النص المفهرس
صفحات 501-520
أقول : أورد الشيخ - رحمه الله - هذا الحديث، الذى رواه أبو داود والترمذى وابن
ماجه وغيرهم بالأسانيد الصحيحة ، تنبيها على أن المستحب أن يقال للزوج بعد عقد
النكاح: بارك الله لك ، وبارك عليك، وجمع بينكما بخير .
قوله: "إذا رفَأ الإنسان" أى: إذا هنأه ودعا له، من رفأت الثوب رفاً، ورفوته رفوًا،
ويهمز الفعل، ولا يهمز. / ٣٦٤ / الرفاء : الالتئام والاتفاق والبركة ، وكانوا يقولون
للمتزوج: بالرفاء والبنين ، فنهى عنه رسول الله - عليه السلام - ولهذا إذا رفّل الإنسان
كان يقول : بارك الله لك وعليك، وجمع بينكما بخير. فإن قلت: ما الحكمة فى نهيه
عن هذه الكلمة ؟ قلت : لكونه من عادات الجاهلية ، فرأى أن يبد لهم مكانها سنة
إسلامية ، وقد كان فى قولهم: والبنين تنفيرًا عن البنات، وتقريرًا لبغضهن فى قلوب
الرجال، وكان ذلك الباعث على وأد البنات .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٠٣ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ
﴿ٌ قال: "إذا تَزَوَّجَ أحدُكم امرَأَةً أو اشْتَرَى خَادِمًا فَليقلْ: اللهمّ إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا،
وخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وأَعُوذُ بِكَ مِن شَرُّهَا، وشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ. وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا
فَلْيَأْخُذْ بِذُرْوَةِ سِنَامِهِ وَلیقلْ مِثلَ ذلكَ" خرجه أبو داود وابن ماجه(١) .
أقول : هذا الحديث أورده الشيخ تنبيها على أن المستحب للزوج إذا دخل على امرأته ليلة
الزفاف أن يدعو بهذا الدعاء، وفى رواية: "ثم ليأخذ بناصيتها، وليدع بالبركة فى
المرأة والخادم"(٢).
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب النكاح، باب فى جامع النكاح (٢١٦٠)، والنسائى فى "عمل اليوم
والليلة" (٢٦٣،٢٤٠)، وابن ماجه فى كتاب النكاح، باب ما يقول الرجل إذا دخلت عليه أهله
(١٩١٨) وغيرهم من طريق محمد بن عجلان، عن عمرو بن عشيب به. وقال الحافظ العراقى فى
"تخريج الإحياء" (٢٩٨/١): "إسناده جيد". وحسنه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٣٤١).
(٢) أبو داود (٢١٦٠).
(٥٠٠)
قوله: "أسألك خيرها" وهو حسن معاشرتها معه، وحفظ فراشه، والأمانة فى ماله ونحو ذلك.
قوله: "وخير ما جَبَلتها عليه" أى: خلقتها عليه من الأخلاق الحسنة، والطباع المرضية .
قوله: "بذروة سنامه" الذروة أعلى سنام البعير، وذروة كل شىء أعلاه. فإن قلت :
ما الحكمة فى هذا؟ قلت: أما فى المرأة والخادم فظاهر، لأن المرأة / ٣٦٥/ السيئة
منغصة لزوجها ، حتى قيل : هى من عذاب النار فى الدنيا ، وكذلك الخادم السيئ، لأنه
يخالف مولاه ، فيضر به مولاه، فيقع بينهما عداوة وبغضاء، ويفرح الشيطان بسببه ،
وأما فى البعير فإنه أمر أن يأخذ بذورة سنامه ويدعو بهذا الدعاء، طرداً للشيطان ؛ لأن
خورة البعير مجلس الشيطان ، لقوله - عليه السلام - "على ذروة كل بعير شيطان"(١).
[قال شيخ الإسلام:] ٢٠٤ - قال ابنُ عباسٍ: عن النبىِّ ◌َ﴿ّ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمُ إِذَا أَتَى
أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللهمَّ جَنِبْنَا الشيطان، وجَنِّبِ الشيطان ما رَزَقْتَنَا، فَقُضِىَ بَيْنَهُمَا
وَلَدٌ ، لم يَضُرُّهُ شَيْطَانَ أَبَدًا" متفق عليه(٢) .
أقول: هذا الحديث الذى رواه البخارى ومسلم، أورده الشيخ تنبيها على أن الرجل
يستحب له أن يقول عند الجماع هذا الدعاء، والحكمة أن الشيطان له مشاركة فى
الأموال والأولاد ، فيدعو الله عند الجماع حتى يسلم من شره .
قوله : "جنبنا الشيطان" أى: أبعده عنا.
(١) رواه الحاكم فى مستدركه (٤٤٤/١) من حديث أبى هريرة، وصححه على شرط مسلم،
ووافقه الذهبي، ورواه الإمام أحمد فى مسنده (٤٩٤/٣) والحاكم فى مستدركه (٤٤٤/١) من
حديث حمزة بن عمرو الأسلمى ، وصححه على شرط مسلم أيضا ووافقه الذهبى، وصححه
الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٤٠٣١/٤٠٣٠).
(٢) البخارى: كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٣٢٧١، ٣٢٨٣)، مسلم: كتاب
النكاح، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع (١١٦/١٤٣٤).
( ٥٠١ )
قوله: "وجنب الشيطان ما رزقتنا" أى: أبعده عما رزقتنا، فإن قيل: الذى يرزق من
الجماع الولد فكان ينبغى أن يقال: "من رزقتنا". قلت: تستعمل كلمة "ما" موضع
"من" كقوله تعالى : ﴿وَالسَّمَاءِ وما بَنَاهَا﴾(١) أى : ومن بناها فى وجه .
(١) سورة الشمس (٥) .
( ٥٠٢ )
[قال شيخ الإسلام : ]
٤٦ - فصل فى الولادة
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال فى أذن المولود ، وكيفية تسميته .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٠٥ - يُذكرُ "أَنَّ فَاطِمَةَ لَا دَنَا وِلاَدُهَا أَمَرَ رسول الله وَ أُمّ
سَلَمَّةَ وزَيْنَبَ بِنتَ جَحْشٍ أَنْ / ٣٦٦ / يَأْتِيَا، فَيَقْرَأَ عِنْدَهَا أَيَةَ الكُرْسِىُ، و ﴿إِنْ
رَبَّكُمُ الله﴾(١)×٢) إلى أَخِرِ الآيةِ، وَيُعَوِّذَاهَا بِالْعَوِّذَتَيْنِ"(٣).
أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه، أورده الشيخ تنبيها على أنه ما يقال(٤)
عند الولادة، وتألم المرأة بذلك .
قوله: "لما دنا" أى: قرب .
قوله: "أم سلمة وزينب بنت جحش" كلتاهما زوجان للنبى - عليه السلام - ، أما أم
سلمة فهى هند بنت أبى أمية فقد ذكرناها ، وأما زينب فهى بنت جحش بن رئاب بن
يعمَر - بفتح الميم - ابن صبرة بن مرة بن كبير - بالباء الموحدة - ابن غنم بن دُودان -
بضم الدال المهملة الأولى - ابن أسد بن خزيمة بن مدركة، وأمها أميمة بنت عبد المطلب
(١) فى "ج": ﴿إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض﴾.
(٢) سورة الأعراف (٥٤) ويونس (٣).
(٣) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٦١٤) من طريق موسى بن محمد بن عطاء، ثنا
بقية بن الوليد ، حدثنى عيسى بن إبراهيم القرشى ، عن موسى بن أبى حبيب قال : سمعت
على بن الحسين يحدث عن أبيه ، عن أمه فاطمة به . وقال الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" :
"أشار المؤلف - يعنى: شيخ الإسلام - إلى تضعيفه وتبعه ابن القيم، وهذا لا يكفى، وسكت
عليه النووى وغيره وهذا لا يجوز ، فإنه واهٍ جدًا ، بل موضوع. فيه موسى بن محمد بن عطاء ،
قال الذهبى : أحد التالفين ، كذبه أبو زرعة وأبو حاتم ... ، وفيه أيضا عيسى بن إبراهيم
القرشى ، قال البخارى والنسائى : منكر الحديث ... " .
(٤) كذا فى الأصل، ولعل كلمة "أنه" مقحمة .
( ٥٠٣ )
عمة رسول الله، تزوج رسول الله زينب فى سنة خمس من الهجرة فى قول قتادة. وقال
أبو عبيدة : فى سنة ثلاث، روى لها عن رسول الله أحد عشر حديثا، اتفقا على
حديثين ، روت عنها أم حبيبة ابنة أبى سفيان ، وزينب بنت أبى سلمة ، ماتت فى خلافة
عمر بن الخطاب، وهى أول النساء موتا بعده . وقال الواقدى : ماتت سنة عشرين من
الهجرة، وصلى عليها عمر بن الخطاب، روى لها الجماعة (١).
[قال شيخ الإسلام: ] ٢٠٦ - وقال أبو رافع: "رأيتُ رسول الله ﴾ ﴿ أَذِّن فى أُذُن
الحسن بن على حينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلاَةِ" قال الترمذى: حديث حسن صحيح(٢) .
أقول : أبو رافع اسمه أسلم مولى النبى - عليه السلام -، قاله مصعب. وقال يحيى بن
معين: اسمه إبراهيم . وقيل: ثابت. / ٣٦٧ / وقيل: يزيد. والأول أشهر وأصح،
وغلبت عليه كنيته، كان قبطيا، وكان للعباس فوهبه للنبى -عليه السلام -، فلما بشر
النبى بإسلام العباس أعتقه، شهد أحدا وما بعدها من المشاهد، ولم يشهد بدرًا، وكان
إسلامه قبلها، لأنه كان مقيما بمكة فيما ذكروا . وقيل : إنه شهد بدرًا، وزوجه النبى
- عليه السلام - مولاته، فولدت له عبيد الله، روى عنه ابناه : عبد الله والحسين،
وعطاء بن يسار، وسعيد المقبرى، مات قبل قتل عثمان بيسير(٣)، وقيل: مات فى خلافة
علىّ - رعُه - (٤).
(١) انظر ترجمتها فى الاستيعاب (٣٣٨٩/٤)، أسد الغابة (٦٩٤٧/٧)، الإصابة (١١٢٢١/٧).
(٢) أبو داود: كتاب الأدب، باب فى الصبى يولد فيؤذن فى أذنه (٥١٠٥)، والترمذى: كتاب
الأضاحى ، باب الأذان فى أذن المولود (١٥١٤) وأحمد (٣٩٢،٣٩١،٩/٦) وغيرهم من طريق
سفيان ، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد الله بن أبى رافع، عن أبيه به . وعاصم بن عبيد الله
قال الحافظ : "ضعيف". وله شاهد من حديث ابن عباس ذكره الشيخ الألبانى فى "الإرواء"
(١١٧٣)، وبه حَسَّنَ الحديث .
(٣) فى الأصل: "قبل قتله عثمان" خطأ .
(٤) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٩٧٨/٤)، أسد الغابة (٥٨٦٧/٦)، الإصابة (٩٨٨٠/٧).
( ٥٠٤ )
قوله: "بالصلاة" متعلق بقوله: "أَذْنَ" يعنى: أَذْنَ كأذان الصلاة، والحكمة فيه طرد
الشيطان ، لأن الشيطان يشتغل بالمولود حين الولادة، والأذان يطرد الشيطان كما ثبت
فى الحديث الصحيح .
[قال شيخ الإسلام: ]٢٠٧ - ويذكر عن الحسين بن على قال: قال رسول الله :
"مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذِّنَ فى أُذُنِهِ الْيُمْثَى، وَأَقَامَ فى أُذُنِهِ الْيُسْرَى، لم تَصُرُّهُ أُمُّ
الصُبْيَان"(١).
أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه .
قوله: "أم الصبيان" وهى الريح التى تعرض للصبيان ، فربما يغشى عليهم منها ، وقد تجئ
بعض الأشياء فى كلام العرب بطريق الكناية، كما يقال فى بنى آدم : أم فلان
وأم فلانة، وذلك مثل: أم الخبائث للخمر، وأم كلبة للحمى ، وأم الصبيان للنوع
المذكور من الداء، وأم الخير للشىء الذى يجمع الخيرات، وأم الشر للشىء الذى يجمع
الشرور .
[قال شيخ الإسلام:] ٢٠٨ - وقالت عائشةُ - رضى الله عنها - / ٣٦٨ / كَان
رسول الله ﴿ يُؤْثَى بِالصِّبْيَانِ [ِفَيَدْعُوا لَهُمْ بالبركَةِ ويُحَنكُهُمْ" خرجه أبو داود(٢).
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٦١٧) عن أبى يعلى، حدثنا جبارة بن المغلس، ثنا
يحيى بن العلاء، عن مروان بن سالم ، عن طلحة بن عبيد الله عن الحسين به. وقال الشيخ
الألبانى فى "الضعيفة" (٣٢١): "موضوع، يحيى بن العلاء ومروان بن سالم يضعان الحديث".
(٢) أبو داود: كتاب الأدب ، باب فى الصبى يولد فيؤذن فى أذنه (٥١٠٦)، ورواه البخارى فى
كتاب الدعوات ، باب الدعاء للصبيان بالبركة ... (٦٣٥٥)، ومسلم فى كتاب الطهارة ، باب
حکم بول الطفل الرضيع ... (١٠١/٢٨٦) و کتاب الآداب ، باب استحباب تحنيك المولود عند
ولادته ... (٢٧/٢١٤٧).
( ٥٠٥)
أقول: هذه الحديث أورده الشيخ تنبيها على أنه ينبغى أن يدعى عند تحنيك الولد، لأنه - عليه
السلام - كان يدعو لهم بالبركة ، أى يقول: بارك الله عليك، ويحنكهم، والتحنيك أن يمضغ
تمرا، ويدلك به حنكه. يقال: حَنّك الصبى وحنكه، فإن قلت: ما الحكمة فى هذا؟ قلت : كأن
الحكمة فيه أن القصد فى هذا أن يكون أول ما يدخل فى جوف الصغير من أطعمة الدنيا، طعام فيه
شفاء وبركة، وذلك مثل التمر، فلذلك كانوا يحنكون بالتمر الممضوغ، وإنما قلنا فيه شفاء
وبركة، لقوله - عليه السلام -: "العجوة من الجنة، فيها شفاء من السم" مزواه الترمذى
والنسائى(١).
وقال عليه السلام : "إن فى العجوة العالية شفاء، وإنها ترياق أول البكرة" رواه
مسلم(٢) .
وقال عليه السلام : "من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر"
رواه البخارى ومسلم(٣).
وعن عائشة - رضى الله عنها -، [عن النبى { {ث] قال: "لا يجوع أهل بيت عندهم
التمر" رواه مسلم(٤).
(١) الترمذى: كتاب الطب، باب ما جاء فى الكَمْأَةِ والعجوة (٢٠٦٨) والنسائى فى الكبرى:
كتاب الأطعمة ، باب عجوة العالية (٦٧١٩ : ٦٧٢١)، ابن ماجه : كتاب الطب ، باب الكمأة
والعجوة (٣٤٥٥) من طريق شهر بن حوشب، عن أبى هريرة به . وروى من طرق أخرى عن
أبى هريرة، كما عند الترمذى (٢٠٦٦) وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع"
(٤١٢٦).
(٢) مسلم: كتاب الأشربة، باب فضل تمر المدينة (١٥٦/٢٠٤٨) من حديث عائشة.
(٣) البخارى: كتاب الطب ، باب الدواء بالعجوة للسحر (٥٧٦٩،٥٧٦٨)، مسلم: كتاب
الأشربة ، باب فضل تمر المدینة (١٥٥،١٥٤/٢٠٤٧) من حديث سعد بن أبى وقاص .
(٤) مسلم: كتاب الأشربة ، باب فى إدخال التمر ونحوه من الأقوات للعيال (١٥٣/٢٠٤٦).
( ٥٠٦ )
فإن قلت : هل يسد مسد التمر غيره فى التحنيك؟ قلت: ذُكِرَ فى بعض "شروح
المصابيح" : ويقوم العسل مقام التمر .
فإن قلت : العسل أكثر فائدة من التمر، وأشفى منه وأبرك لقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ
لِلّاسٍ﴾(١). وغير ذلك من الدلائل، فَلِمَ كان عليه السلام يحنكهم بالتمر؟ قلت: لعل
الحكمة فى اختياره على غيره كونه كثير / ٣٦٩ / الوجود عندهم، لأن غالب طعام
أهل المدينة ، وأفخرَهَا عندهم التمرُ .
[قال شيخ الإسلام: ] ٢٠٩ - وقال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، "أَنَّ النبيَّ
◌َّ أَمَرَ بِتَسْمِيَةِ المولودِ يومَ سَابِعِهِ، وَوَضْعِ الأَذَى عنهُ، والعَقُ" قال الترمذى: حديث
حسن(٢).
أقول : هذا الحديث فى تسمية المولود .
قوله : "يوم سابعه" أى: من الولادة.
قوله : "ووضع الأذى" قيل: أراد حلق شعر المولود. وقيل: أراد به تطهيره عن الأوساخ
والأوضار، التى تلطخ بها حالة الولادة. وقيل: المراد منه الختان، وهذا ليس بشىء،
لأن الأذى إنما يستعمل فيما يؤذى، أو فيما يكره لقذره ورجسه، وليس الختان من أحد
المعنیین فی شیء .
قوله: "والعق" أى: والعق عنه، والمراد منه العقيقة، وهى الذبيحة التى تذبح عن
المولود، ولعل العق الشق والقطع. وقيل للذبيحة عقيقة، لأنها يشق حلقها، ويقال
(١) سورة النحل (٦٩) .
٠٠
(٢) الترمذى: كتاب الأدب، باب ما جاء فى تعجيل اسم المولود (٢٨٣٢) من طريق محمد بن
إسحاق ، عن عمرو بن شعيب به . وقال الترمذى: "حسن غريب". وقال الشيخ الألبانى فى
"الكلم الطيب": "وهو كما قال لشواهده" .
( ٥٠٧ )
للشعر الذى يخرج على رأس المولود من بطن أمه عقيقة ، لأنها تحلق. وجعل الزمخشرى
الشعر أصلا ، والشاة المذبوحة مشتقة منه .
واستفيد من هذا الحديث فوائد :
الأولى : فيه دليل على استنان التسمية .
والثانية : إن المستحب يوم سابعه ، فإذا سمى يوم الولادة جاز، لما روى في "صحيح
مسلم" وغيره، عن أنس قال: قال رسول الله: "ولد لى الليلة غلام فسميته باسم
إبراهيم :"(١) فيحمل ما فى هذا الحديث الذى رواه الترمذى على الاستحباب، ولعل
الحكمة فى تأخيره إلى اليوم السابع / ٣٧٠ / تأنيهم فى اختيار الاسم الحسن، لأن
تحسين الاسم مستحب، ويجئ أن رسول الله و8 # كان يغير الأسماء القبيحة بالأسماء
الحسنة .
والثالثة : إن المستحب وضع الأذى عنه .
والرابعة : العق، وهو العقيقة ، إن كان المراد من وضع الأذى حلق شعر المولود كما قاله
البعض، وهى الذبيحة ، ولكن عند الشافعى: هى سنة لظاهر الأمر، ولأحاديث أخر ،
وعند أبى حنيفة وأصحابه ليست بسنة ، بل كل ما ورد فى الباب من الأمر ونحوه محمول
على الاستحباب ، وإن كان المراد من وضع الأذى تطهيره من الأوساخ كما قاله البعض،
يكون المراد من العق حلق الشعر .
[قال شيخ الإسلام:] ٢١٠ - وقد سمى النبى ◌َّ ابنه إبراهيم، وإبراهيم بن
أبى موسى، وعبدالله بن أبى طلحة، والمنذر بن أبى أُسَيْدٍ قريبا من ولادتهم.
(١) مسلم: كتاب الفضائل، بابٌ رحمتُهُ وُهُّ الصبيانَ والعيالَ ... (٦٢/٢٣١٥).
( ٥٠٨)
أقول: هذا كلام الشيخ، نقله عن مضمون الأحاديث، تنبيها على أن تسمية المولود يوم
السابع ليس بشرط ، بل إذا سمى يوم الولادة جاز، والدليل ما ذكره من تسمية النبى - عليه
السلام - لابنه إبراهيم، وإبراهيم بن أبى موسى، وعبد الله بن أبى طلحة، والمنذربن
أبى أُسيد. أما تسميته لإبراهيم فلما روينا من حديث مسلم آنفا، وأما تسميته لإبراهيم بن
أبى موسى ، فلما روى فى صحيحى البخارى ومسلم، عن أبى موسى الأشعرى قال: "ولد
لی غلام، فأتيت به النبى - عليه السلام -، فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة، ودعا له
بالبركة"(١) هذا لفظ البخارى ومسلم، إلا قوله: "ودعا له بالبركة"، فإنه للبخارى
/ ٣٧١/ خاصة. وأبو موسى الأشعرى عبد الله بن قيس، وقد ذكرناه فى أوائل الكتاب.
وأما تسميته لعبد الله بن أبى طلحة، فلما روى فى "الصحيحين" عن أنس قال: "ولد
لأبی طلحة غلام، فأتيت النبى - عليه السلام - فحنكه، وسماه عبد الله((٢).
وأبو طلحة هو : زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدى بن
عمرو بن مالك بن النجار، شهد العقبة وبدرا وأحدا، والمشاهد كلها مع رسول الله
- عليه السلام - ، وهو نقيب، روى له عن رسول الله اثنان وتسعون حديثا، اتفقا منها
على حديثين، وانفرد البخارى بحديث ، ومسلم بآخر، روى عنه عبد الله بن عباس،
وأنس بن مالك، وزيد بن خالد، وابنه عبد الله بن أبى طلحة ، وابن ابنه إسحاق بن
عبد الله بن أبى طلحة، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين . وقيل : أربع وثلاثين .
وصلى عليه عثمان بن عفان . وقال أبو زرعة : أبو طلحة توفى بالشام. وعن أنس بن
مالك، أنه غزا البحر فمات فيه . روى له الجماعة(٣).
٢٠
(١) البخارى: كتاب العقيقة ، باب تسمية المولود غداةً يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه (٥٤٦٧)،
مسلم: كتاب الآداب ، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته ... (٢٤/٢١٤٥).
(٢) البخارى (٥٤٧٠) كتاب العقيقة، مسلم (٢٣،٢٢/٢١٤٤) كتاب الآداب .
(٣) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٣٠٨٥/٤)، أسد الغابة (٦٠٢٩/٦)، الإصابة (٢٩٠٧/٢).
( ٥٠٩)
وأما تسميته لمنذر بن أبى أسيد ، فلما روى فى "الصحيحين" عن سهل بن سعد الساعدى
قال: "أتى بالمنذر بن أبى أسيد إلى رسول الله حين ولد، فوضعه النبى - عليه
السلام - على فخذه ، وأبو أسيد جالس، فلهى النبى - عليه السلام - بشىء بين
يديه، فأمر أبو أسيد بابنه فاحتمل من على فخذ النبى - عليه السلام(١)، فأقلبوه
/ ٣٧٢ / فاستفاق النبى - عليه السلام - فقال: أين الصبى؟ فقال أبو أسيد :
أقلبناه يا رسول الله. قال: ما اسمه ؟
قال : فلان. قال: لا، ولكن اسمه المنذر، فسماه يومئذ المنذر"(٢).
قوله: "هى" بكسر الهاء وفتحها لغتان، الفتح لطئ، والكسر لباقى العرب، وهو
الفصيح المشهور ، ومعناه : انصرف عنه . وقيل : اشتغل بغيره . وقيل : نسيه .
وقوله : "استفاق" أى: ذكره(٣).
قوله: "فأقلبوه" أى: ردوه إلى منزلهم . وأبو أسيد اسمه مالك بن ربيعة، وقد ذكرناه فى
الكتاب .
[قال شيخ الإسلام:] ٢١١ - وعن أبى الدرداء قال: قال رسول الله مح لل : "إنكم
تُدْعَوْنُ يومَ القِيَامَّةِ بِأسْمَائِكُمْ وأسماءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ" ذكره أبو داود(٤).
(١) فى الأصل: "من على فخذه النبى - عليه السلام-" كذا .
(٢) البخارى: كتاب الأدب، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه (٦١٩١)، مسلم: كتاب
الآداب (٢٩/٢١٤٩).
(٣) كذا .
(٤) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب فى تغيير الأسماء (٤٩٤٨)، وأحمد (١٩٤/٥)، والدارمى
(٢٩٤/٢)، وابن حبان (٥٨١٨/١٣)، وأبو نعيم فى "الحلية" (١٥٢/٥) و(٥٨/٩)، والبغوى فى
"شرح السنة" (٣٢٧/١٢) من طريق هشيم، عن داود بن عمرو، عن عبد الله بن أبى زكريا، عن
=
(٥١٠)
أقول : أورد الشيخ - رحمه الله - هذا الحديث تنبيها على استحباب تحسين الاسم.
قوله: "تدعون" أى: تنادون، وقد قيل: إن الخلائق يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم.
وهذا الحديث يرد هذا القول، ولذلك قال الزمخشرى فى تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ
كُلَّ أَنَاسِ بِمَامِهِمْ﴾(١): ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أُم، وأن الناس يدعون يوم
القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة فى الدعاء بالأمهات صون الأباء، رعاية حق عيسى ،
وإظهار شرف الحسن والحسين ، وأن لا يفتضح أولاد الزنا، وليت شعرى! أيهما أبدع؟
أصحة لفظه أم بهاء حكمته"(٢)؟
[قال شيخ الإسلام:] ٢١٢ - وذكر مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله
﴿: "إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ: عبداللهِ وعبدُ الرحمنِ"(٢).
أقول: إنما كان هذان الاسمان أحب الأسماء إلى الله، لأن كل واحد منهما مشتمل على
شيئين: أما / ٣٧٣ / عبد الله فإنه مشتمل على لفظة "عبد"، ولفظة "الله"، فكان فى
ذكر لفظة "عبد" إظهار التذلل والمسكنة، وفى ذكر لفظة "الله"، إشارة إلى أنه مالك
لهذا العبد، وخالقه ورازقه، ومحيبه ومميته، على ما عرف أن لفظة "الله" اسم للذات
مستجمع لجميع الصفات ، وفيه مخالفة للكفار ، حيث يسمون أولادهم بعبد شمس،
وعبد مناة، وعبد الحارث ونحوها. وأما "عبد الرحمن" فلأن فيه لفظة "الرحمن"، وهو من
الأسماء الخاصة لله تعالى، وفيه إشارة إلى رأفته ورحمته لعباده، وهذا ما لاح لى فى هذا
المقام ، فإن ظَفِرتُ زيادةً على هذا ألحقته بعون الله وتوفيقه .
- أبي الدرداء به. وضعفه الحافظ فى "الفتح" (٥٧٧/١٠) وأعله بالانقطاع، فعبد الله بن أبى زكريا
لم يدرك أبا الدرداء. وضعفه الشيخ الألبانى فى "ضعيف الجامع" (٢٠٣٦).
(١) سورة الإسراء (٧١).
(٢) انظر تفسير الكشاف (٦٨٢/٢).
(٣) مسلم: كتاب الآداب، باب النهى عن التكنى بأبى القاسم ... (٢/٢١٣٢).
( ٥١١ )
[قال شيخ الإسلام:] ٢١٣ - وعن أبى وهبٍ الْجُشَمِيِّ قال: قال رسول الله ◌ّ:
"تَسَمُّواْ بَأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأسْمَاءِ إلى اللهِ تعالى: عبداللهِ، وعبدُ الرحمنِ.
وَأَصَدَقُهَا: حَارِثٌ وهَمَّامٌ، وأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ ومُرَّةٌ" خرجه أبو داود والنسائى(١).
أقول: اسم أبى وهب كنيته، وله صحبة ورواية، روى عنه عقيل بن شبيب(٢).
"الجشمى" : بضم الجيم، وفتح الشين المعجمة، وكسر الميم. وعَقِيل: بفتح العين،
وكسر القاف . وشبيب : بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة الأولى . ..
قوله: "وأصدقها" أى: أصدق الأسماء "حارث وهمام"، أما حارث فلأنه بمعنى
الكاسب، والإنسان لائح من الكسب طبعا واختيارا. وأما همام فهو فعَّالٌ من هم بالأمر
يهم إذا عزم عليه ، وإنما كان أصدقها، لأنه ما من أحد / ٣٧٤ / إلا وهو يهم بأمر،
خيرا كان أو شرا .
قوله: "وأقبحها" أى: أقبح الأسماء: "حرب ومرة" وقبحهما إما لأنهما أسماء الشيطان،
أو لأن الحرب من المحاربة ، والمرة من المرارة .
[قال شيخ الإسلام:] ٢١٤ - وقد غير النبى وَلّ الأسماء المكروهة إلى أسماء حسنة،
فكانت زينب اسمها(٣) بَرَّة، فقيل: تزكى نفسها [فسماها زينب](٤)، وكان يكره أن
يقال "خرج من عند بَرَّةً" وقال الرجل: "ما اسمك؟ قال: حَزْنٌ. قال: لا، بل أنت
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب فى تغيير الأسماء (٤٩٥٠)، والنسائى فى كتاب الخيل ،
باب ما يستحب من شية الخيل (٢١٨/٦)، وأحمد (٣٤٥/٤) وغيرهم من طريق عقيل بن
شبيب ، عن أبى وهب به . وعقيل قال الحافظ فى "التقريب" : "مجهول" . والحديث ضعفه الشيخ
الألبانى فى "الإرواء" (١١٧٨).
(٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٣٢٥١/٤)، أسد الغابة (٦٣٣٧/٦)، الإصابة (١٠٧٠٨/٧).
(٣) فى الكلم الطيب "تسمى".
(٤) زيادة من الكلم الطيب .
( ٥١٢ )
سَهْلٌ". "وغير اسم عَاصَية فسماها جميلة". وقال لرجل: "ما اسمك؟ قال: أَصْرَمُ.
قال: لا ، بل أنت زُرْعَة". "وسمى حَرَّبَا سِلْمًا". و"سمى المُضْطَجِعَ الْبَعِثَ". "وَأَرْضًا
يقال لها: عَفِرَةٍ(١)، سماها خَضِرَة". "وشِعْبَ الضَّلَالَةِ سَمَّاهَا شِعْبَ الهُدَى". "وَبَنُو
الزُّنيةَ سماهم بنو الرَّشْدة" .
أقول: هذا كله مضمون الأحاديث، أورده الشيخ - رحمه الله - تنبيها على
استحباب تغيير الأسماء القبيحة إلى الحسنة ، وتغيير الأسماء الحسنة إلى أحسن منها،
واستدل على ذلك بقوله: "فكانت زينب ... " إلى آخره. أما زينب فكان اسمها
بَرة، فلما روى فى "صحيحى البخارى ومسلم" عن أبى هريرة - ه - "أن زينب
كان اسمها بَرة، فقيل: تزكى نفسها، فسماها رسول الله ﴿ زينب"(٢) .
وفى "صحيح مسلم" أيضا عن ابن عباس قال: "كانت جويرية اسمها بَرّة، فحول
رسول الله اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند بَرة"(٣).
وأما قوله: "وقال لرجل: ما اسمك؟ قال: حزْن. قال: لا ، بل أنت سهل"
/ ٣٧٥/ فلما روى فى "صحيح البخارى" عن سعيد بن المسيب، عن حزن، عن
أبيه، "أن أباه جاء إلى النبى - عليه السلام - فقال: ما اسمك؟ قال: حزن.
قال: أنت سهل. قال: لا أغير اسما سمانيه أبى". قال ابن المسيب: فما زالت
الحزونة فينا بعد (٤). الحزن : المكان الغليظ الخشن. والحزونة: الخشونة. والسهل ضد
الحزن .
(١) قال فى النهاية (٢٦١/٣): "عفرة - بالفاء، ويروى بالقاف والثاء والذال" .
(٢) البخارى: كتاب الأدب، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه (٦١٩٢)، مسلم: كتاب
الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن ... (١٧/٢١٤١).
(٣) مسلم: كتاب الآداب ، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن ... (١٦/٢١٤٠).
(٤) البخارى: كتاب الأدب ، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه (٦١٩٣).
( ٥١٣ )
:
وأما قوله: "غير اسم عاصيه" فلما روى فى "صحيح مسلم" عن ابن عمر، "أن النبى
- عليه السلام - غير اسم عاصية وقال: أنت جميلة"(١). وفى رواية لمسلم "أن ابنة
لعمر كان يقال لها عاصية ، فسماها رسول الله - عليه السلام - جميلة"(٢).
وأما قوله "وقال لرجل : ما اسمك؟ قال: اصرم" فلما روی فی "سنن أبى داود" بإسناد
حسن، عن أسماء بن أخدرى الصحابى، "أن رجلا يقال له أصرم، كان فى الفقراء
الذين أتوا رسول الله، فقال رسول الله: ما اسمك؟ قال: أصرم. قال: بل أنت
زرعة"(٣). والصرم القطع، فلذلك غيره لما فيه من معنى القطع، وسماه زرعة لأنه من
الزرع: النبات . و"أُخْدَرى" بفتح الهمزة والدال المهملة ، وإسكان الخاء المعجمة .
وأما قوله: "وسمى حربا سلما" إلى آخره، كله من سنن أبى داود(٤).
(١) مسلم: كتاب الآداب (١٤/٢١٣٩).
(٢) مسلم: كتاب الآداب (١٥/٢١٣٩).
(٣) أبو داود: كتاب الأدب ، باب فى تغيير الاسم القبيح (٤٩٥٤) وجود إسناده الشيخ الألبانى فى
الكلم الطيب (٢١٨).
(٤) أبو داود: كتاب الأدب (٤٩٥٦) معلقة بدون إسناد ، وقد ذكر هنا خمس أحاديث، وتخريجها
كالآتى: أما تسميته حربا سلما، فقد قال الحافظ - كما فى شرح الأذكار (١٣٠/٦) - رواه
أحمد فى مسنده (١١٨،٩٨/١) من حديث على بن أبى طالب قال: "لما ولد الحسن سميته حربا،
فجاء رسول الله وَّ فقال: أرونى ابنى ما سميتموه؟ قال: قلت : حربا. قال : بل هو حسن.
فلما ولد الحسين سميته حربا، فجاء رسول الله وَه فقال: أرونى انى ما سميتموه؟ قال: قلت:
حربا. قال: بل هو حسين. فلما ولد الثالث سميته حربا، فجاء النبى ﴿ فقال: أرونى ابنى
ما سميتموه؟ قال: قلت : حربا. قال : بل هو محسن ، ثم قال : سميتهم بأسماء ولد هارون: شبر
وشبیر ومشبر" . قلت : كذا ذكره الحافظ ، وليس فيه أنه سماه سلما ، وهذا الحديث رواه كذلك
الطبرانى فى الكبير (١٠٠/٣) وابن حبان (٥٨٢١) والحاكم (١٦٥/٣) والبيهقى (١٦٦/٦)
-
( ٥١٤ )
الحرب : المعادى المخاصم، تسمية بالمصدر، والسلم : المسالم المصالح .
والمضطجع : من الاضطجاع، وهو النوم. والمنبعث : من الانبعاث، يقال: انبعث فلان
لشأنه إذا ثار، ومضى ذاهبا لقضاء حاجته. والعَفِرَة بالعين / ٣٧٦ / المهملة : بياض
ليس بالناصع. والخَضِرَة : الغضة الناعمة الطرية .
قوله : "وشعب الضلالة" الشعب : طائفة من كل شىء، وقطعة منه .
- وغيرهم، كلهم من طريق إسرائيل، عن أبى إسحاق ، عن هانئ بن هانئ، عن على به ،
وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي، ووافقهما العلامة أحمد شاكر.
وأما تسميته المضطجع بالمنبعث فقد رواه ابن الأثير فى أسد الغابة (٢٦٢/٥) بسنده إلى ابن
إسحاق فى ذكر حصار النبى ◌ّ للطائف قال: "ونزل على رسول الله وَ ◌ّ حين كان محاصرا
للطائف ممن أسلم المنبعث ، كان اسمه المضطجع، فسماه رسول الله ويّ المنبعث" وقال ابن
الأثير: "أخرجه ابن منده وأبو نعيم" اهـ. وذكره الحافظ فى الإصابة (٢١٠/٦) وعزاه إلى ابن
إسحاق فى السيرة .
وأما تسميته أرضا يقال لها عفرة خضرة ، فقد رواه الطبرانى فى الصغير (رقم/٣٤٥) من طريق
شريك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان إذا سمع اسما قبيحا غَيَّره، فمر
على قرية يقال لها عفرة فسماها خضرة" ، ورواه أيضا فى الأوسط، وأبو يعلى (٤٥٥٦)
والطحاوى فى شرح معاني الآثار (١٨٤٩/٥) من طريق عبدة بن سليمان، عن هشام به ، ووقع
عندهم "عذرة" بدلا من "عفرة" وعند الطحاوى "عزرة" كذا بالزاى المعجمة وهو خطأ، وقال
فى المجمع (٥١/٨) رجال أبى يعلى والطبرانى فى الصغير رجال الصحيح اهـ. كذا قال مع أن
طريق الطبرانى فى الصغير فيه شريك، وقد أخرج له مسلم فى المتابعات ومقرونا بغيره ، أفاده
الشيخ الألبانى، وقد حسنه فى الصحيحة (٢٠٨). قلت: وقد عزاه الحافظ كما فى الفتوحات
(١٣٠/٦ - ١٣١) إلى بقى بن عبدة به، وفيه" ... مر بأرض مجدبة ... " وقال: أورده النجم بن
فهد فى "نزهة العيون" .
وأما تسميته "شعب الضلالة شعب الهدى" و"بنو الزينة بنو الرشدة" فلم أقف عليهما ، ولم يعزهما
الحافظ فى تخريجه للأذكار إلى أحد ، والله أعلم .
( ٥١٥)
قوله: "وبنوا الزنية ... " الزنية - بالفتح والكسر - آخر ولد الرجل والمرأة، كالعجرة،
وإنما غير رسول الله - عليه السلام - هذا إلى بنى الرَّشْدة، نفيا لهم عما يوهم لفظ الزنية
من الزنا، وهو نقيض الرشدة . وجعل الأزهرى الفتح من الزنية والرشدة أفصح اللغتين ،
وبنو الزنية هم بنو مالك بن ثعلبة ، "ولما وفدوا على رسول الله قال: من أنتم؟ قالوا:
نحن بنو الزنية. قال: بل أنتم بنو الرشدة". وقد اطلعت على شىء عجيب فى أثناء
مطالعتى، يحكى عن هشام: خرج عمر إلى حرة فلقى رجلا من جهينة فقال له :
ما اسمك؟ قال: شهاب. قال: ابن من؟ قال: ابن جمرة. قال: وممن أنت ؟
قال: من الحرقة . قال: ثم من؟ قال: من بنى ضرام. قال: وأين منزلك؟ قال:
جمرة ليلى. قال: فأين تريد؟ قال: لظى - وهو موضع -. قال عمر: أدرك أهلك،
فما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا . قال : فأدركهم وقد أحاطت بهم النار .
وما يلحق هذا الباب مسائل :
الأولى (١): يجوز ترخيم الاسم إذا لم يتأذَ بذلك صاحبه، لما روى فى "الصحيح" أنه -
عليه السلام - قال لأبى هريرة: "يا أبا هر"(٢)، ولعائشة: "يا عائش"(٣).
الثانية (٤): الألقاب مكروهة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَابِ﴾(٥). إلا إذا رضى
صاحبها بذلك، وأما على جهة التعريف فلا بأس به، بشرط أن لا يكون منها شىء
يسوء صاحبه .
(١) بهامش الأصل: "جواز ترخيم الاسم، وانظر المسألة فى الأذكار" (ص/٢٥٩).
(٢) البخارى: كتاب الرقاق، باب كيف كان عيش النبى ◌ُّ وأصحابه ... (٦٤٥٢).
(٢) البخارى: كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل عائشة - رضى الله عنها - (٣٧٦٨)، مسلم :
كتاب فضائل الصحابة ، باب فى فضل عائشة - رضى الله تعالى عنها (٩١،٩٠/٢٤٤٧).
(٤) انظر الأذكار (ص/٢٥٩-٢٦٠).
(٥) سورة الحجرات (١١).
( ٥١٦ )
الثالثة (١): / ٣٧٧ / الكنى جائزة، واستحب أهل الفضل الخطاب بها، والأدب أن
لا يذكر الرجل كنيته فى كتابه، ولا فى غيره، إلا أن لا يعرف إلا بكنيته ، أو كانت
أشهر من الاسم، ويجوز أن يكنى الرجل بأبى فلانة وأبى فلان، والمرأة بأم فلان وأم
فلانة ، ويجوز تكنية الكافر والمبتدع والفاسق إذا كان لا يعرف إلا بها، أو خيف من ذكر
اسمه فتنة .
واختلف العلماء: هل يجوز التّكْنِّى بأبى القاسم أم لا؟ قيل: لا يجوز أصلا سواء كان
اسمه محمدًا أو غيره، لما روى البخارى ومسلم، أن رسول الله ﴿ قال: «سموا باسمى،
ولا تكنوا بكنيتى"(٢) وإليه ذهب بعض أصحابنا والشافعى ومن وافقه. وقيل: يجوز
مطلقا ، وإليه ذهب بعض أصحابنا ومالك، واستدلوا بما روى الترمذى وأبو داود عن
محمد بن الحنفية، عن على أنه قال: "يا رسول الله، أرأيت إن ولد لى بعدك ولد
أو أسميه محمدًا ، وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم"(٣). ويجعلون النهى الوارد خاصا بحياة
رسول الله . وقيل: لا يجوز لمن اسمه محمد ، ويجوز لغيره .
(١) بهامش الأصل: "الأدب عدم ذكر كنيته فى كتابه" وانظر المسألة فى الأذكار
(ص/٢٦٠ : ٢٦٣).
(٢) البخارى: كتاب البيوع، باب ما ذكر فى الأسواق (٢١٢٠)، مسلم: كتاب الآداب ، باب
النهى عن التكنى بأبى القاسم (١/٢١٣١) من حديث أنس بن مالك .
(٣) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب فى الرخصة فى الجمع بينهما (٤٩٦٧)، والترمذى فى
كتاب الأدب، باب ما جاء فى كراهية الجمع بين اسم النبى وُ ◌ّ وكنيته (٢٨٤٣)، والحاكم
(٢٧٨/٤)، والبيهقى (١٩/٨) من طريق فطر بن خليفة، حدثنى منذر الثورى، عن محمد بن
الحنفية قال: قال على - رحمه الله -: قلت: يا رسول الله" وذكره. وقال الترمذى: "حديث
صحيح". وصححه الحاكم على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي. قلت : وفطر بن خليفة روى
له البخارى مقرونا . والحديث صححه الشيخ الألبانی فی "صحيح أبى داود" .
( ٥١٧ )
[قال شيخ الإسلام :] ٤٧ - فصل فى صياح الديك والنهيق والنباح
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول إذا سمع صياح الديك، ونهيق الحمار، ونباح
الكلب .
[قال شيخ الإسلام:] ٢١٥ - ذكر أبو هريرة - ه - عن النبى وَ لّ قال: "إِذَا سَمِعْتُمْ
نُهَاقَ الَحَمِيرِ، فَتَحَوَّذُوا باللهِ من الشيطانِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيطانًا، وإذا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ
الدُيَكَةِ، فَسَلُوا اللهَ من فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا" متفق / ٣٧٨ / عليه(١).
أقول : النهاق والنهيق والنهق صوت الحمار. والديكة جمع ديك، وهذا الأمر أمر
استحباب ، أما الأمر بالاستعاذة عند نهيق الحمار فلحضور الشيطان هناك ، فذكر الله
يطرده. وأما السؤال من فضل الله عند صياح الديك فلحضور الملك هناك ، فالدعاء
أقرب إلى الإجابة فى ذلك الوقت ، لأنه ربما يؤمن الّلك على دعائه فيستجيب الله
دعاءه .
[قال شيخ الإسلام:] ٢١٦ - وعن جابر قال: قال رسول الله ﴿: "إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ
الكَلْبِ (٢) وَهِيقَ الَحَمِيرِ بالليلِ فَتَعَوَّذُواْ بِاللهِ مِنْهُنَّ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَالاَ تَرَوْنٌ)"(٣).
(١) البخارى: كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال (٣٣٠٣)،
مسلم: "كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب الدعاء عند صياح الديك (٨٢/٢٧٢٩).
(٢) فى "الكلم الطيب" و "سنن أبى داود": "ُباح الكلاب" .
(٣) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما جاء فى الديك والبهائم (٥١٠٣)، وأحمد
(٣٠٦/٣)، وابن حبان (٥٥١٧/١٢)، والبغوى فى "شرح السنة" (٣٩٢/١١)، والحاكم
(٢٨٤/٤) مطولا من طريق محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، عن
جابر مرفوعا .
وأخرجه أبو داود (٥١٠٤)، وأحمد (٣٥٥/٣-٣٥٦) مختصرا من طريق ليث ، عن يزيد بن
الهاد ، عن عمر بن على بن الحسين أنه قال: بلغنى. وذكره. وقال ليث: قال يزيد : وحدثنى
=
( ٥١٨ )
أقول : إنما قيد التعوذ فى هذا الحديث إذا سمعوا نباح الكلب ونهيق الحمير بالليل ، لأن
الليل وقت انتشار الشياطين، فلذلك قال: "فإنهن يرين" من الشياطين والجن "مالا
ترون" أنتم، وأما بالنهار فيمكن أن يكون النباح والنهيق لعلة أخرى ، وإن كانت هذه
العلة موجودة فى الليل، ولكن الغالب فى الليل رؤية الشياطين ، والحكم يدور على
الغالب ، والله أعلم .
٠٠
- هذا الحديث شرحبيل، عن جابر، أنه سمع رسول الله ﴿. وذكره. وله طريق آخر عند
أبى داود (٥١٠٤). وأخرجه البخارى فى "الأدب المفرد" (١٢٣٣-١٢٣٥) من طريقين عن
أبى داود به . وصححه الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" بطرقه .
( ٥١٩ )