النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
ج - ١
ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى
التهانوى ومواعظه بدلائلها من الكتاب والسنة، وشواهدها من سير الصحابة والأولياء،
وحججها من العقل السليم والتجارب النفسية، ودفع ما يثار حولها من شبهات وتطبيق
أعمال الصوفية الكبار على الكتاب والسنة بما يطمئن القلوب ويثلج الصدور، ولا يدع
مجالا للإنكار إلا لمكابر جاهل أو معاند متجاهل.
وأما عمليا فرد الشيخ على هاتين الفكرتين بعمله الموافق للسنة المحمدية وتربية
مسترشديه على منهاج الشريعة، فكان كلما رجع إله أحد للبيعة أمره أو لا بأداء واجبه فى
الشريعة، سواء كان من حقوق الله أو حقوق العباد، وكانت عنايته بحقوق العباد آكد
وأكثر، لما شاهد حال كثير من الناس أنهم يواظبون على العبادات ويكثرون من ذكر الله،
ولكنهم يقصرون فى حقوق العباد، ويخالفون الشرع فى كثير من المعاملات. وكذلك
كان اهتمامه بتعليم آداب المعاشرة أكثر من اهتمامه بتعليم الأوراد والأذكار وسائر
التطوعات، وكان يقول: "إنى أصرف أكثر عنايتى إلى أن لا يؤذى أحد منى أو من
أصحابى، سواء كان ذلك الإيذاء بدنيا، كالضرب والنزاع، أو ماليا كغصب الحقوق
والأكل بالباطل، أو ما يتعلق بعرضه كإهانة رجل واغتيابه، أو نفسيا، مثل أن يترك أحد
غيره فى اضطراب وتشويش أو يعامله بما يكرهه. وإن صدر شىء من ذلك خطأ فالواجب
أن يبادر إلى طلب العفو والصفح.
وإنى أهتم بهذه الأشياء أكثر من اهتمامى بغيرها، حتى لو رأيت أحدا يخالف
الشريعة فى وضعه الظاهر فإن ذلك يحدث فى نفسى نوعا من الألم، وأما إذا رأيت أحدا
لا يبالى بأداء هذه الحقوق فإنه يحزننى حزنا شديدا، وأدعو الله تعالى له بأن ينجيه من
هذه الموبقات.
(مترجم من "أشرف السوانح" ٢: ١٧٩)
ويقول فى موضع آخر: "إن رأس الخلق الحسن وأساسه أن يهتم الرجل بأن لا
يتأذى به أحد، وهو الذى علمه النبى مّ له بقوله الجامع: "المسلم من سلم المسلمون من
لسانه ويده" ، وكل ما كان سببا لإيذاء أحد فهو داخل فى سوء الخلق، سواء كان صورته
صورة خدمة أو أدب وتعظيم مما يزعمه الناس حسن خلق، لأن حقيقة الخلق الحسن هى
إراحة الغير، وهى مقدمة على الخدمة، فالخدمة بغير الإراحة قشر بلا لب. وإن آداب

٢٢
ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى
إعلاء السنن
المعاشرة ولو كانت متأخرة عن العقائد والعبادات من حيث كونها شعائر للدين، ولكنها
مقدمة على العقائد والعبادات من حيثية أخرى، وهى أن فى الإخلال بالعقائد والعبادات
ضررا لنفس الإنسان، وفى الإخلال بآداب المعاشرة ضررا لغيره، وإضرار الرجل غيره أشد
من إضراره نفسه، ومن ثم قدم الله تعالى قوله : - ﴿ الذين يمشون على الأرض هونا وإذا
خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ الذى فيه تعليم آداب المعاشرة على قوله ﴿ والذين يبيتون
لربهم سجدا وقياما) الذى فيه تعليم العبادات وغيرها، فالمعاشرة الحسنة مقدمة على
الفرائض من بعض الوجوه، وأما تقدمها على النوافل فثابت بجميع الوجوه.
(مترجم من "آداب المعاشرة")
ولم تكن عند الشيخ التهانوى رحمه الله نظريات محضة وأفكار خاوية، وإنما
كانت هذه النظريات متجلية فى أعماله وحياته، بل وفى حياة مسترشدیه.
فكان "الخانقاه الإمدادى" دار تربية فريدة فى منهجها فى العالم، تهذب فيها
الأخلاق، وتثقف فيها الأفكار. وتعلم فيها آداب الحياة الفردية والإجتماعية، يجتمع فيها
المسلمون من أنحاء الهند وجوانبها، فيهم العلماء والمشايخ الكبار، وفيهم الأطباء
والمهندسون، وفيهم الموظفون والمدرسون، وفيهم أصحاب الزراعة والصناعة، وفيهم
رجال من جميع مجالات الحياة، يأتون إليه ويسكنون عنده فترات طويلة، وربما تكون
معهم الزوجات والأولاد، فيشرف الشيخ على أحوالهم، ويعلمهم الدين، ويدريهم على
الأخلاق الإسلامية، ويصف لهم طريق الحصول عليها ويمرنهم على آداب المعاشرة ويشرح
لهم دقائقها، ويلفت أنظارهم إلى أمراضهم النفسية، ويبين لهم طريق التخلص منها .
وكان لهذا الخانقاه نظام محكم فى كل شىء، لا يستطيع أحد أن يخالفه، وكان
هذا النظام نفسه مثالا حيا لآداب المعاشرة الإسلامية يحض المرء على أن ينظم حياته
ويضبط أوقاته ويعنى بأداء الحقوق والاحتراز عن إيذاء الآخرين.
حتى صارت هذه الزاوية مصنعا كبيرا يصنع فيه الرجال، وتصاغ فيه الأخلاق
الحسنة والآداب الصالحة، ولو شرحنا هذه الأخلاق والآداب التى كان يلتزمها الشيخ
ويدرب عليها غيره لطال بنا الكلام. ولكننا نود أن نورد للقارئ الكريم بعض الأمثلة من
سيرته وعادته، حتى يتضح هذا الموضوع بعض الاتضاح :-

٢٣
ج - ١
ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى
١- كان رحمه الله كلما احتاج إلى أن يكلم أحدا، أو يأمره بأمر، لم يطلبه إلى
نفسه أبدا، بل مشى إليه بنفسه، سواء كان تلميذه أو مسترشده أو من صغار أقاربه، وكان
يقول: "الواجب أن يذهب المحتاج إلى المحتاج إليه، ولا يعكس الأمر" وكان طبيب من
الاطباء الحكيم محمد هاشم من أصحابه وخلص مسترشدیه، یتردد إلیه کثیرا، ولكن
الشيخ كلما احتاج إلى أن يصف له بعض أحوال مرضه ذهب إليه بنفسه ما لم يتعذر
ذلك لمرضه. (أشرف السوانح ٢: ٤٣)
٢- كان لا يأمر خادما من خدامه بأمرين معا. وإنما كان يأمره بأمر، ثم يأمره بآخر بعد
فراغه من الأول، وكان يقول: "إنى أفعل ذلك لئلا يثقل على الخادم حفظ الأمر الثانى،
فأحتمل مشقة الحفظ بنفسى، ولا أكلف بها الخادم" (أيضًا).
٣- كان لا يشفع لأحد إلا بحق، ولو علم أو ظن أن ذلك يثقل على المشفوع إليه
لم يفعله أبدا، وكان يقول: "إن الناس عامة يراعون فى أمر الشفاعة جانب المشفوع له،
ولا يراعون جانب المشفوع إليه مع أن إعانة رجل أمر مستحب والاحتراز عن الإيذاء
واجب، فكيف يجوز ترك واجب لحصول مستحب؟". (سيرة أشرف ص ٢٨٠)
٤- كان لا يلح على ضيف من الضيوف بالإكثار من إقامته عنده بغير رضاء
سواء كان الضيف من أحب الناس إليه وإقامته من أحب ما يهواه. وكذلك لم يكن بجبر
الضيف على الإكثار من الطعام بخلاف رغبته، لئلا يثقل عليه ذلك.
٢- كلما كتب إلى أحد رسالة وفيها استفسار من المكتوب إليه، وضع فيه لفافة
معنونة مع طوابع البريد للجواب سواء كان المكتوب إليه من تلامذته أو صغار أقرباءه.
وهكذا كان يراعى رحمه الله دقائق الأمور فى آداب المعاشرة، وله فيها تأليف
مستقل، وكانت حياته وحياة مسترشديه ونظامه فى الخانقاه الإمدادى تفسيرا عمليا لهذه
الآداب الإسلامية، حتى كان الناس يعرفون أصحابه برعاية هذه الدقائق فى الأخلاق
والمعاملات والمعاشرة.
وهكذا عاش رحمه الله تعالى ثمانى وأربعين سنة فى: "الخانقاه الإمدادى يفيد
الناس بعلمه ومواعظه وتصانيفه وتربيته، إلى أن توفاه الله تعالى فى شهر صفر سنة ١٣٦٢
من الهجرة النبوية، تغمده الله تعالى بمغفرته ورضوانه وأسكنه أوساط جنانه.

٢٤
إعلاء السنن
ترجمة المؤلف
وأما ترجمة مولانا الشيخ ظفر أحمد العثمانى رحمه الله تعالى، فنكتفى ههنا بنقل
ما كتبه شيخنا العلامة الفهامة المحقق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله فى مقدمة
كتابه "إنهاء السكن إلى من يطالع إعلاء السنن" الذى نشره الشيخ باسم " قواعد فى
علوم الحديث" وكان مولانا الشيخ العثمانى رحمه الله حينئذ حيا، فننقل كلام الشيخ
عبد الفتاح أبى غدة حفظه الله أولا ، ثم نضيف إليه بضعة أسطر:
"هو العلامة المحقق البحاثة المدقق، الثبت الحجة، المفسر المحدث الفقيه الأصولى
البارع الأريب. المؤرخ الأديب، الورع الزاهد الصوفى البصير، ظفر أحمد ابن لطيف
العثمانى التهانوى، ولد فى ١٣ من ربيع الأول سنة ١٣١٠ هـ، بدار آبائه بقرب دار العلوم
فى ديوبند، أعظم مراكز العلم فى البلاد الهندية، وتوفيت أمه وهو ابن ثلاث سنين، فربته
جدته أحسن تربية، وكانت إمرأة حاجة صالحة، فتلقن منها صلاحها وتقواها. ولما تم له
من العمر خمس سنوات شرع فى قرأة القرآن الكريم عند كبار حفظته فى ديوبند مثل
الحافظ نامدار مدرس دار العلوم، ونائبه الحافظ غلام رسول، ومولانا نذير أحمد، وهو أخو
جدته، ولما أتم السابعة شرع فى قراءة الكتب الأردية والفارسية وكتب الحساب
والرياضى، عند الشيخ الجليل مولانا محمد يسين، وهو والد كبير علماء باكستان الآن
مولانا العلامة الشيخ محمد شفيع الديوبندى، المفتى الأعظم فى كراتشى ومؤسس دار
العلوم الإسلامية فيها ، مد ظله المنيف.
ثم انتقل من ديوبند إلى تهانه بهون، إلى مجلس خاله (حكيم الأمة) مولانا محمد
أشرف على التهانوى قدس الله سره، وشرع فى قراءة الكتب العربية فى الصرف والنحو
والأدب، عند العلامة المتمكن مولانا محمد عبد الله الکنکوهی، وسمع من خالہ حکیم
الأمة شيئا من علم التجويد، ونبذا من "التلخيصات العشر، له وأجزاء" من "المثنوى
ت
للجلال الرومى، وقرأ عند أخيه العالم مولانا سعيد أحمد شيئا من "التلخيصات".

٢٥
ج - ١
ترجمة الشيخ ظفر أحمد العثمانى
ثم لما اشتغل خاله حكيم الأمة فى تأليف كتابه العظيم "بيان القرآن" بالأردية ذهب
به إلى كانبور، وأدخله فى المدرسة المسماة (جامع العلوم)، التى كان الشيخ حكيم الأمة
قد أسسها حين إقامته فى كانبور. وفوض تدريسه وتعليمه إلى أرشد تلامذته: مولانا
محمد إسحاق البردوانى ومولانا محمد رشيد الكانبورى، فقرأ عندهما كتب الحديث
المقررة فى تلك البلاد، وهى: صحيح البخارى، وصحيح مسلم، وسنن أبى داود، وسنن
النسائى، وسنن الترمذى، وسنن ابن ماجة ومشكاة المصابيح، مع ما يعزز دراستها من
كتب المصطلح وعلوم الحديث كما قرأ عندهما كتب الفقه والتفسير والأدب المقررة
بكاملها . وشيئا من العلوم العقلية.
ولما فاز بسند العلوم الشرعية والعقلية، متميزا بمواهبه وجده على سواه من الطلبة
النابهين، انتقل إلى سهارنفور، وجلس فى مدرسة (مظاهر العلوم)، وحضر دروس الحديث
الشريف عند العارف بالله الإمام المحدث الفقيه مولانا خليل أحمد السهارنفورى، مؤلف
"بذل المجهود فى شرح سنن أبى داود"
وبعد مدة من ملازمته لهذا العارف المحدث الإمام، أجازه بالحديث وعلومه وبسائر
العلوم النقلية والعقلية، وفاز بسند الإتمام والفراغ من الدراسة العليا فى سنة ١٣٢٨
فكانت سنه حينئذ ابن ١٨ سنة، وهى سن صغيرة لا يرتقى فيها إلى ذروة هذه المرتبة إلا
الأفذاذ النابغون. وقد حضر فى هذه المدة أيضا بعض كتب المنطق والهندسة والرياضى
العالية، عند مدرسيها فى المدرسة المذكورة، ومنهم مولانا عبد اللطيف ناظم المدرسة ومولانا
عبد القادر البنجابى.
ونظراً لمزيد تفوقه وبالغ ذكائه ونبوغه عين مدرسا فى المدرسة المذكورة فدرس فيها
زهاء سبع سنين: علم الفقه والأصول والمنطق والفلسفة وغيرها ثم انتقل منها إلى مدرسة
(إمداد العلوم) فى تهانه بهون، واشتغل بتدريس كتب السنة المقررة هناك، وهى الكتب
السبعة التى سبق ذكرها، وبتدريس الفقه والتفسير، فأفاد وأجاد، وتخرج على يديه
جموع من العلماء الأفذاذ، نشروا العلم فى تلك الربوع وأناروا مسالك الشريعة للناس.
ثم فوض إليه مولانا حكيم الأمة تأليف كتاب "إعلاء السنن" مع الإفتاء
والتدريس، فقام بكل ذلك خير قيام. وبقى فى تأليف "إعلاء السنن" نحو عشرين سنة،

٢٦
ترجمة الشيخ ظفر أحمد العثمانى
إعلاء السنن
فألفه فى ١٨ جزءًا بل مجلداً، وألف له مقدمتين فى جزئين أيضا، فتم هذا الكتاب
العجاب فى عشرين جزءاً، وأضاف إليها كتابا آخر سماه:
"إنجاء الوطن عن الازدراء بإمام الزمن" ترجم فيه التراجم الواسعة الجيدة للإمام أبى
حنيفة وتلامذته وتلامذتهم وهكذا، مقتصراً فيه على الفقهاء المحدثين منهم، وطبع الجزء
الأول من هذا الكتاب فى كراتشى سنة ١٣٨٧
ثم أمره مولانا حكيم الأمة بتأليف "دلائل القرآن على مسائل النعمان" على منوال
"أحكام القرآن" للجصاص، وقد ألف منه مجلدين كبيرين انتهيا بسورة النساء. وهو.
كتاب جدير أن يقال فيه بلسان الفقهاء والعلماء "النظر فيه نعيم مقيم، والظفر بمثله فتح
عظيم .
وألف كتبا عديدة بالأردية حين إقامته فى تهانه بهون، منها "القول المتين فى
الإخفاء بآمين"، و "شق الغين عن حق رفع اليدين" و"رحمة القدوس فى ترجمة بهجة
النفوس" و "فاتحة الكلام فى القراءة خلف الإمام"، حقق فيه أنه لا تجب القراءة خلف
الإمام فى الصلوات كلها، وخاصة الجهرية، أما فى السرية فتجوز كما هى رواية عن الإمام
أبى حنيفة أيضا، وقلت للشيخ حفظه الله تعالى أثناء زيارتى له - وقد ذكر لى ذلك -:
وهو قول الإمام محمد أيضا، فقال: نعم وإن رده الكمال بن الهمام. وله " كشف الدجى
عن وجه الربا" بالعربية، مطبوع وحده وفى ضمن "الفتاوى الإمدادية" التى كان يجيب
بها عن أسئلة المستفتيين التى كانت ترد على خاله حكيم الأمة، مما يتعلق بالفقه وغيره،
حتى بلغت سبع مجلدات ضخام، وسماها الشيخ حكيم الأمة: "إمداد الأحكام فى
مسائل الحلال والحرام"
ثم انتقل إلى المدرسة المحمدية فى رنكون فى (برما)، واشتغل هناك بالتبليغ والوعظ
والتذكير زهاء سنتين، ثم رجع إلى تهانه بهون وتابع فى تأليف "دلائل القرآن" مع الإفتاء
ولتفقيه الناس.
ثم رحل إلی دا کة فی شرقی با کستان قبل وجود با کستان، وعین بجامعتها مدرسا
للحديث والفقه والأصول. ثم عین صدر المدرسين بالمدرسة العالیة فی داكه، وبقى كذلك
ثمانى سنين، وأسس هناك (الجامعة القرآنية العربية)، وهى الآن أحسن مدرسة عليا فى

٢٧
ج - ١
ترجمة الشيخ ظفر أحمد العثمانى
شرقى باكستان، لتعليم علوم القرآن والحديث والفقه وغيرها .
ثم انتقل إلى غربى باكستان حيث هو الآن، فى أشرف آباد - تندو الله يار التابعة
لحيدر آباد - السند، فى دار العلوم الإسلامية، صدر المدرسين بها، يدرس الحديث
الشريف ويقوم بالإفتاء للسائلين والمستفتيين، وينفع بحاله ومقاله وصالح أعماله الطلبة
والمستفيدين مد الله فى عمره الشريف، وبارك فى حسناته وعلومه، وأسبغ عليه ثوب
العافية حتى يتضاعف نفعه، وتم آثاره، ويبلغ من الله الرضوان العظيم. انتهى كلام
شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبى غدة حفظه الله فى مقدمة تحقيقه لكتاب "قواعد فى
علوم الحديث" انتهى.
وكان مولانا الشيخ ظفر أحمد العثمانى رحمه الله حيا حينما طبع كتابه "قواعد
فى علوم الحديث" بتحقيق شيخنا العلامة عبد الفتاح أبى غدة حفظه الله، وكان شيخ
الحديث بدار العلوم الإسلامية فى أشرف آباد (تندو أله يار) يدرس فيها "صحيح
البخارى" مع كبر سنه وتوارد أمراضه وانتقاص قواه، وقال لى مرة: "إنى كلما شعرت
بازدياد فى مرضی، زدت فى تدريس صحيح البخارى، ويجعله الله تعالى شفاء لمرضى .
وكان مع ضعفه ومرضه ملتزما بالأذكار والنوافل، يشهد جميع الصلوات فى
المسجد ويتحمل لأجل ذلك عناء كبيرا، وكان لسانه فى أواخر عمره رطبا بذكر الله فى
أكثر الأوقات وفى شهر رمضان سنة ١٣٩٤ هـ قد منعه الأطباء عن الصيام لأمراضه
المتواردة، ولكنه لم يرض بذلك، وقال: "إن عباسا رضى الله عنه لم يترك الصيام وهو فى
التسعين من عمره، وكان يلقى من الصوم شدة وعناء، حتى كان يجلس فى مركن من
الماء، ولا يرضى بالافتداء فكيف أرضى بالفدية؟، وهكذا عاش رحمه الله، حتى توفاه الله
تعالى فى ذى القعدة من سنة ١٣٩٤هـ، أسكنه الله تعالى فى جوار رحمته ورضاه.
واستخرج ابنه تاريخًا لوفاته بقوله:
"إنه لفى روح وريحان وجنة نعيم
١٣
هـ
٩٤

٢٨
ـم
إعلاء السنن
حديث عن كتاب إعلاء السنن
كان حكيم الأمة مولانا الشيخ أشرف على التهانوى رحمه الله يرى منذ زمان أن
بعض الناس يطيلون ألسنتهم فى الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه، ويقولون إن مذهبه غير
مؤيد بالحديث، وإنه يقدم القياس والرأى على الحديث الصحيح، إلى غير ذلك من
الدعاوى التى لا حجة لها ولا دليل. وإن أدلة الإمام أبى حنيفة رحمه الله ولو كانت
مبسوطة فى كثير من الكتب القديمة، غير أنها مبعثرة فى كتب مختلفة ورسائل شتى،
فأراد حكيم الأمة رحمه الله أن يجمعها فى كتاب، فشرع لأجل ذلك فى تأليف كتاب
سماه "إحياء السنن" وجمع فيه أدلة الإمام أبى حنيفة من الاحاديث الصحيحة فى جميع
الأبواب الفقهية، ولكن مسودة هذا الكتاب قد ضاعت عن المؤلف قبل أن تطبع وما
شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ثم بعد برهة من الزمان عاد الشيخ إلى تأليفه وغير منهجه، وسماه "جامع الآثار"
وجمع فيه أحاديث استنبط منها الحنفية مذهبهم، مع التنبيه الموجز علي كيفية إسنادها
ووجه الاستدلال منها. ثم أضاف إليه تعليقا باسم "تابع الآثار" ذكر فيه توجيه الأحاديث
التى تعارضها فى الظاهر وقد طبع كلاهما فى جزء لطيف من المطبع القاسمى بديوبند فى
حوالی ١٣١٠ هـ طبعا حجريا .
ولكن كان كلا الكتابين فى غاية من الاختصار، ولم يتجاوزا أبواب الصلاة،
وكان يود رحمه الله أن يؤلف مثل ما ألف من قبل. ويبسط فيه الكلام على الأحاديث
سندا ومتنا ورواية ودراية. حتى استعد لهذه المهمة مولانا الشيخ أحمد حسن السنبهلى
رحمه الله، ففوض إليه الشيخ التهانوى رحمه الله خدمة هذا التأليف، فجمع فى المتن
أحاديث وآثارا مع الكلام على إسنادها باختصار، وشرحها فى التعليق متنا وإسنادا ببسط
وتفصيل، وسمى المتن بالاسم السابق "إحياء السنن" والتعليق باسم "التوضيح
الحسن" وكان حكيم الأمة التهانوى رحمه الله ينظر فى كل ما يكتب مولانا السنبهلى
حرفا حرفا، ويغير مواضع منه حيث يجد الحاجة إليه، حتى بلغ كتاب الحج، ثم بدا

٢٩
ج - ١
حديث عن كتاب إعلاء السنن
لمولانا السنبهلى أن ينظر فيه ثالثا، فغير كثيرا مما كتب قبل، واستقل بتغيير كثير مما
أشار به الشيخ التهانوى من غير أن يرجع إليه إلا فى مواضع قليلة، حتى تغير الكتاب
عن منهجه السابق، ولم يطلع الشيخ التهانوى على شىء من ذلك، حتى لما طبع مجلده
الأول فإذا به من كتاب جديد على غير ما يوده الشيخ رحمه الله، وفيه مسامحات كثيرة،
فأمر الشيخ ابن عمه مولانا الشيخ ظفر أحمد العثمانى رحمه الله أن يستدرك ما فات
هذا المجلد الأول وينبه على ما سامح فيه مولانا السنبهلى، فكتب مولانا الشيخ العثمانى
جزءا سماه "الاستدراك الحسن على إحياء السنن" فطبع مستقلا
ثم بعد اللتيا والتى عزم حكيم الأمة التهانوى رحمه الله على أن لا يطبع بقية ما ألفه
الشيخ السنبهلى، بل أمر مولانا العثمانى رحمه الله أن يؤلف الكتاب من جديد، فصنف
رحمه الله باقى الكتاب (من أبواب الصلاة إلى آخر الأبواب الفقهية) فى ستة عشر جزء،
وكان من احتياط حكيم الأمة التهانوى ورعايته لجانب مولانا السنبهلى أنه لم يحب أن
يبقى هذا الكتاب الذى ألفه الشيخ العثمانى على اسمه السابق "إحياء السنن"، وإنما
غير اسم المتن إلى "إعلاء السنن" واسم الشرح إلى "إسداء المنن"، فطبعت الأجزاء
الستة عشر الباقية بهذا الاسم الجديد. وبالجملة، فكانت نتيجة هذا الجميع أن طبع
المجلد الأول من هذا الكتاب باسم "إحياء السنن" وتتمته باسم "الاستدراك الحسن".
وطبع باقى الكتاب باسم "إعلاء السنن" فكان هذا الاختلاف فى الأسماء مما يشوش
الأذهان، فأراد مولانا الشيخ العثمانى رحمه الله عند الطبع الثانى لهذا الكتاب أن يجعله
اسما واحدا، ويدمج مباحث "الاستدراك الحسن" فى غصون عبارات "إحياء السنن"
بما يجعله كتابا واحدا مسلسلا، ففعل رحمه الله ذلك بعد وفاة حكيم الأمة التهانوى،
وتحمل لأجل ذلك جهدا شاقا فى كبر سنه وانقطاع عمره. حتى صار المجلد الأول كتابا
واحدا بما يجعله تصنيفا مستقلا للشيخ العثمانى، ويصح أن يعد من مؤلفاته رحمه الله،
ويستقيم تسميته "المجلد الأول من إعلاء السنن" وهو الذى نقدمه بين يدى القارى
الکریم فی هذا المجلد.
فهذه قصة تأليف هذا الكتاب وأسماءه المختلفة، وأما الآن فأصبح جميع الكتاب
والحمد لله - باسم واحد، وهو "إعلاء السنن"، لمؤلف واحد، وهو مولانا الشيخ ظفر
أحمد العثمانى رحمه الله .*

٣٠
حديث عن كتاب إعلاء السنن
إعلاء السنن
وأما مقدمات هذا الكتاب فقد ألف له ثلث مقدماتٍ لا بد هنا من ذكرها :-
١- "المجلد الأول من إنهاء السكن إلى من يطالع إعلاء السنن وهى مقدمة
حديثية نفيسة للكتاب، ألفها مولانا الشيخ ظفر أحمد العثمانى وشرح فيها قواعد مهمة
من أصول الحديث، وهذه المقدمة طبعت مرة فى "تهانه يهون" طبعا حجريا وأخرى فى
كراتشى طبع الحروف. ثم قد أخرجها مرة ثالثة شيخنا العلامة المحقق البحاثة النقاد
الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بحلب الشام، بتحقيقه وتعليقه القيم فضاعفها روعة وبهاء
وإفادة، وسماها "قواعد فى علوم الحديث" جزاء الله تعالى خيرا وأجزل أجرا.
٢- "المجلد الثانى من إنهاء السكن" وهى مقدمة فقهية لكتاب إعلاء السنن ألفها
مولانا الشيخ حبيب أحمد الكيرانوى رحمه الله، جمع فيها مباحث نفيسة من أصول
الفقه والحديث، طبع بكراتشى طبعا حجريا .
٣- "إنجاء الوطن عن الازدراء بإمام الزمن" وهو كتاب ألفه الشيخ مولانا ظفر
أحمد العثمانى رحمه الله، وشرح فيه مكانة الإمام أبى حنيفة فى الحديث وعلومه وثناء
أهل الحديث عليه، وذكر أساتذته وتلامذته من المحدثين الكبار، وخدماته فى علم
الحديث، وأجاب عن جميع ما يورد عليه من شبه واعتراضات.
هذا، وإن هذا العمل الذى عمله مولانا الشيخ ظفر أحمد العثمانى رحمه الله من
دمج "الاستدراك الحسن" فى أصل الكتاب وتسمية هذا الجميع "إعلاء السنن"، ولو
حدث منه بعد وفاة حکیم الأمة الشیخ التهانوی رحمه الله، ولكنه كان قد أشار إليه فى ما
كتبه مقدمة للمجلد الثانى من إعلاء السنن، وإليك عبارته بلفظه فى الطبع الثانى من
خطبة إحياء السنن :
خطبة إحياء السنن في الطبع الثانى
"الحمد لله أستعينه وأستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهدى الله فلا
مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدى
الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا

3
ج - ١
حديث عن كتاب إعلاء السنن
٣١
نفسه ولا يضر الله شيئا.
وبعد فهذه جملة من الأدلة على بعض الفروع من مذهب أقدم الأئمة الأربعة
المشهورين المجتهدين فى الدين أبى حنيفة النعمان رضى الله تعالى عنه
وعنهم وعن أتباعهم أجمعين، مست الحاجة إليها فى هذا الزمان حيث
أطال الطاعنون ألسنتهم فيه، فلم يبق للسكوت مساغ وقد كنت سودت
من قبل بسنين بعض ذلك فى جميع الأبواب الفقهية، وسميته بإحياء
السنن، لكنه قد ضاع عنى، والحمد لله على كل حال، ثم بعد برهة من
الزمان عدت فى كتابة بعضه على منهج غير المنهج السابق، وسميته
بجامع الآثار، وقد شاع بحمد الله تعالى، لكنه لم يتجاوز أبواب الصلاة،
ولم يتيسر لى أسباب تكميله وتتميمه، إلى أن من الله تعالى على الآن
حيث وفقنى للعود إليه بإشارة بعض الناس من المشتغلين لدى بخدمة
العلم، وتشاركنى فى هذا الخطب وأعاننى عليه بحيث يصح أن يقال إنه
هو العامل وأنا المعين، وغيرت منهجه عن منهج الجامع إلى المنهج
السابق، لكونه سهلا خاليا عن التعب مراعيا فيه ترتيب الهداية، ولم
اكتف فى هذه النوبة على المسائل الاختلافية المقصودة بالجمع، بل
أضفت إليها بعض الفروع المتفق عليها، ولو قليلا، لفوائد مخصوصة.
ولما كأن هذا مشاكلا لتسويد إحياء السنن، رأيت أن أسميه بذلك الاسم
القديم، ليكون أيضا إحياء للدارس الرميم، والله الموفق لإتمام كل أمر عظيم
وخطب جسيم، وعلقت عليه تعليقا موضحا لمعانى الأحاديث، وباحثا عن
أسانيدها، وسميته بالتوضيح الحسن على إحياء السنن.
ثم اعلم أنى قد كنت رأيت هذا الكتاب إلى كتاب الحج حرفا حرفا، بعد
أن ألفه المشير المذكور، وغيرت مواضع منه حيث وجدت الحاجة إليه، ثم
بدا له أن ينظر فيه ثانيا ويغير ما يحتاج إلى التغيير لزعمه السعة فى نظره،
فأصلح مواضع كثيرة مما كتب قبل، وقد راجع إلى فيما اشتبه عليه الأمر
فى قليل من هذه المواضع، واستقل بتحرير أكثره، حتى تغير الكتاب عن

٣٢
حديث عن كتاب إعلاء السنن
إعلاء السنن
منهجه السابق وانقلب موضوعه، ولم أطلع على ذلك إلا بعد طبع الحصة
الأولى منه، وهى هذه فى يدك، ولذا احتيج إلى تأليف الاستدراك عليه،
كما ستجد الإحالة عليه فى كثير من المواضع بالهندية على الحاشية، والله
المستعان، وكان الشروع فى ذلك للجمعة الأخيرة من رمضان المبارك سنة
١٣٣١ من الهجرة النبوية، على صاحبها ألف ألف سلام وتحية.
نمقه العبد الراجى رحمة ربه القوى
أشرف علی التهانوى
غفر له ذنبه الخفى والجلى ..
وإليك الآن ما كتبه تمهيدا للمجلد الثانى من إعلاء السنن:
خطبة المجلد الثانى من إعلاء السنن
الحمد لله أستعينه وأستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهدى الله فلا
مضل له، ومن يضلل فلا هادی له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدى
الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا
نفسه، ولا يضر الله شيئا.
أما بعد فيا أخى! انظر أولا فى خطبة الحصة الأولى من إحياء السنن،
ينكشف لك حقيقة الرسالة، ثم اسمع ثانيا أنها مست الحاجة لأجل بعض
الأسباب التى لا طائل تحت ذكرها إلى تفويض خدمة تأليفها إلى ابن
أختى الفطن البارع الذكى المولوى ظفر أحمد، ثبته الله على المنهج
الأرشد، وتبديل اسمها من إحياء السنن إلى "إعلاء السنن" واسم تعليقها
من التوضيح الحسن إلى "إسداء المنن"، مع بقاء اسم ترجمتها على

ج - ١
حديث عن كتاب إعلاء السنن
٣٣
حالها (١)، وترميم بعض مقامات الحصة الأولى منها التى أشيعت سابقا،
وتلقيب مجموع المضاف والمضاف إليها بالحصة الأولى من "إعلاء
السنن". فإذن هذه هى الحصة الثانية منها .
وسرحت النظر فيها كالأولى حرفا حرفا، فوجدتها - والحمد لله - أحسن
من الأولى رواية ودراية وكفاية فى موضوعها، وباقى التزاماتها فى تغيير
بعض المواضع وهو يسير، بكثير(٢)، وتميز كلامى من كلامه ونحو ذلك
كالأولى، ولله الحمد على ما أبدى وأسدى، وللآخرة خير لك من الأولى.
وأنا العبد الراجى رحمة ربه القوى
أشرف على التهانوى الحنفى
غفر له ذنبه الجلى والخفى
والزمان وسط ١٣٤١
من الهجرة النبوية على صاحبها ألف سلام وتحية
فهذا ما کتبه حکیم الأمة مولانا الشيخ أشرف على التهانوی رحمه الله، ولم تكن
الآن حاجة إلى نقل هاتين الخطبتين بعد ما طويت تلك القصص وصار الكتاب كله
واحدا باسم واحد لمؤلف واحد، غير أنى أحببت نقلهما هنا لتكون ذكرى صالحة،
وتتضح القصة لمن أراد الاطلاع عليها .
(١) كان قد طبع بهامش الطبع الأول ترجمة أحاديث إعلاء السنن باللغة الأردية وكان سماها الشيخ "إطفاء
الفتن"، وأما فى هذا الطبع الجديد، فقد حذفت هذه الترجمة من الهامش - تقى.
(٢) يتعلق بقوله "أحسن من الأولى".

٣٤
منهج التحقيق
إعلاء السنن
عملى في إخراج هذا الكتاب
وأما عملى فى إخراج هذا الكتاب فهو ما يلى:
١- قابلت مسودة المؤلف التى دمج فيها "الاستدراك الحسن" فى "إحياء السنن"
بأصلهما المطبوع، وصححتها عليهما.
٢- قابلت النصوص المحال عليها فى الكتاب فى أكثر المواضع، وأوضحت
الخلافات حيثما كانت.
٣- إن المؤلف رحمه الله لم يهتم بتنقيح مذاهب الفقهاء اعتمادا على علم القارئ،
فذكرت فى تعليقى هذه المذاهب فى أول كل باب، ملتقطا من الكتب المعتبرة المعروفة
- بنقل المذاهب، حتى تصير بمتناول كل قارئ، ولا يحتاج أثناء قراءته إلى كتاب آخر.
٤- إن المؤلف رحمه الله قد صرح فى كتابه بأرقام صفحات الكتب المحال عليها،
ولكن هذه الأرقام تختلف باختلاف المطابع، فصرحت فى تعليقى بمواضع تلك
العبارات بأسماء الأبواب أو أرقام الأحاديث أو الفصول، مما لا يختلف باختلاف
المطابع، إلا ما كان موضعه فى غاية من الوضاحة
٥- كان بعض كتب الحديث لم يطبع فى عهد تأليف هذا الكتاب، مثل مصنف .
ابن أبى شيبة، ومصنف عبد الرزاق، وصحيح ابن خزيمة وغيرها، فاضطر المؤلف أن
يأخذ أحاديث هذه الكتب من الكتب الأخرى، وإنى كلما وجدت أثناء مراجعة
نصوصها زيادة فائدة، أضفتها إلى الكتاب فى تعليقى.
.٦- قد زدت فى بعض المواضع بعض المؤيدات لكلام المؤلف، أو بعض الفوائد أو
الانتقادات بإيجاز واختصار.
هذا، ولا بد لى ههنا أن أشكر الأخ الحبيب فى الله الشاب الصالح الفاضل
مولانا الشيخ محمد إسحاق الجهلمى، فإنه ساعدنى طوال هذا العمل مساعدة مشكورة

٣٥
ج - ١
منهج التحقيق
فى مقابلة النصوص وتتبع المظان وتصحيح الملازم المطبوعة، ولولا مساعدته هذه لما
أمكن لى الفراغ من هذا العمل فى هذه المدة اليسيرة، فجزاه الله تعالى خيرا وأجزل أجرا،
ووفقه لما يحبه ويرضاه، آمين .
وأخيرا، لا يسع لى إلا أن أعترف بقصور باعى وقلة بضاعتى، وبأنّى لم أستطع
القيام بخدمة هذا الكتاب حق الخدمة، غير أنى أشكر الله تعالى على ما وفقنى لإبرازه
على منصة الوجود، فلو كان فى عملى شىء يفيد فهو من الله، وإن كانت فيه أخطاء
فمنى ومن الشيطان، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
محمد تقى العثمانى
دار العلوم كراتشى ١٤
١٨ ربيع الأول سنة ١٣٩٦ هـ
2

٣٦
إعلاء السننِ
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
أبواب الوضوء
باب صفة الوضوء وفضله:
قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا
وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ ..
١- حدثنا: عبد العزيز بن عبد الله الأويسى قال حدثنى إبراهيم بن سعد
عن ابن شهاب أن عطاء بن يزيد أخبره أن حمران مولى عثمان أخبره: أنه رآى
عثمان بن عفان دعا بإناء، فافرغ على كفيه ثلث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه
فى الإناء فمضمض واستنثر(١)، ثم غسل وجهه ثلثا ويديه إلى المرفقين ثلاث
باب صفة الوضوء وفضله
قوله: "إلى المرفقين". قال المؤلف ملخصا عن غنية المستملى: (ص١٦ و١٧).
إن المرفقين والكعبين يدخلان فى الغسل، خلافا لزفر رحمه الله وداود الظاهرى، وأخذا
بالمتيقن، لأن ما بعد "إلى" قد يكون داخلا فى ما قبلها، وقد لا يكون. قال الزمخشرى:
"إلى" تفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها فى الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل.
ولنا إجماع الأمة على دخولهما، كما قال فى البحر الرائق: والحق أن شيئا مما ذكروه لا
يدل على الافتراض، فالأولى الاستدلال بالإجماع على فرضيتهما. قال الإمام الشافعى
(١) وفى النسخة الأمیریة "واستنشق" بدل قوله "واستنثر"

٣٧
ج - ١
باب صفة الوضوء وفضله
مرار، ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ثم قال، قال رسول
الله تع الى: ((من توضأ نحو وضوئى هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه
غفر له ما تقدم من ذنبه)). رواه البخارى(١) (ص٢٧ ج١).
وفى رواية أبى داود - وقد سكت عنها - عن أبى علقمة: "أن عثمان دعا
بماء فتوضأ، فأفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما إلى الكوعين".
الحديث(٢) وفى التلخيص الحبير: "أبو داؤد، فى حديث عثمان المشهور" ثم ساقه.
رحمه الله فى الأم: لا نعلم مخالفا فى إيجاب دخول المرفقين فى الوضوء. وهذا منه حكاية
الإجماع، قال فى فتح البارى بعد نقله عنه: فعلى هذا فزفر رحمه الله محجوج بالإجماع
قبله، وكذا من قال ذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك رحمه الله
صريحا، وإنما حكى عنه أشهب كلاما محتملا، وحكم الكعبين كالمرفقين". انتهى"
(١ - ١٣) وفى المنتقى عن أبى هريرة رضى الله عنه: "أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ
الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع(٤) فى العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع
فى العضد، ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع فى الساق، ثم غسل رجله
اليسرى حتى أشرع فى الساق ثم قال: هكذا رأيت رسول الله مَّةٍ يتوضأ، وقال قال
رسول اللهير مرّ له: ((أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع(٥)
منكم فليطل غرته وتحجيله)). رواه مسلم(٢) .
وفى "نيل الأوطار" شرح المنتقى: "قال المصنف: ويتوجه منه وجوب صبئل
المرفقين (قلت وكذا (٧) وجوب غسل الكعبين) لأن نص الكتاب يحتمله وهو مجمل
(١) باب الوضوء ثلاثا ثلاثا (٣٩:١ من الأميرية طبع مصر)
(٢) فى باب صفة وضوء النبى مّ لغيره (١٧/١ من التازية طبع مصر)
(٣) أى كلام البحر، وهو تحت قول الكنز: "ويديه بمرفقيه"
(٤) "أشرع فى العضد" و"أشرع فى الساق" معناه أدخل الغسل فيهما قاله النووى، كذا فى النيل (من المؤلف).
(٥) سيأتى الكلام فى سند هذا الكلام فى بابه (من المؤلف).
(٦) مسلم، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء (١٢٦/١ طبع كراتشى).
(٧) ما بين القوسين إدراج من صاحب إعلاء السنن.

٣٨
باب صفة الوضوء وفضله
إعلاء السنن
وروى الترمذى -وقال حسن صحيح- عن الربيع بنت معوذ ابن
عفراء: أنها رأت النبى م ظلّ يتوضأ، قالت مسح رأسه ومسح ما أقبل منه وما
أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة(١) اهـ.
فيه، وفعله مرّ الله بيان لمجمل الكتاب. ومجاوزته للمرفق ليس فى محل الاجمال، ليجب
بذلك". انتهى " (ص١٤٨ - ج - ١) وفى العزيزى: " كان ◌َّ إذا توضأ أدار الماء على
مرفقيه. رواه الدارقطنى عن جابر رضى الله عنه. قال الشيخ: حديث حسن لغيره(١)" .
ثم اعلم أنهم قد أجمعوا على أن مسح الرجلين فى الوضوء لا يجزئ عن الغسل،
وقد ورد فيه ما يدل على الإجزاء، فلنذكره ثم لنجب عنه. ففى كنز العمال (4) (ج/٥
ص١٠٢): "عن عباد بن تميم عن أبيه قال رأيت رسول الله مظهر توضأ ومسح بالماء على
لحيته ورجليه. رواه ابن أبى شيبة والإمام أحمد والبخارى فى تاريخه والعدنى والبغوى
والباوردى والطبرانى فى الكبير وابو نعيم، قال فى الإصابة: رجاله ثقات". قلت، قال فى
مجمع الزوائد (ص - ٩٥ ج -١) بعد عزوه إلى الطبرانى فى الكبير: "ورجاله موثقون(٥)".
وفى سنن الدارقطنى (ص - ٣٥ - ج١) وحدثنا الحسين بن إسماعيل نا يوسف
بن موسى نا هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال، واللفظ لأبى الوليد، قالا نا همام نا
إسحاق ابن عبد الله بن أبى طلحة عن على بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة
بن رافع قال: كان رفاعة ومالك بن رافع أخوين من أهل بدر. قال: ((بينما نحن جلوس
عند رسول الله مرّ له، ورسول الله جالس ونحن حوله، إذ دخل رجل فاستقبل القبلة
وصلى، فلما فرغ عن الصلوة جاء فسلم على رسول الله مرّةٍ وعلى القوم، فقال رسول
الله ګێ وعليك، ارجع فصل فإنك لم تصل، فجعل الرجل یصلی ونحن نرمق صلاته،
، لا ندرى ما يعيب منها، فلما صلى جاء فسلم على النبى مرّ ه وعلى القوم، فقال له النبى
(١) الترمذى فى باب ما جاء أن مسح الرأس مرة (١/ ٥٢ طبع الأزهر بشرح ابن العربى).
(٢) نيل الأوطار، باب غسل اليدين مع المرفقين وإطالة الغرة، رقم ٢.
(٣) السراج المنير شرح الجامع الصغير للعزيزى، حرف الكلف ١٢٠/٣ طبع مصر١٣٢٥هـ.
(٤) من طبع حيدر آباد، والحديث رقمه ٢١٩٣.
(٥) مجمع الزوائد، أو اخرباب ما جاء فى الوضوء ٢٣٤/١ من طبع بيروت ١٩٦٧ م

ج - ١
باب صفة الوضوء وفضله
٣٩
مرٍّ: وعليك، ارجع فصل فإنك لم تصل. قال همام: فلا أدرى أمره بذلك مرتين أو ثلثا.
فقال الرجل: ما ألوت(١) فلا أدرى ما عبت على من صلاتى؟ فقال رسول الله مرزاله: إنها
لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويده إلى المرفقين
ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويثنى عليه، ثم يقرأ أم القرآن وما أذن له
فيه وتيسر، ثم يكبر فيركع ويضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخى،
ويقول "سمع الله لمن حمده"، ويستوى قائما حتى يقيم صلبه ويأخذ كل عظم مأخذه، ثم
يكبر فيسجد فيمكن وجهه - قال همام: وربما قال جبهته - فى الأرض حتى تطمئن
مفاصله وتسترخى، ثم يكبر فيستوى قاعدا على مقعدته يقيم صلبه، فوصف الصلاة
هكذا أربع ركعات حتى فرغ، ثم قال: لا يتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك)). وفى
التعليق المغنى: "هشام بن عبد الملك هو أبو الوليد الطيالسى ثقة حافظ إمام، وهمام
هو ابن يحيى ثقة، وباقى رواته أيضا ثقات".
وفى الترغيب للحافظ المنذرى(٢) (ج - ١ ص-٤٤): "عن رفاعة ابن رافع رضى الله
عنه: أنه كان جالسا عند النبى مرّ اتٍ، فقال إنها لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ(٤) الوضوء
كما أمر الله بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. رواه .
ابن ماجة باسناد جيد" .
وعن حمران، رحمه الله، قال: رأيت عثمان رضى الله عنه دعا بماء فغسل كفيه
ثلثا، ومضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثا وذراعیه ثلاثا ومسح برأسه وظهر قدمیه، ثم
ضحك فقال: ألا تسألونى ما أضحكنى؟ قلنا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال:
أضحكنى أن العبد إذا غسل وجهه حط الله عنه بكل خطيئة أصابها بوجهه فإذا غسل
ذراعيه كذلك، وإذا مسح رأسه كذلك، وإذا طهر قدميه كذلك. رواه الإمام أحمد والبزار
(١) ما ألوت: يعنى ما قصرت فى صلاتى فيما أظن.
(٢) يعنى تعليق العظيم آبادى على سنن الدارقطنى.
(٣) وهو الحديث التاسع من "الترغيب فى تخليل الأصابع والترهيب من تركه وترك الإسباغ إلخ" (١٠٤/١ من
طبع المنيرية بمصر) .
(٤) كذا فى الأصل، ومثله فى سنن ابن ماجة، باب ما جاء فى الوضوء على ما أمر الله ولكنه ورد فى الترغيب بلفظ:
"حتى أنه يسبغ الوضوء".

٤٠
باب صفة الوضوء وفضله
إعلاء السنن
وأبو يعلى وفى الحلية وصحح كذا فى كنز العمال (١) (ص - ١٠٦ ج -٥).
والقراءة بالجر فى قوله تعالى: "وأرجلكم" متواترة، فهذا ما يثبت من القرآن
والأحاديث، وتفصيل المذاهب فيها ما فى نيل الأوطار (ج - ١ ص - ١٦٣): "قال النووى
اختلف الناس على مذاهب، فذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى فى الأعصار
والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما ولا يجب
المسح مع الغسل، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به فى الإجماع. قال الحافظ فى
الفتح: ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن على وابن عباس وأنس
رضى الله عنهم. وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال عبد الرحمن بن أبى ليلى:
أجمع أصحاب رسول الله ◌ّ على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور. وادعى
الطحاوى وابن حزم أن المسح منسوخ، وقالت الإمامية الواجب مسحهما، وقال (الإمام (٢)
المفسر المحدث الزاهد) محمد بن جرير الطبرى والجبائى والحسن البصرى: إنه مخير بين
الغسل والمسح". انتهى (٣).
والجواب عن الأحاديث عندى يمكن من وجهين: الإجماع على خلافه، وهو أمارة
النسخ، وكون روايات الغسل متواترة بخلاف روايات المسح. وهذا على ما قال فى
النيل (ص - ١٦٤ ج - ١) وما أدرى بماذا يجيبون - أى القائلون بالمسح - عن الأحاديث
المتواترة اهـ.
وفيه أيضا: "فلم يأتوا مع مخالفتهم للكتاب والسنة المتواترة قولا وفعلا بحجة
نيرة" اهـ.
قلت: ولكن لهم أن يقولوا: لا نسلم التعارض ونجوز الغسل والمسح كليهما كما
جوز ذلك الطبرى، فالجواب عنه - على ما أفاده شيخى - بأن رسول الله مرَ ◌ّرِه رأى رجلا
لم يغسل عقبه، فقال: "ويل للأعقاب من النار" كما رواه مسلم(٤) (ج -١ ص -١٢٥)
(١) آداب الوضوء، رقم الحديث ٢٢٥٧ .
(٢) ما بين القوسين إدراج من صاحب إعلاء السنن.
(٣) أى كلام الشوكانى فى النيل، وهو فى باب غسل الرجلين.
(٤) باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة .
: