النص المفهرس

صفحات 341-360

أقول : روى أبو داود فى "سننه" وابن ماجه فى كتابه عن أسماء بنت عميس الختعمية، من
بنى خثعم بن أنمار بن معدين عدنان ، كانت تحت جعفر بن أبى طالب، وهاجرت معه إلى
أرض الحبشة، ثم مات عنها وتزوجها أبو بكر الصديق / ٢٤٧ / فمات عنها، ثم تزوجها
على ، وولدت لجعفر عبدَ الله، ومحمدا، وعونا، وولدت لأبى بكر محمدا، وولدت لعلى
يحيى، فولد جعفر وولد أبى بكر إخوة لأم(١)، وروت عن النبى و﴿ّ، ولها ذكر فى
"الصحیح"، روی عنها عبدالله بن عباس، وابنها عبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن شداد بن
الهاد، وعروة بن الزبير، روى لها أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه(٢).
قوله : "الله الله" تأكيد لفظى.
قوله : "ربى" خبره .
قوله : "خرجهما" أى: خرج هذا الحديث الذى روته أسماء بنت عميس، والذى قبله،
الذى رواه أبو بكرة أبو داود فى "سنته" .
[قال شيخ الإسلام:] ١١٩ - وعن سعد بن أبى وقاص - ه - قال: قال رسول الله حول:
" دَعْوَةُ ذِى النَّونِ، إِذْ دَعَا بِه(٣) وَهُو فى بَطْنِ الحُوتِ: لا إلهَ إلا أنتَ سُبْحَانَكَ، إِنِّى كُنتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ، لم يدعُ [بها] رَجُلٌّ مُسلمٌ فى شَىءٍ قَطُّ إِلَّ اسْتُجِيبَ لَهُ (٤) أخرجه الترمذى(٥)،
(١) كذا فى الأصل، والجادة "فولد جعفر وولد أبى بكر وولد على إخوة لأم".
(٢) انظر ترجمتها فى الاستيعاب (٣٢٦٤/٤)، أسد الغابة (٦٧٠٦/٧)، الإصابة (١٠٨٠٣/٧).
(٣) فى "الكلم الطيب": "بها" .
(٤) فى "الكلم الطيب": "إلا استجاب الله له" .
(٥) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٨٢)، رقم (٣٥٠٥)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة"
(٦٥٦)، وأحمد (١٧٠/١) والحاكم (٣٨٣/٢) من طريق يونس بن أبى إسحاق،
عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن سعد به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد،
ووافقه الذهبي. وحسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (١١/٤) وقد بسط الكلام عليه، وذكر له
طرقا أخر، فانظرها هناك. وصححه الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" وغيره .
( ٣٤٠)

وفى رواية: "إِّى لِأَعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُهَا مَكْرُوبٌ إلا فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ، كَلِمَةُ أَخِى يُونُسَ -
عليه السلام -"(١).
أقول : سعد بن أبى وقاص بن أهيب ، قد مر ذكره فى أوائل الكتاب .
قوله : "دعوة ذى النون" أى: دعاؤه. وذو النون اسم النبى يونس - عليه السلام -،
ومن الأنبياء جماعة لهم اسمان ، مثل : عيسى والمسيح، وذو الكفل والیسع، ويونس
وذو النون، وإبراهيم والخليل، ومحمد وأحمد، والنون اسم الحوت، ومعنى ذى النون :
صاحب النون .
قوله : "إذا دعا به" أى: حين دعا به ربه "وهو فى بطن الحوت: لا إله إلا أنت
/ ٢٤٨ / سبحانك، إنى كنت من الظالمين" بمعنى: سبحانك إنى تبت إليك، إنى
كنت من الظالمين لنفسى .
قوله : "فى شىء قط" أى: فى شىء من الأشياء، وكلمة "قط" للماضى المنفى، كما
أن كلمة "عَوْضِ"(٢) للمستقبل المنفى، ويجوز فيه تسكين الطاء بالتشديد، والتخفيف
وضمها بهما .
قوله : "إنى لأعلم" "اللام" فيه للتأكيد .
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٣٨) وقال الحافظ كما فى "شرح الأذكار"
(١٠/٤): "رجاله رجال الصحيح إلا عمرو بن الحصين، فإنه ضعيف جدا، قال
أبو حاتم الرازى: ذاهب الحديث جدا، كتبت عنه ثم تركته . وقال ابن عدى : مظلم
الأمر فى الحديث ، روى عن الثقات ما ليس من حديثهم" . وضعفه الشيخ الألبانى فى
"الكلم الطيب" .
(٢) "عوض" ظرف لاستغراق المستقبل مثل "أبدا" إلا أنه مختص بالنفى، وهو معرب إن أضيف
كقولهم: "لا أفعله عَوْضَ العائضين، ومبنى إن لم يُضف، وبناؤه على الضم كقَبْلُ، أو على
الكسر كأمس، أو على الفتح كأين، وقد يكون لاستغراق الماضى مثل "قط".
( ٣٤١ )

قوله : "كلمة أخى يونس" أطلق الكلمة على الكلام مجازا من قبيل ذكر الجزء وإرادة
الكل، وإنما قال "لأخى" لأنه أخوه فى الدين، وأيضا "الأنبياء إخوة لعلات، أبوهم
واحد" وهو آدم "وأمهاتهم شتى"(١) كذلك ورد الحديث ، والله أعلم .
[قال شيخ الإسلام: ] ١٢٠ - وعن عبد الله بن مسعود - له -، عن النبى وَ﴿ّ قال:
"مَا أَصَابَ عَبْدًا هَمُّ ولا حُزْنٌ فقال: اللهمَّ إِنِّى عَبدُكَ (٢ )بنُ عَبدِكَ، ابن٢ُ) أَمَتِكَ،
نَاصِيَتِى بِيَدِكَ، مَاضٍ فِىَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِىَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلُ اسْمٍ هو لكَ،
سَمَّتَ بِهِ نَفْسَكَ، أو أنزَلْتَهُ فِى كِتَابِكَ، أو عَلَّمْتَهُ أَحدًا من خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ
فِى عِلْمِ الغَيْبِ عِندَكَ، أن تَجْعَلَ القُرْآَنَ رَبِيعَ قَلْبِى، ونُورَ صَدْرِى، وجَلاَءَ حُزْنِى،
وذَهَابَ هَمِّى، إلا أَبْدَلَ(٣) الله حُزْنَهُ وهَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا" خرجه أحمد فى
"مسنده" ، وابن حبان فى "صحيحه"(٤).
(١) البخارى: كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قول الله ﴿واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من
أهلها﴾ (٣٤٤٣)، مسلم: كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام (١٤٣/٢٣٦٥:
١٤٥) من حديث أبى هريرة .
(٢) فى "الكلم الطيب": "وابن" بالواو . وفى هامش "د": "فى بعض النسخ بحذف الواو فى
الموضعين" .
(٣) فى "ج" : "أذهب" ، وفى "د" : "بَدَّلَ".
(٤) أخرجه أحمد (٤٥٢،٣٩١/١) وابن حبان (٩٧٢/٣)، والطبرانى فى الكبير (١٠٣٥٢) والحاكم
(٥٠٩/١) وغيرهم من طريق فضيل بن مرزوق ، قال : حدثنا أبو سلمة الجهنى ، عن القاسم بن
عبد الرحمن، عن أبيه ، عن ابن مسعود به . وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم إن سلم من
إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه" اهـ. وقد سلم منه ، فقد جزم غير واحد من أهل العلم
بسماعه منه ؛ كالثورى وابن معين والبخارى. والحديث له شواهد ذكرها الحافظ كما فى "شرح
الأذكار" (١٢/٤-١٣) وحسنه. وصححه ابن القيم فى "الجواب الكافي" (ص/٢٧٩)، وكذا
الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (١٩٩).
( ٣٤٢ )

أقول : قد عرفت الفرق بين الهم والحزن فى أول الفصل .
قوله : "إنى عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك" إظهار التذلل والخضوع، والاعتراف
بالعبودية ، لأن هذا خبر، وليس فيه فائدة الخبر ولا لازمها ، وإنما لم يكتف بقوله : "إنى
عبدك" بل زاد فيه: "ابن عبدك ابن أمتك" / ٢٤٩ / لأن هذا أبلغ وأكد فى إظهار
التذلل والعبودية ، لأن من ملك رجلا ليس مثل من ملكه مع أبويه .
قوله : "ناصیتی بیدك" كناية عن نفوذ حکمه فيه، وأنه تحت قدرته وقهره .
قوله : "ماض فيَّ حكمك" يعنى: نافذ فيَّ ذاتُ حكمك، و "حكمك" مرفوع بقوله :
"ماض".
قوله : "فىَّ" بتشديد الياء وفتحها، وهذا يمكن أن يكون تفسيرا لقوله: "ناصيتي
بیدك"، لأن کون ناصيته بيده كناية عن مضی احکامه فيه .
قوله : "عدل فيَّ قضاؤك" يعنى: كلما تحكم فىَّ فهو عدل، لأن العدل صفتك، والظلم
محال عليك، والعدل : وضع الشىء فى محله، والظلم خلافه .
قوله : "أسألك" إلى آخره، شروع فى الدعاء بعد إظهار التذلل والخضوع، وهذا من
آداب السائلين ، وهذه الحالة أقرب إلى إجابة السؤال، لاسيما إذا كان المسئول منه
كريما ، والله تعالى أكرم الأكرمين، إذا تضرع إليه عبده، وتذلل له، وأظهر الخضوع
والخشوع، ثم سأل حاجة ينفذها فى ساعته على ما هو اللائق بكرمه وجوده .
قوله : "بكل اسم" أى : بحق كل اسم.
قوله : "هوَلَّك" احترز به عن غير اسم الله، لأنه لما أقسم بكل اسم، وهو عام لجميع
الأسماء، أخرج عنه ما هو اسم لغيره بقوله: "هولك" ، لأن القسم بغير اسم الله لا يجوز.
قوله : "سميت به نفسك" أى: ذاتك، فكأن هذا تفسير لما قبله، لأن كون الاسم له أن
یکون اسم ذاته .
( ٣٤٣ )

قوله : "أو أنزلته فى كتابك" يعنى : أنزلته على أحد من أنبيائك فى كتابك الكريم.
قوله: / ٢٥٠ / "أو علمته أحدا من خلقك" أى: من الأنبياء والملائكة.
قوله : "أو استأثرت به" أى: أو خصصت به نفسك فى علم الغيب ، بحيث أنه لا يعرفه
إلا أنت، ولا يطلع عليه غيرك، وهذا كله تقسيم لقوله: "بكل اسم هو لك" يعنى :
الاسم الذى يكون لله تعالى، لتفريج هذه الأمور، إما أنزله فى كتابه ، أو علمه أحدا من
خلقه، أو استأثر به فى علم الغيب، وقد استفيد من هذا أن لله أسماء خلاف ما ذكر فى
القرآن ، ولسان الرسول، ولم يكن قوله عليه السلام: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة
إلا واحدة" (١) للحصر .
قوله : "أن تجعل القرآن" مفعول لقوله: "أسألك".
قوله : "ربيع قلبى" يعنى: فرح قلبى وسروره، وجعله ربيعا له، لأن الإنسان يرتاح قلبه
فى الربيع من الأزمان ، ويميل إليه ، ويخرج من الهم والغم، ويحصل له النشاط والابتهاج
والسرور .
قوله : "ونور صدري" أى: انشراح صدرى، لأن الصدر إذا كان منشرحا يكون
منورا، مثل البيت إذا كان فيه نور فينشرح القاعدون فيه .
قوله : "وجلاء حزنى" أى: انكشاف حزنى، ومنه: انجلت الشمس إذا انكشفت.
قوله : "خرجه" أى خرج هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل فى "مسنده" ، وابن حبان
فى "صحيحه" وروى ابن السنى فى كتابه عن أبى موسى الأشعرى قال: قال
رسول الله وَل: "من أصابه هم أو حزن فليدع بهذه الكلمات، يقول: أنا عبدك، ابن
(١) البخارى: كتاب الشروط ، باب ما يجوز من الاشتراط والثّنيا فى الإقرار (٢٧٣٦)، مسلم:
كتاب الذكر والدعاء، باب فى أسماء الله تعالى ... (٦،٥/٢٦٧٧) من حديث أبى هريرة.
( ٣٤٤ )

عبدك ، ابن أمتك ، فى قبضتك ، ناصيتي بيدك ، ماضى فىَّ حكمك، عدل فىَّ قضاؤك ،
أسألك بكل اسم هولك، سميت به نفسك، أو أنزلته / ٢٥١ / فى كتابك،
أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن
نور صدرى، وربيع قلبى ، وجلاء حزنى، وذهاب همى ، فقال رجل من القوم :
يا رسول الله، إن المغبون لمن غين هؤلاء الكلمات. فقال: أجل، فقولوهن،
وعلموهن، فإنه من قالهن التماس ما فيهن، أذهب الله حزنه، وأطال فرحه"(١).
والله أعلم .
٠٠
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٣٤) من طريق فياض بن غزوان ، عن عبد الله بن
زبيد، عن أبى موسى الأشعرى به. وضعف إسناده الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية"
(١٣/٤)، وكذا الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٣٣٩/١).
( ٣٤٥)

[قال شيخ الإسلام :]
١٩ - فصل فى لقاء العدو وذى السلطان
أقول : هذا الفصل فى بيان الدعاء عند لقاء العدو ، وعند لقاء ذى السلطان ، أى: ذى
القوة والقدرة، وهو كل من له يد قاهرة على الناس .
[قال شيخ الإسلام: ] ١٢١ - عن أبي موسى الأشعرى - هه -، "أَنَّ النبيَّ لَ﴾،
كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قالَ: اللهمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِى نُحُورِهِمْ، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ"
خرجه أبو داود والنسائى(١) . .
أقول : أبو موسى الأشعرى : عبد الله بن قيس ، قد مر ذكره فى أوائل الكتاب .
قوله : "نجعلك في نحورهم" يقال: جعلت فلانا فى نحر العدو، أى: قبالته وحذاءه ،
وتخصيص النحر بالذكر، لأن العدو يستقبل بنحره عند المناهضة للقتال، والمعنى :
نسألك أن تتولانا فى الجهة التى يريدون أن يأتونا منها ، ونتوقی بك عما يواجهوننا به ،
فأنت الذى تدفع شرورهم، وتكفينا أمرهم، وتحول بيننا وبينهم، ولعله اختار هذا اللفظ
تفاؤلا بنحر العدو ، يعنى : قتلهم فيما أراد من المعنى الذى ذكرنا .
فإن قلت : النبى - عليه السلام - محفوظ من شر الإنس والجن بحفظ الله إياه، ومؤيد
بالملائكة ، فكيف يجوز أن يخاف قوما، وهم أعداء / ٢٥٢ / الله تعالى؟ قلت : هنا ثلاثة
أجوبة : الأول: إن الطبيعة البشرية من خواصها الخوف مع قطع النظر عن العارض .
والثانى : يجوز أن يكون خوفه على صحابته .
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة ، باب ما يقول إذا خاف قوما (١٥٣٧) والنسائى فى الكبرى
فى كتاب السير (٨٦٣١/٥)، وفى "عمل اليوم والليلة" (٦٠١)، وأحمد (٤١٥،٤١٤/٤)،
وابن السنى (٣٢٨) وغيرهم من طريق قتادة ، عن أبى بردة عن أبيه به ، وصححه الحاكم ووافقه
الذهبى، وحسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (١٥/٤-١٦) بعد أن بسط الكلام عليه،
وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح أبى داود" .
( ٣٤٦ )

والثالث : إن هذا تعليم لأمته أنهم إذا خافوا قوما يدعون بهذا الدعاء، وهذه الأجوبة
لاحت لى فى هذا المقام من الأنوار الربانية ، فما نقلته من كلام أحد، وإن تكلم به أحد
يكون من توارد الخاطر ، لأنى ما اطلعت عليه، فالعلم كثير، والكتب كثيرة .
[قال شيخ الإسلام:] ١٢٢ - ويُذكرُ عن النبيِّ ◌َ﴿ أنه كان يقولُ عندَ لقاء العَدُوِّ(١):
"اللهمَّ أَنتَ عَضُدِى، وَأَنتَ نَاصِرِى، وبِكَ أُقَاتِلُ"(٢).
أقول : روى أبو داود والترمذى والنسائى هذا الحديث عن أنس، ولكن روايتهم قال
أنس : "كان رسول الله إذا غزا قال: اللهم أنت عضدی ونصیری ، بك أحول، وبك
أصول ، وبك أقاتل " قال الترمذى : حديث حسن.
قوله : "أنت عضدى" أى : عونی .
قوله : "وبك أقاتل" أى: بعونك، أو: باسمك أقاتل.
ومعنى قوله "أحول" أحتال. قال الخطابي: "(٣) وفيه وجه آخر، وهو أن يكون معناه المنع والدفع،
من قولك: حال بين الشيئين إذا منع أحدهما عن الآخر، فمعناه: لا أمنع ولا أدفع إلا بك" .
قوله : "وبك أصول" أى: بك أحمل على العدو ، من الصولة وهى الحملة .
(١) فى "د" "يقول للقاء العدو" .
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الجهاد، باب ما يدعى عند اللقاء (٢٦٣٢)، والترمذى فى كتاب
الدعوات ، باب الدعاء إذا غزا (٣٥٨٤)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٦٠٤)، وأحمد
(١٨٤/٣)، وابن حبان (٤٧٦١/١١) وغيرهم من طرق عمن المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن
أنس به». وصححه الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية" (١٩/٤). و(٦٠/٥) والشيخ الألبانى
فی "صحیح أبى داود" وغيره" .
تنبيه : ورد الحديث فى "الكلم الطيب بلفظ: "اللهم أنت عضدى، وأنت نصيرى، بك أحول،
وبك أصول ، وبك أقاتل" وهو لفظ أبى داود .
(٣) انظر "معالم السنن" (٢٣٢/٢) كتاب الجهاد ، باب ما يدعى عند اللقاء .
( ٣٤٧ )

[قال شيخ الإسلام:] ١٢٣ - وعنه ﴿ أنه كان فى غزوة فقال: "يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ،
إِيَّكَ أَعْبُدُ وإِنَّاكَ أَسْتَعِينُ("(١) قال أنس: فلقد رأيت الرجالَ تُصرعُ، تضربها الملائكةُ من
بين يَديها(٢) ومن خَلْفِهَا(٣).
أقول : أى جاء عن النبى - عليه السلام - هذا / ٢٥٣ / الحديث ، رواه ابن السنى
فی کتابه عن أنس - څ﴾ - .
٠٫
قوله : "تصرع" أى: تسقط على الأرض، وهذا من معجزات النبى - عليه السلام - حيث
أَيُّدَ بالملائكة عقيب دعائه، وفيه كرامة أنس - اته - ، حيث شاهد الملائكة وهم يضربون
الكفار ويصرعونهم، وقد قدمنا أن الدعاء لا يرد عند لقاء العدو ، والحرب معهم، وعند
النداء. وروى الإمام الشافعى - رضاته - فى الأم بإسناد مرسل، عن النبى -عليه السلام-
قال: " اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة ونزول الغيث" (٤).
(١) فى "الكلم الطيب" : "إياك نعبد وإياك نستعين" بلفظ الجمع .
(٢) فى "د" : "أياديها" .
(٢) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٢٩)، والطبرانى فى "الأوسط" (٨١٥٩/٩) من
طريق أبى الربيع الزهرانى قال: حدثنا عبد السلام بن هاشم، قال: حدثنا حنبل بن عبد الله،
عن أنس بن مالك، عن أبى طلحة به. وسقط "أبو طلحة" من سند ابن السنى ، ونبه على هذا
الخطأ الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (١٩/٤) فقال: "لكن سقط من روايته "عن أبى طلحة"
ولابد منه" اهـ. وقال الطبرانى فى "الأوسط": "لا يروى هذا الحديث عن أبى طلحة إلا بهذا
الإسناد، تفرد به أبو الربيع. سمعت موسى بن هارون - شيخ الطبرانى - يقول: سألت
عثمان بن طالوت عن حنبل فقال : زعموا أنه رجل من بنى قريع. وسألته عن عبد السلام بن
هاشم فقال: شيخ بصرى. فقلت له: كان ثقة؟ فقال: ما أعلم إلا خيرا" اهـ. وقال فى
"المجمع" (٣٢٨/٥) رواه الطبرانى فى "الأوسط" وفيه عبد السلام بن هاشم ضعيف" اهـ. وضعفه
الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" .
(٤) تقدم (ص/٢٥٣).
( ٣٤٨ )

[ قال شيخ الإسلام: ] ١٢٤ - وعن ابن عمر - ه - قال: قال رسول الله : "إذاَ
خِفْتَ سُلْطَاناً أو غيرهُ فَقُلْ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ الحِلَيْمِ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللهِ ربِّ
السمواتِ السّبْعِ ورب العرش العظيم، لا إلهَ إلّا أنتَ، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ)"(١).
أقول : هذا الحديث رواه بن السنى فى كتابه عن عبد الله بن عمر .
قوله: "أو غَيْرَه" أى: أو غير سلطان مثل: السبع، والحية، والحريق، والغرق ، ونحوها
من الأشياء المهلكة والمخوفة .
قوله: "الحليم الكريم" الحليم من أسماء الله تعالى، هو الذى لا يستخفه شىء من
عصيان العباد ، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شىء مقدارا، فهو منته
إليه، وقد مَرَّمَرَّةً. والكريم فى أسمائه: الجواد المعطى الذى لا ينفذ عطاؤه، وهو الكريم
المطلق .
قوله: "سبحان الله" أى: أنزه الله تعالى من العيوب والنقائص، وقد مر غير مرة.
قوله: "رب السموات / ٢٥٤ / السبع" "رب" مجرور على أنه صفة الله، ويجوز أن
يكون مرفوعا على أنه خبر مبتدٍ محذوف، أى: هو رب السموات، وأن يكون
منصوبا على النداء، وحرف النداء محذوف ، وإنما ذكر ها هنا شيئين وهما : السموات
والعرش ، لأن ما فى المخلوقات الظاهرة أعظم من السموات السبع، ولا فى المخلوقات
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٤٠) من طريق محمد بن الحارث
الحازثى ، ثنا محمد بن عبد الرحمن البيلمانى، عن أبيه ، عن ابن عمر به . وقال الحافظ
كما فى "الفتوحات الربانية" (١٧/٤): "محمد بن الحارث الحارثى أحد الضعفاء، ومحمد بن
عبد الرحمن البيلمانى اتفقوا على تضعيفه، واتهمه بعضهم بالكذب" اهـ. وعبد الرحمن
البيلمانى ضعيف كذلك. وضعفه الحافظ والشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" "وضعيف الجامع"
(٤٧٩) .
( ٣٤٩ )

الغيبية(١) أعظم من العرش، فإذا كان الله ربا لهذه الأشياء العظيمة ، التى ليس فى الوجود
أعظم منها ، فيكون رَّبًّا لِماَ هو الأدنى من ذلك بالطريق الأولى .
قوله : "عز جارك" أى : عز التضرع إليك .
قوله : "وجل ثناؤك" أى: عظم الثناء عليك .
[قال شيخ الإسلام:] ١٢٥ - وقال عبدالله بن عباس: ﴿حَسْبْنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(٢)
قالها إبراهيمُ حين أُلقَى فى النارِ، وقالها محمدٌ ﴿ّ حين قالَ له الناسُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوْا لَكُمْ﴾ (٣).
أقول: ذكر الشيخ هذا عن ابن عباس بيانا على أن الكلمة تصلح لكل خائف من (٤) كل
شىء ، إذا قالها ينجيه الله مما يخافه، وحكاية إبراهيم - عليه السلام- أنهم جاءوا به،
وأوثقوا يديه، وجعلوه فى المنجنيق، وروى فى الخبر أن السموات والأرض والجبال
بكوا عليه، وبكت عليه ملائكة السموات، وقالوا : ربنا ، عبدك إبراهيم يحرق فيك،
فقال لهم: إن استغاث بكم فأغيثوه فلما رمى فى المنجنيق قال: حسبى الله ونعم
الوكيل، فرمى به المنجنيق(٥) فى الهواء، وجعل يهوى نحو النار، فقال جبريل -عليه
السلام- يا رب، عبدك إبراهيم يحرق فيك؟ قال الله تعالى: إِن استغاث بك فأغثه .
فأتاه جبريل -عليه السلام- وهو يهوى نحو النار فقال: أتطلب النجاة ؟
قال: / ٢٥٥/ أما منك فلا. قال: أفلا تسأل الله أن ينجيك منها؟ قال: "حسبى من
(١) فى الأصل : "الغيب" .
(٢) سورة آل عمران (١٧٣).
(٣) البخارى: كتاب التفسير، باب ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ الآية
(٤٥٦٣) .
(٤) فى الأصل : "عن" .
(٥) فى الأصل: "فرمى به فى المنجنيق".
(٣٥٠)

سؤالى علمه بحالى"(١). فلما أخلص قلبه لله تعالى قال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِى بَرْدَاً
وَسَلاَمَا﴾(٢) .
قوله: "وقالها محمد" أى: قال هذه الكلمة نبينا محمد ﴿ّحين قال نعيم بن مسعود: إن
الناس قد جمعوا لكم، يعنى : أبا سفيان وأصحابه ، فاخشوهم ولا تخرجوا إليهم، ولم
تسمع الصحابة منه فخرجوا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأيقنوا أن الله لا يخذل
محمدا ، فلا جرم رجعوا غانمين سالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿فَانقَلَيُواْ بِنِعْمَةٍ مُن اللهِ
وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتْبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾(٣) ومعنى
قوله: ﴿حَسْنَا الله﴾ يعنى: يكفينا الله فيما يهم فى كل شىء، ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ يعنى:
نعم الثقة ، وهو اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: القيم ، الكفيل بأرزاق العباد ،
وحقيقته أنه يستقل بأمر الموكول إليه، وكلمة "نعم" للمدح، كما أن كلمة "بئس"
فلذم، وشرطهما أن يكون فاعلهما أحد الأمور الثلاثة ، وهو أن يكون معرفا بلام تعريف
(١) ذكره البغوى فى تفسير "سورة الأنبياء" (٢٥٠/٣) بصيغة التضعيف فقال: "روى عن
كعب الأخبار،" أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- قال حين أو ثقوه ليلقوه فى النار ... ،
لما رموا به فى المنجنيق إلى النار استقبله جبريل فقال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ قال: أما
إليك فلا. قال جبريل: فسل ربك. فقال إبراهيم: حسبى من سؤالى علمه بحالى".
وأورده ابن عراق فى "تنزيه الشريعة" (٢٥٠/١) وقال: "قال ابن تيمية: موضوع".
- وقال الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (٢١): "لا أصل له ... ، هو من الإسرائيليات". ثم قال معقبا
على هذه القصة: "وهذه ضلالة كبرى، فهل كان الأنبياء -صلوات الله عليهم - متهمين
لربهم حين سألوه مختلف الأسئلة؟ فهذا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- يقول: ﴿ربنا إنى أسكنت
من خريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى
إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ... ﴾ إلى آخر الآيات، وكلها أدعية ... الخ .
(٢) سورة الأنبياء (٦٩) .
(٣) سورة آل عمران (١٧٤).
( ٣٥١ )

العهد، نحو : نعم الرجل زيد، أو يكون مضافا إلى معرف بلام تعريف العهد ، نحو : نعم
صاحب الرجل زيد، أو يكون مضمراً، وذلك المضمر إما مميز بنكرة منصوبة ، نحو : نعم
رجلا زيداً، أى: نعم الرجل رجلا زيد[اً]، وإما مميز بمعنى شىء غير موصوفة ، كقوله
تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾(١) أى: فنعم شيئا هى، ويذكر بعد الفاعل المخصوص بالذم أو
المدح، وقد يحذف إذا دلت عليه القرينة، كقوله تعالى: ﴿فَنِعِمْ الْاَهِدُونَ﴾(٢) أى: نعم
الماهدون نحن، وقوله : ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ من هذا القبيل / ٢٥٦/ أى: نعم الوكيل
الله، ولفظة "الله" مبتدأ، "ونعم الوكيل" مقدما خبّرُهُ.
(١) سورة البقرة (٢٧١) .
(٢) سورة الذاريات (٤٨).
( ٣٥٢ )

[قال شيخ الإسلام :]
٢٠ - فصل فى الشيطان يعرض لابن آدم
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال عند عرض الشيطان لابن آدم .
[قال شيخ الإسلام:] قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ رُّبِّ أَعَوَذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ.
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾(١).
أقول: إنما ذكر الشيخ -رحمه الله- هذه الآية الكريمة، تنبيها على أن من ابتلى بوسوسة
الشيطان ، ينبغى أن يقرأ هذه الآية ، لأن الله تعالى أمر نبيه - عليه السلام- أن يستعيذ من
همزات الشياطين، أى: من خطراته التى يخطرها بقلب الإنسان ، وهى جمع المرة من الهمزة .
قوله : ﴿أَن يَحْضُرُونِ﴾ أصله: يحضرونى، سقطت الياء للتخفيف ، أى : أن يحضر
الشياطين عندى فى جميع الأحوال . وقيل عند الذكر. وقيل: عند النزغ، وقد مر مرة .
[قال شيخ الإسلام:] ١٢٦ - وفى حديث أبى سعيد وغيره، عن النبى و﴿﴿ أنه كان يقولُ:
أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَتَفْتَهِ"(٢).
أقول : هذا الحديث رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه والبيهقى، وفى رواية :
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من نفخه، ونفثه، وهمزه"(٣) وقد مر فى "فصل
استفتاح الصلاة"، والهمز: الجنون. والنفخ: الكِبر، والنفث: الشّعر، والله أعلم.
[قال شيخ الإسلام:] لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنْكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِدْ بِاللهِ إِنَّهُ
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(٤) .
(١) سورة المؤمنون (٩٨،٩٧).
٠٠
(٢) تقدم برقم (٧٨).
(٣) تقدم تحت رقم (٧٧) من حديث جبير بن مطعم .
(٤) سورة فصلت (٣٦).
(٣٥٣)

أقول: استدل الشيخ -رحمه الله- على وجوب الاستعاذة من الشيطان عند نزغه بهذه
الآية الكريمة . النزغ والنسخ بمعنى، وهو شبه النخس ، والشيطان يفزع الإنسان ، كأنه
ينخسه / ٢٥٧ / يبعثه على ما لا ينبغى. وقوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعُ﴾
أى: وإنما ينزغنك نازغُ وصفا للشيطان بالمصدر، أو لتسويله، وقيل: وإما يصيبنك من
الشيطان فتنة ﴿فَاَسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ من شره وفتنته ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للأقوال ﴿الْعَلِيمُ﴾
بالأفعال .
[قال شيخ الإسلام:] والأذان يطرد الشيطان .
١٢٧ - قال النبى -عليه الصلاة والسلام -: "إِذاً أُذن بالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشيطانُ له ضُرَاطٌ،
فإذا قُضِىَ النِّدِاءُ أَقْبَلَ، فإذا ثُوُبَ بِالصَّلاَةِ" - يعنى: أقيمت الصلاة- "أَدْبَرَ، فإذا قُضِىَ
الّوِيبُ أَقْبَلَ"(١).
أقول : "والأذان يطرد الشيطان" من كلام الشيخ، كأنه أراد بهذا، أن من جملة ما يُطرد
به الشيطان الأذان، وقوله: "قال النبى (2 / " دليل لقوله: "والأذان يطرد الشيطان"
وهذا الحديث قد مر فى "فصل الأذان" رواه البخارى ومسلم.
[قال شيخ الإسلام: ] ١٢٨ - وقال سهيل بن أبى صالح: أرسلنى أبى إلى بنى حارثة
ومعى غلام لنا ، أو صاحب لنا ، فناداه منادٍ من حائط باسمه، فأشرف الذى معى على
الحائط فلم ير شيئا، فذكرت ذلك لأبى فقال: لو شعرتُ أنك تلقى هذا لم أرسلْك،
ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة، فإنى سمعت أبا هريرة يحدث عن النبى { 37، أنه
قال : "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِىَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ" خرجه مسلم(٢).
(١) تقدم برقم (٦٥) من حديث أبى هريرة .
(٢) مسلم: كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه (١٨/٣٨٩).
( ٣٥٤ )

أقول : أورد هذا الحديث أيضا دليلا على أن الشيطان يُطرد بالأذان ، وأن من ابتلى
بشيطان ينبغى أن يؤذن حتى يبعد عنه الشيطان .
قوله: "وقال سهيل بن أبى صالح" واسم أبى صالح ذكوان السمان الكوفى، مولى جويرية
بنت الأحمس، وقد مر ذكر أبى صالح، وسهيل هذا ابنه أخو محمد وعبد الله، وصالح سمع
أباه ، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن / ٢٥٨ / يزيد الليثى، وسعيد بن بشار وغيرهم،
روى عنه يحيى الأنصارى، ومالك بن أنس، وشعبة ، وابن عيينة وغيرهم. وقال أحمد بن
عبد الله : سهيل بن أبى صالح ثقة . وقال يحيى بن معين : سهيل والعلاء بينهما قريب من
السواء، وليس حديثهما حجة . وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. روى له الجماعة إلا البخارى(١).
قوله : "من حائط" الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط ، وهو الجدار .
قوله : "فأشرف الذى معى" يقال: أشرفتُ الشىءَ: علوته، وأشرفت عليه: اطلعت
عليه من فوق .
قوله: "لو شعرتُ" أى: لو علمت .
قوله: "لم أرسلك" أى: لم أبعثك.
قوله: "فناد بالصلاة" أى: أذن بالصلاة. قال النووى: "وينبغى أن يؤذن أذان
الصلاة" (٢). يعنى: إذا جرى لأحد مثل هذا ينبغى أن يؤذن مثل أذان الصلاة ، بمقتضى
ظاهر هذا الحديث .
قوله: "فإنى سمعت" تعليل لأمره بالنداء، يعنى: إن التداء يطرد الشيطان، لأنى سمعت
أبا هريرة يحدث عن النبى - عليه السلام-، أنه قال: "إذا نودى بالصلاة أدبر" واستفيد
(١) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٢٦٢٩/١٢).
(٢) انظر الأذكار (ص/١١٥) باب ما يقول إذا عرض له شيطان أو خافه.
( ٣٥٥)

من هذا الحديث فوائد : الأول : إن الشيطان يعرض لابن آدم يقصده بالأذى، وهو الجن
الكافر(١).
والثانية : إن دفعه والامتناع من شره بالأذان .
الثالثة : إنه يجوز الأذان فى غير وقته لدفع الشيطان ، وأما للصلاة فلا يجوز إلا فى وقتها .
[قال شيخ الإسلام:] ١٢٩ - وعن زيد بن أسلم، أنه ولى معادن فذكروا كثرة الجن،
فأمرهم أن يؤذنوا كل وقت ، ويكثروا من ذلك، فلم يكونوا يرون بعد ذلك شيئاً(٢).
أقول: ذكر الشيخ - رحمه الله - هذا دليلا ثانيا على أن الشيطان / ٢٥٩ / هرب من
الأذان ، وأن كل من خاف شيطانا ينبغى أن يؤذن . وزيد بن أسلم أبو أسامة القرشى
العدوى المدنى، مولى عمر بن الخطاب- له -، روى عن أبيه، وعبد الله بن عمر،
وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وربيعة بن عباد الدؤلى ، وسلمة بن الأكوع،
وعطاء بن يسار وغيرهم، روى عنه مالك، ومعمر ، وهشام بن سعد، والزهرى،
وأيوب السختياني ، ويحيى الأنصارى وغيرهم. وقال محمد بن سعد: كانت لزيد حلقة
فى مسجد رسول الله، وكان ثقة كثير الحديث. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: توفى
(١) وكذلك الجن المسلم السفيه أو الظالم قد يعرض له يقصده بالأذى .
(٢) أخرجه الذهبى فى السير (٣١٧/٥) قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن، أنبأنا
ابن قدامة، أنبأنا ابن البطى ، أنبأنا أبو بكر الطَّرَيْثينى، حدثنا هبة الله اللالكائى، أنبأنا
محمد بن عبد الله بن القاسم، حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثنى يعقوب بن شيبة ،
أنبأنما الحارث بن مسكين، أنبأنا ابن وهب وابن القاسم قالا: قال مالك:" استُعمل
زيد بن أسلم على معدن بنى سليم، وكان معذرا لا يزال يصاب فيه الناس من قبل
الجن. فلما وليهم شكوا ذلك إليه ، فأمرهم بالأذان ، أن يؤذنوا، ويرفعوا أصواتهم،
ففعلوا، فارتفع عنهم ذلك حتى اليوم. قال مالك: أعجبنى ذلك من مشورة زيد بن
أسلم " .
( ٣٥٦ )

سنة ثلاث وثلاثين ومائة. وقال محمد بن عمر: مات بالمدينة قبل خروج محمد بن
عبد الله بن حسن بسنتين ، وخرج محمد سنة خمس وأربعين ومائة ، روى له الجماعة(١).
قوله: "كثرة الجن" المراد منه الشيطان، لأن الجن الذى يؤذى المسلم هو الكافر، (٢)
والجن الكافر شيطان .
قوله: "فأمرهم أن يؤذنوا" وإنما أمرهم بذلك لقوله -عليه السلام -: "إن الشيطان إذا
نودی بالصلاة أدبر" .
قوله: "ويكثروا من ذلك" أى: من الأذان.
[قال شيخ الإسلام:] ١٣٠ - وقال أبو الدرداء: "قَامَ رسولُ اللَّهِل ◌َّ يُصَلَى فَسَمِعْنَاهُ
يقولُ: أعوذُ باللهِ منكَ، ثم قال: أَلْعَنُكَ(٢) بِلَغْنَةِ اللهِ ثَلاثً، وبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتْأَوَلُ شَيْئًا ،
فلمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قُلْنَ(٤) : يا رسول الله، سَمِعْنَاكَ تَقولُ فى الصَّلاةِ شَيْئاً لم نَسْمَعْكَ
تَقُولُهُ قبلَ ذَلِكَ؟ ورَأيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ ؟ قال: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاء بِشِهَابٍ من نَارِ
لِيَجْعَلَهُ فِى وَجْهِى، / ٢٦٠ / فقلتُ: أعوذُ باللهِ منك ثلاث مرَّاتٍ، ثم قلتُ: أَلْعُنُكَ
بلعنةِ اللهِ التّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخَرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ (٥)، ثم أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَالهِ لَوْلاَ دَعْوَةَ أَخِينًا
سُلَيْمَنِ، لِأَصْبَحَ مَوْثُوقاً (٦) يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَاهُ أَهْلِ الَمَدِيَنِ". أخرجه مسلم(٧).
(١) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٢٠٨٨/١٠).
(٢) بل والجن المسلم كذلك يؤذى المسلم، وهذا أمر مشاهد ومعلوم بالتجربة .
(٣) فى "د": "لعنتك".
ء
(٤) فى الكلم الطيب: "قلنا له" ورواية مسلم موافقة لما عندنا .
(٥) فى "ج": "فلم يستأخر ثم أردت ... " وفى "هـ": "ثلاث مرات فلم يستأخر".
(٦) فى الكلم الطيب "موثقاً".
(٧) مسلم: كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان فى أثناء الصلاة (٤٠/٥٤٢)، والبخارى
بنحوه : كتاب الصلاة ، باب الأسير أو الغريم يربط فى المسحد (٤٦١).
( ٣٥٧)

أقول: أبو الدرداء عويمر بن عامر، مر فى أول الكتاب .
قوله : "إبليس" عطف بيان من قوله: "إن عدو الله".
قوله : "بشهاب" هو شعلة النار. وقيل: كل أبيض ذى نور فهو شهاب .
قوله : "بلعنة الله التامة" أى: بلعنة لا نقص فيها. وقيل: بلعنة واجبة له، مستحقة
عليه . وقيل : بلعنة موجبة عليه العذاب سرمدا.
٠٠
قوله: "والله لولا دعوة أخينا سليمان" قال القاضى عياض: معناه أنه يختص بهذا،
فامتنع نبينا -عليه السلام- من ربطه، إما إنه لا يقدر عليه لذلك، وإما لكونه لما تذكر
ذلك لم يتعاطى (١) ذلك، لظنه أنه لا يقدر عليه، أو تواضعا أو تأدبا. قلت: المختار
عندى أنه تركه لدعوة سليمان وتأدبا، لا عجزاً ولا ضعفا، ودعوة سليمان - عليه
السلام- "رب هب(٢) لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى" وكان قبل ذلك لم يسخر له
الجن، ثم سُخر له، ولم يسخر لأحد بعده .
قوله : "لأصبح موثوقاً" أى: مقيداً مكتفاً.
قوله: "يلعب به ولدان أهل المدينة" أى: صبيانهم. وفى رواية أخرى لمسلم، ورواية
البخارى : "إن عفريتا من الجن تفلت عَلىَّ البارحة ليقطع على صلاتى، فأمكننى الله
منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سوارى المسجد حتى تنظروا إليه
كلكم، فذكرت دعوة أخى سليمان رب هب لى(٢) ملكا / ٢٦١ / لا ينبغى لأحد
(١) كذا .
(٢) كذا فى الأصل، وفى صحيح البخارى (٤٨٠٨،٣٤٢٣،١٢١٠) ولعله لم يقصد الآية ، وقد
ثبت فى صحيح البخارى (٤٦١) ومسلم (٣٩/٥٤١) ﴿رب اغفر لى وهنب لى ... ﴾ كما فى
التلاوة .
( ٣٥٨ )

من بعدى، فرددته خاسئا"(١). والعفريت من الجن هو العاتى الخبيث. ويقال للرجل
الخبيث الداهى: العفر، والعفر الخنزير الذكر، سمى به لخبئه ، والعفريت من كل شىء
المبالغ، يقال: عفريت نفريت ، ويستعار ذلك للإنسان استعارة الشيطان له . والتفلت
والإفلات والانفلات : التخلص والتمكن من الشىء بغتة وفجأة من غير تمكث. وقوله :
"تفلت على" أى: تعرض لى بغتة ليغلبنى فى صلاتى. وفى رواية أخرى لمسلم: "يفتك
على"(٢) والفتك: الأخذ فى غفلة وخديعة .
قوله: "فرددته خاسئا" أى: صاغرا مَهينا، من قولهم: خسأت الكلب فخساً، أى: زجرته
مستعينا به فانزجر. فإن قلت : النبى -عليه السلام- معصوم محفوظ فكيف يسلط عليه
الشيطان : قلت قد قيل أن العصمة كانت له من الناس، ومن الشيطان فى المعاصى دون
الوسواس، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾(٣). وقيل أنه معصوم
من شيطانه، لأنه أسلم، وما كان يأمره إلا بخير على ما ثبت فى الحديث (٤)، واستفيد من
هذا الحديث فوائد : الأولى : إنه دليل على وجود الجن.
والثانية : إنه قد يراهم بعض الآدميين .
فإن قلت: ما تقول فى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾(٥)؟
قلت : هذا محمول على الغالب ، إذ لو كانت رؤيتهم محالا لما قال النبى -عليه السلام-
(١) البخارى: كتاب الصلاة، باب الأسير أو الغريم يربط فى المسجد (٤٦١)، مسلم (٣٩/٥٤١)
(٢) مسلم (٣٩/٥٤١) .
(٣) سورة فصلت (٣٦) .
(٤) رواه مسلم فى كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان ، وبعثه سراياه لفتنة
الناس، وأن مع كل إنسان قرينا (٦٩/٢٨١٤) من حديث ابن مسعود مرفوعا: "ما منكم من
أحد إلا وقد وُكِّلَ به قرينه من الجن. قالوا. وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياى، إلا أن الله
أعاننى عليه فأسلم ، فلا يأمرنى إلا بخير".
(٥) سورة الأعراف (٢٧) .
(٣٥٩)