النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
المسح على الخفين موقت
إعلاء السنن
فالجواب عن الأول ما فى نيل الأوطار (١٧٩:١) قال ابن سيد الناس فى شرح
الترمذى: "لو ثبتت لم تقم بها حجة، لأن الزيادة على ذلك التوقيت مظنونة أنهم لو سألوا
زادهم، وهذا صريح فى أنهم لم يسألوا ولا زيدوا فكيف تثبت زيادة بخبر دل على عدم
وقوعها ؟ اهـ (١) .
وعن الثانى أن عمر رضى الله عنه قد ثبت عنه الرجوع، ففى نيل الأوطار
(١٧٨:١) " وقال ابن سيد الناس فى شرح الترمذى: وثبت التوقيت عن عمر بن الخطاب
وعلى بن أبى طالب وابن مسعود وابن عباس وحذيفة والمغيرة وأبى زيد الأنصارى هؤلاء
من الصحابة" إلى أن قال: "قال أبو عمر ابن عبد البر: وأكثر التابعين والفقهاء على
ذلك وهو الأحوط عندى، لأن المسح ثبت بالتواتر، واتفق عليه أهل السنة والجماعة،
واطمأنت النفس إلى اتفاقهم فلما قال أكثرهم لا يجوز المسح للمقيم أكثر من خمس
صلوات يوم وليلة، ولا يجوز للمسافر أكثر من خمس عشرة صلاة ثلاثة أيام ولياليها ،
فالواجب على العالم أن يؤدى صلاته بيقين، واليقين الغسل حتى يجمعوا على المسح،
ولم يجمعوا فوق الثلاث للمسافر ولا فوق اليوم للمقيم" قلت: فقول عمر رضى الله عنه
"أصبت السنة" ولم يبق صحيحا بعد الرجوع، فلعله قال ذلك ثم ظهر له الصواب فى
خلاف ما قاله والله أعلم، على أن حديث الباب مرفوع صريح فى التوقيت، ولفظ
"السنة" ليس نصا فى خلافه، وإن كان مرفوعا حكما. والجواب عن الثالث لا يحتاج
إلى البيان.
وأما ما فى مجمع الزوائد (١٠٥:١) "عن ميمونة رضى الله عنها قالت: يا رسول
(١) وقال الشيخ العثمانى: "ولا يبعد أن يكون النبی مګ لما أراد التحديد والتوقيت فما أحب أن يقضى فيه بمحض
اختياره، بل رأى المصلحة فى أن يستشير بعض أولى النهى من أصحابه، فاستقر الرأى على جعله للمقيم يوما
وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وحينئذ فمعنى قول خزيمة "ولو استزدناه لزادنا" أنا لو كنا مستدعين الزيادة
فى أصل توقيت المسح لكان المرجو أن يقبلها النبى مَّةٍ ولكنا قنعنا ورضينا بما وقت به مرٍّ، ولا يخفى
عليك أن لاستدعاء بعض الأمة ومشورته مدخلا فى توقيت بعض الأحكام، وهذا كما استشار النبى مرّ ةٍ فى
توقيت الصدقة حين نزلت آية النجوى إلخ". (فتح الملهم ١: ٤٣٨ ملخصا).

٣٤٢
ج - ١
باب طريقة المسح على الخفين
٣١٥- عن: على رضى الله عنه قال: "لو كان الدين بالرأى لكان أسفل
الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله مَّ يمسح على ظاهر
خفيه" أخرجه أبو داود بإسناد حسن كذا فى "بلوغ المرام" (ص١١)، وفى
"التلخيص" (١: ٥٩): "وإسناده صحيح". قلت: ورجاله رجال الجماعة إلا
عبد خير، وهو من رجال الأربع ثقة مخضرم.
الله! أيخلع الرجل خفيه كل ساعة؟ قال: لا! ولكن يمسح عليهما ما بدا له" ، رواه أبو
يعلى، وفيه عمر بن إسحاق بن يسار، قال الدارقطنى: ليس بالقوى، وذكره ابن حبان فى
"الثقات"، فالجواب عنه أنه لا يقاوم الأحاديث الصحيحة.
باب طريقة المسح على الخفين
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة، وفى "سنن الترمذى" (١٥:١):
"حدثنا أبو الوليد الدمشقى(١) نا الوليد بن مسلم أخبرنى ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة
عن كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة أن النبى مرّظهر مسح أعلى الخف وأسفله، قال أبو
عيسى: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبى معَّ ه والتابعين، وبه يقول مالك
والشافعی وإسحاق (٢)، وهذا حديث معلول لم یسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد ابن
مسلم، وسألت أبا زرعة ومحمدا عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن
المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء قال: حدثت عن كاتب المغيرة، مرسل عن النبى
عَّةٍ ولم يذكر فيه المغيرة اهـ".
وفى "التلخيص الحبير" (٥٩:١): "قلت: رواه الشافعى فى الأم عن إبراهيم
(١) هو أحمد بن عبد الرحمان بن بكار، صدوق تكلم فيه بلا حجة، كذا فى التقريب ص٥ (مؤلف).
(٢) ذهب أبو حنيفة وأحمد والثورى والأوزاعى إلى مسح فوق الخف أى ظاهره دون أسفله. وذهب مالك والشافعى
إلى مسحهما جميعا مع قول الشافعى: من اقتصر على الفوق أجزأه دون من اقتصر على الأسفل، مع الاتفاق
على أن مسح الأسفل فقط لا يجزئ أصلا، فعلم أن مسح الأسفل يستحب عند الشافعى مع اختلاف فى
الأئمة فى تفاصيل المسح من المقدار وغيره، مجل بيانها كتب الفقه (معارف السنن ١: ٣٣٩) وسيأتى فى آخر
الباب أن أبا حنيفة روى عنه استحباب مسح الأسفل أيضا.

٣٤٣
طريقة المسح على الخفين
إعلاء السنن
٣١٦- حدثنا: زيد بن الحباب عن خالد بن أبى بكر عن سالم بن عبد
الله عن أبيه عن عمر ((أن النبى مرّاتِّ أمر بالمسح على ظهر الخفين إذا لبسهما
وهما طاهرتان))، رواه ابن أبى شيبة فى "مسنده" (نصب الراية ٩٥:١).
ابن محمد بن أبى يحيى عن ثور مثل الوليد، وذكر الدارقطنى فى "العلل" أن محمد بن
عيسى بن سميع رواه عن ثور كذلك". وفيه أيضا: "وقال أبو داود: لم يسمعه ثور من
رجاء وقال الدارقطنى: روى عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة عن المغيرة
ولم يذكر أسفل الخف". وفيه أيضا: "قلت: وقع فى سنن الدارقطنى ما يوهم رفع العلة،
وهى: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ثنا داود بن رشيد عن (١) الوليد بن مسلم
عن ثور بن يزيد ثنا رجاء بن حيوة فذكره (أى عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة
قال: وضأت رسول الله مَّر فى غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله كذا فى "سنن
الدارقطنى" (٧١:١)، فهذا ظاهره أن ثورا سمعه من رجاء، فنزول العلة، ولكن رواه.
أحمد ابن عبيد الصفار فى "مسنده" عن أحمد بن یحیی الحلوانی عن داود بن رشيد
فقال: عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف على داود يمنع من القول بصحة
وصله مع ما تقدم فى كلام الأئمة".
قلت: ولكن حديث على رضى الله عنه الذى بدأنا به الباب صريح فى أن أسفل
الخف لا يمسح ولا مسحه رسول الله مرّ له، فلعله مَّه وضع يده فى أسفل الخف لعذر،
فظنه الراوى مسحا، وعامة روايات المغيرة ليس فيها مسح أسفل الخف. ثم اعلم أن فى
نسخ الترمذى خللا، فإنه ذكر فيه: "لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء قال:
حدثت عن كاتب المغيرة" .
والصحيح الظاهر عندى ما فى "التلخيص الحبير": "قال الأثرم عن أحمد أنه
كان يضعفه ويقول: ذكرته لعبد الرحمن بن مهدى فقال: عن ابن المبارك عن ثور (٢)
حدثت عن رجاء عن كاتب المغيرة ولم يذكر المغيرة" وكذا فى "سنن الدارقطنى"
(٧١:١): "رواه ابن المبارك عن ثور قال: حدثت عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة
(١) وفى نسخة الدارقطنى نا" موضع "عن" (مؤلف).
(٢) الظاهر أنه لم يسمع عن رجاء أولا، ثم سمع ثانيا (مؤلف).

٣٤٤
ج - ١
طريقة المسح على الخفين
قلت: رجاله رجال مسلم إلا خالدا، وقد ذكره ابن حبان فى "الثقات"
وقال: يخطئ، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث والرواية، كما فى "تهذيب
التهذيب" (٣: ٨١)، وهذا جرح خفيف، كما يتحصل بما ذكرناه فى باب
صفة غسل رسول الله مرّ اته، فالإسناد محتج به، على أن أبا حاتم قال: يكتب
حديثه، كما فى "الميزان"، وهو عبارة عن القبول، كما فيه أيضا (١: ٢٩٥).
عن النبى ◌ّه مرسلا ليس فيه المغيرة".
ويمكن الجواب عنه بأن الترمذى لعله وقعت له رواية هكذا، بناء على ما فى
"تهذيب التهذيب" (٢٦٦:٣): "قال أحمد بن حنبل: لم يلق رجاء ورادا كاتب المغيرة،
وكذا حكى الترمذى عن البخارى وأبى زرعة"، وهذا القول مستدرك على صاحب
"التهذيب" من الحافظ ولم يظهر لى المانع من لقاء رجاء ورادا، وهما تابعيان من الثالثة،
وقد روى رجاء عن الصحابة ولم يتكلم المتكلمون على هذا الحديث بهذه العلة غير
الترمذى، فإن عبارته المذكورة تدل على ذلك، وقد مر ما فيه، ولم يذكر أبو داود غير
الانقطاع المذكور عنه قريبا فالظاهر أن هذه العلة غير معتبرة.
وفى "التلخيص الحبير" (٥٩:١): "والمحفوظ عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه
كان يمسح أعلى الخف وأسفله، كذا رواه الشافعى والبيهقى".
فائدة:
سند الدارقطنى المذكور: "حدثنا عبد الله إلخ" فعبد الله هذا هو أبو القاسم البغوى
الحافظ الصدوق مسند عصره وقد وثقه الدارقطنى والخطيب وغيرهما، كذا فى "ميزان
الاعتدال" (٧٢:٢)، وداود بن رشيد ثقة من رجال الجماعة غير الترمذى، كما فى
"التقريب" (ص٥٤) ووليد بن مسلم ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية (١) من رجال
الجماعة كذا فى "التقريب" (ص٢٣١).
قلت: قد صرح فى رواية الترمذى بالإخبار فزالت عنه تهمة التدليس، وثور
(١) نوع من التدليس (مؤلف).

٣٤٥
طريقة المسح على الخفين
إعلاء السنن
٣١٧- حدثنا: الحنفى عن أبى عامر الخزاز ثنا الحسن عن المغيرة بن
شعبة قال: ((رأيت رسول الله مرّ اليه بال ثم جاء حتى توضأ ومسح على خفيه،
ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح
أعلاهما مسحة واحدة، حتى أنظر إلى أصابع رسول الله مرّ اتّر على الخفين))،
رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (نصب الراية ١: ٤٩)، قلت: رجاله رجال
الجماعة، والحنفى إما أن يكون عبد الكبير بن عبد المجيد، أو أخاه عبيد الله،
ابن يزيد ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من رجال الجماعة غير مسلم، كما فى "التقريب"
(ص٢٧)، ورجاء بن حيوة ثقة فقيه من رجال الجماعة، كذا فى "التقريب" (ص٥٨)،
ووراد كاتب المغيرة ثقة من رجال الجماعة، كذا فى "التقريب" (ص٢٣٠)، والمغيرة
أخرجوا له، وقال العينى فى "شرح الهداية": فلذلك استدل به جماعة منهم الشافعى
على أن مسح أسفل الخفين مستحب عندهم، قلت: وعن هذا قال صاحب "البدائع"
(وهو الحنفى): "المستحب عندنا الجمع بين ظاهره وباطنه" (٣٥٤:١)، وقد ذكرنا (أى
قول صاحب "البدائع" من قبل زهاء ثلاث صفحات).
قال المؤلف علم من الأحاديث المذكورة طريق المسح على الخفين ووجوب المسح
على أعلى الخف، كما هو الظاهر من حديث على المار عن قريب، واستحباب الجمع
بين أعلاه وبين أسفله، وبهذا الطريق يحصل التطبيق بين الحديثين كما لا يخفى على
المتدبر، وبسنية الجمع بين أعلاه وأسفله قال إمامنا الأعظم والشافعى ومالك قدس الله
تعالى أسرارهم كما نقله صاحب رحمة الأمة فى اختلاف الأئمة، وأطلعت عليه بعد
التطبيق المذكور بين الأحاديث، حيث قال فى باب المسح على الخفين: "والسنة أن
يمسح أعلى الخف وأسفله عند الثلاثة (وهم الذين ذكرتهم. مؤلف) وقال أحمد: السنة
مسح أعلاه فقط، فإن اقتصر على أعلاه أجزأه بالاتفاق، وإن اقتصر على أسفله لم يجزه
بالإجماع" (ص١١)، وقال المؤلف: لكن تكلم بعض المصنفين فى نسبة استحباب
مسح أسفل الخف إلى المذهب كما ذكره الشامى، ويكون على هذا تأويل الحديث
بحمل مسح الأسفل على معناه اللغوى لإزالة الغبار، كما فى تابع الآثار (ص٨٨)، والله
أ
أعلم.

٣٤٦
ج - ١
وكل منهما ثقة من رجال الجماعة، وقال فى "التلخيص الحبير" (١: ٥٩) بعد
نقل هذا الحديث: "ورواه البيهقى من طريق الحسن عن المغيرة بنحوه، وهو
منقطع. قلت: يعنى بين الحسن البصرى وبين المغيرة، وهو غير مضر عندنا،
والبصرى إمام قدوة.
باب المسح على الجرموقین
٣١٨- عن: بلال أن النبى معَّ ه مسح على الموقين(١) والخمار (أى
العمامة) رواه ابن خزيمة فى "صحيحه" (٢) (زيلعى ٩٦:١)، وعنه أيضا:
قال: رأيت رسول الله مَّ يمسح على الموقين والخمار، رواه أحمد والضياء
فى "المختارة" (نيل ١٧٥:١)، قلت: إسناد المختارة صحيح على قاعدة "كنز
العمال" (٣:١).
٣١٩- عن: أبى عبد الله عن أبى عبد الرحمن أنه شهد عبد الرحمن بن
عوف يسأل بلالا عن وضوء النبى معَظ له، فقال: كان يخرج يقضى حاجته
فآتيه بالماء فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه، رواه أبو داود فى "سننه"
وسكت عنه (٥٩:١)، ورواه الحاكم فى "المستدرك" وصححه(٣)، ورواه ابن
خزيمة فى "صحيحه" (زيلعى ١: ٩٦).
باب المسح على الجرموقین
قوله: "عن بلال إلخ": قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة، وقال
العلامة الحلبى فى "الكبيرى": "لا يقال: كيف استدللتم بهذا وأنتم لا تجوزون المسح
على العمامة والخمار؟ لأنا نقول: دلالته على جواز المسح على الجرموق تأيدت بدلالة
أحاديث المسح على الخفين الواصلة إلى حد الشهرة، فثبت بها، وأما دلالته على
الآخرين، فقد عارضت الدليل القطعى من غير وصول إلى حد الشهرة، ولا تأيد به
(١) الجرموق ما يلبس فوق الخف وقاية له، كذا فى غنية المستملى (ص ١٠٩) وقال الجوهرى: الموق الذى يلبس فوق
الخف فارسی معرب، كذا فى الزيلعى (١: ٩٦) فثبت بهذه النقول ترادف الموق والجرموق ( كتبه الشيخ (مؤلف)
(٢) باب الرخصة فى المسح على الموقين ١: ٩٥ رقم ١٨٩.
(٣) قلت: وأقره عليه الذهبى (المستدرك ١: ١٧٠).

٣٤٧
إعلاء السنن
باب المسح على الجوربين
١
٣٢٠- عن عبد الله بن مسعود أنه كان يمسح على الجوربين والنعلين،
رواه الطبرانى فى "الكبير": ورجاله موثقون (مجمع الزوائد ١٥:١).
فلم يثبتا" (ص١٠٩) (١) .
باب المسح على الجوربين (٢)
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة(٣)، وحديث المغيرة هذا رواه ابن
حبان فى "صحيحه"، كما فى الزيلعى (١: ٩٦)، وفى "شرح الهداية" للعينى: مجيبا عن
إيرادات بعض المحدثين على هذا الحديث ما نصه: "قال النسائى فى "سننه الكبرى": لا
نعلم أحدًا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أن النبى معَ لتر مسح
على الخفين، وذكر البيهقى حديث المغيرة هذا وقال: إنه حديث منكر ضعفه سفيان
الثورى وعبد الرحمن بن مهدى وأحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وعلى ابن المدینی
ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، وقال النووى:
كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذى، مع أن الجرح مقدم على التعديل(٤)،
.قال: واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولا يقبل قول الترمذى: إنه حسن صحيح، وذكر
البيهقى فى "سننه": أن أبا محمد يحيى بن منصور قال: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف
(١) وقد مر مبحث المسح على العمامة مبسوطا فى أبواب الوضوء (مسح الرأس).
(٢) الجورب يتخذ من جلد يلبس فى القدم إلى الساق لا على هيئة الخف، بل هو لبس فارسى معرب، جمعه
جوارية، وفى الصحاح: ويقال: جوارب أيضا .
٠
قلت: الجورب هو الذى يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس فى
القدم إلى ما فوق الكعب، كذا قال العينى فى "شرح الهداية" ٣٢٦:١ (مؤلف).
(٣) اتفق الأئمة على جواز المسح على الجوربين المجلدين والمنعلين، وكذلك اتفقوا على عدم جوازه على الرقيقين
يشفان، واختلفوا فى الثخينين: فالجمهور جوزوه، ومنعه أبو حنيفة، وروى عنه الرجوع إلى قول صاحبيه قبيل
وفاته بأيام، وذلك أنه مسح على جوربيه فى مرضه ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به
على رجوعه قال صاحب الهداية: وعليه الفتوى (ملتقط من "معارف السنن" ١: ٣٤٦).
(٤) ليس هذا الأصل متفقا عليه (مؤلف) قلت: راجع لتحقيقه "الرفع والتكميل فى الجرح والتعديل" للإمام عبد
الحى اللكنوى.

٣٤٨
ج - ١
المسح على الجوربين
٣٢١- عن المغيرة بن شعبة قال: ((توضأ النبى معَّ الله ومسح على
الجوربين والنعلين))، رواه الترمذى وقال: "حسن صحيح" (١٥:١).
٣٢٢- أخبرنا الثورى عن منصور عن خالد بن سعد قال: كان أبو
مسعود الأنصارى يمسح على الجوربين له من شعر ونعليه، أخرجه عبد الرزاق
فى "مصنفه" (١)، وسنده صحيح (عون المعبود ٦٢:١).
هذا الحديث وقال: أبو قيس الأودى وهذيل بن شرحبيل لا يحتملان، وخصوصا مع
مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الحديث عن المغيرة فقالوا: "مسح على الخفين"
قلت: قال فى الإمام: أبو قيس الأودى اسمه عبد الرحمن ابن شروان احتج به البخارى
فى "صحيحه" ووثقه ابن معين، وقال الجعفى: ثقة ثبت، وهذيل وثقه العجلى،
وأخرج لهما البخارى فى "صحيحه" ، ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة بل رويا
أمرا زائدا على ما رووه بطريق مستقل غير معارض فيحمل على أنهما حديثان، وصححه
ابن حبان والترمذى، فإذا كان كذلك كيف يقبل قول النووى فى حق الترمذى؟ ولا
يقبل الترمذى فى أنه حسن صحيح؟ فإذا طعن فى الترمذى فى تصحيحه هذا الحديث
فكيف يؤخذ بتصحيحه فى غيره؟ وأما البيهقى فإنه نقل ما قاله واعتمد عليه من غير
روية، لأنه ادعى فى هذا الحديث المخالفة للأئمة الحملة، وقد قلنا إنه ليس فيه مخالفة،
بل أمر زائد مستقل، فلا يكابر فى هذه الأسانيد إلا متعصب اهـ" ملخصا (٣٦٨:١).
قال المؤلف: إن دلالة الأحاديث المذكورة على مسألة الباب ظاهرة، وأما ما ورد
من مسح النعلين فى الأحاديث فتأويله أنه ظلِّ أمر يده على الجورب للمسح قصدا
وعلى النعل تبعا ليحصل كمال المسح، وما كان مسح النعل مقصودا، وهو الظاهر
ولم نقل بمسح النعل لعدم الحاجة إليه ولعدم بلوغه من الشهرة إلى حد يترك له الغسل
الوارد به الكتاب، والحديث لا يأبى ما قلناه، أو يقال: إنه كان فى الوضوء المتطوع به
وهو الأصح عندى لما أخرجه ابن خزيمة فى "صحيحه"، وترجم عليه "باب ذكر الدليل
(١) مصنف عبد الرزاق ١٩٩:١ رقم ٧٧٤، وأخرجه ابن أبى شيبة عن وكيع عن الثورى مختصرا ١: ١٨٨، ١٨٩
والبیہقی عن شعبة عن منصور ١: ٢٨٥.

٣٤٩
إعلاء السنن
باب المسح على العصابة والجبائر
٣٢٣- عن: أبى أمامة عن النبى مرّ لّ أنه لما رماه ابن قمئة يوم أحد
٠٠
على أن مسح النبى مرّ على النعلين كان فى وضوء تطوع لا من حدث" عن سفيان
عن السدى عن عبد خير عن على أنه دعا بكوز من ماء ثم توضأ وضوء خفيفا
ومسح(١) على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله مرّلتر للطاهر ما لم يحدث (زيلعى
ملخصا ٩٩:١)، وروى بطرق ذكرت فى الزيلعى، قال الشيخ: لكن هذا التوجيه يتوقف
على مشروعية الوضوء المختصر فليحقق، كذا قال.
واعلم أن المشهور من قول الإمام رحمة الله عليه أنه لا يقول بمسح الجورب إلا إذا
كان مجلدا أو منعلا، وفى "الهداية": أنه رجع إلى قولهما بجواز المسح عليه إذا كان
ثخينا يمكن قطع المسافة به كالخف فيعطى له حكم الخف. قلت: لأن المسح على
الجوربين ثبت بخبر الواحد وغسل الرجلين قطعى، فلا يكون المسح على الجوربين بدلا
عنه إلا إذا كان الجورب كالخف الثابت مسحه بالتواتر، وبعد ما ثبت رجوعه -و کان
عليه الفتوى- فلا يحتاج إلى تأويل حديث الباب، فنقول بظاهره، ومن لا يعتمد على
نقل رجوعه فهو بمساغ من التأويل فى الحديث بحمل الجورب على ما كان جلد كما
فسر به بعضهم وظاهر أن الجورب فى الحديث مطلق، ولا عموم لحكاية الفعل، فمع
الاحتمال كيف يصح الاستدلال؟ فلا يثبت بالحديث جواز المسح على كل جورب
أصلا فلا يضر الحديث أبا حنيفة رحمه الله، أفاده الشيخ.
١
فائدة:
قد روى الإمام أبو بكر ابن أبى شيبة فى "مصنفه": "هشيم قال: أخبرنا يونس
عن الحسن وشعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن أنهما قالا: يمسح على
الجوربين إذا كانا صفيقين" ورجاله رجال الجماعة.
.... .
باب المسح على العصابة والجبائر
قال المؤلف: دلالة مجموع الأحاديث على مجموع أجزاء الباب ظاهرة، وقال فى
(١) وفى "النسخة المطبوعة": ثم مسح (صحيح ابن خزيمة ١: ١٠٠ باب ١٥٤ حديث ٢٠٠).
" .... ............ ...--
.... ................ ...... ..
...... .
.. ..

٣٥٠
ج - ١
المسح على العصابة والجبائر
رأيت النبى ◌ّ ظّ إذا توضأ حل عن عصابته ومسح عليها بالوضوء، رواه
الطبرانى فى "الكبير"، وفيه حفص بن عمر العدنى وهو ضعيف (مجمع
الزوائد (١٠٨:١).
قلت: هو مختلف فيه، وقال ابن أبى حاتم: أخبرنا أبو عبد الله الطهرانى
ثنا حفص بن عمر العدنى وكان ثقة، كما فى "تهذيب التهذيب" (٤١:١)،
وقد عرفت غير مرة أن الاختلاف غير مضر.
٣٢٤- عن على رضى الله عنه قال: انكسر إحدى زندى، فسألت رسول
مَِّ، فأمرنى أن أمسح على الجبائر، رواه عبد الرزاق(١) وابن السنى وأبو
نعيم معا فى الطب، وسنده حسن، كذا فى "كنز العمال" (١٥١:٥).
٣٢٥- قال المنذرى: وصح عن ابن عمر المسح على العصابة موقوفا
عليه، وساق بسنده أن ابن عمر رضى الله عنه توضأ وكفه معصوبة فمسح
عليها وعلى العصابة وغسل سوى ذلك (فتح القدير ١٣٩:١).
فتح القدير بعد نقل أثر ابن عمر رضى الله عنه: "والموقوف فى هذا كالمرفوع، لأن
الأبدال لا تنصب بالرأى اهـ".
(١) مصنف عبد الرزاق ١: ١٦١ رقم ٦٢٣ باب المسح على العصائب والجروح، وأخرجه أيضا الدارقطنى ٢٢٦:١
و٢٢٧ باب جواز المسح على الجبائر والبيهقى ٢٢٨:١، ولفظ عبد الرزاق "أحد زندى"، ولعله أصح لما فى
المغرب "انكسر إحدى زندى على، صوابه كسر أحد زنديه، لأن الزند مذكر، والزندان عظما الساعد" (من
"البحر الرائق" ١: ١٨٤).
ثم اعلم أى الحديث قد طعن فيه الدارقطنى والبيهقى بعمرو بن خالد وهو ضعيف متروك كما فى ميزان
الاعتدال (٣: ٢٥٧ رقم ٦٣٥٩) وقال النووى: "اتفقوا على ضعفه" كما فى "البحر الرائق" و"فتح القدير"
(١١٠:١) وحسنه المتقى صاحب "الكنز"، فهل وجد سندا ليس فيه عمرو بن خالد، أو لم ير عمروا ضعيفا؟
كلا الأمرين محتمل، والله أعلم.

3
.....
إعلاء السنن
٣٥١
الحيض والنفاس والاستحاضة
باب أقل الحيض وأکثره
٣٢٦- عن عثمان بن أبى العاص رضى الله تعالى عنه: أنه قال:
"الحائض إذا جاوزت عشرة أيام فهى بمنزلة المستحاضة، تغتسل وتصلى"،
رواه الدارقطنى، قال البيهقى بعد نقله هذا الأثر: لا بأس بإسناده (الجوهر
النقى ٨٦:١).
٣٢٧ - أخبرنا محمد بن يوسف قال قال سفيان: بلغنى عن أنس رضى
الله عنه قال: أدنى الجيض ثلثة أيام. رواه الدارمى فى سننه (١). قلت: رجاله
رجال مسلم، وسفيان هو الثورى، وهو من كبار أتباع التابعين وقد أخرجوا له
فى الصحيح، كما فى التقريب (ص٧٤) وقال فى طبقات المدلسين (ص٢):
الثانية من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له فى الصحيح لإمامته وقلة تدليسه
فى جنب ما روى كالثورى إلخ" قلت: فهذا الأثر منقطع والانقطاع غير مضر
عندنا، لا سيما إذا صدر عن الإمام كالثورى، والموقوفات فى مثل هذا مما لا
يدرك بالرأى كالمرفوعات كما عرف فى موضعه.
٣٢٨- عن: سفيان عن الجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة عن أنس
باب أقل الحيض وأكثره(٢).
قال المؤلف: دلالة الأحاديث على الباب ظاهرة، وهذا مبلغنا من العلم.
قوله: "عن سفيان": دلالته على معنى الباب ظاهرة، وقد روى ذلك مرفوعا أيضا
(١) سنن الدارمى ١: ١٧٢ باب أقل الحيض رقم ٨٨ وفيه: "سئل عبد الله الدارمى تأخذ بهذا؟ قال: نعم، إذا كان
عادتها" فهذا يدل على أن الأثر صحيح عند الدارمى.
(٢) اختلف العلماء فى أكثر أيام الحيض وأقلها، وأقل أيام الطهر، فروى عن مالك أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر
يوما، وبه قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام وأما أقل أيام الحيض فلا حد لها عند مالك، بل قد
تكون الدفعة الواحدة عنده أيضا، إلا أنه لا يعتد بها فى الأقراء فى الطلاق، وقال الشافعى: أقله يوم وليلة، وقال
.

٣٥٢
أقل الحيض وأكثره
ج - ١
رضى الله عنه قال: "أدنى الحيض ثلثة وأقصاه عشرة، قال وكيع (فى روايته):
الحيض ثلث إلى عشر، فما زاد فهى مستحاضة". أخرجه الدارقطنى(١) ورجاله
ثقات غير جلد بن أيوب فضعفه الناس وروى عنه الأئمة: سفيان الثورى
والحمادان وجرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفى، وقال أبو عاصم: "لم يكن
بذاك" ولكن أصحابنا أسهلوا فيه، وقال إبراهيم الحربى: غيره أثبت منه، وقال
ولا يصح على طريقة المحدثين، ولكن قال المحقق فى "الفتح": "والمقدرات الشرعية مما
لا تدرك بالرأى، فالموقوف فيها حکمه الرفع، بل تسكن النفس بكثرة ما روی فیه عن
الصحابة والتابعين إلى أن المرفوع مما أجاد فيه ذلك الراوى الضعيف (٢)، وبالجملة فله
أصل فى الشرع بخلاف قولهم: أكثره خمسة عشر يوما، لم نعلم فيه حديثا حسنا ولا
ضعيفا" (١٤٣:١)، وفى "فتح البارى" (٣٦٠:١): "قال الدارمى: أخبرنا يعلى بن عبيد
حدثنا إسماعيل بن أبى خالد عن عامر - هو الشعبى- قال: جاءت امرأة إلى على
تخاصم زوجها طلقها، فقالت: حضت فى شهر ثلاث حيض، فقال على لشريح: اقض
بينها، قال: يا أمير المؤمنين وأنت ههنا؟ قال اقض بينهما، قال: إن جاءت من بطانة
أهلها ممن يرضى دينه وأمانته تزعم أنها حاضت ثلاث حيض تطهر عند كل قرء وتصلى
جاز لها، وإلا فلا؛ قال على: قالون، قال: وقالون بلسان الروم أحسنت. ورجاله
ثقات". وفيه أيضا تحت قول البخارى "ويذكر عن على رضى الله عنه وشريح إن
جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرضى دينه أنها حاضت فى شهر ثلاثا صدقت" ما
نصه: "وإنما لم يجزم به للتردد فى سماع الشعبى من على، ولم يقل إنه سمعه من
أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام وأما أقل الطهر فاضطربت فيه الروايات عن مالك، فروى عنه عشرة أيام روى عنه
ثمانية أيام، وروى خمسة عشر يوما، وإلى هذه الرواية مال البغداديون من أصحابه، وبها قال الشافعى وأبو
حنيفة، وقيل: سبعة عشر يوما، وهو أقصى ما انعقد عليه الإجماع فيما أحسب وأما أكثر الطهر فليس له
عندهم حد (بداية المجتهد ١: ٣٩).
(١) الدارقطنى ١: ٢٠٩ حديث ٢٢ من كتاب الحيض.
(٢) يشير إلى حديث أبى أمامة المرفوع الذى سيأتى فى الباب ويعنى أنه وإن كان ضعيفا من جهة الإسناد، ولكن
هذه الآثار تدل على أنه مما أجاد فيه الراوى الضعيف.

٣٥٣
أقل الحيض وأكثره
إعلاء السنن
أبو حاتم: شيخ أعرابى ضعيف الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به (ملخصا
من اللسان ١٣٣:٢) قلت: وللحديث شواهد بطرق متعددة ذكرها المحقق فى
الفتح (١٤٣:١) ثم قال: "فهذه عدة أحاديث متعددة الطرق، وذلك يرفع
الضعيف إلى الحسن اهـ" قلت: وقد رواه سفيان عن أنس أيضا بلاغا، كما
مر عن الدارمى، وهذا يدل على صحة الأثر عنده عن أنس رضى الله عنه، وإلا
لم يجزم بنسبته إليه.
٣٢٩ - من: أبى أمامة رضى الله عنه عن النبى مرّ الّه قال: "أقل الحيض
ثلاث وأكثره عشر" رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط وفيه عبد الملك الكوفى
عن العلاء بن كثير لا يدرى من هو؟ (مجمع الزوائد ١١٦:١).
شريح، فيكون موصولا" اهـ. قلت: الشعبى قد روى عن شريح القاضى، وقال
الدارقطنى فى العائل: "لم يسمع الشعبى من على إلا حرفا واحدا ما سمع غيره" كأنه
عنى ما أخرجه البخارى فى الرجم عنه عن على حين رجم المرأة، وقال: رجمتها بسنة
النبى معَّ كما فى تهذيب التهذيب (٦٨:٥) والرجل لم يوصف بالتدليس على ما
علمت، فهذا الأثر موصول عندى، إما أن يكون سمعه من على أو شريح القاضى، وهذا
لا ينافى أحاديث الباب، نعم! يرد على الحنفية بأن الطهر عندهم بين الحيضين لا يكون
أقل من خمسة عشر يوما فعلى هذا لا يوجد ثلاث حيض فى شهر ولا دليل على خمسة
عشر يوما إلا ما قال صاحب الهداية: هكذا نقل عن إبراهيم النخعى، وإنه لا يعرف إلا
توقيفا" اهـ. وهو ليس بحجة إن ثبت عنه، فإن قول التابعى لا حجة فيه، فكيف إذا لم
يثبت، فقد قال الزيلعى (١٠٤:١) "غيب جدا" وفى حاشية الهداية (٥٠:١): "ذكر فى
كشف البزدوى أن قول من بعد الصحابة من التابعى وسائر المجتهدين فيما لا يدرك
بالرأى ليس بحجة" اهـ.
فائدة:
فى التلخيص الحبير (٦٠:١) حديث روى أنه مرّ لِّ قال: "تمكث إحداكن شطر
دهرها لا تصلى" لا أصل له بهذا اللفظ، قال الحافظ أبو عبد الله ابن مندة فيما حكاه
ابن دقيق العيد فى الإمام عنه: "ذكر بعضهم هذا الحديث ولا يثبت بوجه من الوجوه

٣٥٤
ج - ١
٣٣٠- حدثنا: أبو حامد محمد بن هارون نا محمد بن أحمد بن أنس
.
الشامى ثنا حماد بن المنهال البصرى عن محمد بن راشد عن مكحول عن
واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله عَ ظله: ((أقل الحيض ثلثة أيام وأكثره
عشرة أيام)) رواه الدارقطنى (١: ١٨١) وقال: "ابن منهال مجهول ومحمد بن
أحمد بن أنس ضعيف".
باب أقل النفاس وأكثره
٣٣١- عن: سلام بن سلام عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله
وقال البيهقى فى المعرفة: هذا الحديث يذكره بعض فقهاءنا، وقد طلبته كثيرا فلم أجده
فى شىء من كتب الحديث، ولم أجد له إسناد إلى آخر ما أطال". وقال صاحب العناية
(١٤٣:١): ليس المراد بالشطر حقيقته (على تقدير ثبوت الحديث) لأن فى عمرها زمان
الصغر ومدة الحبل وزمان اليأس، وهى لا تحيض فى شىء من ذلك الزمان، فعرفنا أن
المراد به ما يقارب الشطر حيضا، وإذا قدرنا بالعشرة بهذه الآثار كان مقاربا للشطر،
وحصل التوفيق اهـ".
باب أقل النفاس وأكثره(١)
قوله: "عن سلام بن سلام إلخ" قلت: قوله ◌ّ له " إلا أن ترى الطهر قبل ذلك
(١) أما أقل النفاس فاتفقوا على أنه لا حد لأقله، وتسامح ابن رشد حيث قال: "فقال أبو حنيفة: هو خمسة
وعشرون يوما، وقال أبو يوسف: أحد عشر يوما" (بداية المجتهد ١: ٤٠) والصحيح فيه ما قال ابن نجيم: "وذكر
شيخ الإسلام فى مبسوطه: اتفق أصحابنا على أن أقل النفاس ما يوجد فإنها كما ولدت إذا رأت الدم ساعة ثم
انقطع الدم عنها فإنها تصوم وتصلى وكان ما رأت نفاسا، لا خلاف فى هذا بين أصحابنا، إنما الخلاف فيما إذا
وجب اعتبار أقل النفاس فى انقضاء العدة، بأن قال لها: إذا ولدت فأنت طالق، فقالت: انقضت عدتى، أىّ
مقدار يعتبر لأقل النفاس مع ثلاث حيض، عند أبى حنيفة يعتبر أقله بخمسة وعشرين يوما وعند أبى يوسف
بأحد عشر وعند محمد بساعة، فأما فى حق الصوم والصلاة فأقله ما يوجد" (البحر الرائق ١: ٢١٩) وأما أكثر
النفاس فقال مالك مرة: هو ستون يوما ثم رجع عن ذلك، فقال: يسأل عن ذلك النساء، وأصحابه ثابتون على
القول الأول وبه قال الشافعى، وأكثر أهل العلم من الصحابة على أن أكثره أربعون يوما وبه قال أبو حنيفة وقد
قيل: تعتبر المرأة فى ذلك أيام أشباهها من النساء فإذا جاوزتها فهى مستحاضة وفرق قوم بين ولادة الذكر
والأنثى ففى الأول ثلاثون وفى الثانى أربعون" (بداية المجتهد ١: ٤١).

٣٥٥
آقل النفاس وأكثره
إعلاء السنن
عرّ ◌ُله: ((وقت النفاس أربعون إلا أن ترى الطهر قبل ذلك)) أخرجه الدارقطنى
(١ : ٨١) وقال: لم يروه عن حميد غير سلام، وهو سلام الطويل وهو ضعيف
الحديث". قلت: قال ابن الجارود حدثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا ابن عيسى ثنا
سلام الطويل، وكان ثقة اهـ من التهذيب (٤: ٢٨٢) فالرجل مختلف فيه، ولما
رواه طرق متعددة من أقوال الصحابة، فلا ينزل حديثه هذا عن الحسن.
٣٣٢- حدثنا: ابن مخلد حدثنا الحسانى ثنا وكيع ثنا أبو بكر الهذلى
عن الحسن عن عثمان بن أبى العاص أنه كان يقول لنسائه: "إذا نفست امرأة
منكن فلا تقربنى أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك". أخرجه الدارقطنى
(١٨١:١) وقال: "وكذلك رواه أشعث بن سوار ويونس بن عبيد وهشام،
واختلف عن هشام ومبارك بن فضالة، رووه عن الحسن عن عثمان بن أبى
العاص موقوفا وكذلك روى عن ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وغيرهم
من قولهم". قلت: رجاله كلهم ثقات إلا أبا بكر الهذلى فتكلموا فيه، وقال أبو
حاتم: لين الحديث يكتب حديثه، وقال البخارى وزكريا الساجى: ليس
بالحافظ عندهم. انتهى ملخصا من التهذيب. ومع ذلك فقد تابعه غيره من
الثقات كما عرفت، فالحديث حسن ورواه الدارقطنى أيضا عن الأشعث عن
الحسن عن عثمان وفيه: "ولا تجاوزن الأربعين" وسنده صحيح.
.
يدل على أن أقل النفاس لا حد له لكونه يعم جميع ما هو قبل الأربعين، سواء كان يوما
أو أقل منه ولو ساعة، قال الترمذى: "وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبى معَ له
والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل
ذلك، فإنها تغتسل وتصلى" (٢٠:١) وقوله مرّة " وقت النفاس أربعون" يدل على أنه لا
نفاس بعد ذلك، كما لا يخفى.
قوله: "حدثنا ابن مخلد إلخ". قلت: دلالة الأثر على معنى الباب ظاهرة بالتقرير
الذى مر ذكره، وقول عثمان بن أبى العاص "فلا تقربنى أربعين يوما" يدل بالمفهوم على
جواز القربان بعد الأربعين، وقد وقع التصريح به فى رواية الأشعث عن الحسن عن

٣٥٦
ج - ١
أقل النفاس وأكثره
٣٣٣- ثنا: بقية بن الوليد أخبرنى الأسود بن ثعلبة عن عبادة بن نسى
عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل عن النبى معَّ الّ قال: ((إذا مضى
للنفساء سبع ثم رأت الطهر فلتغتسل ولتصل)) أخرجه الحاكم فى المستدرك
وقال: "قد استشهد مسلم ببقية بن الوليد، وأما الأسود بن ثعلبة فإنه شامى
معروف والحديث غريب فى الباب". قلت: سكت الحاكم عن رجاله، وكذا
الذهبى(١) فكلهم ثقات، والحديث صحيح مع غرابته.
١
عثمان بن أبى العاص أنه كان يقول لنساءه: "لا تشوفن لى دون الأربعين ولا تجاوزن
الأربعين يعنى فى النفاس". أخرجه الدارقطنى بسند صحيح (٨١:١) وهو مع الحديث
الأول حجة على الشافعى ومالك فى قولهما: إن أكثره ستون يوما كما فى رحمة الأمة
(ص١٣).
قوله: "ثنا بقية بن الوليد إلخ" قلت: فلما جازت لها الصلاة برؤية الطهر قبل
الأربعين جاز للزوج وطئها فى هذا الطهر بالأولى، فإن اشتراط الطهارة للصلاة آكد منه
للوطئ، فهو حجة على أحمد فى قوله ليس له وطيها فى ذلك الطهر حتى تبلغ الأربعين،
كما فى رحمة الأمة (ص١٣) ولا دليل له فى قول عثمان بن أبى العاص "لا تشوفن لى
دون الأربعين" وقد مر آنفا ولا فى قوله "ألم أخبرك أن رسول الله ظهر أمرنا أن نعتزل
النفساء أربعين ليلة" أخرجه الدارقطنى فى سننه (٨١:١) لما مر عنه فى رواية المتن من
قوله "إلا أن ترى الطهر قبل ذلك" وكذلك جاء مرفوعا فى حديث سلام كما عرفت قال
العلامة الشوكانى فى النيل: "والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوماً متعاضدة
بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار، فالمصير إليها متعين، فالواجب على النفساء وقوف
أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك كما دلت على ذلك الأحاديث السابقة"
ے
(١ :٢٧٣) .
(١) المستدرك ١ : ١٧٦ وقت النفاس أربعون يوما.

٣٥٧
آقل النفاس وأكثره
إعلاء السنن
٣٣٤- عن: عرفجة السلمى عن على رضى الله عنه قال: "لا يحل
للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلى". أخرجه الدارقطنى ورجاله ثقات وسنده
مما لا بأس به(١).
٣٣٥- أخبرنا: محمد بن يوسف قال: قال سفيان: "الطهر خمس
عشرة". أخرجه الدارمى (١: ٨٢) ورجاله ثقات، وبه قال عطاء، ولم يقل أحد
من فقهاء السلف بأكثر منه وإن اختلفوا فيما دونه، فكان خمسة عشر طهرا
صحيحا بالإجماع، قاله الحافظ أبو بكر الجصاص فى الأحكام.
قوله: "عن عرفجة إلخ" قلت: الشاهد فيه قوله "إذا رأت الطهر" فإنه يدل
بعبارته على أن أدنى النفاس غير محدود.
قوله: "أخبرنا محمد بن يوسف إلخ" قلت: سفيان وإن كان من أتباع التابعين
وكبارهم وقوله ليس بحجة وكذا عطاء من التابعين الكبار ولا يحتج بأقوالهم عند
البعض، ولكنا ذكرنا تأييدا، فإن المقادير الشرعية مما لا تدرك بالرأى، فلعلهما لم يقولا
بذلك إلا سماعا لا سيما وقد تأيد ذلك بإجماع التابعين على أن أقل الطهر لا يكون
أكثر من ذلك واستدل صاحب البدائع لذلك بما نصه: "ولنا نوع من الاعتبار بأقل مدة
الإقامة، لأن لمدة الطهر شبها بمدة الإقامة، ألا ترى أن المرأة تعود إلى ما سقط عنها
بالحيض، كما أن المسافر بالإقامة يعود إلى ما سقط عنه بالسفر، ثم أقل مدة الإقامة
خمسة عشر يوما (يدل عليه الأثر الذى سنذكره، وهو موقوف فى حكم المرفوع، لأن
المقادير الشرعية لا تدرك بالرأى) كذا أقل الطهر" (٤٠:١).
قلت: وحاصله أن الطهر مثل الإقامة لكون كل واحد منهما أصلا والحيض نظير
السفر لكون كل منهما عارضا مغيرا للأحكام ومسقطا بعضها، فينبغى أن يكون أقل
مدة الطهر نظير أقل مدة الإقامة من حيث أنها تعيد ما كان سقط من الصوم والصلاة،
كما أن أقل مدة الحيض نظير أقل مدة السفر وهو ثلاثة أيام سواء بسواء. وقد مر ما يدل
(١) آخر حديث فى كتاب الحيض، قبيل باب ما يلزم المرأة من الصلاة إذا طهرت من الحيض ١: ٢٢٣.

ج - ١
أقل النفاس واكثره
٣٥٨
على الأول، وقد ثبت بالأخبار أن أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوما، منها ما ذكره
محمد فى الآثار: "أخبرنا أبو حنيفة ثنا موسى بن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال:
إذا كنت مسافرا فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يوما فأتم الصلاة" (زيلعى
... ٠ ٣٠٨:١)، وسنده صحيح، فكذلك أقل مدة الطهر ..
لا يقال: إن هذا إثبات المقدار بالقياس، لأنا نقول: الأخبار الواردة فى مدة الإقامة
واردة ههنا لتساويهما فيما ذكرنا فكان من باب الدلالة دون القياس، ويؤيد هذه الدلالة
ما رواه ابن الجوزى فى العلل المتناهية من حديث أبى داود النخعى حدثنى أبو طوالة عن
أبى سعيد الخدرى عن النبى معَّه قال: ((أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر، وأقل ما بين
الحيضتين خمسة عشر يوما" قال ابن الجوزى: "قال ابن حبان: كان سليمان يضع
الحديث، وهو أبو داود النخعى، وقال أحمد: كان كذابا، وقال البخارى: هو معروف
بالكذب، وقال يزيد بن هارون: لا يحل لأحد أن يروى عنه اهـ (١٠١:١) قلت: لا يلزم
من كون الراوى كاذبا يضع الحديث كون جميع أحاديثه موضوعة قطعا، إذ قد يصدق
الكذوب كما أن الصدوق قد يكذب. قال فى تدريب الراوى (ص٤٨): "وقد منع ابن
الصلاح فيما سيأتى ووافقه عليه المصنف وغيره، أن يجزم بتضعيف الحديث اعتمادا
على ضعف إسناده لاحتمال أن يكون له إسناد صحيح غيره، ولا شك أن الحكم بالوضع
أولى بالمنع قطعا، إلا حيث لا يخفى كالأحاديث الطوال الركيكة التى وضعها القصاص
أو ما فيه مخالفة للعقل أو الإجماع" اهـ ملخصا(١) قلت: وهذه الأمور الثلاثة ههنا،
فليس فى الحديث شىء من الركاكة ولا مخالفة العقل والإجماع، بل قد عرفت أنه
متأيد بدلالة الأخبار الواردة فى أقل مدة الإقامة والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
قال العينى فى شرح البخارى: "وعند جمهور الفقهاء أقل الطهر خمسة عشر يوما
وهو قول أصحابنا وبه قال الثورى والشافعى، وقال ابن المنذر: ذكر أبو ثور أن ذلك لا
يختلفون فيه فيما نعلم، وفى المهذب: لا أعرف فيه خلافا، وقال المحاملى: أقل الطهر
(١) قلت: لم أجد هذه العبارة فى تدريب الراوى فيما قلبت ونظرت! نعم يقاربه ما ذكره فى النوع الثانى والعشرين
بعنوان "فرع"، فليراجع.

٣٥٩
أقل النفاس وأكثره
إعلاء السنن
خمسة عشر يوما بالإجماع. ويحوه فى التهذيب، وقال القاضى أبو الطيب: أجمع الناس
على أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وقال النووى: دعوى الإجماع غير صحيح، لأن
الخلاف فيه مشهور، فإن أحمد وإسحاق أنكرا التحديد، فقال أحمد: الطهربين
الحيضتين على ما يكون وقال إسحاق: توقيفهم الطهر بخمسة عشر غير صحيح" اهـ
(١٤٧:٢). قلت: لعل مدعى الإجماع أراد قول جمهور أهل العلم به، ولا شك فى
صحته، فإن من خالفه لا يتجاوز عدده الإثنين أو الأربعة.
وقال الإمام أبو بكر الرازى الجصاص فى أحكام القرآن له: "وأيضا فإن طريق
إثبات مقدار الطهر التوقيف أو الاتفاق، وقد ثبت باتفاق فقهاء السلف أن خمسة عشر
يوما يكون طهرا صحيحا، واختلفوا فيما دونها، وقفنا عند الاتفاق ولم تثبت ما دونها
طهرا لعدم التوقيف والاتفاق فيه وأما ما حكى عن يحيى ابن أكثم من تقديره الطهر
تسعة عشر يوما فإنه يفسد من وجوه، أحدها أن اتفاق السلف قد سبقه فى كون الطهر
خمسة عشر، فلا يكون خلافا عليهم، ولأن من تقدمه اختلفوا فيه علي ثلاثة أوجه: قال
عطاء: خمسة عشر يوماً، وقال سعيد بن جبير: ثلاثة عشر يوما، وقال مالك فى بعض
الروايات: خمسة عشر، وفى بعضها عشرة، ولم يقل أحد منهم تسعة عشر، ويفسد من
جهة أنه أثبت مقدارا من غير توقيف ولا اتفاق وذلك غير جائز فيما هذا وصفه"
(٣٤٥:١). قلت: فأحمد وإسحاق أيضا محجوجان بإجماع من قبلهما، وهذا مما يدل
على صحة ما رواه أبو داود النخعى أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وعمل جمهور
العلماء بالحديث دليل على قوة أصله كما فى التعقبات على الموضوعات للسيوطى ردا
على ابن الجوزى حيث أورد حديث ابن عباس رضى الله عنه "من جمع بين الصلاتين
من غير عذر فقد أتى بابا من الكبائر" فى الموضوعات وقال: حسين بن قيس يلقب
حنشا كذبه أحمد اهـ فتعقبه السيوطى بأن الحديث أخرجه الترمذى وقال: والعمل على
هذا الحديث عند أهل العلم، فأشار بذلك إلى أن الحديث اعتضد بقول أهل العلم، وقد
صرخ غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به وإن لم يكن له إسناد
يعتمد على مثله اهـ" (ص١٢).
قلت: فكذلك ما رواه أبو داود النخعى فى أقل مدة الطهر، وإن لم يكن إسناده مما

ج - ١
أقل النفاس وأكثره
٣٦٠
يعتمد على مثله، ولكنه تأيد بعمل أهل العلم به وبدلالة الأخبار الواردة فى أقل مدة
الإقامة، وهذا مما يورث الظن بأن له أصلا فى الشرع، لا سيما وقد أورده ابن الجوزى
فى العلل المتناهية دون كتاب الموضوعات، وقد صرح بأنه يورد فى العلل المتناهية ما
هو ضعيف شديد الضعف، دون ما تحقق وضعه كما فى اللآلى المصنوعة (٢: ٢٥١)
والضعيف يحتج به إذا تأيد بقول أهل العلم به، والله تعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم.
وبهذا التقرير ظهر لك أن ما رواه الحافظ فى فتح البارى من حديث الشعبى قال: "جاءت
امرأة إلى على تخاصم زوجها طلقها، فقالت: حضت فى شهر ثلاث حيض، فقال على
لشريح: اقض بينهما فقال: يا أمير المؤمنين! وأنت ههنا؟ قال: اقض بينهما، قال: إن
جاءت من بطانة أهلها ممن يرضى دينه وأمانته تزعم أنها حاضت ثلاث حيض تطهر
عند كل قرء وتصلى جاز لها، وإلا فلا، قال على رضى الله عنه، قالون! و"قالون"
بلسان الروم: أحسنت! ورجاله ثقات (١: ٣٦٠) لا يرد على الحنفية لأن أقل ما تنقضى
به العدة عند الإمام ستون يوما، وقالا: أقلها تسعة وثلاثون، وهذا فى الحرة، ولو كانت
أمة فأقل ما تصدق فيه عند الإمام خمسة وثلاثون على تخريج الحسن، وأربعون يوما
على تخريج محمد وعندهما أقل ما تصدق فيه الأمة أحد وعشرون يوما، كذا فى فتح
القدير ملخصا (٤: ٢٩) فأثر على رضى الله عنه موافق لقول الصاحبين فى الحرة، وذكر
الشهر فيه محمول على إلغاء الكسر، يدل عليه رواية هشيم عن إسماعيل فيها بلفظ
"حاضت فى شهر أو خمسة وثلاثين" كذا فى فتح البارى (١: ٣٦١) وفيه أيضا (١:
٣٦٠): "وروى الدارمى بسند صحيح إلى إبراهيم قال: إذا حاضت المرأة فى شهر أو
أربعين ليلة ثلاث حيض" فذكر نحو أثر شريح. وقولهما هو قول الإمام أيضا، فإنهما لم
يقولا فى الفقه قولا إلا وقد ذهب إليه أبو حنيفة، كما صرح به فى أوائل رد المحتار،
وقوله المشهور محمول على الاحتياط، فلا يرد على الحنفية بالأثر المذكور شىء، والله
تعالى أعلم. ويحمل قول شريح "إن جاءت من بطانة أهلها بينة إلخ" على تعليق الفتوى
بأمر مستحيل عادة، على أن أثر على رضى الله عنه هذا يعارضه الحديث المرفوع إلى
النبى معَِّ، وهو ما روته أم سلمة زوج النبى معٍَّ أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد
رسول الله عّ لّ فاستفتت لها أم سلمة رسول الله عّ لِّ، فقال: "لتنظر عدة الليالي والأيام