النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
إعلاء السنن
باب أن النية ليست واجبة فى الوضوء
٠٠.
٥٠- عن: أنس رضى الله عنه قال: ((خرج عمر رضى الله عنه متقلدا
سيفه، فلقيه رجل من بنى زهرة، فقال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل
محمدا، قال: وكيف تأمن من بنى هاشم وبنى زهرة وقد قتلت محمدا؟ فقال:
ما أراك إلا قد صبوت، قال: أ فلا أدلك على العجب إن ختنك(١) وأختك
صبوا، وتركا دينك. فمشى عمر، فأتاهما وعندهما خباب رضى الله عنه، فلما
سمع بحس عمر رضى الله عنه توارى فى البيت، فدخل فقال: ما هذه
الهينمة (٢)؟ وكانوا يقرؤون طه، قالا: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما
قد صبوتما؟ فقال له ختنه: يا عمر! إن كان الحق فى غير دينك؟ فوثب عليه
عمر فوطئه وطأ شديدا، فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحة بيده،
فدمى وجهها، فقالت - وهى غضباء -: وإن كان الحق فى غير دينك؟ إنى
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسول الله، فقال عمر: أعطونى
الكتاب الذى هو عندكم فأقرأه وكان عمر يقرء الكتاب، فقالت أخته: إنك
رجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام فتوضأ ثم أخذ
باب أن النية ليست واجبة فى الوضوء
قوله: "فاغتسل أو توضأ إلخ قال المؤلف: أما وجه الاستدلال على الرواية الأولى
فنقول: إن نية الكافر لا تعتبر فلا يقال بصحة الوضوء لمس القرآن فى القصة المذكورة إلا
بعدم اشتراط النية وهو مذهبنا، فصح وضوء عمر فى تلك الحالة على مذهبنا، ويلزم على
مذهب من اشترط النية لصحة الوضوء عدم صحته وهو باطل كما ترى، فلم يثبت
اشتراط النية شرعا. والحديث الموقوف فى مثل هذا المقام فى حكم الحديث المرفوع، لأنه
(١) المراد من الختن ههنا: زوج الأخت. (من المؤلف).
(٢) الهينمة: الصوت الخفى (مؤلف).

ج - ١
النية ليست واجبة فى الوضوء
١٠٢
الكتاب، فقرأ طه - الحديث)) رواه ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقى فى
الدلائل، وفى الحديث الآخر الذى أخرجه أبو نعيم فى الدلائل وابن عساكر عن
ابن عباس روى قول عمر بأنه قال: ((فقمت فاغتسلت فأخرجوا إلى صحيفة))
الحديث، هذه الروايات كلها فى تاريخ الخلفاء للإمام العلامة السيوطى رحمة
الله عليه(١) ولم أقف على أسانيدها تفصيلا، وإنما ذكرتها اعتضاداً للطريق
الآتى.
٥١- حدثنا: أحمد بن محمد بن إسماعيل الآدمى، نا محمد بن عبيد الله
مما لا يدرك بالرأى. وأما على الرواية الأخرى فنقول: إن ذلك الغسل ماخلا عن الوضوء
فإن نفس الغسل بغير الوضوء لا يكفى لمس القرآن، فصح الوضوء بغير النية بهذا الوجه
أيضًا، وقال فى البحر: ((إن عدم فرضيتها) لعدم دليل عليه، أما حديث إنما الأعمال
بالنيات، فمن قبيل ظنى الثبوت والدلالة أما ظنية الثبوت فظاهر، وأما ظنية الدلالة
فلأن حقيقة التركيب متروكة قطعا، لأن كثيرا من الأعمال يوجد بلا نية، فصار مجازا
عن حكمه، فالتقدير: حكم الأعمال بالنيات، من إطلاق اسم السبب على المسبب،
ومن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والحكم نوعان مختلفان: الثواب والإثم،
والجواز والفساد، ولما اختلف الحكمان صار الإسم بعد كونه مجازا، مشتركا. ويكفى فى
تصحيحه ما هو المتفق عليه، وهو الحكم الأخروى، ولا دليل على ما اختلف فيه، فلا
يصلح تقديره حجة علينا". اهـ ملخصا (٢٦:١).
وقال صاحب الهداية: "فالنية فى الوضوء سنة عندنا، وعند الشافعى فرض، لأنه
عبادة، فلا يصح بدون النية، كالتيمم. ولنا أنه لا يقع قربة إلا بالنية، لكن يقع مفتاحا
للصلاة لوقوعه طهارة باستعمال المطهر بخلاف التيمم، لأن التراب غير مطهر إلا فى حالة
إرادة الصلاة، أو هو ينبئ عن القصد (٦:١).
قوله: "حدثنا إلخ" قال المؤلف: وفى سنده قاسم بن عثمان، قال فى لسان الميزان
: (١) فصل الأخبار الواردة فى إسلام عمر.

١٠٣
النية ليست واجبة فى الوضوء
إعلاء السنن
المناوى قال: نا إسحاق الأزرق، نا القاسم بن عثمان البصرى عن أنس بن مالك
قال: ((خرج عمر متقلدا السيف فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا فأتاهما
عمر رضى الله عنه وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب، وكانوا يقرؤون
طه، فقال: أعطونى الكتاب الذى عندكم أقرأه وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت
له أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر
رضى الله عنه، فتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ طه)). رواه الدارقطنى(١)، وقد
جوده فى نصب الراية فقال: "أثران جيدان" فساقه وآخر (٢).
قال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا،
٥٢- وعن: أبى هريرة رضى الله عنه فى ماء البحر مرفوعا، قال رسول الله
(٤: ٤٦٣): "قال البخارى: له أحاديث لا يتابع عليها. قلت: حدث عنه إسحاق الأزرق
بمتن محفوظ، وبقصة إسلام عمر رضى الله عنه، وهى منكرة جداً، انتهى(٣). ويقال له:
الرحال بالجاء المهملة وقال العقيلى: لا يتابع على حديثه، وذكره ابن حبان فى الثقات.
وقال الدارقطنى فى السنن: ليس بالقوى (٤)" اهـ.
قلت: وقد عرفت أن الاختلاف غير مضر، وتوثيق ابن حبان لعله حمل الزيلعى
على تجويده. وتقرير دلالته قد مر عن قريب.
قوله تعالى: "وأنزلنا من السماء ماء طهورا إلخ" قلت: قال المفسر النيسا بورى:
هو علم بين الفقهاء فى الاستدلال به على طهارة الماء فى نفسه، وعلى مطهريته لغيره،
حتى فسر الطهور بعضهم - ومنهم أحمد بن يحيى- بأنه الذى يكون طاهرا فى نفسه مطهرا
لغيره، واعترض عليهم صاحب الكشاف بأن الذى قالوه إن كان شرحا لبلاغته فى
الطهارة كان سديدا، وإلا فليس فعول من التفعيل فى شىء، وأقول: إن الزمخشرى سلم
(١) باب نهى المحدث عن مس القرآن، رقم ٧، ١٢٣/١.
(٢) باب الحيض، قبيل الحديث السادس ١٩٩/١ .
(٣) أى كلام الذهبى فى ميزان الاعتدال ٣٧٥/٣، الذى نقله الحافظ فى اللسان وكلام الحافظ مستمر.
(٤) هنا انتهى كلام الحافظ فى لسان الميزان.

ج - ١
النية ليست واجبة فى الوضوء
١٠٤
مَّ الِ: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)) راوه الخمسة، وقال الترمذى: هذا حديث
حسن صحيح (١)". وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما، وابن
الجارود فى المنتقى، والحاكم فى المستدرك، وصححه أيضا ابن المنذر وابن مندة
والبغوى، وقال: هذا حديث صحيح متفق على صحته، وقال ابن الأثير: هذا
حديث صحيح مشهور، أخرجه الأئمة فى كتبهم، واحتجوا به ورجاله ثقات
کذا فی النیل(٢).
أن الطهور فى العربية على وجهين: صفة، كقولك "ماء طهور" أى طاهر واسم غير صفة،
ومعناه ما يتطهر كالوضوء والوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضأ به ويوقد به النار، وعلى
هذا فالنزاع مدفوع، لأن الماء مما يتطهر به، وهو كونه مطهراً لغيره، فكأنه سبحانه قال:
وأنزلنا من السماء ماء هو آلة للطهارة ويلزمها أن يكون طاهرا فى نفسه ومما يؤكد هذا
التفسير أنه تعالى ذكره فى معرض الإنعام، فوجب حمله على الوصف الأكمل، ولا
يخفى أن المطهر أكمل من الطاهر، نظيره " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به (٣)"
(١٩ :١٩).
وقال فى البدائع: "ولنا قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية،
أمر بالغسل والمسح مطلقا عن شرط النية، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل، ولأن الأمر
بالوضوء لحصول الطهارة، لقوله تعالى فى آخر آية الوضوء: ولكن يريد ليطهركم،
وحصول الطهارة لا يقف على النية، بل على استعمال المطهر فى محل قابل الطهارة،
والماء مطهر لما روى عن النبى ◌ّ الّ أنه قال: خلق (٤) الماء طهورا لا ينجسه شىء إلا ما غير
(١) باب فى ماء البحر أنه طهور.
(٢) باب طهورية ماء البحر ١٣/١.
(٣) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، لنظام الدين النيسابورى، فى تفسير سورة الفرقان، والصفحة المحال عليها
فى الكتاب صفحة نسخته المطبوعة بهامش ابن جرير.
(٤) قال الحافظ فى التلخيص: "لم أجده هكذا، وقد تقدم فى حديث أبى سعيد بلفظ: إن الماء طهور لا ينجسه شىء،
وليس فيه خلق الله ولا الاستثناء" اهـ (١: ٤) قلت حديث أبى سعيد حسنه الترمذى، وجوده أبو أسامة
وصححه أحمد بن حنبل وغيره كما فيه.

١٠٥
النية ليست واجبة فى الوضوء
إعلاء السنن
طعمه أو لونه أو ريحه، وقال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾. والطهور اسم
الطاهر فى نفسه والمطهر لغيره، والمحل قابل على ما عرف. وبه تبين أن الطهارة عمل الماء
خلقة، وفعل اللسان فضل فى الباب، حتى لو سال عليه المطر أجزأه عن الوضوء
والغسل فلا يشترط لها النية لأن اشتراطها لاعتبار الفعل الإختيارى، وبه تبين أن اللازم
للوضوء معنى الطهارة ومعنى العبادة فيه من الزوائد، فإن اتصلت به النية يقع عبادة، وإن
لم تتصل به لا يقع عبادة، لكنه يقع وسيلة إلى إقامة الصلاة، لحصول الطهارة، كالسعى
إلى الجمعة" اهـ ملخصا (٢٠:١).
قلت: وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال: الماء يطهر ولا يطهره شىء،
فإن الله تعالى قال: "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" اهـ ملخصا كذا فى الدر المنثور
(٧٣:٥) وهو يؤيد تفسير الطهور بالمطهر، وبه فسره الجلال المحلى فى الجلالين
(ص ٣٠٥)، وفى القاموس: "الطهور المصدر، واسم ما يتطهر به، أو الطاهر المطهر" اهـ
(١ :٢٩٣) .
قلت: لا يستقيم المعنى المصدرى فى الآية، ولا فى الحديث، فهو إما اسم ما يتطهر
به، أو بمعنى الطاهر المطهر، وهما متلازمان كما مر فى كلام النيسابورى. وقال فى مجمع
البحار ناقلا عن النهاية لابن أثير: " والماء الطهور ما يرفع الحدث والنجس، لأنه بناء
مبالغة، والطاهر غير الطهور ما لا يرفع شيئا منهما كالمستعمل ومنه ح البحر هو الطهور
ماءه أى المطهر اهـ" (٣٢٤:٢).
فلما ثبت بنص القرآن والحديث كون الماء مطهرا فى نفسه، ودلت آية الوضوء
على أن الأمر به وبالغسل إنما هو لحصول الطهارة وهى لا تتوقف على النية بل على
استعمال المطهر فى محل قابل له، تبين أن الطهارة فعل الماء خلقة، والنية أمر زائد فى
الباب فيصح الوضوء والغسل بدون النية وهو قول أصحابنا الحنفية.
وتمسكت الشافعية ومن وافقهم بحديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، وقالوا معناه:
إنما صحة العبادات الشرعية بالنية، والوضوء والغسل عبادتان، فلا يصحان بدونها ،
قلنا: تحية المسجد واعتداد المرأة بموت زوجها وإزالة النجاسة عن الثياب وأداء الدين ورد
الودائع والأذان والتلاوة والأذكار وهداية الطريق وإماطة الأذى عبادات كلها تصح بدون

ج - ١
النية ليست واجبة فى الوضوء
١٠٦
النية عندكم، بل ادعى العينى الإجماع فى السبعة الأخيرة، كما فى العمدة (١)، وصرح
الحافظ بعدم اشتراط النية فى الأولين فى الفتح (١٢:١ و١٣). قال: "وقد يحصل غير
المنوى المدرك آخر، كمن دخل المسجد فصلى الفرض أو الراتبة قبل أن يقعد، فإنه
يحصل له تحية المسجد، نواها أو لم ينوها، لأن القصد بالتحية شغل البقعة وقد حصل"
قال: "وخص من عموم الحديث ما يقصد حصوله فى الجملة، فإنه لا يحتاج إلى نية
تخصه كمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة، فإن عدتها تنقضى، لأن
المقصود حصول براءة الرحم، وقد وجدت" اهـ. قلت: وكذلك المقصود من الوضوء
والغسل حصول الطهارة وهى فعل الماء خلقة فتحصل بدون النية، وصرح فى الوجيز
بعدم اشتراط النية فى إزالة النجاسة (٧:١)، مع أنها عبادة، لقوله تعالى: ﴿وثيابك
فطهر﴾ فالحديث عام مخصوص، فلا يزاد به شرط النية على مطلق الكتاب، وراجع
أيضا ما مر عن البحر (٢٦:١) فى أول الباب.
فإن قيل إن حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) فقد تواتر معنى، كما فى فتح البارى،
فلا يصح قول صاحب البحر: "أما ظنية الثبوت فظاهر" اهـ. قلت: منشأ الإشكال عدم
معرفة المتواتر المعنوى، فمعنى كلام البحر أن حديث ((إنما الأعمال بالنيات)» بلفظ يدل
على توقف الأعمال على النية، ظنى الثبوت. ولا شك فى صحة هذا الكلام، فإن توقف
الأعمال على النية إنما يستفاد بسياق هذا الحديث، بلفظ الحصر الوارد فيه مع لام
الاستغراق الداخلة على لفظ "الأعمال". وتواتره المعنوى لا يستلزم تواتر خصوص هذا
المعنى، بل يفيد تواتر القدر المشترك بين معانى أحاديث مختلفة، أعنى كون النية معتبرة
عند الشرع فى الجملة، وهذا لا يجدى شيئا فى باب افتراض النية للوضوء والغسل فإن
اعتبار الشىء فى الجملة لا يستلزم التوقف عليه.
قال فى تدريب الراوى (ص١٩): "الثانى، قد قسم أهل الأصول المتواتر إلى
لفظى وهو ما تواتر لفظه، ومعنوى، وهو أن ينقل جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب
وقائع مختلفة تشترك فى أمر يتواتر ذلك القدر المشترك، كما إذا نقل رجل عن حاتم مثلا
أنه أعطى جملا، وآخر أنه أعطى فرسا، وآخر أنه أعطى دينارا، وهلم جرا، فيتواتر القدر
(١) فى استنباط الأحكام من أول أحاديث البخارى، ١: ٣٧.

١٠٧
النية ليست واجبة فى الوضوء
إعلاء السنن
المشترك بين أخبارهم وهو الإعطاء، لأن وجوده مشترك بين جميع هذه القضايا (١)" اهـ.
وفيه أيضا: "((وما ذكراه) أى الخليلى والحاكم (من أن الشاذ ما تفرد به ثقة، أو ما
ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره) مشكل، فإنه ينتقض - بأفراد العدل الضابط
الحافظ، كحديث إنما الأعمال بالنيات، فإنه حديث فرد تفرد به عمر عن النبى مع له ، ثم
علقمة عنه، ثم محمد بن إبراهيم عن علقمة، ثم عنه یحیی بن سعيد و کحدیث النهى عن
بيع الولاء وهبته وغير ذلك من الأحاديث الأفراد مما أخرج فى الصحيح" إلى أن قال:
"وأورد عليه أن حديث النية لم ينفرد به عمر بل رواه عن النبى معَّ أبو سعيد الخدرى
كما ذكره الدارقطنى وغيره، بل ذكر أبو القاسم ابن مندة أنه رواه سبعة عشر آخر من
الصحابة، (فسرد أسماءهم ثم قال:) وأجيب بأن حديث الأعمال لم يصح له طريق غير
حديث عمر، ولم يرد بلفظ حديث عمر إلا من حديث أبى سعيد وعلى وأنس وأبى هريرة
فأما حديث أبى سعيد فقد صرحوا بتغليط ابن أبى داود الذى رواه عن مالك، وممن وهمه
فيه الدارقطنى وغيره، وحديث على فى أربعين علوية بإسناد من أهل البيت، فيه من لا
يعرف وحديث أنس رواه ابن عساكر فى أول أماليه من رواية يحيى بن سعيد عن محمد
بن إبراهيم عن أنس، وقال: غريب جدا والمحفوظ حديث عمر، وحديث أبى هريرة رواه
الرشيد العطار فى جزء له - بسند ضعيف- وسائر أحاديث الصحابة المذكورين إنما هى فى
مطلق النية، كحديث "يبعثون على نياتهم" وحديث " ليس له من غزاته إلا ما نوى".
وهكذا يفعل الترمذى فى الجامع، حيث يقول: وفى الباب عن فلان وفلان فإنه لا يريد
ذلك الحديث المعين، بل يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب فى الباب". انتهى ملخصاً(٢)
ولعلك قد عرفت بذلك معنى كون الحديث متواترا معنى، وأن المتواتر فى هذا الباب إنما
هو مطلق اعتبار النية شرعا، لا كونها متوقفا عليها لصحة الأعمال.
ولو تأمل أحد فى عبارة الفتح لاتضح له هذا المعنى، قال الحافظ(٣): " وقال أبو
جعفر الطبرى: قد يكون هذا الحديث (أى حديث إنما الأعمال إلخ) على طريقة بعض
(١) تدريب الراوى، قبيل نوع ٣١.
(٢) يعنى كلام السيوطى فى التدريب، وهو فى نوع ١٣.
(٣) يعنى فى فتح البارى تحت حديث "إنما الأعمال إلخ"

ج - ١
النية ليست واجبة فى الوضوء
١٠٨
الناس مردودا، لكونه فردا لا يروى عن عمر إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة، إلا من
رواية محمد بن إبراهيم ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من رواية يحيى بن سعيد وهو كما
قال فإنه إنما اشتهر عن يحيى بن سعيد وتفرد به من فوقه، وبذلك جزم الترمذى والنسائى
والبزار وابن السكن وحمزة بن محمد الكنانى، وأطلق الخطابى نفى الخلاف بين أهل
الحديث فى أنه لا يعرف إلا بهذا الإسناد وهو كما قال، لكن بقيدين: أحدهما الصحة،
لأنه ورد من طرق معلولة، ذكرها الدارقطنى وأبو القاسم ابن مندة وغيرهما وثانيها
السياق لأنه قد ورد فى معناه عدة أحاديث صحت فى مطلق النية كحديث عائشة وأم
سلمة عند مسلم "يبعثون على نياتهم" وحديث ابن عباس "ولكن جهاد ونية" وحديث
أبى موسى: "من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله"، متفق عليهما،
وحديث ابن مسعود: "رب قتيل بين الصفين، الله أعلم. بنيته" أخرجه أحمد وحديث
عبادة: "من غزا وهو لا ينوى إلا عقالا، فله ما نوى" أخرجه النسائى، إلى غير ذلك مما
يتعسر حصره، وعرف بهذا التقرير غلط من زعم أن حديث عمر متواتر إلا إن حمل على
التواتر المعنوى فيحمل" اهـ (٩:٩).
قلت: ولا يخفى أن جميع ما صح عن غير عمر رضى الله عنه فهو إنما يدل على
اعتبار النية فى ثواب الأعمال وكما لها، لا على توقف صحتها عليها، لكونها خالية عن
ألفاظ الحصر والاستغراق ونحوهما، وإلى ذلك أشار الحافظ بقوله: "قد ورد فى معناه
أحاديث صحت فى مطلق النية. وتواتر هذا المعنى لا يضر الحنفية ولا يجدى الخصوم،
بل قد يضرهم، كما هو ظاهر. ومراد صاحب البحر أن حديث "إنما الأعمال إلخ
،،
بالمعنى الذى هو يجدى الخصوم ويضرنا ظاهرا ظنى الثبوت. ولا ريب فى صحة هذه
الدعوى ولا ينافيهما تواتره بغير هذا المعنى، وهو اعتبار مطلق النية شرعا، لأنه لا يصلح
متمسكا لافتراض النية فى الوضوء ونحوه، وتوقف صحته عليها، فافهم.
تنبيه:
٠
ولعلك قد تفطنت بقول الحافظ: "وعرف بهذا التقرير غلط من زعم أن حديث
عمر متواتر إلا أن حمل على التواتر المعنوى فيحمل" أنه لم يدع التواتر المعنوى فى هذا

١٠٩
إعلاء السنن
باب سنية الاستيعاب فى مسح الرأس
وسنية كونه مرة وبيان كيفية المسح
٥٣- حدثنا: سليمان بن حرب، قال حدثنا وهيب قال حدثنا عمرو بن
يحيى عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبى حسن سأل عبد الله بن زيد عن
الحديث جزما، كما يشعر به عبارة بعض الناس، بل إنما أبداه احتمالا لتصحيح قول من
زعم التواتر فيه وتأويله بقدر الإمكان. وشتان بين رأى الرجل أصالة وقوله تأويلا.
باب سنية الاستيعاب فى مسح الرأس وسنية كونه مرة،
وبيان كيفية المسح
قال المؤلف: فى التلخيص الحبير (١: ٣١) ما نصه: "وقال البيهقى روى من أوجه
غريبة عن عثمان رضى الله عنه، وفيها مسح الرأس ثلاثًا إلا أنها مع خلاف الحفاظ
الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة". وفيه أيضا: "وقد قال أبو داود: أحاديث
عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا ، وقالوا
فيها: ومسح رأسه، ولم یذکروا عددا كما ذكروا فى غيره(١)". وفى فتح البارى (٢٥٨:١)
"وذكرنا قول أبى داود أن الروايات الصحيحة عن عثمان ليس فيها عدد لمسح الرأس
وأنه أورد العدد من طريقين، صحح أحدهما غيره (وهو ابن خزيمة كما فى فتح البارى(١)
(٢٢٧:١) والزيادة من الثقة مقبولة، فيحمل قول أبى داود على إرادة استثناء الطريقين
الذين ذكرهما، فكأنه قال: إلا هذين الطريقين(٣))). ودلالة مجموع هذه الأحاديث على
مسائل الباب ظاهرة، مع انضمام حديث عبد الله بن زيد الدال على مواظبة استيعاب
(١) التلخيص الحبير، سنن الوضوء، رقم ٨٥، ٨٥/١ .
(٢) باب الوضوء ثلاثا ثلاثا، حديث عثمان، قبيل قوله "نحو وضوئى هذا" ٢٠٩/١.
(٣) فتح البارى، باب مسح الرأس مرة.

ج - ١
سنية مسح الرأس وكيفيته
١١٠
وضوء النبى معَ ◌ٍّ، فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم، فكفأه على يديه فغسلها
ثلثا، ثم أدخل يده فى الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلثا بثلث غرفات
من ماء، ثم أدخل يده فى الإناء فغسل وجهه ثلاثا ثم أدخل يده فى الإناء فغسل
يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فى الإناء فمسح برأسه فأقبل بيده
وأدبر بها، ثم أدخل يده فى الإناء فغسل رجليه. حدثنا موسی، قال حدثنا
وهيب، وقال: "مسح برأسه مرة" رواه البخارى(١) (٢٣:١).
٥٤- عن: عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: رأيت عليا توضأ فغسل وجهه
ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلثا، ومسح برأسه واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله
مرّ له رواه أبو داوه(٢) وسكت عليه، وفى التلخيص الحبير(٣): "بسند صحيح".
٥٥- عن: ابن عباس رضى الله عنه رآى رسول الله عَ ظٍ يتوضأ - فذكر
الحديث كله ثلثا ثلثا - قال: ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة. رواه (٤) أبو داود
وسكت عليه (١: ١٩)، وفى النيل (١: ١٥٥) بعد عزوه إلى الإمام أحمد وأبى
داود ما نصه: "أعله الدارقطنى، وتعقبه أبو الحسن ابن القطان، فقال: ما أعله
المسح، وقد مر فى باب المضمضة قال صاحب الهداية: "وقال الشافعى: السنة هو
التثليث بمياه مختلفة اعتبارا بالمغسول، ثم قال: والذى يروى من التثليث محمول عليه
بماء واحد وهو مشروع على ما روى عن أبى حنيفة رحمه الله، ولأن المفروض هو المسح،
وبالتكرار (بمياه جديدة) يصير غسلا، فلا يكون مسنونا، فصار كمسح الخف، بخلاف
الغسل، لأنه لا يضره التكرار اهـ (٨:١).
قلت: رواية التثليث ذكرها فى مجمع الزوائد (٩٣:١) عن أبى هريرة رضى الله
عنه. بإسناد رجاله رجال الصحيح، أن رسول الله مرّ ه توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق
(١) فى باب مسح الرأس مرة.
(٢) باب صفة وضوء النبى مّ له، رقم ١٠.
(٣) سنن الوضوء رقم ٧٩، أحاديث المضمضة والاستنشاق ٨٠/١.
(٤) قبيل باب الوضوء ثلاثا ثلاثا.

8
إعلاء السنن
١١١
به ليس علة، وإنه إما صحيح أو حسن (١)".
باب كفاية البلة من فضل غسل اليدين فى مسح الرأس
واستحباب الماء الجديد
٥٦- عن الربيع أن النبى معګ مسح برأسه من فضل ماء كان فى يده رواه
أبو داود(٢) وسكت عنه (١: ١٩).
٥٧- عن: عمران بن حارثه (٣) عن أبيه قال: قال رسول الله مظله ((خذوا
ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل یدیه ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا . رواه
الطبرانى فى الأوسط اهـ. وتحتمل رواية المسح مرتين على ما حملت عليه رواية التثليث،
وهى ما فى المجمع الزوائد(٤) أيضا عن عبد الله بن زيد أن النبى ◌ّ ◌ّ توضأ، فغسل يديه
مرتين، ووجهه ثلاثا، ومسح برأسه مرتين. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (٩٣:١).
باب کفایة البلة من فضل غسل اليدين فى مسح الرأس
واستحباب الماء الجدید
قوله: "عن الربيع" إلخ، قال المؤلف: دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة.
قوله: "عن عمران رضى الله عنه إلخ دلالته على الجزء الثانى من الباب بأن الأمر
(١) أواخر باب هل يسن تكرار مسح الرأس أم لا؟ ١٣٩/١.
قال الهيثمى: قلت رواه ابن ماجة خلا قوله: "ومسح برأسه ثلاثا" (مجمع باب ما جاء فى الوضوء ٢٣٠/١).
(٢) باب صفة وضوء النبى عليه - رقم ٢٥.
(٣) هكذا فى الأصل، ووقع فى نسختنا من مجمع الزوائد ١٩٦٧ م ٢٣٤/١ أواخر باب ما جاء فى الوضوء): "نمران
ابن جارية" وهو الذى ذكره الذهبى فى ميزان الاعتدال فى ترجمة "دهثم بن قران" (٢٩/٢) وعزا حديثه فى
المسح إلى ابن ماجة أيضا.
(٤) باب ما جاء فى الوضوء.

١١٢
ج - ١
للرأس ماءا جديدا)) رواه الطبرانى فى الكبير، وفيه دهيم(١) ابن قران، ضعفه
جماعة، وذكره ابن حبان فى الثقات. (مجمع الزوائد ١: ٩٥). وفى العزيزى
(٢: ٢٢٦) عزاه إلى الطبرانى الكبير من رواية جارية ابن ظفر رضى الله عنه، ثم
قال: "بإسناد حسن".
٥٨- عن: عبد الله بن زيد بن عاصم المأزنى ثم الأنصارى يذكر أنه رآی
رسول الله متر توضأ فمضمض ثم استنه، ثم غسل وجهه ثلثا، ويده اليمنى
ثلاثا والأخرى ثلاثا، ومسح برأسه بماء غير فضل يده، وغسل رجليه حتى
أنقاهما. رواه مسلم (٢) (١ : ١٢٣).
باب عدم وجوب الترتيب فى الوضوء
٥٩- عن: أبى موسى عن عمار فى حديث طويل: ((ثم أتيت النبى معَ لّه
للاستحباب رفعا للتعارض بين الروايات، كذا قاله شيخى سلمه الله القوى.
٦٠٠
قوله: "عن عبد الله إلخ" قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب، من
حيث أن فعله مَّاللّهِ هذا محمول على الاستحباب، ظاهرة.
باب عدم وجوب الترتيب فى الوضوء(٣).
قوله: "عن أبى موسى إلخ" قال المؤلف: قال صاحب البحر الرائق بعد نقله: "ما
(١) كذا فى الأصل، وفى نسختنا من المجمع: "دهثم بن قران" وهو الصحيح كما فى ميزان الاعتدال (٢٩/٢).
(٢) باب آخر فى صفة الوضوء.
(٣) تنقيح المذاهب فى هذا الباب ما ذكره ابن رشد: "فقال قوم: هو سنة، وهو الذى حكاه المتأخرون من أصحاب
مالك عن المذهب، وبه قال أبو حنيفة والثورى وداود، وقال قوم هو فريضة، وبه قال الشافعى وأحمد وأبو
عبيد. وهذا كله فى ترتيب المفروض مع المفروض، وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة فهو عند
=

: ١١٣
عدم وجوب الترتيب فى الوضوء
إعلاء السنن
فذكرت ذلك (أى تمرغى كالدابة) له، فقال: إنما يكفيك أن تصنع هكذا،
فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على
الكفين(١)، ثم مسح وجهه. الحديث رواه أبو داود(٢) وسكت عنه (١: ٥١)
ورجاله رجال الصحيح، إلا محمد بن سليمان الأنبارى وهو صدوق، كما فى
التقريب (١: ٨٤) .
ثبت عدم الترتيب فى التيمم ثبت الوضوء، لأن الخلاف فيهما واحد"، ثم قال: "وأما ما
استدل به فى المعراج وغيره أنه مرّ الفر نسى مسح رأسه ثم تذكر، فمسحها ولم يعد غسل
رجليه، فقد قال النووى: إنه ضعيف لا يعرف، والحاصل أنه لا حاجة إلى إقامة الدليل
على عدم الافتراض، لأنه الأصل، ومدعيه مطالب به، وأما ما استدل به الزيلعى رحمه الله
عن الشافعى من حديث: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل
يديه ثم يغسل ذراعيه" فقد اعترف النووى رحمة الله عليه بضعفه، فلا حاجة إلى
الاشتغال بجوابه". وقال قبل ذلك: "أما ما استدل به النووى بأن الله تعالى ذكر ممسوحا
بين مغسولات، والأصل جمع المتجانسة على نسق واحد ثم عطف غيرها، ولا يخرج
عن ذلك إلا لفائدة، وهى هنا وجوب الترتيب، فقد أجيب عنه بأن الفائدة التنبيه على
وجوب الاقتصار فى صب الماء على الأرجل لما أنها مظنة الإسراف كما فى الكشاف
وغيره" (٢٨:١)
وقال المؤلف: قال صاحب الجوهر النقى: "احتج الشافعى بظاهر الكتاب، ثم
بحديث عبد الله بن زيد فى صفة الوضوء، قلت: المذكور فى الكتاب بالواو، وهى لا
تقتضى الترتيب. ثم فعله فى حديث ابن زيد لا يدل على الوجوب، وقد اتفق الشافعى
وخصومه على أنه لو بدأ من المرفق إلى رؤوس الأصابع جاز، فلما لم يحب الترتيب هنا
- مالك مستحب، وقال أبو حنيفة: هو سنة" (بداية المجتهد، مسئلة ١١ من شروط الطهارة ١٣/١).
(١) قال شيخى: "المراد به إما الذراعان إطلاقا للجزء على الكل أو يقال إنه اكتفى فى التعليم على الكفين (من
المؤلف) .
(٢) فی باب التيمم حديثه.

ج - ١
عدم وجوب الترتيب فى الوضوء
١١٤
٦٠- عن: عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن رجلا جاء إلى النبى
مع أن الظاهر من قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾(١) يقتضيه، فما لم يقتضه اللفظ،
وهو ترتيب الأعضاء أولى أن لا يجب" ثم قال: " وفى حديث أبى داود - وسكت عليه
والنسائى على أنها لا تقتضى، وهو ما أخرجاه عن حذيفة أنه عليه السلام قال: ((لا
تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ماشاء الله ثم شاء فلان)) فلو كانت الواو
للترتيب لساوت "ثم"، ولما فرق عليه السلام بينهما" انتهى (٢) (٢١:١ و٢٢).
وأما ما فى حديث عثمان رضى الله عنه فى أول باب صفة الوضوء من حرف "ثم"
الدالة على الترتيب، فقال فى النيل مجيبا عن الاستدلال بها على الترتيب (١٣٧:١):
" وقد استدل بما وقع فى حديث الباب من الترتيب بثم على وجوب الترتيب بين أعضاء
الوضوء.
وقال ابن مسعود رضى الله عنه ومكحول ومالك وأبو حنيفة وداود والمزنى والثورى
والبصرى وابن المسيب وعطاء والزهرى والنخعى أنه غير واجب، ولا ينتهض الترتيب
بثم فى حديث الباب على الوجوب، لأنه من لفظ الراوى وغايته أنه وقع من النبى مد لّه
على تلك الصفة، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب (٣)" وقال العلامة العينى: "قال
إمام الحرمين (الشافعى): تكلفت أصحابنا فى نقل أن الواو للترتيب، واستشهدوا بأمثلة
فاسدة، والحال أنها لا تقتضى ترتيبا، ومن ادعاه فهو مكابر، وقال النووى: هو الصواب"
(١١٢:١).
قوله: "عن عبد الله إلخ قال المؤلف: قوله فى الحديث "يخطئ بعض جسده الماء"
عام شامل لكل عضو من أعضاء الغسل، والغسل لا يخلو عن الوضوء، وذلك العضو قد
یکون غسل بقیته مفوتا للترتیب، فثبت أن الترتیب غیر واجب.
(١) فى فتح القدير: "ومن السنن البداءة من رؤوس الأصابع فى اليدين والرجلين ووجهه على ما عن بعض المشايخ
أنه تعالى جعل المرافق والكعبين غاية الغسل، فتكون منتهى الفعل" ص٣١ ج١ (من المؤلف).
(٢) أى كلام الماردينى فى الجوهر النقى، باب الترتيب فى الوضوء ٨٤/١ و٨٦ بهامش البيهقى.
(٣) نيل الأوطار، باب المضمضة والاستنشاق ١٢٣/١ .

١١٥
عدم وجوب الترتيب فى الوضوء
إعلاء السنن
مّ القوى، فسأله عن الرجل يغتسل من الجنابة فيخطئ بعض جسده الماء، فقال
رسول الله مَ له: يغسل ذلك المكان، ثم يصلى رواه الطبرانى فى الكبير، ورجاله
موثقون (مجمع الزوائد (١١٣:١١).
٦١- عن: عوف عن عبد الله بن عمرو بن هند قال قال على رضى الله
عنه: "ما أبالى إذا أتمممت وضوئى بأى أعضائى بدأت". رواه الدارقطنى (١:
٣٣) والبيهقى فى سننهما، وسكتا(٢) عنه. وأعله فى التعليق المغنى بعبد الله بن
عمرو بن هند، ونقل عن الميزان أنه هو المخزومى، روى عن على فقط، وعنه
عوف، قال الدارقطنى: ليس بالقوى. اهـ قلت إنما هو المرادى الجملى الكوفى،
صرح به فى اللسان (١: ٥٨٨) حسن له الترمذى، وأخرج له ابن خزيمة فى
صحيحه، والحاكم. كذا فى التهذيب (١: ٢٤١) فهو حسن الحديث، وبقية
رجاله ثقات. نعم! فيه انقطاع، فإن عبد الله بن عمرو لم يسمع من على، وهو
لیس بعلة عندنا .
قال المؤلف: هذا كله كان كلاما على عدم وجوب الترتيب، وأما كون الترتيب
سنة فلموا ظبته مَ له، وفى السعاية: " ومنها تقديم المضمضة على الاستنشاق، عده
صاحب البحر من السنن، وأيده بالإجماع، ووجهه أن ظاهر الأخبار عن النبى مد ظله
وأصحابه رضى الله عنهم هو هذا، ولم يحك أحد تقديم الاستنشاق على المضمضة
(١٢٢:١ علوى). وأما ما نقله الزيلعى فى تخريج الهداية (٢٠:١) مستدلا على عدم
وجوب الترتيب عن بسر بن سعيد قال: أتى عثمان المقاعد(٣) فدعا بوضوء، فمضمض
واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا، ثلاثا ورجليه ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه
ثم قال: رأيت رسول الله ◌َ طِّ هكذا يتوضأ، يا هؤلاء أ كذلك؟ قالوا نعم! لنفر من
أصحاب رسول الله ◌ّ للر عنده رواه الدارقطنى، فلا يصلح للاحتجاج، فإن الدارقطنى
(١) باب فیمن ینسی بعض جسده ولم يغسله ٢٧٣/١.
(٢) الدارقطنى، باب ما روى فى جواز تقديم غسل اليد اليسرى على اليمنى، حديث٤ ٨٩/١ والبيهقى، باب
الرخصة فى البداءة باليسار ٨٧/١.
(٣) المقاعد بالمدينة حيث يصلى على الجنائز عند المسجد (الدارقطنى، دليل تثليث المسح حديثه، ٩٢/١).

ج -١
عدم وجوب الترتيب فى الوضوء
١١٦
قال بعد تخريجه "صحيح، إلا التأخير فى الرأس، فإنه غير محفوظ (١)" إلى آخر الكلام
الطويل.
فائده: عن المقدام بن معديكرب قال: أتى رسول الله مّ ◌ِّ بوضوء، فتوضأ فغسل
کفیه ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم مضمض واستنشق ثلاثا
ثلاثا ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواه أبو داود وأحمد وزاد: "وغسل رجليه
ثلاثا ثلاثا" وإسناده صالح وقد أخرجه الضياء فى المختارة، وهو يدل على عدم وجوب
الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين كذا فى نيل الأوطار (٢)
(١٣٩:١) .
وقال الدارقطنى (٣٥:١): "حدثنا إبراهيم بن حماد، ثنا العباس ابن يزيد، نا
سفين بن عيينه، حدثنى عبد الله بن محمد بن عقيل أن على بن الحسين أرسله إلى
الربيع رضى الله عنها بنت معوذ، يسألها عن وضوء رسول الله ◌ِّ فقالت: إنه كان
يأتيهن، وكانت تخرج له الوضوء، قال: فأتيتها فأخرجت إلى إناء فقالت: فى هذا كنت
أخرج الوضوء لرسول الله مرّ اتير، فيبدء فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلاثا ثم يتوضأ،
فيغسل وجهه ثلاثا، ثم يمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا، ثم يغسل يديه ثم يمسح برأسه
مقبلا ومدبرا، ثم يغسل رجليه، قالت: وقد أتانى ابن عم لك - تعنى ابن عباس -
فأخبرته فقال: ما أجد فى الكتاب إلا غسلتين ومسحتين، الحديث (٢)". قلت: ورجال
سنده محتج بهم، فإبراهيم هذا، قال الدارقطنى: ثقة، (٢٢٩:١) وعباس بن يزيد وثقوه
إلا أن بعضهم قد تكلم فيه، كما يتحصل من تهذيب التهذيب (١٣٤:٥) ولا يضر ذلك
الكلام، وسفين إمام حجة من رجال الجماعة، وابن عقيل مختلف فيه، وفى الميزان:
قلت: حديثه فى مرتبة الحسن اهـ (٦٨:٢). وفى مجمع الزوائد (١: ١٠٦): قال الترمذى:
"صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل
يعنى البخارى يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدى يحتجون
(١) حديث ١٠ من باب ما روى فى الحث على المضمضة والاستنشاق والبداءة بهما أول الوضوء ٨٥/١.
(٢) باب ما جاء فى جواز تأخيرهما (أى المضمضة والاستنشاق) على غسل الوجه واليدين ١٢٥/١ .
(٣) الدارقطنى، باب وجوب غسل القدمين والعقبين ٩٦/١.

١١٧
إعلاء السنن
باب استحباب التیامن
٦٢- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: كان النبى معَ اله يعجبه التيمن
بحديث ابن عقيل (١)" اهـ وعلى ابن حسين زين العابدين رحمة الله عليه ثقة ثبت عابد
فقيه فاضل مشهور من رجال الجماعة، كما فى التقريب (ص١٤٨) وهذا الحديث يدل
على عدم وجوب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبين غسل الوجه.
ولكن يعكر عليه أن هذا الحديث أخرجه أبو داود(٢) بطريق بشر بن المفضل عن
عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع، وسكت عنه بلفظ: "فغسل كفيه ثلاثا، ووضأ
وجهه ثلاثا، ومضمض واستنشق مرة" (١٩:١) بدون لفظة "ثم" الدالة على تأخير
المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه وأخرجه فى كنز العمال (١٠٣:٥) عن عبد الله
ابن محمد بن عقيل، وقال: دخلت على الربيع بنت معوذ بن عفراء فذكر الحديث بطوله،
وفيه: "فكان يبدأ بغسل يديه قبل أن يدخلهما، ويمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا، ثم
يغسل وجهه ثلاثا إلخ" وعزاه إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبى شيبة وغيرهم،
وفيه تقديم المضمضة والاستنشاق وتأخير غسل الوجه عنهما بلفظة "ثم" عكس ما فى
رواية الدارقطنى، فالظاهر أن الحديث هذا، وهو موافق لما رواه البدريون عثمان وعلى
رضى الله عنهما وغيرهما وما فى رواية الدارقطنى من المخالفة منشأها تصرف الرواة فى
حكاية المعنى، ويحمل لفظ "ثم" الواقعة فيها على التراخى الرتبى لا للتراخى فى
الوقت، فإن الحديث واحد مع اتحاد المخرج، فلا يمكن حمله على تعدد الواقعة، والله أعلم.
باب استحباب التيامن
قوله: "يعجبه" قال فى البحر: والمحبوبية لا تستلزم المواظبة لأن جميع المستحبات
١
(١) الترمذى، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، وزاد: "قال محمد (يعنى البخارى): هو مقارب الحديث".
(٢) باب صفة وضوء النبى مٍَّ، حديث ٢١.
٩

١١٨
ج - ١
استحباب التيامن فى الوضوء
فى تنعله وترجله وطهوره، فى شأنه كله رواه البخارى(١) (١: ٢٩).
٦٣- عن: أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله مَ له: إذا
توضأتم فابدءوا بميامنكم. أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة (بلوغ المرام
ص ٩).
محبوبة له، ومعلوم أنه لم يواظب على كلها، وإلا لم تكن مستحبة بل مسنونة، لكن
أخرج أبو داود وابن ماجة عنه مرّظ له: "إذا توضأتم فابدأوا(٢) بميامنكم" وغير واحد ممن
حكى وضوءه مَ لّمِ صرحوا بتقديم اليمنى على اليسرى، وذلك يفيد المواظبة لأنهم إنما
يحكون وضوءه الذى هو عادته فيكون سنة، وبمثله تثبت سنية الاستيعاب (فى المسح)
لأنهم كذلك حكوا المسح، كذا فى فتح القدير. لكن المواظبة لا تفيد السنية إلا إذا
كانت على سبيل العبادة وأما إذا كانت على سبيل العادة، فتفيد الاستحباب والندب،
لا السنية، كلبس الثوب والأكل باليمين. ومواظبة النبى مرّ له على التيامن كانت من
قبيل الثانى، فلا تفيد السنية. كذا فى شرح الوقاية(٣) (٢٩:١). قال المؤلف: أما قوله
" كانت من قبيل الثانى" فقرينته اقتران الطهور بالتنعل والترجل، وفى سنن الدارقطنى
(٣٣:١) (٤) عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنه سئل عن رجل توضأ فبدأ بمياسره،
فقال: لا بأس، صحيح اهـ".
(١) باب التيمن فى الوضوء والغسل.
(٢) أى فى الأيدي والأرجل، قاله السعدى فى حاشية العناية ٣١/١ (من المؤلف).
(٣) هنا انتهى كلام البحر تحت قول الكنز: "ومستحبه التيامن".
(٤) باب ما روى فى جواز تقديم غسل اليد اليسرى على اليمنى ٨٩/١ رقم ٨.

١١٩
إعلاء السنن
باب عدم وجوب الولاء
٦٤- عن: نافع أن عبد الله بن عمر بال فى السوق، ثم توضأ وغسل
وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دعى لجنازة ليصلى عليها حين دخل المسجد،
فمسح على خفيه ثم صلى عليها، رواه مالك(١) فى الموطأ (ص ١: ١٢ مجتبائى)
وإسناده صحيح جليل.
باب عدم وجوب الولاء
قوله: "فمسح إلخ" وفى البحر "قال النووى فى شرح المهذب: وهو أثر صحيح
والاستدلال به حسن فإن ابن عمر فعله بحضرة حاضرى الجنازة، ولم ينكر عليه".
(٢٩:١). وعده شارح الوقاية من السنن. قال المؤلف: ويمكن إثبات المواظية على الولاء
ليثبت له السنية، بأن السكوت فى معرض البيان بيان، فلو كان ترك الولاء كثيرة لنقل لا
محالة، لأن الوضوء كثير وقوعه، فمستبعد فى العادة أن الفعل الذى يكون خلاف
الأصل يقع كثيرا ولا ينقل، بخلاف الولاء لأنه هو الأصل بمقتضى العادة، فلا يحتاج
إلى نقله صريحا، كذا قاله شيخى. وأما ما فى المنتقى (ص١٦٩) عن خالد ابن معدان عن
بعض أزواج النبى معَّ أن رسول الله مرٍّ رأى رجلا يصلى فى ظهر قدمه لمعة قدر
الدرهم، لم يصبها الماء فأمره رسول الله مَظله أن يعيد الوضوء رواه أحمد وأبو داود - وزاد:
والصلاة - قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناده جيد؟ قال جيد اهـ: وهو يدل على
وجوب الموالاة، فإن الأصل فى لفظ الأمر الوجوب، ولا تعارض بين المرفوع والموقوف".
فالجواب عنه بأنه محمول على الاستحباب، لأن فى حديث آخر ما يدل على عدم
الوجوب، وهو ما فى صحيح مسلم (١٢٥:١) عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن
رجلا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبى معَّه، فقال: ارجع فأحسن
(١) ما جاء فى المسح على الخفين.

١٢٠
ج - ١
باب استحباب مسح الرقبة
٦٥- عن: فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أن النبى ◌ّ التر قال:
((من توضأ ومسح بيديه على عنقه وقى الغل يوم القيامة)) رواه أبو الحسن ابن
فارس بإسناده، وقال: هذا إن شاء الله حديث صحيح. التلخيص الحبير(١)
(ص١ : ٣٤).
٦٦- عن: ابن عمر أن النبى معَّ لِّ قال: ((من توضأ ومسح على عنقه
وقى الغل يوم القيامة)). رواه أبو منصور الديلمى فى مسند الفردوس بسند
ضعيف (شرح إحياء العلوم ٢: ٣٦٥) للعلامة الزبيدى(٢).
وضوءك، فرجع ثم صلى (١)" لأنه أمره فيه بالإحسان لا بالإعادة، والإحسان يحصل
بمجرد إسباغ غسل ذلك العضو، فلا بد من التطبيق بينهما، فنقول: إن الأمر بالإعادة
محمول على الاستحباب والأمر بالإحسان محمول على الإيجاب، وأثر المتن مويد لما
ثبت من الأحاديث من عدم وجوب الموالاة.
باب استحباب مسح الرقبة
قال المؤلف: دلت هذه الأحاديث على استحباب مسح الرقبة ولا يمكن القول
بسنيته لعدم نقل المواظبة، وفى الدر المختار (١٢٩:١): " ومستحبه - إلى أن قال - ومسح
الرقبة بظهر يديه لا الحلقوم، لأنه بدعة". وفى رد المحتار: "قوله لأنه بدعة، إذ لم يرد فى
السنة" اهـ.
(١) سنن الوضوء ٩٣/١ رقم ٩٨. وقال الحافظ: بين ابن فارس وفليح مفازة، فينظر فيها.
(٢) كيفية الوضوء.
(٣) باب . -. - استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة.