النص المفهرس
صفحات 1-20
٧٠
حا
إغلا الشُّيْنَ
تأليف
المُحْرِالتَّاقِ العَلامِ مُوْلاَ نَا ظَّفَةَ أَجِدِ الجثمانِي التَّهَانُوِيّ ◌َالله
علىضوء ما أفاده
نجََّ الأَفَرُالَاِالفِفَةِ الدّاعِكَ مَوَلَنا الشَّيْع ◌َشْفِ عَلى التّهارِ
حققه وعلى عليه
محمدآفىعثمانى
استاذ الحديث بدار العلوم كراتشى
أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى
أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة
الجزء الثانى
إدارةُ القُرَارُوَالعَالِ الإِثْلَمَّة
أشرف منزل د/٤٣٧، كاردن الست ، كراتشى، باكستان
.
٠
جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
والتصوير والنقل والتسجيل المرئى وغيرها .
ALL RIGHTS RESERVED FOR IDARATUL QURAN
No part of this book may be reproduced or
utilized in any form or by any means
الطبعة الأولى :
١٤٠١ هـ
.......
الطبعة الثانية :
١٤٠٥ هـ
١٤١٤ هـ
الطبعة الثالثة بالصف على الكمبيوتر:
بإدارة القرآن كراتشى
الصف والطبع:
نال شرف تصميمه على الكمبيوتر ووضع العناوين
نعيم أشرف نور أحمد
على رأس الصفحات والإشراف على تصحيح نصوصه ............
فھیم اشرف نور أحمد
أشرف على طباعته : ..
من منشورات
إدارة القرآن والعلوم الإسلامية
٤٣٧/٢ گارژن ایسٹ کراتشي ٥ باكستان
الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ = ٧٢٢٣٦٨٨
ويطلب أيضاً من :
باب العمرة مكة المكرمة
المكتبة الإمدادية
السمانية المدينة المنورة
مكتبة الإيمان
٤
الرياض - السعودية
مكتبة الرشد
١٩٠ انار کلی لاهور
إداره اسلاميات
٣
ج - ٢
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الصلوة
باب المواقيت
٤٥٥- عن أبى هريرة وعبد الله بن عمر حدثا عن رسول الله منظ ◌ّ أنه قال:
"إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة(١) فإن شدة الحر من فيح جهنم". أخرجه
الجماعة من حديث أبى هريرة، كذا قال الزيلعى (٣) واللفظ للبخارى(٣).
٤٥٦- عن أبى ذر قال: "أذن(٤) مؤذن النبى معَ لِّ بالظهر فقال: أبرد أبرد،
باب المواقيت
قوله: عن أبى ذر إلخ. قلت: أحاديث الإبراد تؤيد قول أبى حنيفة رحمه الله ببقاء
وقت الظهر بعد المثل فإن شدة الحر فى ديارهم فى هذا الوقت، يعنى إذا صار ظل كل
شىء مثله، كذا قال صاحب "الهداية". وقال بعض الشافعية: المراد بإبراد الظهر أداءها
فى أول الوقت، وبرد النهار أوله. (نقله الشيخ عبد الحق الدهلوى) فى كتابه "فتح
المنان" (٢- ٤٢٩ مخطوط). ثم أجاب عنه بأن هذا التأويل ليس بصواب، لأن الإبراد
فى الأحاديث ذكر لبيان ما اختاره ◌ّظهر من الوقت الآخر فى أوان الحر، ويبطله تعليله
مرّظلِّ ذلك بقوله: فإن شدة الحر من فيح جهنم اهـ. قلت: ويبطله أيضا حديث أبى ذر
هذا لما فيه من التأكيد بقوله: "ابرد ابرد"، و"انتظر انتظر"، فهذا يدل بصراحته على أن
(١) كذا فى الأصلين، ومثله فى النسخ المطبوعة من البخارى ومسلم، ونقله الزيلعى بلفظ "أبردوا عن الصلاة" وهو
نسخة فى الصحيحين أيضا .
(٢) لفظ الزيلعى: "روى الأئمة الستة فى كتبهم" كما فى "نصب الراية" (الحديث الرابع من المواقيت ٢٢٨:١).
(٣) باب الإبراد بالظهر فى شدة الحر - بخارى (٧٦:١).
(٤) أى أراد أن يؤذن (مؤلف) .
٤
باب المواقيت
إعلاء السنن
أو قال: انتظر انتظر، وقال: شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد بالحر فأبردوا
عن الصلاة. قال أبو ذر: حتى رأينا فىء التلول" أخرجه البخارى ومسلم: كذا
قال الزيلعى واللفظ للبخارى(١).
٤٥٧- عن أبى سعيد الخدرى) قال: قال رسول الله عَ ليه: "أبردوا بالظهر
فإن شدة الحر من فيح جهنم" أخرجه البخارى (٧٧:١).
٤٥٨- عن أبى ذر قال: "كنا مع النبى ◌ِّ فى سفر، فأراد المؤذن أن
يؤذن، فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال
له: أبرد، حتى ساوى الظل التلول، فقال النبى معَ له: إن شدة الحر من فيح
جهنم" . رواه البخارى(٢) .
المراد بالإبراد هناك ما يرادف الانتظار والتأخير، وتأيد ذلك بقوله: حتى رأينا فيئ التلول.
قال الترمذى: "وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر فى شدة الحر، وهو قول
ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الشافعى: إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان مسجدا
ينتاب أهله من البعد، فأما المصلى وحده، والذى يصلى فى مسجد قومه فالذى أحب له
أن لا يؤخر الصلاة فى شدة الحر. قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر فى
شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب إليه الشافعى أن الرخصة لمن ينتاب من
البعد وللمشقة على الناس فإن فى حديث أبى ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعى
- إلى أن قال -: فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعى لم يكن للإبراد فى ذلك الوقت
معنى لاجتماعهم فى السفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد" انتهى.
قوله: حتى ساوى الظل التلول. قال الشيخ - أطال الله بقاءه -: الحديث نص فى
بقاء الوقت بعد المثل، كما هو المشهور من مذهب إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى (٣) إذ من
(١) الصحيح أن هذا اللفظ لمسلم، فإنه لا يوجد فى رواية البخارى قوله: "قال أبو ذر".
(٢) باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة - من كتاب الأذان (٨٧:١).
(٣) وتنقيح المذاهب فى هذا الباب أن جمهور الأئمة ذهبوا إلى أن وقت الظهر ينتهى إلى المثل الأول، وهو قول مالك
والشافعى وأحمد والثورى وإسحاق وأبى يوسف ومحمد، كما فى العمدة" (٥٤٠:٢) إلا أن مالكا يرى أن آخر
وقت الظهر وأول وقت العصر هو وقت مشترك، وأما الإمام أبو حنيفة، فقد اختلفت الروايات عنه، فالمشهور
=
٥
ج - ٢
باب المواقيت
المعلوم اللازم عادة أن الأجسام المنبطحة إذا كان ظلها مساويا لها يكون ظل الأجسام
المنتصبة زائداً على المثل لا محالة، فارتفع احتمال كون هذا الظل مع الظل الأصل
مساويا للتلول. ثم لما كان الأذان بعد هذه الزيادة على المثل كانت الصلاة بعد الزيادة
الكثيرة عليه ضرورة، فانقطع الاحتمال المذكور رأسا وأساسا، وثبت المدعى بلا غباراهـ.
وأما تأويل الحديث بغير هذا فهو ضعيف جدا وخلاف الظاهر، كما قد أقر
الحافظ ابن حجر فى شرح هذا الحديث بكون ما ذهبنا إليه ظاهرا منه، وكون خلافه
خلاف الظاهر، حيث قال: "والتلول جمع تل (بفتح المثناة وتشديد اللام) كل ما
اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهى فى الغالب منبطحة غير
شاخصة، فلا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر- إلى أن قال -: فظاهره يقتضى
أنه أخرها إلى أن صار ظل كل شىء مثله، ويحتمل أن يراد بهذه المساواة ظهور الظل
بجنب التل بعد أن لم يكن ظاهرًا، فساواه فى الظهور لا فى المقدار، أو يقال: قد كان
ذلك فى السفر فلعله أخر الظهر حتى يجمعها مع العصر" كذا فى "فتح البارى" (١).
قلت: الاحتمال الأول يمجه الطبع السليم، فلو فتحنا باب أمثال هذه التأويلات
الباردة لم يثبت من الأحاديث شىء، والاحتمال الثانى يبطله تعليله مَ تهر ذلك بقوله: "إن
شدة الحر من فيح جهنم" فإنه يدل على أن علة التأخير كانت شدة الحر، وهى لا تختص
بسفر ولا حضر بل تعممهما جميعا، والحكم يدور مع علته دائما كما لا يخفى. وقد
تقدم قوله مّ التّ: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة إلخ" فإنه يبطل تخصيص الإبراد
بالسفر صراحة.
وقد جاء فى رواية النسائى ما هو أصرح منه بسند رجاله ثقات عن أنس بن مالك
قال: " كان رسول الله صَ لٍّ إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل"(٢). فهذا
عنه أن وقته ینتهی إلی المثلین، واختاره أصحاب المتون، وروی الحسن بن زياد عنه ما یوافق الجمهور، وروى
أسد بن عمر وعنه أن الظهر ينتهى إلى المثل الأول، ولا يدخل العصر إلى المثلين، فبينهما وقت مهمل، وروى
المعلى عن أبى يوسف عنه أنه إذا صار الظل أقل من قامتين يخرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى
يصير قامتين، هذا ملخص مافي معارف السنن، وراجعه لمزيد التحقيق (٢: ٩-١٣).
(١) باب الإبراد بالظهر في السفر (٢ - ١٧).
(٢) باب تعجيل الظهر في البرد (١ - ٨٧).
٦
باب المواقيت
إعلاء السنن
أدل دليل على أن إبراد الظهر فى أوان الحر كان من عادته ◌ّ ه مطلقا، فتخصيص الإبراد
بالسفر لا يصح أصلا. واعلم أنه ورد فى بعض الروايات: "حتى رأينا فىء التلول" كما
تقدم، فالرواية فيهما مبهمة فترد إلى المفسر، وهو المساواة، فيكون المعنى: حتى رأينا
فىء التلول مساويا لها .
وما يروى فى حديث إمامة جيريل أنه عليه الصلاة والسلام صلى معه العصر فى
اليوم الأول على المثل (أخرجه الترمذى (١ - ٢١) وغيره وقال: حسن) فهو منسوخ بهذا
الحديث الذى ذكرناه، متأخر عن إمامة جيريل، ولا يمكن التطبيق فلا بد من القول
بالنسخ (١) كما قال ابن الهمام فى "فتح القدير" (١ - ١٩٤)، على أن هذا الحديث كما
يرد علينا يرد على الخصم أيضا فى وقت الظهر فقد جاء فيه أنه مرّ هِ صلى المرة الثانية
الظهر حين كان ظل كل شىء مثله لوقت العصر بالأمس، واحتج به مالك وطائفة من
العلماء على أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شىء مثله، ولا يخرج وقت الظهر
بل يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات صالح للظهر والعصر أداء، وتأوله الشافعية بأن معناه
فرغ من الظهر حين صار ظل كل شىء مثله وشرع فى العصر فى اليوم الأول حين صار
ظل كل شىء مثله فلا اشتراك بينهما. كذا قال النووى فى "شرح مسلم" (٢).
قلت: قلنا أيضا أن نتأول الحديث بأنه قد ثبت بالأحاديث المتقدمة بقاء وقت
الظهر بعد المثل، وحديث جبريل يقتضى جواز العصر إذا صار ظل الشىء مثله، فنقول:
: إن معنى قوله: "ثم صلى العصر حين كان كل شىء مثل ظله" أى أراد أن يصلى، ويؤيد
ذلك ما ورد فى رواية النسائى: "فأتاه حين كان الظل مثل شخصه" وفى رواية له: "ثم
مكث حتى إذا كان فيئ الرجل مثله، جاءه للعصر فقال: قم يا محمد فصل العصر""
،
(١) قلت: يرد عليه أن دعوى النسخ لا يصح في حديث رجل سأل عن مواقيت الصلاة، وقد جاء فيه أيضا أنه مع ئه
صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيئ مثله، ولا يعرف تقدمه على أحاديث الإبراد بالظهر.
ويمكن الجواب عنه بأن مطابقته لحديث جبريل في المعنى يدل على تقدمه على أحاديث الإبراد، ولو جعاناه
متأخرا عنها لزم النسخ مرتين، ولا يجوز القول به ما لم يضطر إليه، على أن ماذكرناه في الجواب الثاني بقولنا:
"على أن هذا الحديث كما يرد علينا إلخ" يكفى جوابا عنه أيضا، والله أعلم (مؤلف).
(٢) باب أوقات الصلاة الخمس (٢٢٢:١).
(٣) أخرج النسائى الرواية الأولى فى آخر وقت العصر" (٦٠:١) والثانية فى "أول وقت العشاء" (٦٢:١).
٧
ج - ٢
باب المواقيت
فهذا يدل على أن وقت المثل هو وقت مجئ جبريل لا وقت صلاته ولو أبقينا الحديث
على ظاهره فنقول: إذا تعارضت الآثار لا ينقضى الوقت بالشك.
بقى أن يقال: هذا البحث إنما يفيد عدم خروج وقت الظهر وعدم دخول وقت
العصر بصيرورة الظل مثلا غير فيئ الزوال، ونفى خروج الظهر بصيرورته مثلا لا يقتضى
أن وقت العصر إذا صار الظل مثلين، وإن ما قبله وقت الظهر وهو المدعى، فلا بد له من
دلیل.
والجواب عنه أنه ثبت بحديث جبريل أن للعصر وقتين بعد المثل، كما يظهر من
صلاته فى اليوم الأول، وبعد المثلين كفعله فى اليوم الثانى، وأحاديث الإبراد وغيرها إنما
تعارض الوقت الأول لا الثانى، فيستمر ما علم ثبوته من بقاء وقت الظهر إلى أن يدخل
هذا الوقت المعلوم كونه وقتا للعصر. كذا قال ابن الهمام فى "الفتح".
فإن قلت: إن إمامة جبريل فى اليوم الثانى كانت لبيان آخر الوقت، فصلاته على
المثلين تدل على أنه آخر وقت العصر لا أوله. قلت: إمامة جبريل فى اليوم الثانى لا تدل
على أن لا تكون ما وراء وقت الإمامة وقتا لها. ألا ترى أنه عليه السلام أم للفجر فى اليوم
الثانى حين أسفر، والوقت بعده إلى طلوع الشمس، وصلى العشاء فى اليوم الثانى حين
ذهب ثلث الليل، والوقت يبقى بعده، فلم يثبت منها كون المثلين آخر وقت العصر، بل
ثبت كونه وقت الاختيار.
والآثار فى انقضاء وقت الظهر بالمثل متعارضة، فيستمر وقت الظهر إلى أن يدخل
هذا الوقت المعلوم كونه وقتا للعصر، على أن الإجماع المركب قد انعقد على أن وقت
العصر إما بعد المثل (١) وإما بعد المثلين، فلما ثبت أن وقت العصر لم يدخل بعد المثل
(١) فإن قلت: إن مالكا رحمه الله قال: إن وقت العصر يدخل بصيرورة الظل مثلا ولا يخرج به وقت الظهر كما مر
منقولا من النووى فكيف يصح دعوى الإجماع؟ قلت: لعل هذه رواية عن مالك، وإلا فالمختار عنده أن آخر
وقت الظهر إذا صار ظل الشىء مثله كما قال الجمهور ( كذا فى "رحمة الأمة" للشعرانى) انتهى من المؤلف.
قلت: قد سامح المؤلف فى عزو كتاب "رحمة الأمة" إلى الشعرانى، وإنما هو لأبى عبد الله الدمشقى، كما سبق
التنبيه عليه فى المجلد الأول. ثم قد صرحت كتب المالكية بأن المختار عندهم دخول العصر بانقضاء المثل الأول،
غير أن قدر أربع ركعات مشترك عندهم فى الظهر والعصر، راجع "جواهر الإكليل شرح مختصر الخليل"
(٣٢:١) و"حاشية الصاوى على الدردير" (٢١٩:١).
٨
باب المواقيت
إعلاء السنن
استلزم دخوله بعد المثلين لا محالة، فإبداء احتمال دخول وقت العصر قبل المثلين مع
عدم خروج وقت الظهر بعد المثل إحداث لقول ثالث مخالف للإجماع المركب فلا
يجوز.
وفى "البحر الرائق": "وأما آخره (أى آخر وقت الظهر) ففيه روايتان عن أبى
حنيفة: الأولى رواها محمد عنه ما فى الكتاب. والثانية: رواية الحسن: إذا صار ظل
كل شىء مثله سوى الفئ، وهو قولهما، والأولى قول أبى حنيفة رحمه الله، قال فى
"البدائع": إنها المذكورة فى "الأصل" وهو الصحيح، وفى "النهاية" أنها ظاهر الرواية
عن أبى حنيفة، وفى "غاية البيان": وبها أخذ أبو حنيفة وهو المشهور عنه، وفى
"المحيط": والصحيح قول أبى حنيفة، وفى "الينابيع": وهو الصحيح عن أبى حنيفة،
وفى "تصحيح القدورى" للعلامة فاسم: أن برهان الشريعة المحبوبى اختاره، وعول عليه
النسفى ووافقه صدر الشريعة ورجح دليله. وفى "الغيائية": وهو المختار، وفى "شرح
المجمع" للمصنف أنه مذهب أبى حنيفة واختاره أصحاب المتون وارتضاه الشارحون،
فثبت أنه مذهب أبى حنيفة، فقول الطحاوى: وبقولهما نأخذ، لا يدل على أنه المذهب
مع ما ذكرناه" (١). قلت: ولكن الطحاوى أخذ بقولهما لكون الحديث فيه صريحا،
ومدارك الإمام دقيقة، فلا لوم عليه.
قال فى "الدر المختار": وفى "الفيض": وعليه عمل الناس اليوم وبه يفتى اهـ - أى
بقول صاحبيه - وفى "رد المحتار": "قوله: وعليه عمل الناس اليوم، أى فى كثير من
البلاد. والأحسن ما فى "السراج" من شيخ الإسلام: أن الاحتياط أن لا يؤخر الظهر إلى
المثل وأن لا يصلى العصر حتى يبلغ المثلين، ليكون مؤديا للصلاتين فى وقتهما
بالإجماع، وانظر هل إذا لزم من تأخيره العصر إلى المثلين فوت الجماعة يكون الأولى
التأخير أم لا؟، الظاهر الأول، بل يلزم لمن اعتقد رجحان قول الإمام، تأمل. ثم رأيت فى
آخر "شرح المنية" ناقلا عن بعض الفتاوى أنه لو كان إمام محلة يصلى العشاء قبل
غياب الشفق الأبيض، فالأفضل أن يصليها وحده بعد البياض (١).
(١) هنا انتهى كلام البحر (٢٤٥:١) تحت قول الكنز: " والظهر من الزوال إلى بلوغ الظل مثليه إلخ.
(٢) هنا انتهى كلام ابن عابدين فى رد المحتار (٣٧٢:١).
٩
ج - ٢
باب المواقيت
٤٥٩- عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه أخبره أنه سمع رسول الله منز له
يقول: ((إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى
غروب الشمس، أوتى أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى إذا انتصف النهار
عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتى أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة
العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب
الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أى ربنا أعطيت هؤلاء
قوله: إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم إلخ. قال الشيخ - متعنا الله بفيوضه -: معناه
أن مدة أعماركم بالنسبة إلى أعمار أهل الكتاب كما بين صلاة العصر إلى غروب
الشمس اهـ. وهذا كما هو المشاهد من قلة أعمار هذه الأمة عن آجال من سلف قبلها
من الأمم، فأعمار اليهود كانت أزيد من أعمار النصارى، كان أحدهم يعيش ستمائة سنة
وخمسمائة سنة ونحوها، ثم وقع النقص فأعمار النصارى كانت تزيد على المأة والمأتين،
وبقيت أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين غالباً، فهى أقل وقتا وأكثر أجراً.
والعجب من الحافظ ابن حجر وغيره من شراح الحديث لم يتنبهوا لهذا المعنى، وحاسبوا
فى أنفسهم حسابات شىء، واعترضوا على الحنفية المستدلين بهذا الحديث على بقاء
وقت الظهر إلى المثلين باعتراضات باردة ركيكة يمجها الطبع السليم، والحق أن هذا
الحديث يدل بصراحته على أن مقدار وقت الظهر أكثر من مقدار وقت العصر كما يشعر
به قوله مّه: "فغضب اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء" فكون
النصارى أكثر عملا لا يصح إلا إذا قيل ببقاء وقت الظهر إلى المثلين وإلا تلزم المساواة
بين مقدار وقت الظهر ووقت العصر.
فإن قيل: إن لزوم المساواة على تقدير المثل ممنوع، فإنه على تقدير خروج وقت
الظهر بصيرورة ظل كل شىء مثله يكون أيضا أزيد بشىء مما بعده إلى غروب الشمس،
على ما هو محقق عند الرياضين. قلنا: هذا التفاوت القليل لا يظهر إلا عند الحساب،
وهم لا يدركونه أيضا إلا بمعونة الآلات. والمقصود من الحديث تفهيم كل احد وذا لا
يحصل إلا على القول بالمثلين كما هو قول أبى حنيفة رحمه الله فافهم حق الفهم، فإن
مدارك الإمام الأعظم دقيقة لا ينتهى إليها فهم كل أحد، فلذا صار محلا لطعن المخالفين
١٠
باب المواقيت
إعلاء السنن
قيراطين قيراطين، وأعطينا قيراطا قيراطا ونحن كنا أكثر عملا؟ قال الله عز
وجل: هل ظلمتكم من أجركم من شىء؟ قالوا: لا، قال: وهو فضلى أوتيه من
أشاء)). رواه البخارى(١) ورواه محمد فى "الموطأ" (٣) بسند صحيح عن مالك عن
عبد الله بن دينار عن ابن عمر مثله، إلا أنه زاد: ((ألا فأنتم الذين يعملون من
صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، قال: فغضب اليهود
والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء إلخ)). وهو كذلك فى رواية
أخرى للبخارى (٣)، كما نقله فى "آثار السنن" (٤٣:١).
٤٦٠- عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة زوج النبى ◌ّ ◌ٍّ أنه سأل أبا
هريرة عن وقت الصلاة، فقال أبو هريرة رضى الله عنه أنا أخبرك: "صل الظهر
-أعاذنا الله من الطعن فى الأئمة الأعلام- وقال العينى: "قال القرطبى: خالف الناس
كلهم أبا حنيفة فيما قاله حتى أصحابه. قلت: إذا كان استدلال أبى حنيفة بالحديث
فما يضره مخالفة الناس له" عمدة القارى (٤).
قوله: عن عبد الله بن رافع إلخ. قلت: هذا الأثر يدل بظاهره على بقاء وقت الظهر
إلى ما بعد المثل، فإن أبا هريرة رضى الله عنه أمر رافعا أن يصلى الظهر إذا كان الظل
مثله، وهذا آخر الوقت عند الشافعى رحمه الله وغيره، وبعيد من الصحابى أن يأمر بأداء
الصلاة بعد انقضاء وقتها .
فإن قيل: معناه: صلى الظهر قريب المثل، قلت: هذا أيضا خلاف الاحتياط إذا
كان وقت الظهر ينقضى بالمثل، لأنه إذا كان ابتداء الصلاة قريب المثل وكان أداءها
بطريق المسنون (٥) مع أداء السنن الرواتب وتطويل القراءة والترتيل والطمانية فربما يزيد
(١) باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب (٧٩:١).
(٢) باب التفسير (ص٤٠٦) وهو آخر حديث فى المؤطاء لمحمد.
(٣) أخرجها البخارى فى باب الإجارة إلى صلاة العصر، من الإجارات (٣٠٢:١) وفى باب ما ذكر عن بنى إسرائيل
من الأنبياء (٤٩٠:١) وفى باب فضل القرآن على سائر الكلام من فضائل القرآن (٧٥١:٢).
(٤) باب وقت العصر (٥٤٠:٢).
(٥) كذا بخط المؤلف، والصحيح "بالطريق المسنون".
:
١١
ج - ٢
باب المواقيت
إذا كان ظلك مثلك، والعصر إذا كان ظلك مثليك، والمغرب إذا غربت
الشمس، والعشاء ما بينك وما بين ثلاث الليل، وصل الصبح بغبش، يعنى
غلس" . رواه مالك فى "الموطأ" (١) وإسناده صحيح. "آثار السنن" (٤٢:١).
٤٦١- حدثنا هناد نا محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبى صالح عن
أبى هريرة قال: قال رسول الله رّ قي: ((إن للصلاة أولا وآخراً، وإن أول وقت
صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول
الوقت على المثل بكثير كما لا يخفى.
أما قوله: "وصل الصبح بغبش" (يعنى بغلس) سيأتى بيان معناه فانتظر. وقال
محمد فى "مؤطئه" بعد رواية الحديث السابق "قال محمد: هذا قول أبى حنيفة رحمه
الله فى وقت العصر ... وأما فى قولنا فإنا نقول: إذ زاد الظل على المثل فصار مثل الشىء
وزيادة من حين زالت الشمس فقد دخل وقت العصر، وأما أبو حنيفة فإنه قال: لا
يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثليه" اهـ (٢). قلت: وقول أبى هريرة: "والعصر
إذا كان ظلك مثليك" يشهد بظاهره له، والله أعلم.
قوله: فى حديث الترمذى: حدثنا هناد إلخ. قلت: قال الترمذى بعد رواية
الحديث: "قال أبو عيسى: سمعت محمداً يقول: حديث الأعمش عن مجاهد فى
المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، وحديث محمد بن فضيل
خطأ أخطأ فيه محمد بن فضيل" وهذا الخطأ ما نقله الزيلعى بقوله: "ورواه "الدارقطنى"
وقال: إنه لا يصح مسنداً، وهم فيه ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد
مرسلا وهو أصح انتهى". ثم أجاب عنه الزيلعى بقوله: "قال ابن الجوزى فى
"التحقيق": وابن فضيل ثقة يجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلا، وسمعه
من أبى صالح مسنداً، انتهى (٣). وقال ابن أبى حاتم فى "العلل": سألت أبى عن
(١) وقوت الصلاة (٣:١).
(٢) باب وقوت الصلاة (١: ٤٢، ٤٥) .
(٣) أى انتهى كلام ابن الجوزى، وكلام الزيلعى مستمر.
١٢
باب المواقيت
إعلاء السنن
وقت العصر حين يدخل وقتها وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول
وقت المغرب حين تغرب الشمس وإن آخر وقتها حين يغيب الشفق، وإن أول
وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن
أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس". وفى
الباب عن عبد الله بن عمرو. رواه الترمذى (١: ٢٢) ورجاله رجال الجماعة إلا
هناداً، فإن البخارى لم يخرج له فى "صحيحه".
حديث محمد بن فضيل هذا، فقال: وهم فيه ابن فضيل، إنما يرويه أصحاب الأعمش
عن مجاهد قوله. وقال ابن القطان فى كتابه: ولا يبعد أن يكون عند الأعمش فى هذا
طريقان: إحداهما مرسلة، والأخرى مرفوعة. والذى رفعه صدوق من أهل العلم وثقه ابن
" (١)
معين وهو محمد بن فضيل، انتهى " (".
وفى "التلخيص": "ورواه الحاكم من طريق آخر عن محمد بن عباد بن جعفر أنه
سمع أبا هريرة وقال: صحيح الإسناد"(٢) اهـ. قلت: فبقى الحديث سالما من العلة.
ويدل قوله "حين يغيب الأفق" على كون الشفق هو البياض (٢)، وتفصيله فى
(١) هنا انتهى كلام الزيلعى، تحت الحديث السابع من المواقيت (٢٣١:١).
(٢) لعل فيه مسامحة من المؤلف، لأن الحاكم لم يخرج من طريق محمد بن عباد بن جعفر ما أخرجه الترمذى، وإنما
أخرج من طريقه: "أنه سمع أبا هريرة يخبر أن رسول الله مرّةٍ حدثهم أن جبريل أتاه، فصلى به الصلاة فى
وقتين إلا المغرب" وهذا الحديث هو الذى صححه الحاكم (راجع المستدرك وقت صلاة المغرب ١٩٤:١)،
وإليه أشار الحافظ فى "التلخيص" (١٧٤:١) فى سياق شواهد حديث جبريل عن ابن عباس، ولكنه ذكر
حديث محمد بن فضیل عند الترمذى استطرادا، ثم عاد إلی ذکر من روی حدیث جبرئیل، فذکر فیه حديث
الحاكم، ففهم منه المؤلف أن الحاكم قد أخرج من طريق محمد بن عباد عين ما أخرجه الترمذى من طريق أبى
صالح، وهو خلاف الواقع، هذا ما ظهر لى، والله أعلم.
(٣) وتنقيح المذاهب فيه ما ذكره العينى، "قال الثورى وابن أبى ليلى وطاؤوس ومكحول والحسن بن حى والأوزاعى
ومالك والشافعى وأحمد وإسحاق وداود: إذا غاب الشفق - وهو الحمرة- خرج وقتها، وممن قال ذلك أبو
يوسف ومحمد، وقال عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن المبارك والأوزاعى فى رواية، ومالك فى رواية، وزفر بن
الهذيل وأبو ثور والمبرد والفراء: "لا يخرج حتى تغيب الشفق الأبيض"، وروى ذلك عن أبى بكر الصديق
وعائشة وأبى هريرة ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وعبد الله بن الزبير، وإليه ذهب أبو حنيفة، وقال ابن المنذر:
وكان مالك والشافعى والأوزاعى يقولون: "لا وقت لها إلا وقتا واحدا إذا غابت الشمس"، وقد روينا عن
طاوس أنه قال: "لا تفوت المغرب والعشاء حتى الفجر" (عمدة القارى ٥٦٦:٢).
١٣
ج - ٢
باب المواقيت
٤٦٢- حدثنا محمد بن سلمة المرادى نا ابن وهب عن أسامة بن زيد
الليثى أن ابن شهاب أخبره أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدا على المنبر، فأخر
العصر شيئا فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل عليه السلام قد أخبر محمداً
مَّ اله بوقت الصلاة؟ فقال له عمر: اعلم ما تقول! فقال له عروة: سمعت بشير
ابن أبى مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصارى يقول: سمعت رسول الله
مرّ له يقول: "نزل جبريل فأخبرنى بوقت الصلاة، فصليت معه، ثم صليت
"فتح القدير" حيث قال: "روى الدارقطنى عن ابن عمر (١) أن النبى عّ لِّ قال: "الشفق
الحمرة، فإذا غاب وجبت الصلاة". قال البيهقى والنووى: الصحيح أنه موقوف على
ابن عمر، ومن المشائخ من اختار الفتوى على رواية أسد بن عمرو عن أبى حنيفة رحمه
الله كقولهما، ولا تساعده رواية ولا دراية. أما الأول: فلأنه خلاف الرواية الظاهرة عنه،
وأما الثانى: فلما قدمنا فى حديث ابن فضيل: "وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق"
وغيبوبته الحمرة وإلا كان باديا، ويجئ ما تقدم، أعنى إذا تعارضت الأخبار لم ينقض
الوقت بالشك. وقد نقل عن أبى بكر الصديق ومعاذ بن جبل وعائشة وابن عباس رضى
الله عنهم - فى رواية - وأبو هريرة رضى الله عنه، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعى
والمزنى وابن المنذر والخطابى، واختاره المبرد وثعلب. ولا ينكر أنه يقال على الحمرة،
يقولون: عليه ثوب كأنه الشفق، كما يقال على البياض الرقيق، ومنه شفقة القلب
(١) قلت: قال فى "الهداية" إنه موقوف على ابن عمر رضى الله عنه، ذكره مالك رحمه الله فى "الموطأ" ، وفيه
اختلاف الصحابة اهـ يعنى فلا يكون للموقوف فى مثله حكم المرفوع. وذكره فى "نيل الأوطار" (٣١٢:١). ثم
قال: الحديث، قال الدارقطنى فى الغرائب: هو غريب، وكل رواته ثقات، وقد رواه أيضا ابن عساكر والبيهقى
وصحح وقفه، وقد ذكره الحاكم فى المدخل، وجعله مثالا لما رفعه المجروحون من الموقوفات، وقد أخرج ابن
خزيمة فى "صحيحه" عن عبد الله بن عمر مرفوعا: ووقت صلاة المغرب إلى أن يذهب حمرة الشفق. قال ابن
خزيمة فإن صحت هذه اللفظة أغنت عن جميع الروايات، لكن تفرد بها محمد بن يزيد. قال الحافظ: محمد
ابن يزيد صدوق. قال البيهقى: روى هذا الحديث عن عمر وعلى وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن
أوس وأبى هريرة، ولا يصح فيه شىء اهـ. وكذا فى "التلخيص الحبير" (٦٥:١). قلت: رواية ابن خزيمة رجالها
كلهم ثقات. ومحمد بن يزيد هو الواسطى، وثقه غير واحد، كما فى "التهذيب" وتفرد الثقة بزيادة مقبول ما لم
يناف رواية الثقات، وههنا كذلك، فإن أصحاب شعبة قالوا مكان "الحمرة" "فور الشفق" ويمكن حمله عليها،
فلا أدرى من الآفة فيه؟ حتى قال البيهقى: إنه لا يصح فيه شىء فافهم (مؤلف).
١٤
باب المواقيت
إعلاء السنن
معه، ثم صليت معه(١) يحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيت رسول الله
وَّ لّهِ صلى الظهر حين تزول الشمس، وربما أخرها حين يشتد الحر، ورأيته
يصلى العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل أن تدخلها الصفرة، فينصرف
لرقته، غير أن النظر عند الترجيح أنه البياض هنا، وأقرب الأمر أنه إذا تردد فى أنه الحمرة
أو البياض لا ينقضى بالشك، ولأن الاحتياط فى إبقاء الوقت إلى البياض، لأنه لا وقت
مهمل بينهما، فبخروج وقت المغرب يدخل وقت العشاء اتفاقا ولا صحة لصلاة قبل
الوقت فالاحتياط فى التأخير اهـ" (٢).
وفى حاشية "البحر" للعلامة الشامى: "قال فى "الاختيار": الشفق البياض، وهو
مذهب أبى بكر الصديق ومعاذ بن جبل وعائشة رضى الله عنهم. قلت: ورواه عبد الرزاق
عن أبى هريرة وعن عمر بن عبد العزيز، ولم يرو البيهقى الشفق الأحمر إلا عن ابن عمر،
وتمامه فيه" اهـ (٣).
وفى "البحر": "الشفق هو البياض عند الإمام - إلى أن قال - فثبت أن قول الإمام
هو الأصح، وبهذا ظهر أنه لا يفتى ويعمل إلا بقول الإمام الأعظم، ولا يعدل عنه إلى
قولهما أو قول أحدهما أو غيرهما إلا لضرورة، من ضعف دليل أو تعامل بخلافه
كالمزارعة، وإن صرح المشائخ بأن الفتوى على قولهما، كما فى هذه المسئلة. وفى
"السراج الوهاج": فقولهما أوسع للناس وقول أبى حنيفة أحوط".
ثم اعلم أنه قال ابن سيد الناس فى "شرح الترمذى" - كما نقله فى
"النيل" -: "وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا
عند ثلث الليل الأول، وهو الذى حد عليه السلام خروج أكثر الوقت به، فصح يقينا
أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل
مغيب الشفق الذى هو البياض، فتبين بذلك يقينا أن الوقت دخل بالشفق
(١) كذا ذكر المؤلف " ثم صليت معه" مرتين فقط، كما وجدته بخطه، ووقع فى سنن أبى داود أربع مرات.
(٢) انتهى كلام فتح القدير (١٥٥:١).
(٣) منخة الخالق على هامش البحر (٢٤٦:١).
١٥
ج - ٢
باب المواقيت
الرجل من الصلاة فيأتى ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلى المغرب حين
" (١)
الذى هو الحمرة، انتهى
قلت: هذا كله بناء الفاسد على الفاسد، فقوله: "إن البياض لا يغيب إلا عند
ثلث الليل الأول" غلط جدا لا يقبله كل من له علم بالهيئة، وذلك لأن الحمرة والبياض
الباديين فى الأفق بعد غروب الشمس كلاهما نظيرا للبياض والحمرة الباديين قبل
طلوع الشمس، لكون كليهما من آثار أشعتها، فمدة ما بين غروب الشمس إلى غيبوبة
بياض الشفق هى المدة ما بين ظهور بياض الفجر إلى طلوع الشمس سواء بسواء، كما
صرح به أصحاب الرياضى والهيئة، قال فى حاشية "شرح الجغمنى": "الشفق والفجر
هما متشابهان شكلا ومتقابلان وضعا، إذا الفجر يبدو من بياض ضعيف مستطيل، ثم
بياض عريض، ثم حمرة، والشفق يبدو بعد الغروب من حمرة، ثم بياض عريض، ثم
بياض مستطيل إلخ" (٢) .
وقال فى الشرح: "وقد عرف بالتجربة أن أول الصبح وآخر الشفق إنما يكون إذا
كان انحطاط الشمس ثمانية عشر جزا". قال المحشى: "هذا هو المشهور، ووقع فى
بعض كتب أبى ريحان أنه سبعة عشر جزأ، وقيل: إنه تسعة عشر جزأ، وهذا فى
ابتداء الصبح الكاذب، وأما فى ابتداء الصبح الصادق فقد قيل: إن انحطاط الشمس
حينئذ خمسة عشر جزا" ولا يخفى أن هذا القدر - أعنى مدة ثمانية عشر جزأ - لا يزيد
على ساعة ونصف أبدا، فلو فرضنا الليلة الشرعية بقدر ثمانية ساعات التى هى أقصر
مدة الليالى فى معظم المعمورة. فهذا القدر (٢) أقل من ربعها بكثير، فضلا عن الثالث،
فافهم.
(١) أى كلام ابن سيد الناس، راجع نيل الأوطار (٢: ٩) باب وقت صلاة العشاء وفضل تأخيرها إلخ.
(٢) لعلك تفطنت من هذا الكلام أن الشفق الأبيض أيضا مثل الفجر اثنان: بياض مستطير عريض، وبياض ضعيف
مستطيل، فكما أن المعتبر فى الفجر هو البياض العريض، كذلك فى الشفق المعتبر هذا البياض المستطيل، فلو
سلم صحة قول ابن سيد الناس أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل. تحمله على البياض المستطيل، وقد
عرفت أنه ليس بمعتبر فلا يرد على أبى حنيفة منه شىء فافهم (مؤلف).
١٦
باب المواقيت
إعلاء السنن
تسقط الشمس ويصلى العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع
الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت
صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر". رواه أبو داود (١)
وصححه ابن خزيمة (٢) وغيرها، كذا فى "فتح البارى" (٥:٢).
قال فى "الشامية": "فائدة: ذكر العلامة المرحوم الشيخ خليل الكاملى فى
حاشية على رسالة "الأسطرلاب" لشيخ مشايخنا العلامة المحقق على آفندى
الداغستانى: أن التفاوت بين الفجرين -أى الكاذب والصادق- وكذا بين الشفقين
- الأحمر والأبيض - إنما هو بثلاث درج اهـ" (٣).
قوله: حين يسود الأفق إلخ. قلت: هذا الحديث أيضا يدل على ما ذهب إليه
الإمام الأعظم من كون الشفق البیاض، فإن أسوداد الأفق لا يكون إلا بعد زواله، وسياق
الكلام مشعر بأنه أول وقت العشا. وهذا الحديث قال فيه الشوكانى: "رجاله فى سنن
أبى داود رجال الصحيح"، ثم قال: "ولم يذكر رؤيته لصلاة رسول الله ◌ٍّ إلا أبو
داود" ، وقال المنذري: "وهذه الزيادة فى قصة الإسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة
من الثقة مقبولة"، انتهى. وقال الخطابى: "هو صحيح الإسناد، وقال ابن سيد الناس:
إسناده حسن (٤)" كذا فى "التعليق الحسن" (١ - ٤٥).
توثيق ابن زياد :- وجرح أبو داود هذه الزيادة بتفرد أسامة بها، فجوابه أن أسامة
هذا استشهد به مسلم، وعلق له البخارى، وقد تكلم فيه، فضعفه أحمد ويحيى بن
سعيد وأبو حاتم والنسائى، ووثقه العجلى. وقال أبو داود: "صالح". وقال أبو أحمد
ابن عدى: "يروى عنه الثورى وجماعة من الثقات، ويروى عنه ابن وهب نسخة
صالحة". وقال ابن حبان فى "الثقات": "يخطئ، وهو مستقيم الأمر صحيح الكتاب"
(١) فى باب المواقيت (٥٧:١).
(٢) يعنى أورده فى صحيحه (١: ١٨١) رقم ٣٥٢ باب كراهة تسمية صلاة العشاء عتمة.
(٣) رد المحتار (١: ٣٧١).
(٤) هنا انتهى كلام الشوكانى، وهو فى باب وقت صلاة الفجر وما جاء فى التغليس بها والإسفار، من "نيل الأوطار"
(١٦:٢) .
١٧
ج - ٢
باب المواقيت
٤٦٣- عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: "سأل رجل رسول الله
صلىالله
عن وقت الصلاة، فلما دلكت الشمس أذن بلال الظهر، فأمره رسول الله
وَ الّيِ فأقام الصلاة فصلى، ثم أذن للعصر حين ظننا أن ظل الرجل أطول منه،
فأمره رسول الله ◌ّالتّ فأقام الصلاة وصلى، ثم أذن للمغرب حين غابت
الشمس، فأمره رسول الله مَ لٍ فأقام الصلاة وصلى، ثم أذن للعشاء حين ذهب
بياض النهار وهو الشفق، ثم أمره فأقام الصلاة فصلى، ثم أذن للفجر (١) فأمر
فأقام الصلاة فصلى، ثم أذن بلال الغد للظهر حين دلكت الشمس، فأخرها
(تهذيب التهذيب ١ - ٢٠٩).
فلما كان أسامة ثقة عند كثير من الإثبات، وإن كان مختلفا فيه، ولم تكن زيادة
منافية للثقات بحيث يلزم من قبولها رد رواية من هو أوثق منه، فإن المفسر لا ينافى
المبهم، تقبل زيادته، كما فى "نخبة الفكر" (ص - ٢٥ طبع مجتبائى) ما نصه: "وزيادة
راويهما أى الحسن والصحيح مقبولة، ما لم تقع منافيه لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر
تلك الزيادة" وسيأتى الجواب عن قوله: "ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس إلخ" فى
الباب الآتى.
قوله: فى حديث جابر: "ثم أذن للعشاء حين ذهب بياض النهار وهو الشفق إلخ
قلت: هذا أصرح دلالة على مذهب إمامنا الأعظم رضى الله عنه، والظاهر أن قوله: "وهو
الشفق" من تفسير جابر رضى الله عنه، وقوله مرّ لِّ فى آخر هذا الحديث: "الوقت فيما
بين هذين" المراد به الوقت المستحب كما لا يخفى. وما ورد فى حديث ابن فضيل
المذكور سابقا من أن: "آخر وقت العصر حين تصفر الشمس، وآخر وقت العشاء حين
ينتصف الليل" فهو محمول على الوقت الغير المكروه، أى قبيل الاصفرار وقبيل نصف
الليل، وأما وقت الجواز فتجوز العصر مع الكراهة إلى قبيل غروب الشمس، وتجوز
العشاء مع الكراهة إلى الفجر، وكذا ما ورد فى حديث الطبرانى من قوله عليه السلام:
لأمرت بتأخير هذه الصلاة إلى نصف الليل إلخ" محمول على ما قبيل نصفه وسيأتى
(١) كذا فى الأصل بخط المؤلف، وزاد فى مجمع الزوائد: "حين طلع الفجر".
١٨
باب المواقيت
إعلاء السنن
رسول الله منزلٍ حتى صار ظل كل شىء مثله، فأمره فأقام وصلى، ثم أذن
للعصر فأخرها رسول الله مّ لِّ حتى صارظل كل شىء مثليه، فأمره رسول الله
وَ لِّ فأقام وصلى، ثم أذن للمغرب حين غربت الشمس، فأخرها رسول الله
عَِّ حتى كاد يغيب بياض النهار وهو الشفق فيما يرى (١)، ثم أمره رسول الله
عَّ الِّ فأقام الصلاة وصلى، ثم أذن للعشاء حين غاب الشفق فنمنا، ثم قمنا
مراراً، ثم خرج إلينا رسول الله مٍّ فقال: ((ما أحد من الناس ينتظر هذه
الصلاة غيركم، فإنكم فى صلاة ما انتظرتموها، ولو لا أن أشق على أمتى لأمرت
بتأخير هذه الصلاة إلى نصف الليل أو أقرب من نصف الليل، ثم أذن للفجر
فأخرها حتى كادت الشمس أن تطلع فأمره فأقام الصلاة فصلى، ثم قال:
الوقت فيما بين هذين)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" وإسناده حسن، "مجمع
"(٢)
الزوائد "(١).
.٤٦٤- عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنه أن رسول الله عَّ الِ قال:
وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر،
ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق،
ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع
الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع
بين قرنى الشيطان". رواه مسلم (٣).
كل ذلك.
قوله: عن عبد الله بن عمرو إلخ. الحديث يدل على أنه لا وقت مهمل بين
الصلاتين إلا ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، وآخر وقت العصر والعشاء المذكور فى
الحديث: المراد به آخر الوقت الغير المكروه، ويدل على بقاء وقت العشاء إلى طلوع الفجر
(١) كذا بخط المؤلف، وفى نسختنا من المجمع: "نرى" بصيغة المتكلم.
(٢) باب بيان الوقت (٣٠٤:١).
(٣) باب أوقات الصلوات الخمس (٢٢٣:١).
+
ج - ٢
باب المواقيت
١٩
٤٦٥- عن: نافع بن جبير رضى الله عنه قال: كتب عمر رضى الله إلى
أبى موسى رضى الله عنه: "وصل العشاء أى الليل شئت ولا تغفلها". رواه
"الطحاوى" (١) ورجاله ثقات، (آثار السنن ١: ٤٤).
٤٦٦- عن: عبيد بن جريج أنه قال لأبى هريرة رضى الله عنه: "ما
إفراط العشاء(٢)؟ قال: طلوع الفجر". رواه الطحاوى وإسناده صحيح
(آثار السنن ١: ٤٤).
٤٦٧- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: "اعتم النبى معَ لّه ذات ليلة
حتى ذهب عامة الليل(٣) وحتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى، فقال: إنه
لوقتها " رواه مسلم(٤).
٤٦٨- عن: أبى أيوب عن عبد الله - أظنه ابن عمرو- قال شعبة: كان
حديث نافع وعبيد كما هو الظاهر.
قوله: عن نافع إلخ. وقوله عن عبيد إلخ. الحديثان يدلان على أن الليل كله وقت
للعشاء (٥) وإن كان فى بعض أجزاءه كراهة لدليل مستقل، لكن الكلام فى نفس الوقت
الذى تكون الصلاة فيه أداء وبعده قضاء. كتبه الشيخ دامت بركاته.
قوله: "عن عائشة إلخ". دلالته على أن وقت العشاء يبقى بعد نصف الليل
ظاهرة. وقولها: "اعتم" معناه: دخل فى العتمة أى أخرها، وعتمة الليل ظلمتها. قال فى
"مجمع البحار" (١- ٣٤٧) "فاعتم بها" أى أخرها حتى اشتدت ظلمة الليل اهـ.
قوله: عن أبى أيوب إلخ. الحديث يدل على أن آخر وقت صلاة العصر إلى
2
(١) فى باب مواقيت الصلاة من "شرح معاني الآثار" (٩٤:١) وأخرجه أيضا ابن أبى شيبة فى مصنفه (٣١٩:١).
(٢) كذا فى أصل المؤلف، وفى الطحاوى: "إفراط صلاة العشاء" (٩٤:١ و٩٥).
(٣) أى أكثره (مؤلف).
(٤) باب وقت العشاء وتأخيرها (٢٢٩:١).
(٥) وهو قول أبى حنيفة، وذهب عمر بن الخطاب والقاسم والهادى والشافعى وعمر ابن عبد العزيز إلى أن آخر وقت
العشاء ثلث الليل، واحتجوا بحديث جبريل، وفى قول للشافعي: "إن آخر وقتها نصف الليل"، واحتج بحديث
عبد الله بن عمرو (ملخص من "نيل الأوطار" (١٠:٢) باب وقت صلاة العشاء).
٢٠
إعلاء السنن
أحياناً يرفعه وأحيانًا لا يرفعه - قال: "وقت العصر ما لم يحضر المغرب"(١)
فذكر الحديث، رواه الطبرانى فى "الكبير" ورجاله رجال الصحيح (مجمع
الزوائد) .
٤٦٩- عن: سمرة بن جندب رضى الله عنه قال: رسول الله مَالِ: "لا
يغرنكم من سحور كم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير
هكذا". وحكاه حماد بيديه قال: يعنى معترضا. رواه مسلم(١).
باب الأوقات المستحبة وفضيلة الإِسفار بالفجر
٤٧٠- عن: عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: "ما رأيت النبى مَ له
غروب الشمس لكنها مكروهة بعد الاصفرار وسیأتی بیانه.
قوله: "عن سمرة بن جندب إلخ". دلالته على أول وقت الفجر ظاهرة، وأما أذان
بلال رضى الله عنه بالليل فسيأتى الكلام عليه فى (باب الأذان) إن شاء الله تعالى.
باب الأوقات المستحبة وفضيلة الإسفار بالفجر (٣)
قوله: فى حديث ابن مسعود رضى الله عنه: "صلى الفجر قبل ميقاتها". قال.
النووى: "صلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها المعتاد، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر، فقوله:
"قبل وقتها" المراد وقتها المعتاد، لا قبل طلوع الفجر، لأن ذلك ليس بجائز بإجماع
(١) كذا بخط المؤلف، وفى "المجمع": "ما لم يحضر وقت المغرب" (باب وقت صلاة العصر ٣٠٨:١).
(٢) باب بيان أن الدخول فى الصوم يحصل بطلوع الفجر إلخ (٣٥٠:١).
(٣) ذهب مالك والشافعى وأحمد إلى أن التغليس فى الفجر مستحب بداية ونهاية، وذهب أبو حنيفة وسفيان الثورى
وأبو يوسف إلى أن الإسفار به أفضل فى البداية والنهاية، وقال محمد بن الحسن بالتغليس فى البداية والإسفار
فى النهاية، واختاره أبو جعفر الطحاوى، وراجع للتفصيل "معارف السنن" (٣٥:٢ و٣٦).