه يستحب تعجيلها، ويستحب
التعجيل فيها جميعا عند الشافعى ما عدا العشاء، واختلفوا فى ما عداهما، ويستحب تعجيل ظهر الشتاء أيضا
عندنا كما فى عامة متون فقهائنا، وألحق ابن نجيم الخريف بالصيف فى التأخير والربيع بالشتاء فى التعجيل، انظر
"البحر" (٢٤٨:١)، وكذا فى "معارف السنن" (٤٧:٢).