النص المفهرس
صفحات 521-540
[قال شيخ الإسلام :] ٤٨ - فصل فى الحريق أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول إذا رأى الحريق . [قال شيخ الإسلام:] ٢١٧ - يذكر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَ﴿: "إِذَا رَأَيْتُمُ الَحَرِيقَ فَكَبِّرُواْ، فَإِنَّ التَكْبِيرَ يُطْفِئُهُ))(١) . أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه، ويستحب أن يدعو مع ذلكٍ بدعاء الكرب وغيره، والحكمة فى التكبير أن هذا أمر عظيم ، فينبغى أن يذكر الله عنده بوصفه العظيم، وهو الكبير . (١) أخرجه العقيلى فى "الضعفاء" (٢٩٦/٢)، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٢٩٠،٢٨٩)، وابن عدى فى "الكامل" (١٥١/٤) من طرق عن عمرو بن شعيب به. وأخرجه ابن عدى (١١٢/٥) من طريق عمرو بن جميع، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس به. وطرقه كلها لا تخلو من مقال، وانظر كلام العقيلى وابن عدى عليها . والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى "ضعيف الجامع" (٥٠٤). ( ٥٢٠ ) [قال شيخ الإسلام : ] ٤٩ - فصل فى المجلس / ٣٧٩ / أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول عند القيام من المجلس . [قال شيخ الإسلام: ]٢١٨ - عن أبى هريرة - له - قال: قال رسول الله ح لل: "مَنْ جَلَسَ فى مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فقالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ ذَلكَ: سُبْحَانَكَ اللهِمَّ وبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إلا كَفَّرَ اللهُ ما كَانَ فِى مَجْلِسِهِ ذَلكَ" قال الترمذى: حديث حسن صحيح(١). أقول : اللغط بفتح اللام وفتح الغين المعجمة : الصوت والجلبة ، ومنه الحديث: "ولهم لغط فى أسواقهم" وأراد به الهراء من القول، ومالا طائل تحته من الكلام، ولعل ذلك نهى الصوت العرى عن المعنى، والجلبة الخالية عن الفائدة . قوله : "سبحانك" أى: أنزهك من العيوب والنقائص. قوله: "اللهم" يعنى : يا ألله. قوله : "وبحمدك" أى : أحمد بحمدك ، وقد مر هذا غير مرة . قوله : "ما كان فى مجلسه ذلك" أى: من الذنوب من غير مظالم العباد. (١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من المجلس (٣٤٣٣)، وأحمد (٤٩٤/٢)، وابن حبان (٥٩٤/٢)، والحاكم (٥٣٦/١-٥٣٧)، والبغوى فى "شرح السنة" (١٣٤/٥) من طريق ابن جريج: أخبرنى موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة به . وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألبانى: وهو كما قالا. وانظر "صحيح الجامع" (٦١٩٢) . ( ٥٢١ ) [قال شيخ الإسلام: ] ٢١٩ - وفى حديث [آخر]: "إنه إِن كان مَجْلِسَ خَيْرٍ(١) كَانَ كالطَّبَعِ له، وإِنْ كَانَ مَجْلِسَ تَخْلِيطٍ كَانَ كَفَّارَةً لَّهُ"(٢). أقول : هذا الحديث رواه النسائي، ولكن لفظه عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : "إن رسول الله - عليه السلام - کان إذا جلس مجلسا، أو صلى تكلم بكلمات، فسألته عائشة عن الكلمات فقال : إن تكلم بخير كان طابعًا عليهن إلى يوم القيامة ، وإن تكلم بشر كان كفارة له : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك" . / ٣٨٠ / وروى أبو داود عن ابن عمرو بن العاص قال: "كلمات لا يتكلم بهن أحد فى مجلسه عند قيامه ثلاث مرات ، إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن فى مجلسٍ خيرٍ، ومجلسٍ ذكرٍ، إلا ختم له بهن عليه كما يختم بالخاتم على الصحيفة : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك"(٣). (١) فى "الكلم الطيب" : "إنه إن كان فى مجلس خير" . (٢) أخرجه النسائى فى كتاب السهو، باب نوع آخر من الذكر بعد التسليم (٧١/٣)، وأحمد (٧٧/٦) من طريق أبى سلمة الخزاعى ، حدثنا خلاد بن سليمان (ووقع عند أحمد: خالد بن سليمان ، خطأ) عن خالد بن أبى عمران ، عن عروة ، عن عائشة به . وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح سنن النسائي" . وقد رواه النسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٤٢٤)، والطبرانى (١٥٨٦/٢)، والحاكم (٥٣٧/١) من حديث جبير بن مطعم بسند صحيح بلفظ : "من قال سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك، فقالها فى مجلس ذكر، كانت كالطابع يطبع عليه، ومن قالها فى مجلسٍ لغوٍ، كانت كفارة له". وانظر الصحيحة (٨١). (٣) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب فى كفارة المجلس (٤٨٥٧)، وابن حبان (٥٩٣/٢)، من طريق ابن وهب ، قال : أخبرنى عمرو ، أن سعيد بن أبى هلال حدثه ، أن سعيد بن أبى سعيد المقبری حدثه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص به . ( ٥٢٢ ) قوله: "كالطابع" بفتح الباء: الخاتم يريد أن يختم عليه، ويرفع كما يفعل الإنسان بما يقر عليه، واشتقاقه من الطبْع بالسكون، وهو الختم، ومنه: ﴿طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾(١)، وأما الطبعُ بالتحريك فهو الدنس . قوله: "تخليط" أى : كلام غير مفيد ، ولا طائل تحته . [قال شيخ الإسلام: ] ٢٢٠ - وعن أبى هريرة - - قال: قال رسول الله وسلم: "مَا مِن قَوْمٍ يَقُومُونَ مِن مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللهَ فِيهِ، إلا قَامُواْ عَن مِثْلِ جِيفَةٍ حِمَارٍ، وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً" خرجه أبو داود وغيره(٢) . أقول: معنى قوله: "عن مثل جيفة حمار" أن الذين يقومون عن مجلس فيه جيفة حمار، لا يحصل لهم إلا روائح منتنة ، كريهة مضرة، ولا يقومون إلا وهم بندامة وحسرة من ذلك، فكذلك القوم الذين يقومون عن مجلس بغير ذكر الله، لا يحصل لهم إلا ذنوب الأباطيل، والخباطات من الكلام، وأشياء تضر الآخرة، ولم يزالوا فى ندامة وحسرة . - وأخرجه أبو داود (٤٨٥٨) من طريق ابن وهب قال: قال عمرو: وحدثنى بنحو ذلك عبد الرحمن بن أبى عمرو، عن المقبرى، عن أبى هريرة، عن النبى ◌ّ مثله. وقال الشيخ الألبانى فى "ضعيف أبي داود" (١٠٣٤): "صحيح بدون قوله: "ثلاث مرات" . (١) سورة محمد (١٦). (٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله (٤٨٥٥)، وأحمد (٥٢٧،٥١٥،٣٨٩/٢)، وابن السنى (٤٣٩)، والحاكم (٤٩٢/١) وغيرهم من طرق عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه ، عن أبى هريرة به . وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٧٧): "وهو كما قالا" . ( ٥٢٣ ) [قال شيخ الإسلام:] ٢٢١ - وعن ابن عمر قال: "قَلْمَا كَانُ رسول الله ◌ُلَّ يَقُومُ مِن مَجْلِسٍ حتّى يَدْعُو بهؤلاءِ الدَّعَوَاتِ لأصحابِهِ : اللهَّم اقْسِمْ لَنَا مِن خَشْيَتِكَ ما تَحُولُ بِهِ بَيْنَا / ٣٨١ / وبَيْنَ مَعْصِيَتِكَ(١)، ومن طَاعَتِكَ ما تُبَلْغُنَا به جَنْتَكَ، ومن اليَقِينِ ما تُهَوْنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللهم مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا، وقُوَّتِنَا مَا أَحْتَيْتَنَا، واجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، واجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وانْصُرْنَا على مَنْ عَادَانًا ، ولا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، ولا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولاُسَلِّطْ عَلَيْنَا مِن لا يَرْحَمُنَا" قال الترمذى: حديث حسن(٢). أقول: معنى قوله: "قلمًا كان" لا يترك هذا الدعاء إلا قليلا نادرًا، وقد مر الكلام فى "قَلَّ" مرة. قوله: "ما تحول" أى : ما يصير حاجزًا بيننا وبين معاصيك. قوله: "ومن طاعتك" أى: اقسم لنا من طاعتك "ما تبلغنا به" أى: بسببه "جنتك" قوله: "ومن اليقين" أى: اقسم من اليقين، واليقين: ارتفاع الريب فى مشهد الغيب. وقال الشيخ جنيد الخزاز: اليقين هو استقراء العلم الذى لا ينقلب ، ولا يحول ، ولا يتغير فى القلب . وقال الشيخ أبو عثمان سعيد النيسابورى : الموقن من لا يخاف غير الله، ولا يرجو غيره، ويؤثر رضاه على هوى نفسه . وقيل: اليقين: قلة الاهتمام لغد. وقال الشيخ أبو بكر محمد الوراق : اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر ، ويقين دلالة ، ويقين (١) فى "ج" و"د": "وبين معاصيك" . (٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات ، باب (٨٠)، رقم (٣٥٠٢)، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٤٤٠)، والحاكم (٥٢٨/١)، والبغوى فى "شرح السنة" (١٧٤/٥) من طريقين عن خالد بن أبى عمران ، عن ابن عمر به . وزاد الحاكم بينهما نافعا. وقال الترمذى: "وقد روى بعضهم هذا الحديث عن خالد بن أبى عمران ، عن نافع، عن ابن عمر" اهـ. وانظر التحفة (٧٦٥٨/٦) وحسنه الشسخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (١٦٦٨). ( ٥٢٤ ) مشاهدة . وقال أيضا: اليقين ملاك القلب، وبه كمال الإيمان، وباليقين عُرِف الله . وقال الشيخ ذو النون المصرى : إذا صح اليقين فى القلب ، صح الخوف فيه . وهذا الباب باب عظيم، فلذلك طلب / ٣٨٢ / رسول الله اليقين، والله تعالى يوفقنا ويرزقنا اليقين التام . قوله: "مصائب الدنيا"(١) المصائب جمع مصيبة، وهى التى تصيب الرجل من أنواع كدورات الدنيا ، وإنما ذكر اليقين هنا، لأنه(٢) كلما يَقْوى يقين الرجل يكون أصبر على بلاء الله ، وكلما كان أضعف كان أزعج . قوله: "اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا" قال الخطابي: سأل الله تعالى أن يبقى له السمع والبصر إذا أدركه الكبر، وضعف منه سائر القوى، ليكونا وَارِثِى سائر القوى، والباقَِيْنِ بعدها . وقيل: أراد به الأولاد والأعقاب. وقيل: أراد بالسمع وعى ما سمع، والعمل به، وبالبصر الاعتبار بما يرى. وقيل: أراد بالسمع والبصر أبا بكر وعمر - رضى الله عنهما -، واستدلوا بقوله: "لاغنى لى عنهما، فإنهما من الدين بمنزلة السمع والبصر من الرأس"(٣) فكأنه - عليه السلام - دعا بأن يُمتّعَ بهما فى حياته، وأن يرثاه خلافة النبوة بعد وفاته . (١) فى الأصل "الدين" خطأ . (٢) فى الأصل "لأن" كذا . (٢) رواه الخطيب فى تاريخه (٤٥٩/٨-٤٦٠) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: "أبو بكر وعمر من هذا الدين كمنزلة ... " ، ورواه الترمذى فى كتاب المناقب ، باب فى مناقب أبى بكر وعمر - رضَّى الله عنهما - كليهما (٣٦٧١) من حديث عبد الله بن حنطب، "أن رسول الله لكُ لّ رأى أبا بكر وعمر فقال: هذان السمع والبصر" . ثم قال: وفى الباب عن عبد الله بن عمرو، وهذا حديث مرسل، وعبد الله بن حنطب لم يدرك النبى وَ لَّ اهـ. قلت: وقد جزم ابن عبد البر فى الاستيعاب بصحبة عبد الله بن حنطب، وانظر الصحيحة (٨١٥،٨١٤) لزاما . ( ٥٢٥ ) قوله: "وقوتنا ما أحييتنا" أى: متعنا بقوتنا، أراد به أن يُمَتِّعَ بقوته فى الكبر أيضا إلى حين الموت ، لأن الضعف وسقوط القوة فى الكبر يضر الدين والدنيا . قوله : "واجعله الوارث منا" الضمير المنصوب فى "اجعله" راجع إلى التمتع، الذی دلّ عليه قوله : "أمتعنا" أى : اجعل تمتعنا به الوارث منا، أى : الباقى منا، ويكون "الوارث منا" على أحد المعنيين: الأول: الباقى بعدنا، لأن / ٣٨٣ / وارث المرء إلا الدين يبقى بعده، ومعنى بقائه دوامه إلى يوم الحاجة إليه . والثانى: الذى يرث ذكرنا، فَنُذْكَرَ به بعد انقضاء الآجال، وانقطاع الأعمال، وهذا المعنى سؤال خليل الرحمن: ﴿وَاجْعَل لَّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الأَخِرِينَ﴾(١). قوله: "ثأرنا على من ظلمنا" الثأر والثورة: الذّحْلُ، وهو الحقد والعداوة. يقال: ثأرت القتيل وبالقتيل، أى: قتلت قاتله، والثائر الذى لا يبقى على شىء حتى يدرك ثأره، والحديث محتمل المعنيين : أحدهما: اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا، فندرك ثأرنا منه، ويكون فى معنى قوله : "وانصرنا على من عادانا" والآخر: لا تجعلنا ممن إذا ظُلِمَ تعدى على جانيه فى إدراك ثأره بنوع من التعدى ، كما كان معهودًا من أهل الجاهلية ، فيرجع ظالما بعد أن كان مظلوما، بل صيِّرنا على ما أصبنا، وأُجِرْنا من التعدى ، حتى يكون الثأر لنا عليه ، لا له علينا . قوله : "ولا تجعل مصيبتنا فى ديننا" لأن المصيبة فى الدين لا تنجبر، ولا يعوض عنها ، خلاف المصيبة من الدنيا . قوله : "ولا تجعل الدنيا أكبر همنا" لأن من كان الدنيا أكبر همه، فهو بمعزل عن الآخرة ، وما ذاك إلا خسران مبين . (١) سورة الشعراء (٨٤) . ( ٥٢٦ ) ٥٠ - فصل فى الغضب [قال شيخ الإسلام : ] أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول عند الغضب . [قال شيخ الإسلام:] قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(١). / ٣٨٤ / أقول: إنما أورد الشيخ - رحمه الله - هذه الآية الكريمة تنبيها على أن من حصل له الغضب أو الغيظ ، ينبغى أن يستعيذ بالله، لأن ذلك من نزغات الشياطين ، وقد أمر الله تعالى نبيه - عليه السلام - أنه إذا نزغه من الشيطان نازغ، أن يستعيذ بالله، لأنه هو السميع بأقوال العباد ، العليم بأفعالهم. [قال شيخ الإسلام:] ٢٢٢ - وقال سليمانُ بن صردٍ: "كنتُ جَالسَّا مَعَ النبيِّ لِ﴿وّ وَرَجُلاَنِ يَسْتَبَّانِ، وَأحدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فقالَ رسول الله وَّ : إنى لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ، لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ" متفق عليه(٢) . أقول: أبو مطرف سليمان بن صرد بن الجون بن أبى الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حرام بن حبشة بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة ، وهى لُحَىّ بن حارثة بن عمرو بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد الخزاعى ، روى له عن رسول الله خمسة عشر حديثا ، اتفقا على حديث واحد ، وانفرد البخارى بحديث ، روى عنه عدى بن ثابت ، وأبو إسحاق السبيعى ، نزل الكوفة ، وقتل بعين الوردة سنة خمس وستین ، روی له الجماعة . قال ابن الأثير: وكان أميراً على التوابين الطالبين بثأر الحسين بن على بن ٠٠ (١) سورة فصلت (٣٦). (٢) البخارى: كتاب الأدب، باب ما ينهى عن السباب واللعن (٦٠٤٨)، مسلم: كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب ... (١١٠،١٠٩/٢٦١٠). ( ٥٢٧ ) أبى طالب - رضى الله عنهما - ، وكانوا أربعة آلاف، فقتل / ٣٨٥ / وقتلوا إلا قليلا منهم برأس عين ، على يد أهل الشام سنة خمس وستين، وله ثلاث وتسعون سنة(١). قوله: "مُطرف" بضم الميم، وفتح الطاء المهملة، وتشديد الراء وكسرها، وبالفاء. و"صرد": بضم الصاد المهملة، وفتح الراء. و"الجَوْن" : بفتح الجيم، وسكون الواو وبالنون . و"أصرم": بالصاد المهملة وفتح الراء. و"السبيعى" بكسر الباء والعين المهملة . قوله : "يستبان" أى : يتشاتمان . قوله: "أوداجه" جمع ودَج - بفتح الدال - وهى : ما أحاط من العنق ، من الودق التى يقطعها الذابح . والودجان : عرقان غليظان عن جانبى نقرة النحر . واستفيد من هذا الحديث فوائد: الأولى : إن الغضب فى غير الله من نزغ الشيطان . والثانية : ينبغى لصاحب الغضب أن يستعيذ، فيقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وأنه سبب لزوال الغضب، ومما روى فى هذا الباب، ما روى فى "سنن أبى داود والترمذى وابن ماجه" عن معاذ بن أنس الجهنى الصحابى ، أن النبى - عليه السلام - قال: "من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء"(٢). (١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٠٦١/٢)، أسد الغابة (٢٢٣٠/٢)، الإصابة (٣٤٥٩/٣). (٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب من كظم غيظا (٤٧٧٧)، والترمذى فى كتاب صقه القيامة ، باب (٤٨)، رقم (٢٤٩٣)، وابن ماجه فى كتاب الزهد باب الحِلم (٤١٨٦)، وأحمد (٤٤٠/٣) وغيرهم من طريقين عن سعيد بن أبى أيوب ، حدثنى أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه به . وعبد الرحيم صدوق . وحسنه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٦٥٢٢). (٥٢٨ ) وفى الصحيحين" عن أبى هريرة، أن رسول الله و﴿ قال: "ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب"(١). "الصُّرَعة" بضم الصاد وفتح الراء: الذى يصرع الناس كثيرًا، كالهمزة واللمزة، الذى یهمزهم کثیرا . [قال شيخ الإسلام:] / ٣٨٦/ ٢٢٣ - وعن عطية بن عروةً قال : قال رسول الله وَ﴾ّ: "إِنَّ الْغَضَبَ من الشَّيْطَانِ، وإِنَّ الشيطانِ خُلِقَ مِنِ النَّارِ، وإنما تُطْفَأُ النَّارُ بالماء، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأُ" ذكره أبو داود(٢) . أقول : عطية بن عروة ، ويقال: ابن سعد. ويقال : ابن عمرو بن عروة بن العين بن عامر بن عَمِيرة - بفتح العين المهملة ، وكسر الميم، وسكون الياء تحتها نقطتان - ابن ملّن بن ناضرة بن قصبة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن ، كان من أصحاب النبى - عليه السلام -، نزل الشام، وكان ولده بالبلقاء، وهو جد عروة بن محمد بن عطية والى اليمن، روى عنه ابنه محمد بن عطية ، وإسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر ، وربيعة بن زيد، وعطية بن قيس ، روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه(٣) . (١) البخارى: كتاب الأدب ، باب الحذر من الغضب (٦١١٤)، مسلم: كتاب البر والصلة ، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (١٠٨،١٠٧/٢٦٠٩). (٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما يقال عند الغضب (٤٧٨٤)، وأحمد (٢٢٦/٤) وغيرهما من طريق عروة بن محمد ، عن أبيه ، عن جده عطية به . وعروة قال الحافظ : "مقبول"، وأبوه "صدوق". وضعفه الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (٥٨٢) وقال: "الأقرب إلى الصواب أن عروة وأباه مجهولا الحال ، ولم يوثقهما غير ابن حبان على قاعدته وقال الذهبى فى محمد : "روى عنه ولده الأمير عروة". (٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٨٣٧/٣)، أسد الغابة (٣٦٨٥/٤)، الإصابة (٥٥٧٧/٤). ( ٥٢٩ ) قوله: "إن الغضب من الشيطان" أى: من أخلاق الشيطان، "وإن الشيطان خلق من النار" فيكون الغضب نارًا، "وإنما تطفأ النار بالماء". قوله : "فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" أراد به الوضوء على الاستحباب، وإنما أمر بالوضوء، لأن فيه اشتغالا مانعا من البطش، وذكر الله تعالى، وهو مبوءٌ للشيطان ، ومسكّن لثائرة الغضب ببركة العبادة والذكر . ( ٥٣٠ ) [قال شيخ الإسلام :] ٥١ - فصل فى رؤية أهل البلاء أقول : هذا الفصل فيما يقول إذا رأى مبتلا . [قال شيخ الإسلام:] ٢٢٤ - عن أبى هريرة - ظله -، عن النبى وَلَّ قال: "مَن رَأَى مُبتَلىّ / ٣٨٧ / فقال : الحمدُ للهِ الذى عَافَانِى مِمَّ ابْتَلَكَ به، وفَضَّلَنِى عَلَى كَثِيرٍ من خَلَقَ تَفْضِيلاً، لم يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلاَءُ" قال الترمذى: حديث حسن(١). أقول: أى: مبتلى بنوع من الأمراض والأسقام. قوله: "وفضلنى على كثير ممن خلق" يجوز أن يكون المراد به الجماعة المبتلون، وتفضيل الله إياه عليهم ، بحيث إنه سلمه من هذا البلاء، الذين ابتلاهم به ، ويجوز أن يكون المراد (١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا رأى مبتلى (٣٤٣٢) من طريق عبد الله بن عمر العمرى ، عن سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن أبى هريرة به . وعبد الله بن عمر ضعيف . وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو نعيم فى "الحلية" (١٣/٥)، وفى "أخبار أصبهان" (٢٧١/١) من طريق مروان بن محمد الطاطرى، ثنا الوليد بن عتبة ، ثنا محمد بن سوقة ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا به . وقال الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (١٥٤/٢): "رجاله ثقات غير الوليد بن عتبة، فقال البخارى فى "تاريخه": "معروف الحديث ... ، فالحديث إن لم يكن حسن لذاته، فلا أقل من أن يكون حسنا لغيره بالطريق التى قبله" اهـ. قلت: وله طريق آخر، أخرجه الترمذى (٣٤٣١) وأبو نعيم فى "الحلية" (٢٦٥/٦) من طريق عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر ، عن عمر نحوه. وقال الترمذى : "حديث غريب، وعمرو بن دينار قهرمان شيخ بصرى، وليس هو بالقوى فى الحديث، وقد تفرد بأحاديث عن سالم بن عبد الله" اهـ. وأخرجه ابن ماجه (٣٨٩٢)، وأحمد (٢/٦) وغيرهما من طريق عمرو بن دينار به ، إلا أنه قال: عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب، مما يدل على ضعفه واضطرابه . وقد اختلف عليه فيه أيضا فى وصله وإرساله ، وقد تكلم عليه الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٦٠٢) بعد أن صححه ، فانظره هناك . ( ٥٣١ ) سائر المخلوقات سوى بنى آدم، لكن بنى آدم كرمهم الله تعالى على سائر المخلوقات، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى أَدَمَ﴾(١) . قوله : "تفضيلا" مفعول لقوله: "فضلنى" ذكر للتأكيد. قوله: "لم يصبه" جواب الشرط. قيل: ينبغى أن يقول هذا الذكر سرا، بحيث يُسمع نفسه، ولا يُسمعه المبتلى، لئلا يتألم قلبه بذلك، إلا أن تكون بليته معصية ، فلا بأس أن يُسمعَه ذلك، إن لم يخف من ذلك مفسدة، وروى الترمذى عن عمر بن الخطاب(٢) - -، أن رسول الله وَ ﴿ قال: "من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذى عافاني(٣) مما ابتلاك به، وفضلنى على كثير ممن خلق تفضيلا إلا عوفى من ذلك البلاء ، كائنا ما كان ماعاش" ضعف الترمذى إسناده(٤) . (١) سورة الإسراء (٧٠). (٢) كذا فى الأصل، وفى "جامع الترمذى": "عن ابن عمر" ، وانظر التعليق على الحديث السابق . (٣) فى الأصل "عافانا" وما أثبتناه من مصادر التخريج . (٤) انظر التخريج السابق . ( ٥٣٢ ) [قال شيخ الإسلام :] ٥٢ - فصل فى دخول السوق أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول إذا دخل السوق . [قال شيخ الإسلام:] ٢٢٥ - عن عمر بن الخطاب - ه -، أن رسول اللهلح الثّ قال: / ٣٨٨ /: "مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فقالَ: لا إلهَ إلاَّ الله، وحدَهُ لاشريك له، له المُلْكُ وله الحمدُ ، يُحيى وبميتُ، وهو حَىٌّ لاَيَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وهو على كُلُّ شَىءٍ قَدِيرٌ ، كَتَبَ الله له أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيْئَةٍ، وَرَفَعَ لَه أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ" خرجه الترمذى(١) . أقول : الحكمة فى حصول هذا الأجر العظيم، كأنه لما كان أهل السوق مشتغلين بالتحارات والمكاسب ، وهم فى غفلة عن ذكر ربهم، بل أكثرهم مبتلون بالأيمان الفاجرة والكذبات ، وكان هذا بينهم ممن ذكر الله تعالى، واشتغل بأمر الآخرة مخالفة لهم، وتعظيما لربه عز وجل، لا جرم حصل له هذا الأجر العظيم، وما ذلك على الله بعزيز، ويختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وباعتبار أن هذه الكلمات مشتملة على التهليل والتوحيد والثناء على الله تعالى بالصفات الجميلة . (١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا دخل السوق (٣٤٢٩)، وابن ماجه فى كتاب التجارات، باب الأسواق ودخولها (٢٢٣٤)، وأحمد (٤٧/١)، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٨١) وغيرهم من طريق عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر به . وقال الترمذى: "عمرو بن دينار قد تكلم فيه بعض أصحاب الحديث من غير هذا الوجه" . وقال عقب الحديث رقم (٣٤٣١): "عمرو بن دينار ليس هو بالقوى فى الحديث، ٠٠ وقد تفرد بأحاديث عن سالم بن عبد الله بن عمر" اهـ. وأخرجه الترمذى (٣٤٢٨) بنحوه من طريق محمد بن واسع قال : قدمت مكة فلقينى أخى سالم بن عبدالله بن عمر، فحدثنى عن أبيه به . وضعفه الحافظ فى "الفتح" (٢٠٦/١١) وقال: "فى سنده لين". وقال أبو حاتم: "منكر" والله أعلم . ( ٥٣٣ ) قوله: "من دخل السوق" أى: سوقا من الأسواق، إذ لا شىء ثَمَّةً معهود، وهو متضمن معنى الشرط . قوله : "فقال" عطف عليه . وقوله: "كتب الله" جواب الشرط. قوله : "وحده" أى : ينفرد وحده، وقد مر وجهه فى الكتاب مرة . ٠٫ قوله: "له الملك" أى: ملك الملكوت العلوية والملكوت السفلية، أو ملك الدنيا والآخرة، أو ملك جميع العوالم الظاهرة والعوالم الباطنة . قوله: "وله الحمد" أى: جميع الحمد من أهل السموات والأرضين، الذى يتعلق بالأعيان والأعراض . قوله: "يحيى ويميت" يعنى: لما كان الملك كله له، يتصرف فى ملكه / ٣٨٩/ كيف يشاء، تارة بالإحياء وتارة بالإماتة، وهو قادر على ذلك ، ولا يعجزه معجز، ولا يمنعه مانع، وإنما ترك العاطف بين الجملتين لكمال الاتصال بينهما، أى : هو يحيى وهو يميت . قوله: "وهو حى لا يموت" يعنى: لا يعتريه آفة الموت، بل هو حى قيوم، أبدى سرمدى، لم يزل ولا يزال ، فإماتته على الحقيقة ، لا أنه متصف فى إماتته بالموت ، بل هو دائمًا موصوف بالإماتة لا بالموت . قوله: "بيده الخير" من باب الاكتفاء، تقديره : بيده الخير والشر، لأن الخير والشر كله من الله تعالى، ولكن طوى ذكر الشر تأدبا حتى لا ينسب إليه الشر، وإن كان فى الحقيقة جميع الأشياء منه / مثل مالا يتأدب (١)/ أن يقال: ياخالق الخنازير، وإن كان خالق جميع الأشياء. (١) كذا فى الأصل والجادة: "وليس من الأدب" . ( ٥٣٤ ) قوله: "وهو على كل شىء قدير" من باب التكميل والتتميم، أى: قدير على الإحياء والإماتة ، والخير والشر، وغير ذلك من جميع الأشياء. قوله: "كتب له ألف ألف حسنة" أى: فى ديوانه وصحيفته، التى بيد الكرام الكاتبين، وكذلك محى عنه من ديوانه ألف ألف سيئة . قوله: "ورفع له ألف ألف درجة" أى: فى الجنة، ومعنى رفع الدرجة: هو إعطاؤه من المنازل التى فوق منزلته، التى حصل له قبل هذا القول ، لأن ارتفاع المنازل والدرجات، وزيادتها بارتفاع الأعمال وزیادتها . فإن قلت : هل يُحَصِّلُ كل عبد هذا عند كل قول؟ قلت : ظاهر الحديث يدل على حصول هذا كله عند كل قول، فإن قلت: إذا فرض أن شخصا / ٣٩٠ / قال هذا فى عمره ألف مرة مثلا أو أكثر، فإذا حصل فى كل مرة ألف ألف درجة ، يكون هذا عددا بالغا إلى نهاية عظيمة؟ قلت : فليكن، فحنان الله أوسع من هذا، ورحمة الله أعظم من هذا، أفلا سمعت أن آخر من يدخل الجنة يعطى مثل ملك الدنيا سبع مرات؟ فإذا كان العرش العظيم، الذى لم يقدر الواصفون أن يصفوه سقف الجنان ، فما يكون حَدُّ الجنان؟ ولا يدرى ذلك إلا الله فلا تَتَعَجَّبْ من هذا، بل تعجب من رحمة الله التى وسعت كل شىء، حيث أعطى من فضله وكرمه هذا المقدار العظيم لقائل هذا القول اليسير، الذى يمكن أن يقوله القائل فى جميع الأحوال والأوقات من غير تكلف بدن ولا مال، وماذاك إلا كرامة لهذه الأمة ، ببركة سيد الأولين والآخرين . ( ٥٣٥ ) [قال شيخ الإسلام:] ٢٢٦ - وعن بريدة - ظله - قال: "كان رسول الله وُ لّ إذا دَخَلَ السُّقَ قال: بِاسْمِ اللهِ، اللهمَّ إنى أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ السُّوقِ، وَخَيْرَ ما فِيهَا، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرُّهَا وَشَرِّ ما فِيهَا، اللهمّ إنى أَعُوذُ بِك من أَنْ أُصِيبَ فيها يَمِينًا فَاجِرَةً، أو صَفْقَةٌ خَاسِرَةَ"(١) وإسناد هذا أمثل من الأول . أقول : أبو بريدة أبو سهل الأسلمى وقد مر ذكره . قوله: "خير هذه السوق" وهو أن يربح فيها ربح الدنيا وربح الآخرة ، وأما ربح الدنيا فأن تكون صفقته رابحة ، وأما خير الآخرة فأن يوفق إلى ذكر الله تعالى والناس يشتغلون بالدنيا ، وأن ينحى من الأيمان الكاذبة ونحوها . قوله : "وخير ما فيها" وهو خير أهلها . قوله: "يمينا / ٣٩١ / فاجرة" أى: كاذبة. قوله: "أو صفقة خاسرة" أى: عقدا يكون فيه عبثا عظيما. قوله: "وإسناد هذا أمثل من الأول" أى: إسناد هذا الحديث أفضل وأقوى من إسناد الحديث الأول، لأن هذا الحديث رواه الحاكم فى "المستدرك" من طرق كثيرة، قال: وفى الباب عن جابر وأبى هريرة وبريدة الأسلمى وأنس ، قال : وأقربها من شرائط هذا الكتاب حديث بريدة . والحديث الأول أيضا رواه الحاكم من طرق كثيرة ، وزاد فيه فى بعض طرقه: "وبنى له بيتا فى الجنة"(٢). (١) رواه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٧٧) والطبرانى فى الكبير (١١٥٧/٢) والحاكم (٥٣٩/١) من طريق محمد بن أبان الجعفى أبى عمرو، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه به ، وقال فى المجمع (١٢٩/١٠): فيه محمد بن أبان الجعفى وهو ضعيف ، وقال الذهبى فى التلخيص: لا يعرف. وضعفه الشيخ الألبانى فى ضعيف الجامع (٤٣٩١). (٢) الحاكم (٥٣٨/١-٥٣٩). ( ٥٣٦ ) [قال شيخ الإسلام :] ٥٣ - فصل فى النظر فى المرآة أقول : هذا الفصل فيما يقول إذا نظر فى المرآة . [قال شيخ الإسلام:] ٢٢٧ - يُذكر عن أنس - ◌َله - قال: "كَانَ رسول الله ﴿ إذا نَظَرَ وَجْهُهُ فى المِرْأَةِ قال: الحمدُ للهِ الذى سَوَّى خَلْقِى فَعَدَّلَهُ، وكَرَّمَ صُورَةَ وَجْهِى فَحَسََّهَا، وجَعَلَنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ)*(١). أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه من رواية أنس بن مالك قال: "كان رسول الله إذا نظر وجهه فى المرآة قال" إلى آخره. قوله: "سوَّى خلقى" أى: كمله. قوله: "فعدله" أى: جعله معتدل القامة، ويجوز فيه التشديد والتخفيف، كما فى قوله تعالى: ﴿فَعَدَلَكَ﴾(٢) قرئ بالتشديد والتخفيف . (١) أخرجه الطبرانى فى "الأوسط" (٧٩١/١)، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٦٢)، والخطيب فى "الجامع" (٩٠٨/١) من طريق سلم بن قادم قال: حدثنا أبو معاوية هاشم بن عيسى اليزنى، عن الحارث بن مسلم، عن الزهرى، عن أنس به . وفيه هاشم بن عيسى قال العقيلى فى "الضعفاء" (٣٤٣/٤): "هو وأبوه مجهولان بالنقل" وضعفه الشيخ الألبانى فى الإرواء (١١٤/١ - ١١٥) وقال: "صح الدعاء عنه وَّ مطلقا، دون تقيدٍ بالنظر فى المرآة، وفيه حديثان: الأول: من حديث عائشة قالت: كان رسول الله و 3 يقول: "اللهم أحسنت خلقى، فأحسن حُلقى". رواه أحمد (١٥٥،٦٨/٦) بإسناد صحيح. الثانى: من حديث ابن مسعود "أن رسول الله ﴿ ﴿﴿ كان يقول:" فذكره ، أخرجه أحمد (٤٠٣/١)" اهـ . تنبيه : وقع عند الطبرانى "سليم بن قادم" وعند الخطيب "سالم بن قادم" وكلاهما خطأ. ووقع عند الطيرانى كذلك : "هاشم بن عيسى البرى" وهو خطأ . (٢) سورة الانفطار (٧) . ( ٥٣٧ ) قوله: "وَكرَّم صورة وجهى" يجوز أن يكون المراد من الوجهِ الوجهَ المعهودَ، فتكون الصورة ح (١) بمعنى الهيئة، أى: كرَّم هيئة وجهى بأن خلقه بيده /القدرة/(٢)، ويجوز أن يكون المراد من الوجه الذات، أى: كرَّم / ٣٩٢ / صورة ذاتى بالعين الباصرة، والأذن السامعة ، واللسان الناطق، والدماغ الذى فيه غور العقل ونحو ذلك، بخلاف سائر الحيوانات . قوله : "فحسنها" أى : خلقها ذات حسن وصباحة . قوله: "وجعلنى من المسلمين" من باب الترقى فى الحمد ، يعنى: لما حمد الله تعالى على تسوية خلقه، وتكريم صورته ، وهو نعمة عظيمة ، ثم ترقى إلى نعمة أعظم منها، وهى نعمة الإسلام فقال : "وجعلنى من المسلمين". [قال شيخ الإسلام:] ٢٢٨ - وعن على - ◌َ -: "أن النبيَّ ◌َ﴿ّ كَانَ إِذَا نَظَرَ فى المِرْآَةِ قال: الحمدُ للهِ، اللهمّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِى فَحَسُّنْ خُلُقِى"(٣). أقول: هذا الحديث أيضا رواه ابن السنى فى كتابه عن على بن أبى طالب - هو - ، "أن النبى - عليه السلام - كان إذا نظر فى المرآة" إلى آخره. قوله: "كما حسنت خَلْقِى" بفتح الخاء، أى خلقتى، وتحسين خلقته، حيث جعله ذا عقل وفهم وبطش وقامة معتدلة ، ومشى على رجلين بخلاف سائر المخلوقات . (١) كذا فى الأصل ، وهى بمعنى "حينئذٍ". (٢) كذا فى الأصل ، ولعل الصواب "القديرة" . (٣) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٦٠) من طريق الحسين بن أبى السرى ، ثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن النعمان بن سعد، عن على بن أبى طالب به . والحسين بن أبى السرى وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيفان، وضعفه الشيخ الألبانى فى "الإرواء" (١١٣/١)، وانظر التعليق على الحديث السابق. ( ٥٣٨ ) قوله: "فحسن خُلُقى" بضم الخاء، وإنما طلب من الله تعالى أن يحسن خُلُقَه، لأن صاحب الخلق الحسن قريب من الله تعالى، قريب من الناس ، بسبب تواضعه ومسكنته، وبشاشة وجهه وطلاقته ، بخلاف صاحب الخلق السيئ، فإنه مذموم عند الله وعند الناس لكبره ونخوته(١) وخيلائه، وغير ذلك من أوصافه الذميمة. (١) افتخاره وتعاظمه . ( ٥٣٩)