النص المفهرس
صفحات 401-420
[قال شيخ الإسلام : ] ٢٦ - فصل فى دخول المقابر أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال عند دخول المقابر . [قال شيخ الإسلام: ] ١٤٧ - قال بريدةُ: "كان رسول الله وَ ﴿ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُواْ إِلى الَقَابِرِ أن يَقُولَ قَائِلُهُمْ (١): السَّلاَمُ عَلِيكُمْ أَهْلَ الدِيَارِ منَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُسْلِمِينَ، وإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ ، نَسْأَلُ(٢) اللّهَ لَنَا وَلَكُمُ العَالِيَةَ " خرجه مسلم(٣) . أقول : بريدة أبو سهل، وقد مر ذكره . قوله: "أهل الديار" یعنی : يا أهل الديار . قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" "إنا" مبتدأ، و "لاحقون" مع متعلقه وهو "بكم" خبره . وقوله : "إن شاء الله" معترضة بينهما. فإن قلت: ما وجه الاستثناء هنا وهو لا يكون إلا فى أمر غير متحقق، واللحوق بهم أمر مقطوع؟ قلت : قيل معناه: [إ]ذا شاء الله . وقال الداودى(٤): معناه : كما شاء الله . وقيل : أراد الامتثال بقوله تعالى : ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله﴾(٥). وقيل: هذا على الثبوت والتفويض وإن كان فى الواجب، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الَمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ الله﴾(٦) . وقيل: الاستثناء فى الموافاة على الإِيمان . (١) فى "ج" : "أن يقولوا" . وعند مسلم: "فكان قائلهم يقول" . (٢) فى صحيح مسلم : "للاحقون ، أسال الله ... ". (٣) مسلم: كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (١٠٤/٩٧٥). (٤) فى الأصل : "الداوردى" خطأ . (٥) سورة الكهف (٢٤،٢٣) . (٦) سورة الفتح (٢٧). ( ٤٠٠ ) قوله : "نسأل الله لنا ولكم العافية" أما وجه السؤال العافية للأحياء فظاهر، وأما وجه السؤال للموتى فالمراد بها أن يدفع الله عنهم العذاب ، ويخفف عليهم الحساب، ومن هذا الباب ما روى فى "صحيح مسلم" / ٢٩٢ /، عن عائشة - رضى الله عنها - ، أنها قالت : "كيف أقول يا رسول الله؟ - يعنى: فى زيارة القبور - قال: قولى: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منكم ومنا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"(١). وفى "جامع الترمذى" عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: "مر رسول الله ﴾ بقبور فى المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال : السلام عليكم يا أهل القبور ، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ، ونحن بالأثر". قال الترمذى: حديث حسن(٢). (٣) ويستحب للزائر الإكثار من قراءة القرآن والذكر، والدعاء لأهل تلك المقابر، وسائر الموتى والمسلمين أجمعين، وذكر فى شرعة الإسلام أن المستحب أن يمشى فى المقبرة حافيا ، فكأنه استدل بما روى فى "سنن أبى داود والنسائى وابن ماجه" بإسناد حسن، عن بشير بن معبد قال: "بينما أنا أماشى النبى - عليه السلام - نظر فإذا رجل (١) مسلم: كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور ... (١٠٣/٩٧٤). (٢) الترمذى: كتاب الجنائز، باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر (١٠٥٣) من طريق قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه، عن ابن عباس به . وقال الشيخ الألبانى فى "أحكام الجنائز" (ص/١٩٧): وفيه قابوس بن أبى ظبيان ، قال النسائى: ليس بالقوى ، وقال ابن حبان : ردئ الحفظ ، ينفرد عن أبيْهً بما لا أصل له . قلت: وهذا من روايته عن أبيه ، فلا يحتج به ولعل تحسين الترمذى لحديثه هذا إنما هو باعتبار شواهده، فإن معناه ثابت فى الأحاديث الصحيحة ، ... إلا أن قوله "فأقبل علیهم بوجهه" منکر ، لتفرد هذا الضعيف به اهـ . (٣) انظر الأذكار للنووى (ص/١٥٣). ( ٤٠١ ) يمشى بين القبور عليه نعلان ، فقال يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك"(١). السبتية : النعل الذى لا شعر عليها، وهو بكسر السين المهملة، وإسكان الباء الموحدة، والله أعلم . (١) أبو داود: كتاب الجنائز، باب المشى فى النعل بين القبور (٣٢٣٠)، النسائى: كتاب الجنائز، باب كراهية المشى بين القبور فى النعال السبتية (٩٦/٤)، ابن ماجه : كتاب الجنائز، باب ما جاء فى خلع النعلين فى المقابر (١٥٦٨) وغيرهم من طريق خالد بن سمير، عن بشير بن نهيك ، عن بشير بن معبد بن الخصاصية به. وقال الحاكم (٣٧٣/١): "صحيح الإسناد" ، ووافقه الذهبى. وقال الشيخ الألبانى فى "الإرواء" (٧٦٠): "وهو كما قالا" اهـ. ( ٤٠٢ ) [قال شيخ الإسلام : ] ٢٧ - فصل فى الاستسقاء أقول : هذا الفصل فى بيان الدعاء فى الاستسقاء وهو طلب السقيا وهو المطر . [قال شيخ الإسلام:] ١٤٨ - عن جابر بن عبد الله قال: "رأيتُ النبىَّ تُوَاكِى(١) فقال: اللهمَّ اسْقِنَا غَيْئًا (٢ مُغِيثًا، مَرِيئًا مَرِيعًا٢)، عَاجِلاً غَيْرَ أَجِلٍ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ"(٣) .. أقول: وقع فى "سنن أبى داود": "أتت النبى - عليه / ٢٩٣ / السلام - بواكى"(٤)، وفى "مسند البزار" "تواكى"، وكذا ذكره ابن أبى الدنيا. وقال الخطابى: "صوابه "يواكى"(٥). ومعناه: تحامل على يديه، يعنى: رفعهما ومدهما فى الدعاء، وجعلوه من التوكٍ، وهو التحامل على العصا"(٦). وأصل التاء فى التوكإِ واو ، حولت ياء لوقوعها فى الكلمة فى الطرف، وفى بعض النسخ: "أتت النبى - عليه السلام - بواكى" وهى جمع باكية ، أى: جماعة باكية . قوله : "غيشا" أى : مطرا . (١) فى "ج" و"هـ": "أتت النبي ◌ُّ بواٍ"، وفى "د": "استسقى النبى رَّ بواكٍ"، وزادوا: "وهى جمع باكية". (٢) فى الكلم الطيب "مغيثا مريعا، نافعا غير ضار"، وعند أبى داود: "مغيثا مريئا مريعا، نافعا غير ضار" . (٣) أبو داود : كتاب الصلاة ، باب رفع اليدين فى الاستسقاء (١١٦٩) قال : حدثنا ابن أبى خلف، ثنا محمد بن عبيد، ثنا مسعر ، عن يزيد الفقير، عن جابر به . وصححه الإمام النووى فى "الأذكار" (ص/١٦٠)، وكذا الشيخ الألبانى فى "صحيح أبى داود" . (٤) فى الأصل: "تواكى" والتصويب من سنن أبى داود والتحفة (٣١٤١). (٥) فى الأصل: "تواكى" والتصويب من معالم السنن (٢٢٠/١)، ويؤيده شرح الخطابى. (٦) انظر معالم السنن (٢٢٠/١) كتاب الصلاة، باب رفع اليدين فى الاستسقاء. ( ٤٠٣ ) قوله : "مغيثا" من الإغاثة، وهى الإغاثة . قوله: "مريئا" أى: هنيئا صالحا كالطعام الذى يمرؤ، ومعناه: الخلو عن كل ما ينغصه كالهدم والغرق ونحوهما، ويحتمل أن يكون بغير همز، ومعناه: مدرارًا، من قولهم: ناقة مرئ، أى : كثيرة اللبن ، ولا أحققه رواية . قوله: "مريعا" بالياء المثناة من تحت، أى: مخصبا ناجعا، من قولهم: "أمرع المكان إذا أخصب، وإذا جُعل من المراعة فُتح ميمُه" وعلى هذا الوجه فسره الخطابى (١)، ويقال: مكان مَرِيع، أى: خصيب، وأورده أيضا صاحب "الغريبين" فى باب الميم مع الراء، ويروى بالباء الموحدة، أى: منبتا للربيع، ويروى بالتاء المثناة من فوق، أى: منبتا ما يرتع فيه الإبل، ومن كلامهم: غيث مربع مربع. قوله: "فأطبقت عليهم السماء" أى: أطبقت عليهم بالمطر، من قولهم: أطبق عليه الحمى، وهى التى تدوم فلا تفارق ليلا ولا نهارا، ويحتمل أنه أراد أصابتهم السماء بالمطر العام، والمستعمل فى هذا الباب التطبيق، يقال: طبق الغيم تطبيقا، إذا أصاب ماؤه جميع الأرض. / ٢٩٤ / يقال: مطر طبق، أى: عام، ومنه الحديث: "اللهم اسقنا غيثا طبقا"(٢) أى: مالها للأرض. (١) انظر معالم السنن (٢٢١/١). (٢) ورد من حديث كعب بن مرة وابن عباس، فأما حديث كعب فرواه ابن ماجه فى كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فى الدعاء فى الاستسقاء (١٢٦٩) وأحمد (٢٣٦/٤) والحاكم (٣٢٨/١) بلفظ: " .... اللهم اسقنا غيثا مريئا مُرِيعا طبقاً ... " ، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، وقال الشيخ الألبانى فى الإرواء (١٤٥/٢): وهو كما قالا . وأما حديث ابن عباس فرواه ابن ماجه (١٢٧٠) وهو من رواية حبيب بن أبى ثابت عن ابن عباس ، وحبيب مدنس ، وقد عنعنه، وضعفه الشيخ الألبانى فى الإرواء (١٤٦/٢) . ( ٤٠٤ ) [قال شيخ الإسلام:] ١٤٩ - وعن عائشة - رضى الله عنها - قالت: "شَكَى الناسُ إلى رسول الله وَلَّقُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بمنبرٍ، فُوُضِعَ له فى المُصَلَّى، ووعَدَ الناسَ يَومًا يَخرُجونَ فيهِ، فخرجَ رسول الله وَّ حِينَ بَدَا حاجبُ الشمسِ، فَقَعَدَ على المنبرِ، فَكَبَّرَ وحمدَ اله(١)، ثم قال: إنكم شكوتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسِتْخَار الَطَرِ عن ◌ِيَّانِ زَمَانِهِ عنكمْ، وقد أَمَرَكم الله سبحانه أن تدعُوهُ، ووعدَكُمْ أن يستجيبَ لكم، ثم قال: ﴿الحمدُ للهِربِّ العالمينَ، الرحمنِ الرحيمِ، مالكٍ (٢) يومِ الدينِ﴾ لا إلهَ إلا الله، يفعلُ ما يُريدُ، اللهم أنتَ اللهُ، لا إلهَ إلا أنتَ الْغَنِىُّ(٣)، ونحنُ الفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الغيثَ، وَاجْعَلْ ما أنزلتَ لَنَا قُوَّةً وبلاغًا إلى حينٍ(٤) ،ثم رَفَعَ يَدَيْهِ، فلم يَزَلْ فى الرفعِ حتى بَدَا بياضُ إِيطَيْهِ، ثم حَوَّلَ إلى الناسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ أُو حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وهو رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثم أَقْبُلَ على الناسِ، وَنَزَلَ وصَلَّى ركعتينِ، فأنشأَ الله سحابَةٌ ، فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، ثم أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللهِ، فلم يأتِ مسجدَهُ حتى سَالَتِ السُّيولُ، فلما رَأَى سُرْعَتَهُمْ إلى الكِنَّ ضَحِكَ - عليه الصلاة والسلام - حتى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فقال: أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، وأنى عبداللهِ ورسوله". خرجهما أبو داود(٥). أقول : روى هذا الحديث أبو داود فى "سننه" عن عائشة بإسناد صحيح، وقال فى آخره : هذا إسناد جيد . (١) فى "د" : "فكبر الله - عز وجل - وحمده" . (٢) فى "سنن أبى داود": "مَلِك يوم الدين" وقال أبو داود عقبة: "أهل المدينة يقرءون " ملك يوم الدين" وإن هذا الحديث حجة لهم" اهـ. وقال ابن علان فى "شرح الأذكار" (٢٦٧/٤): "مالك يوم الدين" وفى نسخة (ملك يوم الدين)، وهما قراءتان متواترتان، والأكثرون على الأول" اهـ. (٣) فى "د": "لا إله إلا أنت، أنت الغنى" . (٤) فى "د": "قوة وبلاغًا ومتاعا إلى حين" . (٥) أبو داود: كتاب الصلاة، باب رفع اليدين فى الاستسقاء (١١٧٣)، من طريق القاسم بن مبرور ، عن يونس عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة به . وقال أبو داود : هذا حديث غریب إسناده جيد . وحسنه الشیخ الألبانی فی صحیح أبی داود . (٤٠٥) قوله: "قحوط المطر" بضم القاف والحاء المهملة : انحباسه وانقطاعه. قوله: "فأمر بمنبر" المنبر شىء معروف، واشتقاقه من النبر، / ٢٩٥ / وهو الرفع، وكل مرتفع منبر . قوله : "حين بدا" أى: ظهر ولاح. قوله: "حاجب الشمس" أى: طرفها. وفى "الصحاح" : حواجب الشمس نواحيها ، واستعير من حاجب الإنسان . قوله : "جدب دياركم" الجدب بإسكان الدال المهملة ضد الخصب . قوله: "واستئخار المطر" أى: تأخيره. قوله : "عن إِيَّان زمانه" إِبَانُ الشىء وقته، بكسر الهمزة، وتشديد الباء الموحدة. قوله : "ووعدكم أن يستجيب لكم" وهو قوله تعالى: ﴿ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(١). قوله : "الغيث" أى : المطر . قوله: "قوة" أراد به المطر النافع، لأنه سبب لنبات الأرزاق ، والأرزاق سبب لقوة بنى آدم والبهائم . قوله : "وبلاغا إلى حين" أراد به المطر الكافى إلى وقت انقطاع الحاجة، والاستقصاء عنه . قوله: "فرعدت" أى: صوتت ، أسند صوت الرعد إلى السحابة مجازًا، باعتبار كونها مجاورة له ، والرعد: ملك يزجر السحاب، وزجره تسبيحه، قال الله تعالى ﴿وَيُسَبُحُ (١) سورة غافر (٦٠) . (٤٠٦) الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾(١). قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: "أتت يهود إلى النبى - عليه السلام - فسألوه عن الرعد ما هو ؟ قال : ملك من الملائكة موكل بالسحاب ، معه مخاريق من نور(٢)، يسوق بها السحاب حيث شاء الله تعالى. قالوا فما هذا الصوت الذى نسمع؟ قال : زجره السحاب ، يزجره إلى حيث أمره . قالوا : صدقت"(٣) . قال الشافعى : أخبرنا الثقة ، أن مجاهدا قال : الرعد : ملك ، والبرق : أجنحته . قوله: "وبرقت" أى: خرج منها برق ، والبرق للرعد أيضا . قوله: "ثم / ٢٩٦ / أمطرت" هكذا هو بالألف، مطرت وأمطرت لغتان ، ولا التفات إلى من قال لا يقال أمطر بالألف إلا فى العذاب . قوله: "إلى الكن" "(٤) الكن: ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن، وقد كننته أکنه كنا، والاسم الكن، ومنه الحديث : "على ما استكنَّ" أى: استتر" . قوله: "ضحك" وضحكه - عليه السلام - تعجبا منهم، حيث اشتكوا أولا من عدم المطر، فلما سُقوا هربوا طالبين الكن . قوله: "حتى بدت نواجذه" أى: ظهرت أنيابه، وهى بالذال المعجمة. (١) سورة الرعد (١٣) . (٢) كذا فى الأصل، وعند الترمذى وأحمد (مخاريق من نار). (٣) أخرجه الترمذى فى كتاب تفسير القرآن، باب "ومن سورة الرعد" (٣١١٧) والنسائى فى الكبرى، فى كتاب عشرة النساء (٩٠٧٢/٥)، وأحمد (٢٧٤/١) وغيرهم من طريق عبد الله بن الوليد العجلى ، عن بكير بن شهاب الملكى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس به . وحسنه الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (١٨٧٢) لشواهده . (٤) انظر النهاية لابن الأثر (٢٠٦/٤). (٤٠٧) قوله: "أشهد أن الله على كل شىء قدير" استعظام منه لقدرة الله ، حيث أنزل الغيث حتى سالت السيول بعد ما كانت الأرض جدبا . قوله : "وأنى عبدالله" إظهار التذلل والخضوع. قوله: "ورسوله" إظهار بأن قبول دعائه من ساعته لأجل أنه رسول الله، وأنه مؤيد من عند الله . واستفيد من هذا الحديث فوائد : الأولى : إن فى زمن القحط ينبغى أن يخرجوا إلى المصلى(١). والثانية : يخرج معهم معتدلهم وكبيرهم، الذى اشتهر بينهم بالزهد والورع والصلاح، لأن من هذه صفته يكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة . والثالثة : إن نفس اليوم ليس بشرط فيه . والرابعة : يخرجون بالنهار . والخامسة : يخطب لهم الإِمام . والسادسة : ينصب لهم منبرا ، ويخطب على موضع مرتفع . والسابعة : وقت الدعاءِ يكونُ وَجههُ إلى الجماعة . والثامنة : فهم منه أن الخطبة قبل الصلاة ، ومذهب أبى يوسف ومحمد : بعد الصلاة، وبه قال الشافعى. / ٢٩٧ / والجواب عن الحديث أنه محمول على الجواز، والمستحب تقديم الصلاة لأحاديث أخر "أن رسول الله - عليه السلام - قدم الصلاة على الخطبة"(٢) . (١) بهامش الأصل : "الخروج إلى المصلى لرفع البليات" . (٢) ورد ما يفيد ذلك من حديث أبى هريرة وعبد الله بن زيد المازنى، فأما حديث أبى هريرة فرواه ابن ماجه فى كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فى صلاة الاستسقاء (١٢٦٨) وفيه: "خرج - (٤٠٨) والتاسعة : ينبغى أن يذكر الغيث فى دعائه . والعاشرة : يرفعون أيديهم فى الدعاء . والحادية عشر: يحول الإمام ظهره إلى الناس بعد الدعاء، ويقلب رداءه، وبه قال أصحابنا ، ولا يقلب القوم أرديتهم عندنا بظاهر هذا الحديث . فإن قلت: ما الحكمة فى تقليب الرداء؟ قلت : التفاؤل من انقلاب حال إلى حال ، كأنه تفاعل أن ينقلب حالهم من الجدب إلى الغيث والخصب . والثانية عشر : فيه نص على الصلاة بركعتين، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد . والثالثة عشر : فُهم منه جواز الضحك إلى بدو النواجذ . - رسول الله وي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ... " وإسناده حسن. وأما حديث عبد الله بن زيد فرواه أحمد فى مسنده (٤١/٤) بلفظ "خرج رسول الله وعل إلى المصلى .... ، قال إسحاق - أحد الرواة - "وبدأ بالصلاة قبل الخطبة " وإسناده صحيح، ويجمع بين هذه الأحاديث بجواز تقديم الخطبة على الصلاة والعكس. وقال الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٢٦٥/٤): "ما ذكره - يعنى: الإمام النووى - من تأخير الخطبتين على الصلاة هو الأفضل ، وإلا فلو قدمهما عليها جاز ، فقد رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة ، لكن الخطبة بعدها بالنسبة إلينا أفضل ، لأنه أكثر رواة ، ومعتضد بالقياس على خطبة العيد والكسوف" . (٤٠٩) [قال شيخ الإسلام : ] ٢٨ - فصل فى الربح(١) أقول : هذا الفصل فيما يقال عند هبوب الريح . [قال شيخ الإسلام:] ١٥٠ - قال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﴿ يقول: الرِّيحُ مِن رَوْحِ اللهِ، تَأْتِى بالرحمةِ، وتأتى بالعذابِ، فإذا رأيتُمُوهَا فَلا تَسُبُّهَا، وَاسْأَلُوا الله خَيْرَهَا ، واسْتَعِيذُوا باللهِ مِن شَرُّهَا" خرجه أبو داود وابن ماجه(٢) . ٠٫ أقول: معنى قوله: "الريح من روح الله" بفتح الراء، أى: من رحمة الله لعباده . قوله: "تأتى بالرحمة، وتأتى بالعذاب" يعنى: تارة تكون رحمة إذا أتى مطر فى الجدب، أو هب فى وقت حر، أو طاوعت للسفن على وجه البحار ، وسلم أهلها من الغرق ونحو ذلك، وتارة تكون عذابا، بأن تهد البيوت والأبنية، وتثير الغبار، وتكسر / ٢٩٨/ الأشجار ، وتفرق السحاب ، الذى يُطمع فيه المطر، أو خالفت السفن فغرق أهلها، ونحو ذلك. وأما سؤال خيرها والاستعاذة من شرها قد فسر فى الحديث الذى يلى هذا الحدیث ، وهو حديث مسلم. قوله: "فلا تسبوها" إنما نهاهم عن ذلك، لأنها آية من آيات الله تعالى ، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشْرَاتٍ﴾(٣) وذكر الشافعى حديثا منقطعا عن رجل، (١) سقط هذا التبويب من "د" . (٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب ما يقول إذا هاجت الريح (٥٠٩٧)، وابن ماجه فى كتاب الأدب ، باب النهى عن سب الريح (٣٧٢٧)، وأحمد (٥١٨،٤٠٩،٢٦٨/٢) وغيرهم من طريق الزهرى ، عن ثابت بن قيس الزرقى ، عن أبى هريرة به . وحسن إسناده النووى فى "الأذكار" (ص/١٦٢)، وصححه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٢٧٢/٤)، وكذا الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٣٥٦٤). (٣) سورة الروم (٤٦). (٤١٠) "أنه شكى إلى النبى - عليه السلام - الفقر. فقال عليه السلام: لعلك تسب الريح"(١). قال الشافعى: "لا ينبغى لأحد أن يسب الرياح، فإنها خلق الله مطيع، وجند من أجناده، يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء"(١)، والله أعلم. [قال شيخ الإسلام: ] ١٥١ - وقالت عائشة - رضى الله عنها -: "كَان النبيُّ ◌َلَّ إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قال: اللهم أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وخيرَ ما فيها، وخيرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعوذُ بكَ من شَرُّهَا، وشَرُ مافِيهَا، وشَرُ ما أُرْسِلَتْ بِه" خرجه مسلم (٢). أقول : معنى عصفت الريح اشتد هبوبها ، وريح عاصف : شديدة الهبوب . قوله : "إنى أسألك خيرها" أى : خير هذه الريح. اعلم أن هاهنا المسئول ثلاث خيرات : الأول: خير نفس الريح. والثانى: خير ما فيها . والثالث : خير ما أرسلت به . أما خير نفس الريح مثل تلذذ بنى آدم ببرودتها فى الحر ، وإعطائها الطراوة، والبدارة للنباتات، وذهابها بالروائح الكريهة ، ونحو ذلك، وأما خير ما فيها مثل نزول المطر النافع، لأن المطر لا يجئ إلا ويسبقها الريح، وأما خير ما أرسلت به / ٢٩٩ / مثل السحاب، لأنه يجئ بالريح، وله خير وشر، خيره مثل المطر النافع، وشره مثل المطر الضار، فافهم. [قال شيخ الإسلام: ] ١٥٢ - وعن عائشةَ - رضى الله عنها -، "أن النبيَّ لَ لث كان إِذَا رَأَى نَاشِئًا فِى أُفُقِ السَّمَاءِ تَرَكَ العَمَلَ وَإِنْ كَانَ فِى صَلاَةٍ، ثم يقولُ: اللهمَّ إنى (١) الأم: كتاب الاستسقاء، باب القول فى الإنصات عند رؤية السحاب والريح (٢٩٠/١) وقال الحافظ : "سند الحديث معضل" وانظر "الفتوحات الربانية" (٢٨٠/٤). (٢) مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم ... (١٥/٨٩٩). وسقط من "د" و"هـ" قوله: "وأعوذ بك من شرها ... " إلى آخره. وزاد مسلم: "وإذا تخيلت السماء تغير لونه ، وخرج ودخل ، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرِّى عنه . فعرفت ذلك فى وجهه. قالت عائشة : فسألته فقال: "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد ﴿فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا﴾ . (٤١١) أعوذُ بكَ من شَرُّهَا، فإن مُطِرَ قال: اللهمَّ صَيْبًا هَنِيئًا" خرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه(١). أقول : جاء عن عائشة - رضى الله عنها - ، "أن النبى - عليه السلام - كان إذا رأى ناشئاً" بهمز فى آخره : سحابا لم يتكامل اجتماعه . قوله: "فى أفق السماء" أى : أطرافه . قوله: "اللهم إنى أعوذ بك من شرها" وجه الاستعاذة أنه كان يخاف أن يكون فيها عذاب كما كان على من قبلنا من الكفار . قوله: "صيبا" بكسر الياء المثناة من تحت المشددة، وهو المطر الكثير. وقيل: المطر الذى يجرى ماؤه ، وهو منصوب بفعل محذوف ، أى : أسألك صيبا، أو : اجعله صيبا . قوله : "هنيئًا" أى: سائغًا نافعا. (١) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما يقول إذا هاجت الريح (٥٠٩٩)، والنسائى فى الكبرى، فى كتاب الصلاة (١٨٢٩/١)، وفى "عمل اليوم والليلة" (٩١٥)، وابن ماجه فى كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا رأى السحاب والمطر (٣٨٩٠) وغيرهم من طرق عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة به. وصححه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٢٧٣/٤)، وكذا الشيخ الألبانى فى "صحيح أبى داود" وغيره . (٤١٢) ٢٩ - فصل فى الرعد [قال شيخ الإسلام :] أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال عند الرعد . [قال شيخ الإسلام:] ١٥٣ - كان عبد الله بن الزبير إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال : "سبحان الذى يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته"(١). أقول: هذا الحديث مروى فى "الموطأ" بالإسناد الصحيح، عن عبد الله بن الزبير، "أنه كان إذا سمع الرعد" وهو ملك موكل بالسحاب، وقد مر بيانه من قريب(٢). قوله: "ترك الحديث وقال: سبحان الذى يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته" يعنى : يسبح كلهم خائفين لله تعالى . [قال شيخ الإسلام:] ١٥٤ - وعن كعب أنه / ٣٠٠ / قال: من قال ذلك ثلاثا عوفى من ذلك الرعد(٣). أقول: "ذكروا عن ابن عباس - ته - أنه قال: كنا مع عمر بن الخطاب - ﴿ه - فى سفر، فأصابنا رعد وبرق وبرد، فقال لنا كعب : من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا، عوفى من ذلك الرعد. فقلنا فعوفينا" . (١) أخرجه الإمام مالك فى "الموطأ" فى كتاب الكلام، باب القول إذا سمعت الرعد (٢٦) عن عامر بن عبد الله بن الزبير "أنه كان إذا سمع الرعد .... " به مقطوعا. وعنه البخارى فى "الأدب المفرد" (٧٤٤) ومن طريقه البيهقى (٣٦٢/٣) عن عامر بن عبد الله، عن أبيه موقوفا عليه. وصححه الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية" (٢٨٥/٤)، والشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" موقوفا على عبد الله بن الزبير. (٢) بهامش (أ): "انظره عند الرعد" . (٣) أخرجه الطبرانى فى "الدعاء" (٩٨٥) من طريق محمد بن راشد، عن سليمان بن على بن عبد الله بن ٠٠ عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال: كنا مع عمر بن الخطاب - هُته - فى سفر، فأصابنا رعد وبرق وبرد، فقال لنا كعب: "وذكره وقال الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٢٨٦/٤): "هذا موقوف حسن الإسناد، وإن كان عن كعب فقد أقره ابن عباس وعمر، فدل على أن له أصلاً" أهـ. وعزاه السيوطى فى "الدر المنثور" (٨٤/٤) لأبى الشيخ فى "العظمة". (٤١٣) وأما كعب فهو أبو إسحاق بن مانع المعروف بكعب الأحبار، وهو من حِمْير، أدرك زمن النبى - عليه السلام - ولم يره، وأسلم فى زمن عمر بن الخطاب، روى عن عمر، وصهيب، وعائشة، ومات بحمص سنة اثنتين وثلاثين فى خلافة عثمان - رضى الله عنه وأرضاه -(١). [قال شيخ الإسلام ] ١٥٥ - وعن عبد الله بن عمر، "أَنَّ رسول الله وَّ كان إِذَا سَمِعَ صَوَتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ قالَ: اللهمّ لا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ" خرجه الترمذى(٢) . أقول : "الصواعق" جمع صاعقة، وهى النار التى يرسلها الله مع الرعد الشديد. قوله: "بغضبك" الغضب : غليان دم القلب من شدة الغيظ، وهذا المعنى محال على الله تعالى، والمراد منه المعنى الثانى، وهو إرادة الانتقام ، فالانتقام لازم للغضب ، فيكون هذا من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم(٣). قوله : "وعافنا" من المعافاة، وهى دفاعُ اللهِ تعالى عن العبادِ والبلايا والدواهى. قوله : "خرجه الترمذى" أى : خرجه فى كتابه بإسناد ضعيف. (١) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٤٩٨٠/٢٤). (٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا سمع الرعد (٣٤٥٠)، والنسائى (٩٢٨،٩٢٧)، وابن السنى (٣١٤) كلاهما فى "عمل اليوم والليلة"، وأحمد (١٠٠/٢) وغيرهم من طريق أبى مطر، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به. وأبو مطر قال الحافظ فى "التقريب": "مجهول" . وضعفه الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (١٠٤٢). (٣) بل أهل السنة والجماعة على أن الله - عز وجل - يغضب غضبا يليق بجلاله سبحانه ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ بلا تأويل، ولا تشبيه، ولا تكييف، ولا تمثيل، اعتقاد أهل السنة والجماعة، وانظر مجموع الفتاوى (١٢٩/٣: ١٣٣). (٤١٤) [قال شيخ الإسلام : ] ٣٠ - فصل فى نزول الغيث أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال عند نزول المطر . [قال شيخ الإسلام:] ١٥٦ - قال زيدُ بن خالدٍ الجهنىُّ / ٣٠١/: "صَلَّى بِنَا رسول الله ◌ِ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيِْيَّةِ (١ فى إِثْرِ سَمَاءِ كانتْ من الليل١ِ)، فلما انصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى الناسِ فقالَ: هَلْ تَدْرِونَ مَاذا قالَ ربُّكُمْ؟ قالوا: الله ورسولُهُ أعلمُ. قال: قال: أَصْبَحَ من عِيَادىٍ مُؤمنٌ بى وكَافِرٌ. فأما مَنْ قالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ ورحمتهِ ، فذلك مُومِنٌ بِى، كَافِرٌ بالكَواكِبِ. وأما منْ قالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءٍ كَذَا، و گَذَا ، فذلكَ كَافِرٌ بِى، مؤمنٌ بالكواكبِ" متفق عليه(٢). أقول: أبو عبد الرحمن ، ويقال: أبو طلحة زيد بن خالد الجهنى ، من جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، روى له عن رسول الله ولا أحد وثمانون حديثا ، اتفقا على خمسة أحاديث ، وانفرد مسلم بثلاثة . روى عنه بسر بن سعيد ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، ويزيد مولى المنبعث، وعبد الرحمن بن أبى عمرة، مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة . وقيل: بالكوفة . روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه(٣). قوله : "بالحديبية" فيها لغتان: تخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعى وأهل اللغة وبعض المحدثين ، والتشديد قول الكسائى وابن وهب وجماهير المحدثين، واختلافهم فى "الجعرانة" كذلك فى تخفيف الراء وتشديدها ، والمختار أيضا فيها التخفيف . والحديبية بئر قريب من مكة دون مرحلة . (١) سقط من "-) ن "ج" و"هـ" ووضعها المحقق بين معقوفتين. (٢) البخارى: كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناسَ إذا سلم (٨٤٦) مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء (١٢٥/٧١). (٣) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٨٥٠/٢)، أسد الغابة (١٨٣٢/٢)، الإصابة (٢٨٩٧/٢). (٤١٥) قوله: "فى إثر سماء" إثر بكسر الهمزة وإسكان الثاء، وبفتحهما جميعا لغتان مشهورتان / ٣٠٢ / والسماء المطر مجازا . قوله: "بنوء كذا" "(١)قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: النوء فى نفسه ليس هو الكوكب ، فإنه مصدر ناء النجم ينوء [نوءًا](٣)، أى: سقط وغاب. وقيل: نهض وطلع. وبيان ذلك أنها ثمانية وعشرون نجما معروفة المطالع فى أزمنة [السنة](٢) كلها، وهى المعروفة بـ: "منازل القمر الثمانية والعشرين" ، يسقط فى كل ثلاث عشرة ليلة منه نجم فى المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله فى المشرق من ساعته، فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منها" . قال الأصمعى: إلى الطالع منها .. قال الزجاج: الساقطة فى المغرب هى الأنواء، والطالعة هى البوارح . واختلف العلماء فى كفر من قال مطرنا بنوء كذا على قولين : أحدهما : هو كفر بالله سالب لأصل الإيمان ، مخرج من ملة الإسلام. قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب فاعل مدبر ، منشىء للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد ذلك فلا شك فى كفره، وهذا القول هو الذى ذهب إليه جماهير العلماء والشافعى منهم، وهو ظاهر الحديث . قالوا: وعلى هذا لو قال مطرنا بنوء كذا، معتقدا أنه بفضل الله ورحمته، وأن النوء ميقات له وعلامة، فهذا لا يكفر، واختلفوا فى كراهته، والأظهر كراهيته، لكن كراهة تنزيه لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره ، فيساء الظن بصاحبها . (١) انظر شرح صحيح مسلم (٦٠/٢-٦١). (٢) زيادة من كلام أبى عمرو بن الصلاح، بواسطة شرح صحيح مسلم (٦١/٢)، تحت شرح حديث الباب . (٤١٦) والقول الثانى: إن المراد كفر نعمة الله، لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن / ٣٠٣ / لا يعتقد تدبير الكوكب، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخيرة فى "صحيح مسلم": "أصبح من الناس شاكر وكافر" (١)×٢) والله أعلم . ٢٠ (١) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم . (٢) مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء (١٢٧/٧٣) من حديث ابن عباس . (٤١٧) [قال شيخ الإسلام :] ٣١ - فصل فى الاستصحاء (١) أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال عند الاستصحاء، وهو طلب الصحو . [قال شيخ الإسلام:] ١٥٧ - وقال أنسٌ - ظُلُه -: "دَخَلَ رَجُلٌ المسجدَ يومَ جُمُعَةٍ ورسول الله وَّ قائمٌ يَخْطُبُ، فقالَ: يا رسول الله، هَلَكَتِ الأموالُ، وانقطعتِ السبلُ، فادعُ اللهَ يُغِثْنَا، فَرَفَعَ رسول اللهِ ﴿ يَدَيْهِ ثم قالَ: اللهمَّ أَغِثْنَا ، اللهمَّ أَغِثْنَا". قال أنسٌ: واللهِ ما نرى فى السماءِ سحابٌ ولا قَزَعَةٌ، وما بيننا وبين سَلْعٍ من بنيانٍ ولا دارٍ، فطلعتْ من ورائهِ سحابةٌ مثلُ التَّرْسِ، فلما توسطتِ السماءَ انتشرتْ، ثم أَمطرتْ، فلا واللهِ ما رأينا الشَّمْسَ سَبْتًا. "ثم دَخَلَ رَجُلٌ من ذلك الباب فى الجُمُعةِ المقبلةِ ورسول الله ﴿ قائمٌ يَخْطُبُ، فقالَ: يا رسول الله، هلكتِ الأموالُ، وانقطعتِ السبلُ، فادعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، فَرَفَعَ رسول الله ﴿ يَدَيْهِ ثم قالَ: اللهمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللهمَّ عَلَى الأَكَامِ والظَّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، ومَنَابِتِ الشَّجَرِ، فانقلعتْ وخرجنا نِمشى فى الشمس" متفق عليه(٢). أقول: هذا لفظ البخارى ومسلم، إلا أن فى رواية البخارى: "اللهم اسقنا" بدل: "أغثنا". قوله : "هلكت الأموال، وانقطعت السبل" يعنى: من عدم نزول المطر . قوله: "يغثنا" أى: يبعث / ٣٠٤ / لنا الغيث . قوله: "ولا قَزَعة" بفتح القاف والزاى المنقوطة ، والعين المهملة ، أى : قطعة من الغيم، وجمعها قَرَع . (١) سقط هذا التبويب من "ج" و"هـ". (٢) البخارى: كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء فى المسجد الجامع (١٠١٣)، مسلم: كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء فى الاستسقاء (٨/٨٩٧) . (٤١٨) قوله: "سلع" وهو الجبل المعروف بقرب المدينة . قوله : "هلكت الأموال، وانقطعت السبل" يعنى : من كثرة المطر . قوله : "يمسكها" أى : يحبسها ويمنعها . قوله: "حوالينا لا علينا" يقال: رأيت الناس حوله وحواليه، أى: متصففين من جوانبه ، يريد : اللهم أنزل الغيث فى مواضع النبات ، لا فى مواضع الأبنية . قوله: "على الإكام" بالكسر جمع أكمة، وهى الرابية، وهى الأرض المرتفعة، ويجمع الإِكَامُ على أُكُمٍ ، والأُكَمُ على إِكَامٍ . قوله: "والظراب" بكسر الظاء المعجمة : الجبال الصغار، واحدها ظَرِبٌ بوزن كتف . وقد يجمع فى القلة على أظرب . قوله: "وانقلعت" من أقلع المطر إذا كف وانقطع، ومنه: أقلعت عنه الحمى إذا فارقته . واستفيد من هذا الحديث فوائد . الأولى : إنه يجوز الاستصحاء كما يجوز الاستسقاء . والثانية : يكتفى فى الاستصحاء بالدعاء . والثالثة : يكتفى بالدعاء فى خطبة الجمعة ونحوها من غير استقلال . والرابعة: يدعى بما دعا به رسول الله ﴿ ﴿، وإن زاد فلا بأس به والله أعلم. (٤١٩)