النص المفهرس

صفحات 461-480

أقول : أميه بن مخشى الخزاعى الصحابى أبو عبد الله، يعد فى البصريين ، روى عنه ابن
أخيه المثنى بن عبد الرحمن، روى له عن النبى -عليه السلام- حديث فى التسمية على
الأكل ، روى له أبو داود(١). و"مَخْشِىُّ" بفتح الميم، وإسكان الخاء، وكسر الشين
المعجمتين ، وتشديد الياء. واستفيد من هذا الحديث فوائد : الأولى : التسمية
والثانية : إنها تجوز فى آخر الطعام عند النسيان فى الأولى.
والثالثة: فيه دليل على أن النبى -عليه السلام- لم يعلم ترك التسمية إلا فى آخر أمره، إذ
لو علم ذلك لم يسكت عن أمره بالتسمية ، والحديث محمول على هذا .
الرابعة : فيه دليل على جواز الضحك .
فإن قلت : هل يأكل الشيطان حقيقة أم لا؟ واستقاؤه ما أكل حقيقة أم لا، قلت : يجوز أن
يكون حقيقة ، وكيفيته مستورة عنا، والظاهر أن هذا تمثيل، مثل تلذذه وفرحه بترك الرجل
البسملة ، وأكله الطعام بغير ذكر اسم الله بحال من يأكل ويتلذذ بأكله ويفرح، ومثل تنغصه
وتكرهه عند ذكرِ الآكلِ اسمَ اللهِ تعلى بحال من استقاء ما أكله، فكما أن المستقىء
/٣٣٣ / عقيب الأكل يتنغص ويتكره، ويحصل له ألم عظيم، وانزعاج شديد، فكذلك
الشيطان يتنغص ويتخنس، ويتضرر عند ذكرِ الآكلِ اسم الله تعالى .
[قال شيخ الإسلام:] ١٨٠ - وقال أبو هريرة - ه -: "مَا عَابَ رسول الله لِ ﴾
طَعَمَا قَطُّ، إن اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلا تَرَكَهُ" متفق عليه(٢).
- صبح، ثنا المثنى بن عبد الرحمن الخزاعى، عن عمه أمية به. والمثنى قال الحافظ فى
"التقريب" : "مستور". والحديث ضعفه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (١٨٩/٥)، والشيخ
الألبانى فى "الإرواء" (٢٦/٧)،
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٧٧/١)، أسد الغابة (٢٣٩/١)، الإصابة (٢٦٠/١).
(٢) البخارى: كتاب الأطعمة، باب ما عاب النبى ◌ُّ طعاما (٥٤٠٩)، مسلم: كتاب الأشربة،
باب لايعيب الطعام (١٨٧/٢٠٦٤).
( ٤٦٠ )

أقول: هذا الحديث أتى به الشيخ - رحمه الله- هنا دليلا على أنه لا يجوز للمسلم أن
يعيب الطعام والشراب، بل إن اشتهى أكل، وإن لم يشته يسكت ولا يشتغل بتعييبه كما
كان رسول الله يفعل ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رسول الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(١) وفى رواية لمسلم:
"وإن لم يشتهه(٢) سكت(٣)" والله أعلم .
[قال شيخ الإسلام:] ١٨١ - وعن وحشى - ظه -، أن أصحابَ رسول اللّه ◌ُ ﴿ قالوا:
"يَا رسول الله، إنَّا تَأْكُلُ ولا نَشْبَعُ؟ قَالَ: لَعَلَّكُمْ (٤) تَفْتَوِقُونَ؟ قَالُوا: نَعم قالَ: فَاجْتَمِعُواْ
عَلَى طَعَامِكُمْ، وأذكُرُوا اسمَ اللَّهِ يُبَارَكْ لكم فِيهِ" خرجه أبو داود وابن ماجه(٥).
أقول: أبو دسمة وحشى بن حرب مولى جبير بن مطعم بن عدى، وقيل : مولى عمه
طعيمة بن عدى . قال محمد بن سعد: كان عبداً أسود من سودان مكة ، عبداً لابنة
الحارث بن نوفل بن عبد مناف بن قصى ، روى له عن رسول الله -عليه السلام- أربعة
أحاديث ، وقيل : ثمانية، روى له البخارى حديثا واحدا فى قتله حمزة بن عبد المطلب،
روى عنه جعفر بن عمرو بن أمية الضمرى ، وابنه حرب بن وحشی بن حرب،
(١) سورة الأحزاب (٢١).
(٢) فى الأصل: "يشته" والتصويب من صحيح مسلم .
(٣) مسلم (١٨٨/٢٠٦٤).
(٤) فى "ج" و"د" : "فلعلكم".
(٥) أخرجه أبو داود فى كتاب الأطعمة ، باب فى الاجتماع على الطعام (٣٧٦٤)، وابن ماجه فى
كتاب الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام (٣٢٨٦)، وأحمد (٥٠١/٣)، وابن
حبان (٥٢٢٤/١٢)، والحاكم(١٠٣/٢)، والبيهقى (٢٥٨/٥) من طريق الوليد بن مسلم ، عن
٠٠
وحشی بن حرب بن وحشى ، عن أبيه ، عن حده به . والوليد بن مسلم مدطس وقد عنعنه.
ووحشى بن حرب وأبوه لم يوثقهما إلا ابن حبان. والحديث حسنه الحافظ كما فى "شرح
الأذكار" (٢١٤/٥) لشواهده، وكذا حسنه العراقى فى "المغنى" (٤/٢)، والشيخ الألبانى فى
"صحیح ابی داود" .
( ٤٦١ )

وعبيد الله بن عدى بن الخيار، قيل: إنه سكن دمشق، / ٣٣٤ / والصحيح أنه سكن
حمص ، روی له أبو داود وابن ماجه(١) .
واستفيد من الحديث فائدتان : الأولى: إن من لا يشبع ينبغى أن يجتمع مع الجماعة
ولا يفارقهم، فكأن الحكمة فى هذا أن البركة تتفرق بتفرق الجماعة ، فلا يحصل لهم
الشبع، فعلم من هذا أن التفرق على الطعام مكروه .
والثانية : التسمية حتى يبارك لهم فى طعامهم، فإن البركة فى اسم الله تعالى . ..
[قال شيخ الإسلام:] ١٨٢ - وقال أنسٌ -ُه -: قال رسول اللهمح ال/: "إنَّ اللهَ
لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَن يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا"
خرجه مسلم (٢) .
أقول: "اللام" فى "ليرضى" للتأكيد، وهى الابتدائية، و"الأكلة" بفتح الهمزة هى
الواحدة من الأكل، كالغداء والعشاء.
قوله: "فيحمده" منصوب لعطفه على "أن يأكل" وكذلك قوله: "ويشرب"
"فيحمده" ، ولما بَيَّنَ أن التسمية سنة فى الطعام، واستدل عليه بالأحاديث المذكورة،
بَيَّنَ هنا أن الحمد عقيب الطعام سنة أيضا بهذا الحديث الذى رواه مسلم فى "صحيحه"
من رواية أنس، والحكمة فى رضا الله عن العبد إذا أكل الطعام، وحمد الله عقيبه،
أن هذا تعظيم الله تعالى، والاعتراف بنعمته، والإتيان بالأمر الذى ورد فى الشكر،
فلا جرم أن العبد إذا امتثل أمر مولاه، وشكر على نعمته وما أولاه، يرضى عليه
مولاه .
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٧٦٨/٤)، أسد الغابة (٥٤٤٢/٥)، الإصابة (٩١١٥/٦).
(٢) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب
(٨٩/٢٧٣٤).
( ٤٦٢ )

[قال شيخ الإسلام: ] ١٨٣ - وعن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله صل/: "مَنْ أَكَلَ
أَوْ شَرِبَ(١) فقال: الحمدُ للهِ الذِى أَطْعَمَنِى هَذَا(٢)، وَرَزَقَتِهِ من غَيْرِ حَولٍ مِنْى ولا
قُوَّةٍ ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ" قال الترمذى: حديث حسن(٣).
أقول: / ٣٣٥ / معاذبن أنس الجهنى له صحبة مع النبى -عليه السلام-، معدود
فى أهل مصر ، روى عنه ابنه سهل بن معاذ. قال الإمام الحافظ : وسهل لين الحديث ،
إلا أن أحاديثه حسان فى الرغائب ، روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه (٤) .
واعلم أن الشيخ رحمه الله روى هذا الحديث والذى بعده إلى آخر الفصل فى بيان الدعاء بعد
الطعام، وإن كان لفظة "الحمد لله" كافية فيه، ولكن قراءة الأدعية المأثورة مستحبة.
قوله: "من غير حول" أى: طاقة، وهذا اعتراف بالعجز والتقصير، وعدم القدرة
فى تحصيل هذا الطعام، بل هذا من فضل الله، يرزق عباده، والله ذو الفضل العظيم.
[قال شيخ الإسلام:] ١٨٤ - وعن أبى سعيدٍ أَنَّ النبيَّ ﴿ّ كَانَ إِذَا فَرِغَ من
طَعَامِهِ قال: الحَمْدُ للهِالَّذِى أَطْعَمَنَا وسَقَانَا، وجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ" خرجه أبو داود والترمذى(٥).
(١) فى "ج" والسنن " من أكل طعاما فقال ... " .
(٢) فى "د" وسنن أبى داود: "هذا الطعام ورزقنيه".
(٣) أخرجه أبو داود فى كتاب اللباس (٤٠٢٣)، والترمذى فى كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا
فرغ من الطعام (٣٤٥٨)، وابن ماجه فى كتاب الأطعمة ، باب ما يقال إذا فرغ من الطعام
(٣٢٨٥)، وأحمد (٤٣٩/٣) وغيرهم من طريق أبى مرحوم عبد الرحيم بن ميمون ، عن سهل بن
معاذ بن أنس ، عن أبيه به . وأبو مرحوم قال فى "التقريب" : "صدوق زاهد". وحسنه الحافظ
كما فى "شرح الأذكار" (٢٣٠/٥)، والشيخ الألبانى فى "الإرواء" (١٩٨٩).
(٤) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٤٤٤/٣)، أسد الغابة (٤٩٥٠/٥)، الإصابة (٨٠٤٢/٦).
(٥) أخرجه أبو داود فى كتاب الأطعمة، باب ما يقول الرجل إذا طعم (٣٨٥٠)، والترمذى فى
"الشمائل" (١٩٢) من طريق سفيان الثوری ، عن أبی هاشم ، عن إسماعيل بن رباح، عن أبيه رياح بن
-
( ٤٦٣ )

أقول: أبو سعيد هو الخدرى، وقد مر ذكره، وإنما جمع بين قوله : "أطعمنا وسقانا"
ليكون الحمد على الأكل والشرب جميعا، والأكل لا يفارقه الشرب، وحمد الله تعالى فى
هذا الحديث على ثلاثة أشياء: على الطعام، والسقى، والإسلام، لأن الأكل والشرب
يقومان البدن والإسلام يقوم الدين ، وليس القصد إلا قوام البدن والدين، وقَدَّمَ ما يقوم
به البدن على ما يقوم به الدين ،لقيام الدين بقيام البدن ، وهذا كما يقال العلم علمان :
علم فى الأبدان ، وعلم فى الأديان ، فالعلم فى الأبدان يقدم على العلم فى الأديان .
[قال شيخ الإسلام:] ١٨٥ - وعن رجلٍ خَدَمَ النبيَّ ◌َ﴿، / ٣٣٦ / "أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ
النبىَّ﴿ّ إذا قُرُّبَ إليهِ طَعَاماً يقولُ: باسْمِ اللهِ، فإذا فَرِغَ من طعامِهِ قال: اللهم
أَطْعَمْتَ وَسَقَيتْ، وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ، وهَدَيْتَ وأَخْتَيْتَ، فلك الحمدُ على ما أَعْطَيْتَ"
خرجه النسائى وغيره(١) .
- عبيدة، عن أبى سعيد به. وإسماعيل بن رياح قال فى "التقريب": "مجهول". وأخرجه الترمذى: فى
كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا فرغ من الطعام (٣٤٥٧)، وابن ماجه: فى كتاب الأطعمة ، باب
ما يقال إذا فرغ من الطعام (٣٢٨٣)، وغيرهما من طريق الحجاج بن أرطاة، عن رياح، عن ابن أخى
أبی سعید أو مولی لأبى سعيد، عن أبى سعيد به والحجاج ضعيف ومدلس، وقد عنعنه . وشيخ رياح
مجهول لا يعرف. وقدروى من طرق أخرى لا تخلو من مقال ، وكذلك قد اضطرب فيه الرواة كما
بينه الحافظ فى " تهذيب التهذيب" وضعفه الشيخ الألبانى فى "ضعيف أبي داود" .
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى، فى كتاب الأطعمة (٦٨٩٨/٤) من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن
ابن وهب ، عن سعيد بن أبى أيوب ، عن بكر بن عمرو ، عن أبى هبيرة عبد الله، عن عبد الرحمن بن
جبير، عن رجل خدم النبى وُّ به. وأخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٤٥٩) من طريق
عبد الله بن زيد المقرىء، عن سعيد به. وأخرجه أحمد (٦٢/٤) و(٣٧٥/٥) عن بكر بن عمرو به.
وحسنه الإمام النووى فى "الأذكار" (ص /٢١٢)، وتعقبه الحافظ بعد أن صححه كما فى "شرح
الأذكار" (٢٣٦/٥) فقال: "وفى اقتصاره على "حسن" نظر، فإن رجال سنده من يونس إلى
الصحابى أخرج لهم مسلم، وقد صرح التابعى بأن الصحابى حدثه فى رواية المقرىء ،فلعله خفى عليه
حال ابن هبيرة" اهـ. وصححه والشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٧١).
( ٤٦٤ )

أقول : هذا الحديث خرجه النسائى وابن السنى بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن جبير
التابعى، أنه حدثه رجل خدم النبى - ﴿ّ - ثمان سنين، أنه كان يسمع النبى - ﴿ -
إلى آخره، وحذف المفعول من قوله: "أطعمت" وأخواته للعلم به .
قوله: "وأغنيت" من الإغناء، أى: أغنيتنا بإطعامك وسقيك عن غيرك، أو أغنيتنا عن الجوع.
قوله : "وأقنيت" أى: أقنيت ، من القنى وهو الرضا، وأقناه: أرضاه .
قوله: "وهديت" أى: هديتنا إلى طريق الأكل والشراب، وطريق تحصيلهما، أو هديت
إلى الإسلام .
قوله: "وأحييت" أى: أحبيتنا بالطعام والشراب على الحقيقة، أو أحييتنا بالإِسلام على المجاز.
قوله: "فلك الحمد على ما أعطيت" أى: ما أعطيت من الطعام والشراب، والغنى والقنى
والهداية والحياة، أو ما أعطيت مطلقا على وجه العموم، فلذلك حذف ضمير المفعول ليدل
على العموم والشمول فى جميع ما أعطى الله لعباده، والله أعلم.
[قال شيخ الإسلام:] ١٨٦ - عن أبى أمامة - ظُه -، "أَنَّ النبيَّ ◌َ﴿ٌّ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ
قال: الحمدُ للهِ كَثِيراً طَيِّاً مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِىٌّ، ولاُ مُوَدَّعٍ، ولا مُسْتَغْنَى عَنْهُ رَبَّنَا(١)" .
أقول : هذا الحديث رواه البخارى فى "صحيحه"، عن أبى أمامة، /٣٣٧ / وفى
رواية "كان إذا فرغ من طعامه(٢)" وقال مرة : "إذا رفع مائدته قال: الحمد لله الذى
کفانا وأروانا ، غير مکفی ولا مکفور(٢)" .
قوله: "کثیرا" أى : حمدا كثيرا .
قوله : "طيبا" أى: خالصا صالحا.
(١) البخارى: كتاب الأطعمة ، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه (٥٤٥٨).
(٢) البخارى (٥٤٥٩).
( ٤٦٥ )

قوله : "غير مكفى" "(١) بفتح الميم، وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة ، ورواه
أكثر الرواة بالهمز، وهو فاسد من حيث العربية ، سواء كان من الكفاية أو من كفأت الإناء،
كما لا يقال فى مقروء من القراءة مقرئ، ولا فى مرمىّ مرمئ بالهمز" .
قال الخطابى فى معناه: غير محتاج إلى الطعام فيكفى ، لكنه يطعم فيكفى ، كأنه على هذا
من الكفاية ، ولا مودع، ولا متروك الطلب إليه، والرغبة فيما عنده، فإن كل من
استغنى عن الشىء تركه، وعلى هذا فالضمير من بناء المفعول فى الألفاظ الثلاثة راجع
إلى الله، و"ربنا" خبر المبتدأ وهو "غير".
قال - رَُبه -: وأكبر ظنى أنى وجدت الرواية فيهما بالنصب، وعلى هذا ف "غير"
منصوب للمصدر الذى هو : "الحمد"، و"ربنا" على النداء، ويكون "غير مكفى" فى
معنى "غير كافى" ، أى : نحمدك حمدا لا نكتفى به، بل نعود فيه كرة بعد أخرى،
وكذلك المعنى فيما بعده، قيل: يجوز الجر فى "ربنا" على أن يكون بدلاً من قوله "الله"
وذكر ابن الأثير أن رفع "ربُنا" على الابتداء المؤخر، أى: ربنا غير مكفى ولا مودع،
وعلى هذا يرفع "غير". قال: ويجوز أن يكون الكلام راجعا إلى "الحمد" كأنه قال:
حمدا كثيرا غير مَكفى ، ولا مُودَّع، ولا مستغنى عن هذا الحمد . وقال فى قوله: "ولا
مُؤَدَّعٍ". أى : غير متروك الطاعة . وقيل: هو من الوداع، وإليه يرجع. ومعنى قوله :
"غير مكفور" فى تلك / ٣٣٨ / الرواية، أى: غير مجحودة نعم الله سبحانه وتعالى،
بل مشكورة، غير مستور الاعتراف، والحمد عليها"(٢).
واعلم أنك قد عرفت من أحاديث هذا الباب أن التسمية والحمد سيقال فى الطعام ، ثم
كيفية التسمية أن يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" سواء كان طاهرا أو محدثا، أو جنبا
(١) انظر الأذكار للإمام النووى (ص /٢١١) باب ما يقول إذا فرغ من الطعام .
(٢) إلى هنا انتهى النقل من الأذكار.
( ٤٦٦ )

أو حائضا ، فإن قال: "باسم الله" كفاه وحصلت السنة(١)، وينبغى أن يسمى كل واحد
من الآكلين ، فلو سمى واحد منهم أجزأ عن الباقين ، ذكره محيى الدين النورى، ثم قال :
نص عليه الشافعى قياسا على رد السلام، وتشميت العاطس ، فإنه يجزئ فيه قول أحد
الجماعة(٢). قلت : هذا قياس حسن ، فإنه إذا اكتفى بقول واحد فى باب الفروض، ففى
باب السنن أولى . ومما يناسب هذا الباب أبواب :
الأول : "(٣) يستحب لصاحب الطعام أن يقول لضيفانه عند تقديم الطعام: كلوا،
أو: باسم الله، أو : الصلاة، أو نحو ذلك ولا يجب الإذن ، بل تقديم الطعام إليهم إذنّ ،
وما ورد فى الأحاديث الصحيحة من الإذان فى ذلك فمحمولة على الاستحباب" .
الثانى: "(٤) يستحب لمن حضر الطعام وهو صائم أن يدعو لصاحب الطعام إذا لم يرد الإفطار،
لما روى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صل: "إذا دعى أحدكم فليجب، فإن كان
صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم" (٥)قال العلماء: معنى "فليصل": فليدعُ.
الثالث: "(٦) إذا دعى إلى طعام وتبعه غيره يقول: هذا تبعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن
شئت / ٣٣٩ / رجع، فبهذا النص صح فى البخارى(٧).
(١) بل السنة أن يقول "باسم الله" فقط، فإن زاد "الرحمن الرحيم" كان هذا من الزيادات التى لم يأذن بها
الله، فإن الأحاديث التى وردت فى التسمية كلها بدون هذه الزيادة، وفى زيادتها استدراك على
الشارع الحكيم، وانظر تعليق الشيخ الألبانى فى الصحيحة (١١٢/١١١/١)، فإنه مهم.
(٢) انظر الأذكار (ص /٢٠٧) باب التسمية عند الأكل والشرب .
(٣) انظر الأذكار (ص /٢٠٥).
(٤) انظر الأذكار (ص /٢٠٨).
(٥) مسلم: كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعى إلى دعوة (١٠٦/١٤٣١).
(٦) انظر الأذكار (ص /٢٠٨).
(٧) البخارى: كتاب البيوع، باب ما قيل فى اللحام والجزار (٢٠٨١)، مسلم: كتاب الأشربة،
باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام ... (١٣٨/٢٠٣٦) من حديث
-
( ٤٦٧ )

الرابع: (١) يؤدب من يسئ فى أكله، كما قال رسول الله /3: "يا غلام سم الله! وكل
بيمينك ! وكل مما يليك" هكذا فى البخارى ومسلم (٢).
الخامس: m(٣) يستحب الكلام على الطعام، قال الإمام أبو حامد الغزالى فى "إحيائه":
من آداب الطعام أن يتحدثوا فى حال أكلهم بالمعروف ، ويتحدثوا بحكايات الصالحين فى
الأطعمة وغيرهـا(٤) .
السادس: «(*)فيما يقول إذا أکل مع صاحب عاهة ، روی فی سنن أبى داود والترمذى
وابن ماجه، عن جابر - ظه -، "أن رسول الله -عليه السلام- أخذ بيد مجزوم
فوضعها معه فى القصعة فقال: كل باسم الله، ثقة بالله، وتوكلا عليه)»(٦) .
- أبى مسعود الأنصارى بلفظ : "جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، فقال لغلام له
قصاب: اجعل لى طعاما يكفى خامس خمسة من الناس، فإنى أريد أن أدعو النبى وُلُّ خامس خمسة)
فإنى قد عرفت فى وجهه الجوع، فدعاهم، فجاء معهم رجل، فقال النبى وُّ: إن هذا قد تبعنا ، فإن
شئت أن تأذن له فأذن له ، وإن شئت أن يرجع رجع. فقال : لا ، بل قد أذنت له" .
(١) انظر الأذكار (ص /٢٠٩).
(٢) تقدم برقم (١٧٧).
(٣) انظر الأذكار (ص /٢٠٩).
(٤) انظر الإحياء (٧/٢).
(٥) انظر الأذكار (ص /٢١٠).
(٦) أخرجه أبو داود فى كتاب الطب، باب فى الطيرة (٣٩٢٥)، والترمذى فى كتاب الأطعمة،
باب ما جاء فى الأكل مع المجزوم (١٨١٧)، وابن ماجه فى كتاب الطب، باب الجذام
(٣٥٤٢)، وابن السنى (٤٥٧)، والحاكم (١٣٦/٤) وغيرهم من طريق المفضل بن فضالة، عن
حبيب بن الشهيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر به . وقال الترمذى : "هذا حديث غريب
لا نعرفه إلا من حديث المفضل بن فضالة، وهو شيخ بصرى، والمفضل بن فضالة شيخ آخر
مصرى ، أوثق من هذا وأشهر، وروى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد ، عن ابن بريدة ،
-
( ٤٦٨ )

السابع :»(١) يستحب أن يقول صاحب الطعام لضيفه ومن فى معناه، ولزوجته وعياله إذا
رفع يده من الطعام : كل، وتكريره ذلك عليه ما لم يتحقق أنه اكتفى منه، وكذلك
يقول فى الشراب، ويستدل على ذلك بحديث طويل فى البخارى، أنه -عليه السلام-
قال لأبى هريرة : "اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب ، فشربت ، فما زال
يقول اشرب، حتى قلت : لا والذي بعثك بالحق لا أجدله مسلكاً. قال: فأرنی،
فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى، وشرب الفضلة»(٢) .
الثامن: "(٣) يستحب للمدعو والضيف أن يدعو لصاحب الطعام، كما مر من قوله -
عليه السلام -: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم
الملائكة»(٤) .
/ ٣٤٠ / التاسع: "(*) يستحب أن يدعو الإنسان لمن سقاه ماء أو لبنا أو نحوها، روى
فى "صحيح مسلم" عن المقداد فى حديثه الطويل المشهور، قال: "فرفع النبى -عليه
- أن ابن عمر أخذ بيد مجزوم. وحديث شعبة أثبت عندى وأصح" اهـ. والمفضل بن فضالة قال
الحافظ فى "التقريب": "ضعيف". وله شاهد عند ابن عدى (٢٨٤/١) من طريق عبيد الله بن
تمام ، عن إسماعيل بن مسلم المكى، عن محمد بن المنكدر به. وعبيد الله وإسماعيل ضعيفان.
والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (١١٤٤).
(١) انظر الأذكار (ص /٢١٠).
(٢) البخارى: كتاب الرقاق، باب كيف كان عيش النبى يُّ وأصحابه ... (٦٤٥٢) .
(٣) انظر الأذكار (ص /٢١٢-٢١٣).
(٤) أبو داود: كتاب الأطعمة ، باب [ما جاء] (كذا فى الأصل بين معقوفتين) فى الدعاء لرب
الطعام ... (٣٨٥٤) من حديث أنس بن مالك، وحسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار"
(٣٤٣/٤)، والشيخ الألبانى فى "آداب الزفاف" (ص /١٧٠).
(٥) انظر الأذكار (٢١٣ -٢١٤).
( ٤٦٩ )

السلام - رأسه إلى السماء فقال: اللهم أطعم من أطعمنى، وأسق من سقانى"(١).
وروى ابن السنى فى كتابه، عن عمر[و] بن الحَمِق " أنه سقى رسول الله ﴿ لبنا
فقال: اللهم أمتعه بشبابه، فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء»(٢) "الحَمِق".
بفتح الحاء الممهملة ، وكسر الميم" .
(١) مسلم: كتاب الأشربة ، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره (١٧٤/٢٠٥٥).
(٢) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٤٦٩)، وابن أبى شيبة فى "مصنفه" (٤٩٤/١١) من
طريق يحيى بن حمزة ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة، عن يوسف بن سليمان، عن جدته
ميمونة ، عن عمرو بن الحمق به . وإسحاق بن عبد الله قال الحافظ فى "التقريب" : "متروك"
والحديث ضعفه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٢٥٤/٥).
( ٤٧٠ )

[قال شيخ الإسلام : ]
٤٢ - فصل فى الضيف ونحوه
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول الضيف لمضيفه .
[قال شيخ الإسلام:] ١٨٧ - ذكر عبد الله بن بسر قال: "نَزَلَ رسول الله{﴿ عَلَىَ
أبى، [ِقَالَ (١):] فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا فَأَكَلَ منه(٢)، ثم أُّتِىَ بشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، ثم نَاوَلَهُ الذى
عن يَمِينِهِ. [قال(١):] فقال أبى: ادْعُ اللهَ لَنَا. فقال: اللهم بَارِكَ لُهْم فيمَا رَزَقْتَهُمْ،
واغْفِرْ لَهُمْ ، وَارْحَمْهُمْ" خرجه مسلم(٢).
أقول : عبد الله بن بسر الصحابى مر ذكره فى أول الكتاب ، "بُسر" بضم الباء، وإسكان
السين المهملة. هذا الحديث فى "صحيح مسلم" وروايته قال: "نزل رسول الله لُ لّ على
أبى، فقربنا إليه طعاما وَوَطْبَةً فأكل منها ، ثم أتى بتمر فكان يأكله ويلقى النوى بين
إصبعيه ، ويجمع السبابة والوسطى -قال شعبة : ظنى وهو فيه إن شاء الله تعالى ألقى
النوى بين الإصبعين - ثم أتى بشراب فشربه، ثم ناوله الذى عن يمينه، فقال أبى :
ادع الله لنا فقال: اللهم بارك لهم فيما / ٣٤١ / رزقتهم، وأغفر لهم وارحمهم"
"الوَطْبَةُ" بفتح الواو وإسكان الطاء المهملة ، بعدها باء موحدة، وهى قربة لطيفة يكون
فيها اللبن .
قال ابن الأثير: "روى الحميدى هذا الحديث فى كتابه: "فقربنا إليه طعاماً وَرُطَبَةٌ،
فأكل منها" وقال: هكذا جاء فيما رأينا من نسخ مسلم "رطبة" بالراء، وهو تصحيف
من الراوى ، وإنما هو بالواو ، وذكره أبو مسعود الدمشقى وأبو بكر البرقانى فى كتابيهما
بالواو فى آخره قال النضر : "الوَطْبَةُ": الحيس، يُجمعُ بين التمر والأقط والسمن، ونقله
٠٠
(١) زيادة من الكلم الطيب وصحيح مسلم .
(٢) فى الأصل: "قال منه" والتصويب من الكلم الطيب وصحيح مسلم .
(٣) مسلم: كتاب الأشربة ، باب استحباب وضع النوى خارج التمر ... (١٤٦/٢٠٤٢).
( ٤٧١ )

عن شعبة على الصحة بالواو . قلت: والذى قرأتُه فى كتاب مسلم: "وَطْبَة" بالواو،
ولعل نسخ الحميدى قد كانت بالراء(١) .
والوطب الزق الذى يكون فيه السمن واللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه، وجمعه
أو طاب ووطاب.
واستفيد من هذا الحديث فوائد : الأولى : ينبغى أن يكرم الضيف إذا نزل .
والثانية: إن المضيف ينبغى أن يقدم المأكول على المشروب .
والثالثة : ينبغى أن يدار بالمشروب من جهة اليمن .
والرابعة : يستحب لصاحب الطعام أن يلتمس الدعاء من الضيفان .
والخامسة : ينبغى للضيفان أن يدعوا للمضيف بالبركة والرحمة والمغفرة .
[قال شيخ الإسلام:] ١٨٨ - وعن أنس - رَته - "أن النبيَّ ﴿ّ جَاءَ إلى سعدٍ بن
عُبَادَةَ، فجاءَ بِخُبْزِ وزَيْتِ فَأَكَلَ، ثم قال النبيُّ ﴿ أَفْطَرَ عِندَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ
طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وصَلَّتْ / ٣٤٢ / عَلَيْكُمُ المَلاَئِكُةُ" خرجه أبو داود وغيره(٢) .
أقول: سعد بن عبادة بن دُلَيم بن حارثة بن أبى حَرِيمة - بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء -
ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن الخزرج الأكبر الخزرجى
الأنصارى ، سید الخزرج، شهد العقبة وبدرا . وقيل: لم یشهد بدرا، روى عنه بنوه: قیس
وسعيد وإسحاق، وعبد الله بن عباس، وعيسى بن فائد، وسعيد بن المسيب، والحسن
البصرى وغيرهم. مات سنة ست عشرة. وقال الواقدى: سنة خمس عشرة. قال أبو عبيد:
(١) انظر النهاية (٢٠٣/٥).
(٢) أبو داود: كتاب الأطعمة ، باب ما جاء فى الدعاء لرب الطعام ... (٣٨٥٤) وحسنه الحافظ كما
فى "شرح الأذكار" (٣٤٣/٤)، والشيخ الألبانى فى "آداب الزفاف" (ص /١٧٠).
( ٤٧٢ )

سنة أربع عشرة بحوران من أرض الشام. قال الحافظ: لا أعلم له خلافا أنه مات بحوران من
أرض الشام، يقال: إن الجن قتلته، وبالمنيحة قرية بالقرب من دمشق ، يقال أنه قبر سعد بن
عبادة ، ويحتمل أن يكون قد حمل من حوران إليها ، روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه (١).
واستفيد من هذا الحديث فائدتان :
الأولى : إن المضيف إذا نزل به ضيف يقدم إليه ما قدر ولا يتكلف شيئا آخر .
والثانی : إن الضیف یدعو له .
قوله: "أفطر عندكم الصائمون" إلى آخره، دعاء فى صورة الإخبار ، قيل : هذه الكلمة
من النبى -عليه السلام- يحتمل الدعاء للمضيف وأهل بيته ، ويحتمل أن يكون إخبار أمته
-عليه السلام- بذلك، فإنه أبر الأبرار، وأخير الأخيار ، وأما غير النبى - عليه السلام -
فلو قال هذا القول عند أكله طعام شخص، فلا يحتمل إلا الدعاء .
[قال شيخ الإسلام: ] /٣٤٣ /١٨٩ - وخرج أيضا عن جابر قال: "صَنَّعَ
أبو الهيثم بن التَّيِّهَانِ للنبىِّ وَّ [طَعَاماً، فَدَعَا النبىَّ ◌َِّ(٢) وأصْحَابَه، فلما فَرِغُوا
قال: أَثِيبُوا أَخَاكُمْ. قَالُوا: يا رسول الله وما إِثَابَتُهَ؟ قالَ: إِن ◌َالرَّجُلَ إذا دَخِلَ بيتةٌ،
فَأَكِلَ طعامهُ، وَشَرِبَ شَرابُهَ، فَدَعَوْا لَهَ، فَذَلِكَ إِقَابَتُهُ"(٣).
أقول: أبو الهيثم مالك بن التيهان الأنصارى، صحابى كبير. "الَتِّهان" بفتح التاء فوقها
نقطتان ، وتشديد الياء تحتها نقتطان وكسرها ، وبالنون .
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٩٤٩/٢) أسد الغابة (٢٠١٢/٢)، الإصابة (٣١٧٥/٣).
(٢) زيادة من "الكلم الطيب" و "سنن أبى داود"
(٣) أخرجه أبو داود فى كتاب الأطعمة ، باب ما جاء فى الدعاء لرب الطعام (٣٨٥٣) من طريق
يزيد أبى خالد الدالانى ، عن رجل ، عن جابر به . ويزيد قال الحافظ فى "التقريب" : "صدوق
يخطىء كثيرا، وكان يدلس" اهـ. قلت: وقد عنعنه، وفيه راو لم يسم. وضعفه الحافظ كما فى
"شرح الأذكار" (٢٤٨/٥)، والشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (٤٠١/٤) وغيرها .
( ٤٧٣ )

قوله: "أثيبوا أخاكم" أى: جازوه على صنيعه، يقال: أثابه يثيبه إثابة ، والاسم الثواب،
ويكون فى الخير والشر، إلا إنه بالخير أخص ، وأكثر استعمالا .
قوله: "إذا دُخِلَ بيتُهُ" بضم الدال وكسر الخاء، على البناء للمفعول، و"بيته" مرفوع،
وكذلك "طعامه، وشرب شرابه" ، وإنما أورد الشيخ هذا الحديث أيضا لينبه على أنه
يستحب للضيف أن يدعو للمضيف، فإذا نسوا يذكره واحد منهم، والحكمة فى هذا
الدعاء المجازاة والمكافأة، وتطييب قلب المضيف، وزيادة المحبة، وتوكيد المودة، وذكر
اسم الله تعالى .
( ٤٧٤ )

٤٣ - فصل فى السلام
زقال شيخ الإسلام : ]
أقول : هذا الفصل فى بيان أحكام السلام .
[قال شيخ الإسلام:] ١٩٠ - عن عبد الله بن عمرو، "أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسول الله وَلَّ
أَىُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لَمْ تَعْرِفْ"
متفق عليه(١) .
أقول : روى هذا الحديث البخارى ومسلم فى "صحيحيهما" عن عبد الله بن عمرو بن
العاص، وقد / ٣٤٤ / مر ذكره .
قوله: "أى الإسلام خير" أى: أى آداب الإسلام؟ وأى خصال أهله خير؟ وإنما قال:
"تطعم الطعام ... " ولم يقل: إطعام الطعام، وإلقاء السلام، ليعلم بذلك أن الناس
متفاوتون فى تلك الخصال على حسب أوضاعهم ومراتبهم فى المعارف ، وأن الخَصلتين
المذكورتين تناسبان حال السائل، وأنهما خير له بالنسبة إليه لا إلى سائر المسلمين ،
أو نقول: إنه - عليه السلام- أجاب عن سؤاله بإضافه الفعل إليه ليكون أدعى إلى
العمل، والخبر قد وقع موقع الأمر ، أى : أطعم الطعام، وأقرئ السلام .
قوله: " تطعم الطعام" أصله: أن تطعم فى تأويل المصدر، أى : إطعامك الطعام،
وكذلك التقدير فى "وتقرأ"، ومعنى "تقرأ على من عرفت ومن لم تعرف" أى: تسلم
على كل من لقيت ، عرفتَه أم لم تعرفْه، ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثير من
الناس ، ثم إن هذا العموم مخصوص بالمسلمين ، فلا يسلم ابتداء على الكافر . واستفيد من
هذا الحدیث أربع فوائد:
(١) البخارى : كتاب الاستئذان ، باب السلام للمعرفة وغير المعرفة (٦٢٣٦)، مسلم: كتاب
الإيمان، باب بان تفاضل الإسلام، وأى أموره أفضل؟ (٦٣/٣٩).
( ٤٧٥)

الأولى : ترغيب الناس على الخير، وحثهم وتحريضهم على فعله .
والثانية : إن إطعام الطعام خير عظيم .
والثالثة : السلام سنة .
والرابعة : السلام مطلق على من يعرفه المسلم، وعلى من لم يعرفه من المسلمين .
والحكمة في هذين الشيئين استعمال خُلُق التواضع، وإنشاء شعار هذه الأمة، وفيه
تآلف قلوب المسلمين، واجتماع كلمتهم وتواددهم، واستجلاب ما يُحَصِّلُ ذلك
قال القاضى : والألفة إحدى فرائض الدين، وأركان الشريعة، ونظام شمل
الإسلام، / ٣٤٥ / وفيه أيضا أخذ أجر العمل فيه لله تعالى، لا مصانعة،
ولا مَلقى .
وروى فى هذا الباب أيضا فى "مسند الدارمى" وكتابى الترمذى وابن ماجه وغيرها،
بالأسانيد الجيدة، عن عبد الله بن سلام قال: سمعت رسول اللهمل يقول: "يا أيها
الناس ، أفشوا السلام! وأطعموا الطعام! وصِلُوا الأرحام! وصَلَّوا والناس نيام، تدخلوا
الجنة بسلام"(١).
(١) الترمذى: كتاب صفة القيامة ، باب (٤٢)، رقم (٢٤٨٥)، ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة ،
باب ما جاء فى قيام الليل (١٣٣٤)، وأحمد (٤٥١/٥)، والدارمى (٢٧٥/٢) وغيرهم من
طرق عن عوف بن أبى جميلة ، عن زرارة بن أبى أوفى، عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم
رسول الله وَ ﴿ المدينة انْحَفَلَ الناس إليه. وقيل: قدم رسول الهرّه، قدم رسول الله ◌ُ ل ، قدم
رسول الله ◌َّةِ. فحثت فى الناس لأنظر إليه، فلما استثبت وجه رسول الله وَ ل عرفت أن
وجهه لیس بوجه کذاب، و کان أول شئ تكلم به أن قال: وذكره. وقال الترمذى "حديث
حسن صحيح" وصححه الشيخ الألبانى فى الإرواء (٢٣٩/٣) وقال (٢٣٧/٣): صحيح متواتر
وقد جاء من حديث ... " وسرد تمام إحدى عشر صحابيا، ثم سرد الكلام عليها، فانظرها
هناك .
( ٤٧٦ )

[قال شيخ الإسلام:] ١٩١ - وقال أبو هريرة - -: قال رسول الله ):
"لا تَدْخُلُون(١) الَجَّنَة حَتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُوْ، أوَلاَ(٢) أَدُلَّكُمْ على شَيٍ
إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُواْ السَّلاَمِ بَيْنَكُمْ" حرجه مسلم(٣).
أقول: جعل رسول الله لَ﴿ عدم دخول الجنة مُغَيًا (٤) بالإِيمان، وعدم الإِيمان مُغَيّا
بالمحابية، فيكون عدم دخول الجنة مُغَيًّا بالمحابية، ثم نبه على عمل يكون سببا لوقوع
المحابية بينهم، وهو إفشاء السلام، وإلا كان إفشاء السلام سببا لوقوع المحابية، لأن
السلام لا يكون إلا من صفاء القلب ، والتواضع والمسكنة ، فكل من عنده صفاء
القلب، والتواضع والمسكنة، يحبه الناس. ألا ترى أن الظّلَمة المتكبرين لا يسلمون
على الناس إلا قليلا، وذلك من كبرهم ونخوتهم(٥)، فلا جرم أن الناس يبغضونهم،
فيكون تركهم السلام سببا للعداوة والبغضاء، والتحقيق فى هذا الكلام، أن قوله
-عليه السلام- "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا" على حقيقته، لأن الجنة محرمة
على الكافرين، وأما قوله: "ولا تؤمنوا حتى تحابوا" معناه ولا يحصل لكم زينة
/ ٣٤٦ / الإيمان وكماله إلا بالمحابية ، لأن الإيمان هو التصديق، فإذا وجد التصديق
لا يحتاج إلى شىء آخر، ولا يقبل الزيادة والنقصان إلا من حيث الكمال فافهم، فإن هذا
کلام دقیق .
قوله: "أفشوا" بفتح الهمزة من الإفشاء، وهو الإشاعة والإكثار، وفيه الحث
العظيم على إفشاء السلام، وبذله للمسلين كلهم، من عرفه ومن لم يعرفه كما تقدم من
(١) فى "ج" : "لا تدخلوا" وفى صحيح مسلم كما عندنا .
(٢) فى "ج" و"هـ": "أفلا" وفى صحيح مسلم كما عندنا .
(٣) مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ... (٩٣/٥٤).
(٤) الغاية: نَصَبَها وأقامها وغىَّ فلانا: جعل له غاية، وغَىَّ الشئَ: جعل له نهاية، فهو مُغَيًّا .
(٥) افتخارهم وتعظمهم .
( ٤٧٧ )

حديث عبد الله بن عمرو ، والسلام أول أسباب التآلف ، ومفتاح استجلاب المودة، ومن
إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض ، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل
الملل ، مع ما فيه من رياضة النفس ، ولزوم التواضع ، وإعظام حرمات المسلمين .
[قال شيخ الإسلام:] ١٩٢ - وقال عماربن يسار: "ثلاث من جمعهن
فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من
الإقتار"(١).
٠٫
أقول: ذكر البخارى فى "صحيحه" عن عمار بن يسار هذا الكلام، وروى عن البخارى
هذا أيضا مرفوعا إلى النبى -عليه السلام- ، فإن قلت: ما الفرق بين هذه الأحاديث
الثلاثة ؟ حيث قال فى الأول: " وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف"وفى الثانى
"أفشو السلام"، وفى هذا: "بذل السلام للعالَم"؟ قلت : الكل بمعنى واحد، ولكن من
حديث الإفشاء لطيفة أخرى ، وهى أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء،
وفساد ذات البين ، التى هى الحالقة ، وأن سلامه لله تعالى لا يتبع فيه هواه، ولا يخص به
/ ٣٤٧/ أحبابه .
قوله: "ثلاث" أى ثلاث خصال "من جمعهن فقد جمع الإيمان" أى: فقد جمع فضائل
الإيمان وخصائله، الأول: "الإنصاف من نفسك" فإن الإنصاف يقتضى أن يؤدى إلى
الله جميع حقوقه، وما أمره به، ويجتنب ما نهاه عنه، وأن يؤدى إلى الناس حقوقهم،
ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف نفسه أيضا، فلا يوقعها فى قبيح أصلا .
(١) البخارى تعليقا: كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإسلام (قبل /٢٨) ووصله ابن أبى شيبة
فى الإيمان (ص /٤٤) وابن حبان فى روضة العقلاء (ص /٥٩) ورجاله ثقات إلا أن أبا إسحاق
السبيعى كان قد اختلط وهو مدلس، وقد عنعنه، وقد رواه بعضهم مرفوعا وهو خطأ
كما نبه عليه الحافظ ابن حجر فى الفتح (٨١/١-٨٢): وانظر "الكلم الطيب" للشيخ
الألبانى .
( ٤٧٨ )

والثانى: "بذل السلام للعالَم" فمعناه لجميع الناس ، وهذا يتضمن أن لا يتكبر على أحد،
وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء ، يمتنع بسببه من السلام عليه .
والثالث: "الإنفاق من الإقتار" وهو التضييق عليه فى الرزق، يقال: أقتر الله رزقه،
أى: ضيقه وقلله، وقد أقتر الرجل فهو مقتر، وقُتِر عليه فهو مقتور عليه، والإنفاق من
الإقتار يقتضى كمال الوثوق بالله تعالى، والتوكل عليه، والسعة على المسلمين وغير
ذلك، وقد جمع رسول الله و﴿ فى هذه الكلمات خيرات الدينا والآخرة.
[قال شيخ الإسلام:] ١٩٣ - وقال عمرانُ بن حُصَينِ: "جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ◌َّ فقالَ:
السلامُ عَلِيكُم، فَرَدَّ عليه، ثم جَلَسَ، فَقالَ النبىِ ﴿ُ: عَشرٌ ثم جَاءَ آخرُ فقال:
السلامُ عليكمُ ورحمةُ اللهِ فردَّ عليه ثم جَلَسَ فقالَ النبيُّ - ﴿ِ - عِشْرُونَ. ثم جَاءَ
أَخَرُ فقالَ: السلامُ عَلِيكُمْ ورحمةُ اللهِ وبِرَكَاتُهُ، فَرِدَّ عليهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: ثَلاثُونَ"
قال الترمذى : حديث حسن(١).
أقول : عمران بن حصين أبو نُجيد - أوله نون مضومة - ابن عبيد بن خلف بن عبد بن
سالم بن غاضرة بن / ٣٤٨ / سلول بن حَبَشِيَّةَ بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة،
وهو لحى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن
الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن يزيدبن كهلان الخزاعى ، أسلم أبو هريرة
و عمران بن حصین عام خيبر ، روى له عن رسول الله مائة حديث وثمانون حدیثا(٢)،
(١) الترمذى: كتاب الاستئذان، باب ما ذکر فی فضل السلام (٢٦٨٩) وقال: حديث حسن صحيح، وفى
تحفة الأشراف (١٠٨٧٤): "حسن". ورواه كذلك أبو دواود: كتاب الأداب، باب كيف السلام
(٥١٩٥)، والدارمى (٣٦٠/٢) من طريق جعفر بن سليمان، عن عوف، عن أبى رجاء، عن عمران به.
وحسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٢٨٩/٥) لشواهده، والشيخ الألبانى فى الكلم الطيب.
(٢) فى الأصل: مائة وثمان حديثا "خطأ، والتصويب من رسالة ابن حزم "أسماء الصحابة الرواة
وما لكل واحد من العدد".
( ٤٧٩ )