النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤ - فصل فى الحجامة
[قال شيخ الإسلام : ]
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول عند الاحتجام .
[قال شيخ الإسلام:] / ٣٩٣ /٢٢٩ - عن على - ر - قال: قال رسول الله
*: "مَنْ قَرَأَ أَيَّةَ الكُرْسِيُ عندَ الحِجَامَةِ كانتْ مَنْفَعَةُ حِجَامَتِهِ"(١).
أقول: هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه عن على بن أبى طالب - به -، وظهور
منفعة الحجامة عند قراءة آية الكرسى أمر موقوف على أخبار الشرع، وصاحب الشرع
قد أخبر بذلك ، فيستحب لكل من يحتجم أن يقرأ هذه الآية الشريفة ، لتكون حجامته
منفعة ، وإلا فتضاد فى معناها .
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٦٤) قال: أخبرنى على بن محمد، ثنا إسماعيل بن
يحيى بن قيراط ، ثنا سليمان بن عبد الرحمن ، ثنا خالد بن عبد الرحمن الخراسانى ، ثنا سفيان
الثورى ، عن سلمة بن كهيل ، عن أبيه عن على به. وأشار الحافظ ابن كثير عند تفسير آية
الكرسى إلى ضعفه ، وورد عنده "مقام حجامتين" . وقال الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" :
"ولعله الصواب. وفى السند من لم أعرفه" .
( ٥٤٠ )

[قال شيخ الإسلام : ]
٥٥ - فصل فى الأُذُن إذا طِنَّتْ
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول عند طنين أذنه، وهو الصوت الذى يسمع منه مثل
دوى النحل .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٣٠ - عن أبي رافع - ه - قال: قال رسول الله { ل: "إذَا
طَنْتْ أُذُنُ أَحَدِكُمْ فَلْيَذْكُرْنِى، وَلْيُصَلُ عَلَىَّ، وَلْيَقُلْ: ذَكَرَ اللهُ بِخَيْرِ مَنْ ذَكَرَنِى"(١).
أقول : أبو رافع مولى النبى - عليه السلام - وقد مر ذكره.
قوله: "وليصل علىّ" كأنه تفسير لقوله: "وليذكرنى"، لأن ذكر الرسول عبارة عن
الصلاة عليه .
قوله: "وليقل: "ذكر الله بخير" هذا دعاء فى صورة الخبر، أى: ليقل: اللهم اذكر بخير
من ذكرنى، واستفيد من هذا الحديث فائدتان : الأولى: إن من طنّت أذنه ينبغى أن
يصلى على النبى - عليه السلام - .
والثانية : ينبغى أن يقول: اللهم اذكر من ذكرنى بخير. فإن قلت : ما الحكمة فى هذا؟ حيث أمر
بالصلاة وبذکر من ذكره؟ قلت: لعل هذا الطنین ینشأ فى أذنه / ٣٩٤ / عن ذکر جماعة إياه،
وجئ وراءه خبر من غائب ، فأمر رسول الله - عليه السلام - بالصلاة، حتی یکون له خیر فی
ذلك ببركة الصلاة، وأمر بالذكر لمن يذكره بخير، مجازاةً على صنيعه فافهم.
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٦٦) والطبرانى فى الصغير (١١٠٤/٢) والأوسط
(٩٢١٨/١٠) والكبير (٩٥٨/١)، والبزار (٣٢/٤ كشف) وابن عدى (٢١٢٦/٦، ٢٤٤٣)،
والعقيلى فى "الضعفاء" (٢٦١،١٠٤/٤) من طريق حبان بن على ومعمر بن محمد ، عن محمد بن
عبيد الله بن أبى رافع، عن أبى رافع به، ومن طريق ابن عدى أخرجه ابن الجوزى فى
الموضوعات (٧٦/٣) وقال: موضوع، وقال العقيلى: ليس له أصل، وحبان بن على ومحمد بن
عبيد الله ضعيفان، وقال الشيخ الألبانی فی الکلم : ضعيف جدا .
( ٥٤١ )

[قال شيخ الإسلام : ]
٥٦ - فصل فى الرّجل إذا خَدِرَتْ
أقول: هذا الفصل فى بيان ما يقول إذا حَدِرَتْ رِجْلُه، والخدر: هو الضعف والفتور
كما يصيب الشارب من قِبَلِ السُّكْرِ، ومنه خدر الرجل واليد، والمراد منه اجتماع
عصبها بحيث لا يقدر على أن يدوس عليها .
[قال شيخ الإسلام :] ٢٣١ - عن الهيثم بن عدى(١) قال: كنا عند عبد الله بن عمر فخدرت
رجله، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد، فكأنما نشط من عقال"(٢).
(١) فى الكلم الطيب: "الهيثم بن حنش" .
(٢) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٦٦) من طريق إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن
الهيثم بن حنش به ، والهيثم مجهول كما قال الخطيب فى الكفاية (ص/٨٨) وأبو إسحاق مدلس
وقد عنعنه ، وكان قد اختلط ، وأفاد الشيخ الألبانى فى الكلم (ص/١٢٠) "أن هذا من تخالطيه،
وأنه قد اضطرب فى سنده ، فتارة رواه عن الهيثم هذا، وتارة عن أبى شعبة (وفى نسخة
أبى سعيد) رواه ابن السنى (١٦٤)، وتارة قال: عن عبد الرحمن بن سعد، أخرجه البخارى فى
"الأدب المفرد" (٩٦٤) وابن السنى (١٦٨)، وقد عنعنه أبو إسحاق السبيعى فى كل
الروايات" اهـ. أقول: هذا الأثر والذى يليه وإن كانا موقوفين، وليسا فى حكم المرفوع، فإنهما
كذلك لا يصحان سندًا ولا متنا ، فإن المتن فيه من النكارة ما يدل على جواز الاستغاثة بغير
الله - عز وجل - ، هذا مع توارد الأدلة الصحيحة على عدم جواز التوسل بغير الله، حتى ولو
كان المستغاث به هو رسول الله وَّ، وقد فصل القول فى هذا شيخ الإسلام فى مجموع الفتاوى
(١٠٣/١ وما بعدها) ومن جملة ما قاله: " لم يقل أحد من علماء المسلمين أنه يستغاث بشىء من
المخلوقات فى كل ما يستغاث فيه بالله تعالى، لا بنبى، ولا يملك ... والاستغاثة طلب الغوث،
وهو إزالة الشدة .... والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليها منها، كما قال تعالى:
﴿فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه﴾، وأما مالا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا من
الله، ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبى و﴿ ... " إلى آخر ما قال - رحمه الله -
فانظر إلى ما قاله فى مجموع الفتاوى وإلى إيراده هذين الأثرین ، مما يدل على أنه جرى على سنن
من قبله من المؤلفين فى الأوراد كالإمام النووى، - رحم الله الجميع - والله أعلم .
( ٥٤٢ )

أقول : هيثم بن عدى من التابعين ، وفى بعض النسخ : هيثم بن حنش .
قوله: "فكأنما نشط" أى: حل "عن (١) عقال" وهو الحبل الذى يعقل به الجمل وهذا يدل
على أن من خدرت رجله إذا ذكر أحب الناس إليه يزول خدره بذلك .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٣٢ - وعن مجاهد قال: خدرت رِجلُ رَحلٍ عند ابن عباس فقال
ابن عباس : أذكر أحب الناس إليك. فقال يا محمد، فذهب خدره"(٢).
أقول : مجاهد بن جبر مولى عبد الله بن السائب المخزومى من الطبقة الثانية ، من تابعى
مكة وفقهائها وقرائها ، والمشهورين بها ، وأحد الأعلام المعروفين .
قال مجاهد: كان ابن عمر يأخذ لى الركاب ويسوى على ثيابى إذا ركبت ، سمع ابنَ
عباس ، وابن عمر ، روى عنه أيوب، وابن عون ، والمنصور، والحكم، / ٣٩٥ / وابن
أبى نجيح، وأخذ عنه القراءة أبو عمرو بن العلاء، مات سنة مائة. وقيل: سنة اثنتين
ومائة . وقيل: سنة أربع ومائة (٣). "جَبْر" بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة. و"نَحِيح".
بفتح النون وكسر الجيم، وبالحاء المهملة .
قوله: "فذهب خدره" بفتح الدال أى : خدر رجله على تأويل المذكور.
(١) كذا في الأصل .
(٢) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٦٥) وفيه غياث بن إبراهيم متروك رمى بالوضع
كما فى الميزان (٣٣٧/٣) وقال ابن معين: كذاب خبيث، وقال الشيخ الألبانى فى الكلم :
"موضوع" وانظر التعليق على الأثر السابق .
(٣) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٥٧٨٣/٢٧).
( ٥٤٣ )

[قال شيخ الإسلام : ]
٥٧ - فصل فى الدابة إذا تعست
أقول : هذا الفصل فيما يقول إذا تعست دابته، وفى بعض النسخ: "إذا عثرت" .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٣٣ - عن أبى المليح، عن رجل قال: "كنتُ رَدِيفَ النبيِّ لَّ
فَعَثُرَتْ دَابّتُهُ، فقلتُ: تَعِسَ الشيطانُ. فقالَ: لا تَقُلْ تَعِسَ الشيطانُ، فإِنكَ إذا قُلتَ
ذلك تَعَاظَمَ حَتَّى يكون مثلُ البيتِ [ويقول بقوتی](١)، ولكن قُلْ باسْمِ اللهِ، فإِنكَ إِذَا
قلتَ ذلكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يكون مثلَ الذُّبَابِ"(٢).
أقول: أبو المليح من التابعين اسمه: عامر بن أسامة الهذلى، وقيل: زيد بن أسامة بن عمير
الهذلى البصرى، سمع أباه، وبريدة، وعوف بن مالك، وعمران بن حصين(٣)، وجابراً،
وأنسا وغيرهم، روى عنه ابناه: زياد ومبشر، وعبد الله بن حميد(٤). "الَلِيح" بفتح
الميم، وكسر اللام، وبالحاء المهملة. و"بريدة" بضم الباء الموحدة، وكسر الراء،
وسكون الياء. و"مبشر" بضم الميم، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الشين .
(١) زيادة من الكلم الطيب وسنن أبى داود .
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، (٤٩٨٢)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٥٤) من
طريق خالد الحذاء، عن أبى تميمة ، عن أبى المليح، عن رجل به. ورواه النسائي فى "عمل اليوم
والليلة" (٥٥٦) بنحوه من طريق خالد الحذاء به. وأخرجه النسائى أيضا (٥٥٥)، وابن السنى
(٥٠٣)، والحاكم (٢٩٢/٤) من طريق خالد الحذاء، عن أبى تميمة ، عن أبى المليح بن أسامة،
عن أبيه به . فذكروا الرحل المبهم .
وأخرجه أحمد (٧١،٥٩/٥)، و الحاکم (٢٩٢/٤) من طريق أبی تمیمة، عمن كان رديف النبى ێ به .
وأخرجه أحمد (٥٩/٥) من طريق شعبة، عن عاصم، عن أبى تميمة، عن رجل، عن رديف
النبى وُّ به. وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٧٤٠١).
(٣) فى الأصل : "عمرو بن الحصين" خطأ .
(٤) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٧٦٤٨/٣٤).
( ٥٤٤ )

وهذا الحديث رواه أبو داود فى "سننه" عن أبى المليح، عن رجل قال: "كنت رديف
النبى" إلى آخره، ورواه ابن السنى فى كتابه عن أبى المليح، عن أبيه، وكلتا الروايتين
صحيحة متصلة / ٣٩٦ / فإن الرجل المجهول فى رواية أبى داود صحابى، والصحابة
كلهم عدول ، لا تضر الجهالة بأعيانهم .
قوله : "فعثرت" أى : زلقت .
قوله: "تعس الشيطان" أى: هلك. وقيل: سقط. وقيل: عثر. وقيل: لزمه الشر،
وهو بكسر العين وضمها ، والفتح أشهر، وتعاظُمُ الشيطان ، وكونه مثل البيت كناية عن
فرحه ونخوته(١)، وتصاغره كناية عن ذله وقهره، لأن ذكر اسم الله يذيب الشيطان ،
كما يذيب الماء الملح .
(١) افتخاره وتعاظمه .
( ٥٤٥ )

[قال شيخ الإسلام :]
٥٨ - فصل فیمن اهدی هدیة و دعا له
أقول: هذا الفصل فى بيان استحباب مكافأة المُهْدِى بالدعاء للمهدى له ، إذا دعا له عند
الهدية .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٣٤ - عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: "أُهْدِيَتْ
لرسول الله وَ﴿، شَاةٌ، قال: اقْسِمِيهَا، فكانَتْ عَائِشَةُ إذا رَجَعَتِ الْخَادِمُ تَقُولُ:
ما قَالُوا ؟ تَقُولُ الْخَادِمُ قَالُوا: بَارَكَ اللهُ فِيَكُمْ، فَتَقُولُ عَائِشَةُ: وَفِيهِمْ بَارَكَ اللهُ، فَرُدُّ
عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا قَالُواْ، وَيَبْقَى أَجْرُنَا لَنَا"(١) وقد بلغنا عنها فى الصدقة مثل ذلك، أو نحو
ذلك .(٢)
أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه عن عائشة - رضى الله عنها - .
قوله: "إذا رجعت الخادم" الخادم واحد الخدم، يقع على الذكر والأنثى لإجرائه
مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال، كحائض، وعاتق . واستفيد من هذا الحديث
فوائد :
الأولى : جواز الهدية وقبولها .
والثانية : إن المستحب قسمتها بين الأصحاب والجيران ، لأن الهدية مشتركة .
(١) النسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٠٣) وعنه ابن السنى (٢٧٣) قال: أخبرنا طليق بن محمد بن
السكن ، عن أبى معاوية ، عن يزيد بن أبى زياد ، عن عبيد بن أبى الجعد ، عن عائشة به . وقال
الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" : "سنده جيد" .
(٢) يشير إلى ما رواه أبو نعيم فى الحلية من حديث أبى عبد الرحمن السلمى أنه كان يؤتى بالطعام إلى
المسجد فريما استقبلوه به فى الطريق ، فيطعمه المساكين فيقولون : بارك الله فيك . فيقول :
وبارك الله فيكم، ويقول : قالت عائشة رضى الله عنها : إذا تصدقتم ودعى لكم ، فردوا حتى
یبقی لکم أحر ما تصدقتم به .
( ٥٤٦ )

والثالثة : دعاء المهدى له للمهدِى / ٣٩٧ / عند الهدية .
والرابعة : دعاء المهدِى أيضا للمهدى له ، مكافأة على دعائه ، حتى يبقى أجره خاليا عن
مقابلة دعائه ، فلذلك قالت عائشة - رضى الله عنها - : "ويبقى أجرنا لنا" .
قوله: "وقد بلغنا عنها فى الصدقة" هذا كلام الشيخ، أى: وقد بلغنا عن عائشة
- رضى الله عنها - مثلُ هذا فى الصدقة ، يعنى : إذا تصدق على إنسان ينبغى أن يدعو
للمتصدق ، وینبغی للمتصدق أيضا أن يدعو للمتصدق عليه، حتی یبقی أجره له، وما
يناسب هذا الباب: "(أ) باب دعاء الإنسان لمن صنع إليه معروفا أو إلى الناس كلهم، أو
بعضهم ، والثناء عليه ، وتحريضه على ذلك" .
وفى "الصحيحين" عن عبد الله بن عباس قال: "أتى النبى - عليه السلام - الخلاء
فوضعت له وَضوءًا، فلما خرج قال: من وضع هذا؟ فأخبر، قال: اللهم فقهه"(٢)
زاد البخارى: "فقهه فی الدین"(٣) .
وفى الترمذى عن أسامة بن زيد، عن رسول الله - عليه السلام - قال: "من صُنِعَ إليه معروفٌ
فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ فى الثناء". قال الترمذى: حديث حسن صحيح (٤).
(١) انظره فى الأذكار (ص/٢٧٥ - ٢٧٦).
(٢) فى الأصل: "فقه".
(٣) البخارى: كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء (١٤٣)، مسلم: كتاب فضائل
الصحابة ، باب فضائل عبد الله بن عباس - رضى الله عنهما - (١٣٨/٢٤٧٧).
(٤) أخرجه الترمذى فى كتاب البر والصلة ، باب ما جاء فى المتشبع بما لم يعطه (٢٠٣٥)، والنسائى
فى "عمل اليوم والليلة" (١٨٠)، وابن السنى (٢٧٠)، وابن حبان (٣٤١٣/٨)، والطبرانى فى
"الصغير" (١١٨٣/٢) وغيرهم من طريق الأحوص بن جوَّاب، حدثنا سُعير بن الخِمْس، عن
سليمان التيمى ، عن أبى عثمان النهدى ، عن أسامة بن زيد به. وصححه الشيخ الألبانى فى
"صحيح الجامع" (٦٣٦٨).
( ٥٤٧ )

وفى "سنن أبى داود وابن ماجه" وكتاب ابن السنى عن عبد الله بن أبى ربيعة
الصحابى قال: "استقرض النبى - عليه السلام - منى أربعين ألفا، فجاءه مال
فدفعه إلى وقال : بارك الله لك فى أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد
والأداء"(١).
وفى "صحيح البخارى" عن ابن عباس، "أن رسول الله / ٣٩٨ / أتى زمزم وهم
يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح(٢).
(١) أخرجه النسائى فى كتاب البيوع، باب الاستقراض (٣١٤/٧)، وابن ماجه فى كتاب
الصدقات ، باب حسن القضاء (٢٤٢٤)، وأحمد (٣٦/٤)، وابن السنى (٢٧٢)، وأبو نعيم فى
"الحلية" (١١١/٧)، والبيهقى (٣٥٥/٥) وغيرهم من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن
أبى ربيعة المخزومى ، عن أبيه ، عن جده به. وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح ابن ماجه"
(٥٥/٢) .
تنبيه : لم أر الحديث فى سنن أبى داود ، ولا عزاه إليه الحافظ المزى فى "التحفة" (٥٢٥٢) وليس
لعبد الله بن ربيعة فى الكتب الستة إلا هذا الحديث. وذكره الإمام النووى فى "الأذكار"
(ص/٢٧٦) وعزاه إلى النسائى وابن ماجه وابن السنى. فقط، والله أعلم.
(٢) البخارى: كتاب الحج، باب سقاية الحاج (١٦٣٥).
( ٥٤٨ )

[قال شيخ الإسلام : ]
٥٩ - فصل فيمن أميط عنه أذى
أقول : هذا الفصل فيما يقول لمن أماط عنه الأذى، وإماطة الأذى إزالته ورفعه .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٣٥ - عن أبي أيوب الأنصارى - -، "أَنَّهُ تَنَاوَلَ مِن لِحْيَةِ
رسول الله﴿ أَذَىّ، فقالَ رسول اللهلِ لّ: مَسَحَ اللهُ عَنْكَ يَا أبا أَيُّوبَ ما تَكْرَهُ"(١)
وفى رواية: "لاَ يَكُنْ بِكَ السُّوءُ يَا أبا أَيُّوبَ)*(٢).
أقول : أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار .
وقيل : ابن عبد عوف بن حشم بن غنم بن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى ، شهد
بدرًا والمشاهد والعقبة مع رسول الله - عليه السلام -، نزل عليه رسول الله - عليه
السلام - حین قدم المدینة شهرا ، حتی بنیت مساکنه ومسجده، روی له عن رسول الله
مائة وخمسون حديثا ، اتفقا منها على سبعة ، وانفرد البخارى بحديث واحد ،
ومسلم بخمسة ، روى عنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وعبد الله بن عباس،
(١) رواه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٢٧٦) من طريق عثمان بن فائد ، ثنا إسماعيل بن محمد
السهمى - مولى ابن عمرو - قال : سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن أبى أيوب به ، وعثمان
ضعيف . ورواه الطبرانى (٤٠٤٨/٤) من طريق نائل بن نجيح ، ثنا فطر بن خليفة ، عن حبيب بن
أبى ثابت ، عن أبى أيوب به ، وقال فى المجمع (٣٢٣/٩): فيه نائل بن نجيح وثقة أبو حاتم
وغيره ، وضعفه الدارقطنى وغيره، وبقية رجاله ثقات إلا أن حبيب بن أبى ثابت لم يسمع من
أبى أيوب اهـ. وضعفه الشيخ الألبانى .
(٢) أخرجه ابن السنى (٢٧٧) من طريق أبى هلال الراسبى، عن قتادة، عن سعيد به.
وأبو هلال قال فى التقريب: صدوق فيه لين . ورواه الطبرانى (٨٣٩٠/٤) والحاكم (٤٦٢/٣)
من طريق مسلم بن إبراهيم، ثنا يحيى بن العلاء، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب
به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبى، ويحيى بن العلاء رمى بالوضع، وضعفه الشيخ
الألبانى .
( ٥٤٩ )

وسعيد بن المسيب وغيرهم، مات بأرض الروم غازيًا سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى
وخمسين، وقبره بالقسطنطينية ، روى له الجماعة(١).
وهذا الحديث الذى رواه أبو أيوب الأنصارى ، رواه ابن السنى فى كتابه ، عن سعيد بن
المسيب، / ٣٩٩ / عن أبى أيوب .
قوله: "وفى رواية" أى: وفى رواية عن سعيد بن المسيب.
٠٫
[قال شيخ الإسلام: ] ٢٣٦ - وعن عمر - ه - أنه أخذ عن لحية رجل(٢) شيئا،
فقال الرجلُ : صَرَفَ اللهُ عَنْكَ السُّوءَ. فقال عمرُ: صُرِفَ عَنَّا السوءُ (٣) منذُ أَسْلَمْنَا ،
ولكنْ إِذَا أَخَذَ أحدٌ عَنْكَ شَيْئًا(٤) فقلْ: أَخَذَتْ يَدَاكِ خَيْرًا"(٥).
أقول : هذا الحديث أيضا رواه ابن السنى فى كتابه، عن عبد الله بن بكر الباهلى قال :
"أخذ عمر - رَّه - عن لحية رجل أو رأسه شيئا فقال" إلى آخره.
قوله: "صرف الله عنك السوء" أى: أذهبه وأزاله، والسوء كل شىء تكرهه النفس وتعافه.
قوله: "منذ أسلمنا" أى: من حين أسلمنا .
قوله: "أخذت يداك خيرًا" دعاء فى صورة الإخبار، أى: لم تزل يداك فى أخذ خير
وتحصيله .
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٨٩٤/٤)، أسد الغابة (٥٧٠٧/٦)، الإصابة (٢١٦٥/٢).
(٢) فى الكلم الطيب وابن السنى: "عن لحية رجل أو رأسه شيئًا".
(٣) فى "ج" و"هـ": "صرف الله عنا السوء" .
(٤) فى الكلم الطيب: "إذا أُحِذَ عنك شىء" .
(٥) رواه ابن السنى فى عمل اليوم والليلة (٢٧٨) قال: أخبرنا أبو القاسم بن منيع ، حدثنا محمد بن
كليب ، ثنا حسان بن إبراهيم، عن عبد الله بن بكر الباهلى قال: "أخذ عمر" وذكره. وقال
الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب": "موقوف جيد الإسناد".
( ٥٥٠ )

[قال شيخ الإسلام :]
٦٠ - فصل فى رؤية الباكورة
أقول: هذا الفصل فيما يقول الإنسان إذا رأى الباكورة من الثمر، وأول الشىء
باكورته، وابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفواكه .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٣٧ - قال أبو هُرَيرةَ: "كَانَ الناسُ إذا رَأَوا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا به
إلى رسول الله ﴿ [فإذا أخذه رسول الله وَ لاتَ)(١) قال: اللهمَّ بَارِكْ لَنَا فِى ثَمَرِنَا،
وبَارِكْ لَنَا فِى مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِى صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِى مُدَّنَا، ثم يُعْطِهِ أَصْغَرَ مَنْ
يَحْصُرُ مِنَ الوِلْدَانِ" خرجه مسلم(٢).
أقول: فى رواية لمسلم: "ثم يدعو أصغر وليد له، فيعطيه ذلك الثمر"(٣) وفى رواية
الترمذى: "أصغر وليد يراه"(٤)، وفى رواية لابن السنى عن أبى هريرة: "رأيت
/ ٤٠٠ / رسول الله إذا أتى بباكورة وضعها على عينيه، ثم على شفتيه وقال:
اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره، ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان"(٥).
واستفيد من هذا الحديث الذى رواه مسلم فوائد :
الأولى : فيه دليل على جواز الطواف بالباكورة على الناس .
(١) زيادة من الكلم الطيب وصحيح مسلم .
(٢) مسلم: كتاب الحج ، باب فضل المدينة ... (٤٧٤/١٣٧٣).
(٣) مسلم (٤٧٣/١٣٧٣).
(٤) الترمذى: كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا رأى الباكورة من الثمر (٣٤٥٤).
(٥) عمل اليوم والليلة لابن السنى (٢٧٥) قال: حدثنى أحمد بن محمود الواسطى ، ثنا عبد الرحمن بن
محمد بن منصور الحارثى، ثنا عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد العذرى، ثنا يونس بن يزيد ، عن
الزهرى ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبى هريرة به . ويونس بن يزيد وهو الأيلى قال الحافظ فى
"التقريب" : "ثقة" ، إلا أن فى روايته عن الزهرى وهما قليلاً ... ".
( ٥٥١ )

والثانية : يستحب لمن يرى الباكورة أن يدعو له ولثمر مدينته ، وصاعها ومدها .
والثالثة : يستحب أن يعطيها أصغر من يحضر من الولدان تطيباً لقلبه ،
ويستفاد أيضا من رواية ابن السنى أن يضعها على عينيه وشفتيه . والصاع أربعة
أمداد، والمد رطلان عند أبى حنيفة وأهل العراق، وعند الشافعى رطل وثلث
بالعراقى .
( ٥٥٢ )

٦١ - فصل فى الشىء يعجبه ويخاف عليه العين
[قال شيخ الإسلام :]
أقول: هذا الفصل فى بيان ما يقول إذا رأى من نفسه، أو ولده، أو ماله، أو غير ذلك
شيئا فأعجبه ، و خاف أن يصيبه بعينيه ، وأن يتضرر بذلك .
[قال شيخ الإسلام:] قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَبِّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ الله لا قُوَّةَ
إِلاَّ بِاللهِ﴾(١).
أقول : قد مَرَّ تفسير هذه الآية الكريمة بقصتها ، وإنما أعادها الشيخ هاهنا، تنبيها على أن
الرجل إذا أعجبه شىء من ولده أو ماله أو غيرهما، يستحب له أن يقول: "ما شاء الله
لا قوة إلا بالله"، حتى لا يتضرر فى الآخر بوصول عين أو آفة، ألا ترى كيف أهلك
الله تعالى بستان أحد الأخوين، حين دخل فيها وأعجبته وافتخر بها ، ولم يقل "ما شاء
الله، لا قوة إلا بالله"؟ فأرسل الله عليها حسبانا / ٤٠١ / من السماء، فأصبحت
صعيدا زلقا .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٣٨ - وقال النبيُّ وَّ: "العَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَىءٌ سَابِقٌ
القَدَرَ ، لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ" حديث صحيح(٢) .
أقول : هذا الحديث رواه مسلم فى "صحيحه" عن ابن عباس ، أن النبى - عليه السلام -
قال : "العين حق، ولو كان شىء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسِلْتُم فاغسلوا"
وفى رواية البخارى : "العين حق"(٣) يعنى: الإصابة بالعين من جملة ما تحقق كونه.
وقيل: أثرها حق، وتحقيقه أن الشىء لا يعاد إلا بعد كماله، وكلُّ كاملٍ فإنه يعقبه
(١) سورة الكهف (٣٩) .
(٢) مسلم: كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى (٤٢/٢١٨٨) من حديث ابن عباس.
(٣) البخارى: كتاب الطب، باب العين حق (٥٧٤٠)، مسلم (٤١/٢١٨٧) من حديث
أبى هريرة .
( ٥٥٣)

النقص بقضاء الله تعالى ، ولما كان ظهور القضاء بعد العين أضيف ذلك إليها، وأدنى
ما فيه دفع الوهم، مع أن خواص الأشياء لا تنكر .
قوله : "ولو كان شىء سابق القدر" كالمؤكد للقول الأول ، أى : لو كان شىء مهلكا
أو مضرا بغير قضاء الله تعالى، لكان العين ، أى : أصابته لشدة ضررها، وفيه تنبيه على
سرعة نفوذها وتأثيرها فى الذوات، ولذلك تلفظ به النبى - عليه السلام - بهذا تعظيما
لشأن تأثير العين ، وللمبالغة فى أن يحفظ الناس أعينهم من أن يصيبوا أحدا بها، وإذا اتفق
لأحد أن أصاب بعينه أحدًا فليقل: بارك الله عليك، واسم الله عليك، فإن قلت :
ما معنى الاستغسال فى حديث مسلم؟ قلت : أن يقال للعائن وهو الصائب بعينه ، الناظر
بها بالاستحسان اغسل داخلة إزارك مما يلى الجلد بماء، ثم يصب على المعين، وهو
المنظور إليه ، المصاب بالعين . وثبت عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : "كان يؤمر
/ ٤٠٢ / العائن أن يتوضأ، ثم يغتسل منه المعين" رواه أبو داود بإسناد صحيح(١).
والحكمة فى ذلك أن أدنى ما فى ذلك دفع الوهم الحاصل من ذلك، وليس لأحد أن
ينكر الخواص المودعة فى أمثال ذلك ، ويستبعدها من قدرة الحق وحكمته، لا سيما وقد
شهد بها الرسول - عليه السلام - ، وأمر به .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٣٩ - ويُذكرُ عن النبيِّ: ﴿ّ قال: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ ما يُعْجِبُهُ
فى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ فَلْيُبَرِّكْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ العَيْنَ حَقٌّ"(٢) .
(١) أبو داود: كتاب الطب، باب ما جاء فى العين (٣٨٨٠) قال: حدثنا عثمان بن أبى شيبة ،
حدثنا جرير، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة به . وصححه الشيخ الألبانى
فی "صحیح أبى داود" .
(٢) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٠١) من حديث سهل بن حنيف، وأخرجه أحمد
(٤٨٦/٣)، والحاكم (٤١١/٣-٤١٢) مختصرًا، وقال: اتفق الشيخان - رضى الله تعالى عنهما -
على إخراج هذا الحديث مختصرًا اهـ. وصححه الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" وقال : له شاهد من
حديث عامر بن ربيعة بمعناه، أخرجه ابن السنى (٢٠٢)، وأحمد (٤٤٧/٣)، والحاكم
=
( ٥٥٤ )

أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه ، عن سهل بن حنيف .
قوله : "فليبرك عليه" أى: فليدع له بالبركة، ويقول له : بارك الله عليك.
وفى " كتاب الموطأ" عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف قال: "رأى عامر بن ربيعة
سهل بن حنيف يغتسل فقال: والله ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبأة ، فَلُبط بسهل ،
فأتى رسول الله فقيل: يا رسول الله هل لك فى سهل بن حنيف؟ والله ما يرفع
رأسه. فقال: اتهموا له أحدًا. قالوا(١): نتهم له عامر بن ربيعة. قال : فدعى
رسول الله عامراً، فتغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت ؟ اغتسل
له. فغسل له عامر وجهه ، ویدیه، ومرفقیه، ور کبتیه، وأطراف رجله، و داخل إزاره
فی قدح، ثم صب عليه ، فراح مع الناس ليس به بأس"(٢) .
وقوله: "ولا جلد مخبأة" قيل: المخبأة: الجارية التى لم تتزوج بعد، لأن صيانتها أبلغ من
صيانة المتزوجة ، وهو عطف على مفعول "رأيت" مقدرا، والكاف مفعول مطلق،
والتقدير: ما رأيت فى وقت ما حلدَ غيرِ مخبأة، ولا جلدَ مخبأةٍ، / ٤٠٣ / أو ما رأيت
جلدَ رجلٍ فى لطافته، ولا جلدَ مخبأةٍ فى البياض والنعومة مثل رؤيتى اليوم ، أو مثل الجلد
الذى رأيته اليوم، وهو جلد سهل بن حنيف ، لأن جلده كان لطيفا .
قوله: "قُلُبط بسهل" أى: صُرع وسقط إلى الأرض من تأثير إصابة عين عامر.
- (٢١٥/٤) ... ، وإنما أشار المؤلف - رحمه الله - (يعنى: ابن تيمية) إلى تضعيفه باعتبار
الطريق الأول ، فكأنه خفيت عليه الطريق الأخرى عن عامر ، والله أعلم.
٠٠
تنبيه : سقط هذا الحديث من "ج" وأثبته الشيخ الألبانى لوروده فى "د" والوابل الصيب .
(١) فى الأصل: "قال" وما أثبتناه من مصادر التخريج .
(٢) أخرجه مالك في الموطأ فى كتاب العين، باب الوضوء من العين (٢،١)، ورواه ابن ماجه فى
كتاب الطب، باب العين (٣٥٠٩) وانظر صحيح الجامع (٤٠٢٠).
( ٥٥٥)

قوله : "هل لك" أى: من خير أو مداواة.
قوله: "فتغيظ عليه" أى : بالكلام.
قوله: "ألا بركت؟" أى: هلا دعوت له بالبركة بأن تقول: بارك الله عليك، حتى
لا تؤثر العين فيه ؟
قوله: "وداخل إزاره" قيل: المذاكير. وقيل: الأفخاذ والورك. وقيل: طرف الإزار
الذى يلى الجسد مما يلى الجانب الأيمن .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٤٠ - ويذكر عنه ﴿ قال: "مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعجَبَهُ فَلْيَقُلْ:
ما شَاءَ الله لا قُوَّةَ إلاّ باللهِ"(١).
أقول: هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه، عن أنس - له - ، أن رسول الله
- عليه السلام - قال: "من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله،
لم يضره". ويحكى "أن بعض الأنبياء نظر إلى قومه يوما فاستكثرهم وأعجبوه، فمات
منهم فى ساعته سبعون ألفا، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه أنك عنتهم، ولسو
أنك إذ عنتهم حصنتهم لم يهلكوا. قال: وبأى شىء أحصنهم؟ فأوحى الله إليه
أن تقول: حصنتهم بالحى القيوم الذى لا يموت أبدًا، ودفعت عنكم السوء بـ:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم" ذكره الشيخ محيى الدين النواوى فى
"الأذكار"(٢) .
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٢٠٣) من طريق أبى بكر الهذلى ، عن ثمامة بن
عبدا لله، عن أنس به . وأبو بكر الهذلى قال الحافظ فى "التقريب": "متروك الحديث". وقال
الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب": "ضعيف الإسناد جدا" .
(٢) انظر الأذكار (ص/٢٨٤) باب ما يقول إذا رأى من نفسه ... شيئا فأعجبه ، وخاف أن
يصيبه .
( ٥٥٦ )

[قال شيخ الإسلام:] ٢٤١ - ويذكر عنه { لَ "أَنَّهُ كَانَ إذَا خَافَ أَن يُصِيبَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ
قَالَ: / ٤٠٤ / اللهمَّ بَارِكْ فِيهِ، وَلاَ تَضُرَّهُ"(١) .
أقول : هذا الحديث أيضا رواه ابن السنى فى كتابه، عن سعيد بن حكيم قال:
"كان رسول الله - عليه السلام - إذا خاف أن يصيب شيئًا بعينه" إلى آخره.
[قال شيخ الإسلام:] ٢٤٢ - وقال أبو سعيد: "كان رسول الله صَ لّ يتعوذ من الجان
وعَيْنِ الإِنْسِ حَتّى نَزَلَتْ الْمُعَوِّذَكَانِ فلما نزلتا أَخَذَهمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا" قال الترمذى :
حدیث حسن(٢).
أقول : أبو سعيد هو سعد بن مالك الخدرى، وقد مر ذكره. وهذا الحديث رواه
الترمذى والنسائی و ابن ماجه، وقال الترمذى : حديث حسن .
والمعوذتان ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ .
قوله: "وترك ما سواهما" يعنى: ما كان يدعو بعد نزولهما فى العين والجن ونحوهما إلا
بهما ، والله أعلم.
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٢٠٤) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن
أبى رزين قال: سمعت حزام بن حكيم بن حزام يقول: "كان رسول الله ◌ُ﴿ٌ" فذكره. وحزام
تابعى فهو مرسل . وضعفه الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" وقال : حزام تابعى مجهول ، ووقع
فى "الأذكار" للنووى و"الجامع الصغير" للسيوطى: "سعيد بن حزام" معزوا لابن السنى ، والله
أعلم. وسعيد تابعى أيضا، فهو مرسل على كل حال" اهـ. قلت: ووقع فى نسختى من
"الأذكار" : "سعید بن حكيم" کما عندنا فى الشرح!
(٢) الترمذى: كتاب الطب، باب ما جاء فى الرقية بالمعوذتين (٢٠٥٨)، النسائى: "كتاب
الاستعاذة، باب الاستعاذة من عين الجان (٢٧١/٨)، ابن ماجه : كتاب الطب، باب من
استرقى من العين (٣٥١١)، وغيرهم من طريق الجُريرى، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد به .
وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٤٩٠٢)، وقال فى "الكلم الطيب": "رواه
النسائى وابن ماجه بسند صحيح" .
( ٥٥٧ )

[قال شيخ الإسلام : ]
٦٢ - فصل فى الفأل والطيرة
أقول : هذا الفصل فى بيان التفاؤل والتطير. الفأل مهموز فيما يسر ويسوء. والطيرة
لا تكون إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر. يقال: تفاءلت بكذا، وتفاولت على
التحقيق والقلب .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٤٣ - قال النبى وَلّ: "لاَ عَدْوَى، ولا طَيَرَةَ، وَأَصْدَقُهَا
الفَأْلُ. قيل: وما الفَأْلُ؟ قال: الكَلِمَةُ الَحَسَنَةُ يَسْمَعُهَا الرَّجُلُ))(١).
٠٫
أقول : هذا الحديث رواه البخارى ومسلم، وفى رواية البخارى: "لاعدوى،
ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد"(٢). وفى رواية
لمسلم: "لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر، ولا نوء"(٣). وفى رواية لمسلم:
"ولا غول"(٤) .
قوله : "لا عدوى" العدوى هاهنا مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره ، يقال: أُعدى فلان
فلانا من خُلُقه أو من علة به، وذلك على ما يذهب إليه المتطيبه فى عللٍ سبعٍ : الجذام ،
والجرب، والجدرى، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية، وقد اختلف
العلماء فى تأويل هذا الحديث ، فمنهم من يقول : إن المراد منه نفى ذلك وإبطاله على
ما يدل عليه ظاهر الحديث وهم الأكثرون، ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها ، فقد
قال - عليه السلام -: "فر من المجذوم فرارك من الأسد". والأحسن فى التوفيق بين
(١) البخارى: كتاب الطب، باب الطيرة (٥٧٥٤)، مسلم: كتاب السلام ، باب الطيرة والفأل ...
(١١٠/٢٢٢٣) من حديث أبى هريرة .
(٢) البخارى: كتاب الطب ، باب الجذام (٥٧٠٧) تعليقا، وقد وصله أبو نعيم فى "مستخرجه"
بسند صحيح ، قاله الحافظ فى "الفتح" .
(٣) مسلم: كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (١٠٦/٢٢٢٠).
(٤) مسلم (١٠٧/٢٢٢٢).
(٥٥٨ )

الحديثين أن قوله: "لا عدوى" المراد به التوكل على الله فى متاركة تلك الأسباب،
وقوله: "فر من المجذوم" المراد به التوقى من أسباب / ٤٠٥ / التلف، ليثبت بهذا
التعرض للأسباب وهو سنته ، وبالأول ترك الأسباب وهو حاله .
قوله: "ولا طيرة" الطيرة: التفاؤل بالطير، والتشاؤم بها، كانوا يجعلون العبرة فى ذلك
تارة بالأسماء، وتارة بالأصوات ، وطورًا بالسنوح، وطورًا بالبروح، وكانوا يهيجونها
من أماكنها لذلك، والطيرة مصدر تطير، يقال: تطير طيرة، كما يقال : تخير خيرة ، ولم
يأت من المصادر على هذه الصيغة غيرهما. ولم يأت من الأسماء على [أ] وزانهما إلا
التولة، وسبئ طيبة . الطيبة بكسر الطاء وفتح الباء الموحدة، فعلة من الطيب، معناه أنه
سبئ صحيح السباء، لم يكن عن غدر، ولا نقض عهد .
قوله: "وأصدقها الفأل" أى: أصدق الطيرة الفأل، وليس معنى هذا أن فى الطيرة
صدقا، والفأل أصدق منها ، إذ لا صدق فى الطيرة أصلا، بل هذا من قبيل قوله تعالى :
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾(١) أى: أصحاب الجنة خير من
أصحاب النار ، ومعلوم أنه لاخير فى أصحاب النار .
قوله : "الكلمة الصالحة يسمعها الرجل" كسماع طالب ضالة: يا واحد، وكسماع
المريض : يا سالم، فيقع الظن بالبرء والوجدان . فإن قلت : كم من كلمة صالحة تُسمع
ولا تكون فألاً، والاطراد شرط صحة التعريف . قلت: المراد الكلمة المسموعة على قصد
التفاؤل .
قوله: "ولا هامة" الهامة من طير الليل، وهو الصدى، وكانت العرب تزعم أن روح
القتيل الذى لا يدرك / ٤٠٦ / ثأره تصير هامة فَتَرْقُوا تقول: اسقونى اسقونى، فإذا
أدرك ثاره طارت .
(١) سورة الفرقان (٢٤) .
( ٥٥٩ )