النص المفهرس
صفحات 321-340
أقول: "الدثور" جمع دثر - بالثاء المثلثة - وهو المال الكثير ، ويقع على الواحد والاثنين
والجمع .
قوله: "بالدرجات العلا" متعلق بـ: "ذهب" والمعنى: إنهم حصَّلُوا الدرجات العلا،
والنعيم المقيم وهو الجنة ، بسبب حجهم وعمرتهم وجهادهم وصدقاتهم، وذلك كله
بسبب قدرتهم على الدنيا، ونحن ما لنا دنيا ، فكيف نعمل حتى ندركهم؟ فقال لهم
رسول الله: "ألا أعلمكم" إلى آخره، يعنى: متى قلتم هذا القول تذركونهم
وتشار کونهم فیما أوتوا، و تسبقون به من بعد کم .
قوله : "يصلون" خبر مبتدإٍ محذوف ، أى : هم يصلون .
قوله : "كما نصلى" أى : كصلاتنا بشرائطها مع الجماعة، والمعنى: إنهم شاركونا فيما
نعمل من الصلاة والصوم، ولهم مزية علينا بأموالهم، حيث يحجون ، ويعتمرون ،
ويجاهدون ، ويتصدقون بفضول أموالهم. ومن هذا الحديث استدل بعض الناس على
تفضيل الغنى الشاكر على الفقير الصابر، وفى ذلك اختلاف بين السلف والخلف ،
والصحيح أن الفقير الصابر أفضل .
لقوله - عليه السلام -: "اللهم أحينى مسكينا، [وأمتنى مسكينا)(١)، واحشرنى فى
زمرة المساكين"(٢) .
(١) ساقط من الأصل ، وأُثبتناه من مصادر التخريج .
(٢) روى من حديث أنس بن مالك، وأبى سعيد الخدرى ، وعبادة بن الصامت : فأما
حديث أنس فيرويه الترمذى (٢٣٥٢) والبيهقى (١٢/٧). وأما حديث أبى سعيد
فيرويه ابن ماجه (٤١٢٦)، والخطيب فى "تاريخه" (١١١/٤). وأما حديث عبادة
فيرويه تمام فى "فوائده" ، والضياء فى "المختارة". وطرقه كلها لا تخلو من مقال،
وانظرها فى "الإرواء" (رقم/٨٦١)، وقد حسنه الشيخ هناك .
(٣٢٠ )
قوله : "ألا أعلمكم" "ألا" كلمة تنبيه، تنبه المخاطب بهذا على أمر عظيم الشأن .
قوله : "تدركون به" أى : بذلك الشىء، أى : بسببه .
قوله : "من سبقكم" فى محل النصب على المفعولية، ويحتمل أن يراد به السبق المعنوى ،
وهو السبق فى الفضيلة .
قوله: "من بعدكم" / ٢٣٤ / أى: من بعدكم فى الفضيلة ممن لا يعمل هذا العمل،
ويحتمل أن يراد القبلية الزمانية، والبعدية الزمانية، ولعل الأول أقرب إلى السياق ، فإن
سؤالهم كان عن أمر الفضيلة ، وتقدم الأغنياء فيها .
قوله : "ولا يكون أحد أفضل منكم" يدل على ترجيح هذه الأذكار على فضيلة
المال ، وعلى أن تلك الفضيلة للأغنياء مشروطة بأن لا يفعلوا هذا الفعل، الذى أمر به
الفقراء .
قوله : "قال أبو صالح" يعنى: لما سئل أبو صالح - الراوى عن أبى هريرة - عن كيفية
ذكرها قال: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثا
وثلاثين" . وهذا يقتضى أن يكون العدد فى الجميع ثلاثا وثلاثين مرة، بأن يقول :
"سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة،"(١) وذكر فى حديث
أبى هريرة من طريق آخر غير طريق أبى صالح، أنه يسبح ثلاثا وثلاثين مستقلة ، ويكبر
ثلاثا وثلاثين مستقلة ، ويحمد ثلاثا وثلاثين مستقلة ، وهذا يقتضى أن يكون الجميع تسعة
وتسعين، كما يجئ بعده. وحديث أبى صالح محمول على هذا، ولأجل هذا قال القاضى
عياض : هذا أولى من تأويل أبى صالح، وجاء فى رواية فى "صحيحى مسلم (٢)
٠٠
(١) انظر شرح صحيح مسلم (٩٣/٥-٩٤).
(٢) فى الأصل : "المسلم" كذا .
( ٣٢١ )
والبخارى": "تسبحون فى دبر كل صلاة عشرا، وتحمدون عشرا، وتكبرون عشرا" (١)
وهذه الرواية لا تنافى رواية الأكثر، بل معها زيادة يجب قبولها، وفى رواية أنه تمام المائة
"لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شىء
قدير"(٢)، وفى رواية أن التكبيرات أربع وثلاثون(٣)، وكلها زيادات من الثقات يجب
قبولها ، فينبغى أن يحتاط الإنسان ، فيأتى بثلاث وثلاثين تسبيحة، ومثلها تحميدات
/ ٢٣٥ / وأربع وثلاثين تكبيرة، ويقول معها: "لا إله إلا الله وحده" إلى آخره،
ليجمع بين الروايات"(٤). وأما أبو صالح فهو: ذكوان السمان الزيات المدنى، كان يجلب
السمن والزيت إلى الكوفة ، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفانى ، سمع أبا هريرة،
وأبا سعيد الخدرى، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب،
وجابر بن عبد الله، وأبا عياش الزُّرَقى، وعائشة زوج النبى - عليه السلام -، ومن
التابعين : عطاء بن يزيد الليثى، وعبد الله بن إبراهيم، ومحمد بن سيرين، وجماعة كثيرة .
قال أحمد بن حنبل: ثقة ثقة، من أجلِّ الناس وأوثقهم، وقد شهد الدَّارَ زَمَنَ عثمان .
وقال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم : ثقة . توفى بالمدينة سنة إحدى ومائة ، روى له
الجماعة(٥)، والله أعلم .
(١) البخارى: كتاب الدعوات، باب الدعاء بعد الصلاة (٦٣٢٩)، ولم أره عند مسلم
بلفظ "عشرا" وإنما بلفظ "إحدى عشرة" (١٤٣/٥٩٥) من حديث أبى هريرة.
(٢) مسلم : كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة ... (١٤٦/٥٩٧) من
حديث أبى هريرة .
(٣) مسلم: كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة ...
(١٤٥،١٤٤/٥٩٦).
(٤) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم .
(٥) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (١٨١٤/٨).
( ٣٢٢ )
[قال شيخ الإسلام:] ١٠٨ - وعنه أيضا، أن رسول الله ﴿ قال: "مَن سَبَّحَ فِى
دُبْرِ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِيْن، وحَمِدَ اللهَ ثَلاَثًا وَثَلاثِينَ، وَكَبَّرَ [اللَّهَ(١) ثَلاثًا
وَثَلاَثِينَ، وَقَالَ تَمَامُ المِائَةِ: لا إلهَ إلَّ الله، وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لَهُ الْمُلكُ، ولهُ الحَمْدُ،
وهو على كلٌ شَىءٍ قَدِيرٌ، إلا غُفِرَتْ خَطَايَهُ، وإن كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ"
خرجه مسلم(٢) .
أقول : أى : عن أبى هريرة ، وهذا طريق آخر غير طريق أبى صالح، أخرجه مسلم،
وفيه نص على أن المراد من التسبيح أن يسبح ثلاثا وثلاثين مرة، وكذلك الحمد
والتكبير، ويتم المائة بقوله : "لا إله إلا الله" إلى آخره.
قوله : "تمام المائة" مفعول به لـ "قال"، لأنه معنى أطلقه، [و] "قال" على هذا لفظة
الرسول ، وفيها ضمير يعود على "من سبح" بدل عن سبح.
قوله : "لا إله إلا الله" عطف بيان / ٢٣٦ / لـ "تمام المائة"، أو بدل، أو خبر [مبتد!]
محذوف، ويجوز رفع "تمام" على الابتداء، وخبره ما بعده، ولفظة "قال" على هذا ليست
](٢).
من لفظ الرسول ، بل من الراوى ، لكن الضمير فيه يعود إلى [
قوله : "خطاياه" جمع خطيئة .
قوله : "وإن كانت مثل زبد البحر" خارج مخرج المبالغة، وهذا من قبيل التمثيل،
يعنى : لو فرض أن ذنوبه أجسام ، وكانت مثل زبد البحر يغفر الله لها ببركة هذا
القول .
٠٠
(١) زيادة من الكلم الطيب وصحيح مسلم ، وزاد مسلم: "فتلك تسعة وتسعون" .
(٢) مسلم: كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة ... (١٤٦/٥٩٧).
(٣) كلمة غير واضحة فى الأصل .
( ٣٢٣)
[قال شيخ الإسلام:] ١٠٩ - وعن عبد الله بن عمرو، عن النبيِّ { ﴿ قال: "خَصْلَتَان
- أو خُلْتَانِ - لا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عبد مُسلمٌ إلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُمَا يَسِيرٌ ، ومن يَعْمَلُ
بِهِمَا قَلِيلٌ، يُسَبِحُ اللهَ فِى دَّبُرٍ كُلِّ صَلاَةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُ عَشْرًا،
فَذَلِكَ(١) خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللَّسَانِ، وَأَلْفٌ وخَمْسُمَاتَةٍ فِى المِيزَانِ، وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ
إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، وَيَحْمَدُ ثلاثًا وثلاثِينَ، ويُسَبْحُ ثَلاَثًا وَثَلاثينَ، فذلكَ مِائَةٌ بِاللِّسان،
وألْفٌ فى المِيزَان" قال: "ولقد(٢) رأيتُ رسول الله څ يَعْقِدُها بيدِهِ. قالُوا : یا
رسول الله، كَيْفَ هُمَا يَسِيرٌ، ومَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ؟ قال: يَأْتِى أُحدَكُمُ الشيطانُ(٣)
فِى مَنَامِهِ فَيْنَوْمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ(٤)، ويأتِيهِ فى صلاِهِ فَيَذَكْرُهُ حَاجَةً(٥) قبلَ أَن يَقُولَهَا" .
خرجه أبو داود والترمذى والنسائى (٦) .
أقول : عبد الله هو : عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد مر ذكره .
(١) فى الكلم الطيب "ويحمده عشرا، ويكبره عشرا، وذلك .... " .
(٢) فى "ج": "فلقد" وفى "د": "وقد".
(٣) فى الكلم الطيب : "يعنى الشيطان ... " .
(٤) فى الكلم الطيب: "يقولَ".
(٥) فى "ج" : "حاجته" ، وفى "سنن أبى داود" كما عندنا، ولأصحاب السنن ألفاظ أخر .
(٦) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب فى التسبيح عند النوم (٥٠٦٥)، والترمذى فى كتاب
الدعوات ، باب (٢٥)، رقم (٣٤١٠) و (٢٦٦/٢) مختصرا، والنسائى فى كتاب السهو، باب
عدد التسبيح بعد التسليم (٧٤/٣)، وابن ماجه فى كتاب إقامة الصلاة ، باب ما يقال بعد
التسليم (٩٢٦) وأحمد (٢٠٥/٢) وغيرهم من طرق عن عطاء بن السائب عن أبيه، عن
عبد الله بن عمرو به . وقال الترمذى: "حديث حسن صحيح. وقد روى شعبة والثورى عن
عطاء بن السائب هذا الحديث، وروى الأعمش هذا الحديث عن عطاء بن السائب مختصرا" اهـ.
أقول : وقد رواه عنه حماد بن زيد ، وقد سمع منه قبل الاختلاط ، وصححه ابن حبان والشيخ
الألبانى فى تحقيقه للكلم الطيب (ص/٦٩) وغيره .
( ٣٢٤ )
قوله : خصلتان أو خلتان : شك من الراوى الخلة : بضم الخاء الخصلة ، ويجئ بمعنى
الصداقة والمحبة التى تخللت القلوب ، فصارت خلاله، أى : فى باطنه، ومنه الخليل وهو
الصديق، "والخلة(١) بفتح الخاء: الحاجة والفقر، وفى الحديث: "اللهم اسدد خلته"
وأصلها من التخلل بين الشيئين، وهى / ٢٣٧ / الفرجة والثلمة التى تركها بعده، من
الخلل الذى أبقاه فى أموره، والخلة بالفتح أيضا: الطريق والسبيل، وفى حديث الدجال
"يخرج خَلَّةً بين الشام والعراق"(٢) أى: فى طريق بينهما" .
قوله : "لا يحافظ عليهما" أى: لا يأتى عليهما رجل مسلم بالحفظ والإحصاء كالعادِّ للشىء.
قوله : "فذلك خمسون ومائة باللسان" يعنى: إذا أتى بالعشرات الثلاث دبر كل صلاة من
الصلوات الخمس، يكون مائة وخمسون باللسان، لأن الثلاثين فى الخمسة(٣) مائة وخمسون .
قوله : "وألف وخمسمائة فى الميزان" باعتبار أن لكل واحد عشرة من الحسنات، وإذا
ضرب المائة والخمسون فى العشرة، يكون ألفا وخمسمائة .
قوله: "ويكبر أربعا وثلاثين" إلى آخره، هذه هى الخصلة الثانية، والخَصلة الأولى أن
يسبح الله فى دبر كل صلاة عشر مرات، ويحمد عشر مرات، ويكبر عشر مرات .
قوله : "إذا أخذ مضجعه" يعنى : إذا أوى إلى فراشه .
قوله : "فذلك مائة باللسان" لأن التكبير أربع وثلاثون ، والتحميد ثلاث وثلاثون ،
والتسبيح ثلاث وثلاثون ، فيصير الجميع مائة باللسان ، وألفا فى الميزان ، باعتبار أن لكل
واحد عشرة من الحسنات كما ذكرنا .
(١) انظر النهاية لابن الأثير (٧٢/٢-٧٣).
٠٠
(٢) مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه (١١٠/٢٩٣٧). من
حدیث النواس بن سمعان .
(٣) فى الأصل : "العشرة" خطأ .
(٣٢٥ )
قوله : "قال" أى: عبد الله بن عمرو (١).
قوله : "يعقدها بيده" أى: يعقد هذه التسبيح والتكبير والتحميد بيده .
قوله: "كيف هما ... " أى: الخصلتان المذكورتان، يعنى: سألوا رسول الله لُ ل كيف
يكون إلاتيانُ بها يسيرا ، والعملُ بهما قليلاً، لأن الظاهر أن العمل اليسير يكون عامله
كثيرا، وهذا كيف يكون يسيرا والعامل / ٢٣٨ / به قليلا؟ فبين رسول الله و #
السبب فى قلة العمل به، بأن الشيطان يأتى أحدا عند نومة، ولم يزل يشغله بالوساوس
حتى ينومه قبل أن يقوله، ثم إذا انتبه وصلى ، يأتيه فى صلاته، ولم يزل يوسوسه
ويذكره أشياء ليست فى خاطره ، فيقوم ويذهب قبل أن يقوله .
قوله: "فيذكره" بضم الياء، أى: فيذكر الشيطان إياه حاجة. فإن قلت: لِمَ ذَكْرَ
الضمير فى قوله: "قبل أن يقوله" فى الأول، وأنثه فى الثانى؟ قلت : التذكير فى الأول
باعتبار القول ، والتأنيث فى الثانى باعتبار الكلمات .
قوله : "خرجه أبو داود ... " أى: خرج هذا الحديث أبو داود فى "سنته" ، والترمذى فى
"جامعه" ، والنسائى فى كتابه. قال الشيخ محيى الدين النواوى: "إسناده صحيح، إلا أن
فيه عطاء بن السائب وفيه اختلاف بسبب اختلاطه، وقد أشار أيوب السختيانى إلى
صحة حديثه هذا"(٢).
واستفيد من هذا الحديث فوائد: الأولى : إن ذكر الله سبحانه وتعالى سبب لدخول العبدِ الجنةَ.
والثانية : إن الحسنات تضاعف واحدة بعشرٍ أو أكثر.
والثالثة : إن الميزان حق .
والرابعة : إن عقد التسبيح باليد يجوز .
والخامسة : إن الشيطان لم يزل يوسوس للرجل حتى فى صلاته وعند نومه .
(١) فى الأصل : "عمر" خطأ .
(٢) انظر الأذكار (ص/٦٩) باب الأذكار بعد الصلاة.
( ٣٢٦ )
[قال شيخ الإسلام:] ١١٠ - وخرجوا عن عقبة بن عامر قال: "أَمَرَنِى رسول الله لِ لّ
أَنْ أَقْرَأَ بِالمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ"(١).
أقول : أى : خرج أبو داود والترمذى والنسائى أيضا، عن عقبة بن عامر بن
عَبس بن عمرو بن عدى بن عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عدى بن غنم بن
الرَّبعة بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهنى، روى / ٢٣٩ / له خمسة وخمسون
حديثا ، اتفقا على سبعة ، وللبخارى حديث ، ولمسلم تسعة ، روى عنه جابر بن
عبد الله ، وعبد الله بن عباس ، وأبو أمامة ، ومسلمة بن مخلد وغيرهم، سكن مصر
ووليها من قبل معاوية سنة أربع وأربعين ، ثم عزله بمسلمة بن مخلد الزرقى ، وكانت له
بدمشق دار بناحية قنطرة سنان من باب توما ، ومات بمصر سنة ثمان وخمسين ، روى له
الجماعة(٢) .
قوله : "بالمعوذات" رواية أبى داود، ورواية الترمذى والنسائى: "بالمعوذتين"،
والمعوذات: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبُّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبُ
النَّاسِ﴾. والحكمة فى هذا أن الشيطان - عليه اللعنة - لم يزل يوسوس به وهو فى
الصلاة ، وما قدر على قطعة عن الصلاة، ثم لما فرغ يقبل إليه إقبالا كليا حتى يرفعه فى
معصميه ، فأمر عند ذلك أن يستعيذ بالمعوذات من الشيطان حتى لا يظفر عليه ، ولا
یتمکن منه .
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب فى الاستغفار (١٥٢٣)، والترمذى فى كتاب
فضائل القرآن، باب ما جاء فى المعوذتين (٢٩٠٣) ، والنسائى فى كتاب السهو ، باب
الأمر بقراءة المعوذتين بعد التسليم من الصلاة (٦٨/٣) وغيرهم من طرق عن على بن رباح بن
قصير اللخمى ، عن عقبة بن عامر به ، وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح أبى داود"
وغيره .
(٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٨٤٣/٣)، أسد الغابة (٣٧٠٥/٤)، الإصابة (٥٦٠٥/٤).
( ٣٢٧ )
[قال شيخ الإسلام:] ١١١ - وعن أبى أمامةً قال: "قِيلَ لِرسول الله وَ ﴿ّ: أَىُّ الدُّعَاء
أَسْمَعُ؟ قال: جَوْفُ اللَّيلِ الآخِرِ ، ودُبُرِ الصَّلَوَاتِ المكتوبَاتِ" قال الترمذى : حديث
حسن(١).
أقول : معنى "أسمع" أى: أى الدعاء أقرب إلى السماع، أى: الإجابة والقبول.
قوله : "جوف الليل" يُروى بالرفع والنصب، أما الرفع فعلى الخبرية، وأما النصب فعلى
الظرفية .
قوله : "الآخر" صفة لـ "الجوف" .
قوله : "ودبر" عطف على "جوف" و "دبر الصلوات" أى: عقيبها وأثرها، وقد جاء فى
الحديث الآخر : "إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فى الثلث الأخير من
/ ٢٤٠ / الليل" (٢) وقد ذكرنا وجه الحكمة فيه، أن هذا الوقت وقت هدوء
(١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٧٩)، رقم (٣٤٩٩) من طريق ابن جريج، عن
عبد الرحمن بن سابط، عن أبى أمامة به. وقال الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٣٠/٣) تعليقا
على قول الترمذى "حديث حسن". وفيما قاله نظر، لأن له عللا، منها : الانقطاع بين ابن
سابط وأبى أمامة ، قال ابن معين : لم يسمع ابن سابط من أبى أمامة .
وثانيها : عنعنة ابن جريج عن ابن سابط .
ثالثها : الشذوذ، فقد جاء من رواية خمسة من أصحاب أبى أمامة أصل هذا الحديث من رواية
أبى أمامة ، عن عمرو بن عبسة ، واقتصر كلهم على الشق الأول ، وأخرجه النسائى فى "عمل
اليوم والليلة" عن أبى أمامة ، عن عمرو بن عبسة قال: "قلت: يا رسول الله، هل من ساعة
أقرب من الأخرى؟ - يعنى الإجابة - ، وهل من ساعة يبتغى ذكرها؟ قال: نعم، إن أقرب
ما يكون العبد من الدعاء جوف الليل الآخر ، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى تلك
الساعة فافعل" حديث صحيح ، أخرجه الترمذى وقال: حسن صحيح ، والنسائى وابن خزيمة فى
صحیحە وغيرهم ... " .
(٢) تقدم تحت الحديث رقم (٥٠) .
(٣٢٨ )
الأصوات، وانقطاع الحركات، واطلاع الحق على عباده بالرحمة والرأفة، وبث الرحمة
وانتشارها ، فيكون ذلك الوقت أقرب إلى الإجابة . والثانى من المواضع الذى يكون
الدعاء فيه أسمع: دبر الصلوات المكتوبات، أى: المفروضات، لأن الصلاة معراج
المؤمن، وفيها مناجاته مع ربه ، فإذا فرغ منها تنزل عليه الرحمة ، فعند نزول الرحمة
يستجاب الدعاء .
[قال شيخ الإسلام: ] ١١٢ - وعن معاذٍ بن جبلٍ، "أَنَّ النَِّىَّ ﴿ أَخَذَ بِيدِهِ وقال : یا
معاذُ! وقال: وَاللهِ إِنِّى لُأُحِبُّكَ(١)، فَلاَ تَدَعَنَّ فِى دَّبُرٍ كُلِّ صَلاَةٍ أَن تَقُولَ : اللهمَّ
أَعِى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" خرجه أبو داود والترمذى(٢) .
أقول : معنى "فلا تدعن" أى: فلا تتركن .
قوله : "ذكرك" يشتمل جميع أنواع الثناء حتى قراءة القرآن، والاشتغال بالعلم الدينى ،
وإنما قدم الذكر على الشكر، لأن العبد ما لم يكن ذاكرا لم يكن شاكرا، كما قدم فى
قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى﴾(٣) .
(١) فى "ج": "إنى والله لأحبك" ، وفى "د" و"هـ": "والله لأحبك" .
(٢) فى "ج" و"هـ": "خرجه أبو داود والنسائى" ، وفى "د": خرجه أبو داود" والحديث لم أره عند
الترمذى، ولم يعزه إليه الحافظ المزى فى "التحفة" (١١٣٣٣) ولا الحافظ الزيلعى فى "نصب
الراية" (٢٣٥/٢)، فالظاهر أن العزو للترمذى خطأً من الناسخ، وإنما أخرجه أبو داود فى كتاب
الصلاة ، باب فى الاستغفار (١٥٢٢)، والنسائى فى كتاب السهو ، باب نوع آخر من الدعاء
(٥٣/٣) وغيرهما من طريق حيوة بن شريح قال: سمعت عقبة بن مسلم يقول: حدثنى
أبو عبد الرحمن الحبلى ، عن الصنابحى ، عن معاذ به ، وصححه ابن حبان وابن خزيمة والنووى فى
"الأذكار" والحاكم ووافقهم الذهبى ، وكذا الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٧٩٦٩)
وغيره .
(٣) سورة البقرة (١٥٢).
( ٣٢٩ )
قوله : "وحسن عبادتك" قيد بالحسن ، لأن العبادة الحسنة هى العبادة الخالصة ، فالعبادة
ما لم تكن خالصة لا تقبل، ولا تنفع صاحبها ، واستفيد منه فوائد: الأولى: إن الرجل
يجوز له أن يأخذ بيد صاحبه عند الملاقاة .
والثانية : إن المؤمن إذا أحب مؤمنا ينبغى أن يظهره ويقول : "أنا أحبك" .
والثالثة: إذا حلف بالله على أنه يحبه فلا بأس به، ولا يأثم فى ذلك .
والرابعة : إنه ينبغي للمؤمن أن يدل أخاه المؤمن على كل شىء فيه خير، لأن الدال على
/ ٢٤١ / الخير كفاعله .
والخامسة : إن الدعاء عقيب المكتوبة له أثر عظيم .
والسادسة : إن المعتبر من العبادة ما تكون خالصة لوجهه الكريم. والله أعلم .
( ٣٣٠ )
[قال شيخ الإسلام : ]
١٧ - فصل فى الاستخارة
أقول : هذا الفصل فى بيان صلاة الاستخارة ودعائها، والاستخارة طلب الخير فى
الشىء، وهو استفعال منه، يقول : استخر الله يَخِرْ لك.
[قال شيخ الإسلام: ١١٣ - قال جابر بن عبد اللهِ - ◌َه -: "كان رسول الله ﴾
يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فى الأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ
أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَينٍ من غَيرِ الفَرِيضَةِ، ثم لِيَقُلْ: اللهمَّ إِنِّى أَسْتَخِيرُكَ
بِعِلْمِكَ، وأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِن فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ ،
وتَعْلَمُ ولاَ أَعْلَمُ وَأَنتَ عَلَّمُ الغُيُوبِ، اللهمَّ إِن كُنتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ - تُسَمِيهِ
باسْمِهِ(١). خَيْرٌ لِى فِى دِينِى وَمَعَاشِى، وعَاقِبَةٍ أَمْرِى(٢)، فَاقْدُرْهُ لِى وَيَسُرْهُ لِى ثُمَّ بَارِكْ
لِى فِيهِ ، وإِن كُنتَ تعلمُ أَنَّ هذا الأَمْرَ شَرٌّ لِى فِی دِینی ومَعَاشِی وعَاقِبَةٍ أَمْرِى(٢)
فَاصْرِفْهُ عَنِّى، وَاصْرِفْنِى عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِىَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثَمْ رَضِّنِى بِهِ" خرجه
البخارى بنحوه(٣) .
(١) فى "ج" و"هـ" : "وتسميه باسمه" وسقطت هذه الجملة من "د" .
(٢) فى الكلم الطيب زيادة "وعاجلة وآجله" بعد قوله: "وعاقبة أمرى".
(٣) البخارى: كتاب التهجد ، باب ما جاء فى التطوع مثنى مثنى (١١٦٦)، وقال الشيخ الألبانى
فى تحقيقه للكلم الطيب : "كذا الأصل - يعنى: قول شيخ الإسلام بنحوه - وهذا السياق موافق
بالحرف الواحد لسياق البخارى له فى "قيام الليل" ، إلا أنه لم يقع فيه لفظ "كلها" ، ووقع ذلك
عنده فى "الدعوات" و"التوحيد"، ووقع فيه بعد قوله: "وعاقبة أمرى": "أو قال: عاجل أمرى
وآجله" على الشك من الراوى، فلعل المصنف هو الذى ضم هذه الزيادة إلى السياق الأول ،
ورفع منها الشك المذكور ، ليكون الداعى على يقين أنه أتى باللفظ النبوى ، لم يفته منه شىء ،
ولا بأس بذلك عندى، والله أعلم".
( ٣٣١ )
أقول : معنى قوله: "فى الأمور كلها" أمور الدنيا، لأن أمور الآخرة لا يحتاج فيها إلى
الاستخارة، لأن الرجل إذا أراد أن يصلى، أو يصوم، أو يتصدق ، لا حاجة فيه إلى
الاستخارة، ولكن يحتاج إلى الاستخارة فى أمور الدنيا ، مثل: السفر، والنكاح، وشراء
العبد ونحوه، وبيعه ، وبناء الدار، والانتقال إلى وطن آخر، ونحو ذلك.
قوله : "كما يعلمنا السورة من القرآن" يدل على شدة اعتنائه عليه الصلاة والسلام
لتعليم الاستخارة .
قوله : "إذا هم" أى: إذا / ٢٤٢ / قصد .
قوله : "بالأمر" أى: بأمر من الأمور .
قوله : "فليركع ركعتين" أى: ليصلى ركعتين، وقد يذكر الركوع ويراد به الصلاة،
كما يذكر السجود ويراد به الصلاة(١)، من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل .
قوله : "من غير الفريضة" يعنى: النوافل، يعنى: تكون تلك الركعتان من النافلة . قال
الشيخ محيى الدين النواوى : "الظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب، وتحية
المسجد، وغيرها من النوافل"(٢).
قلت : قد نظر الشيخ فى ذلك إلى ظاهر اللفظ ، ولكن السنن تابعة للفرائض ، فإذا
استثنيت الفرائض يُستثنى السنن معها تبعا لها، فيكون المراد ركعتين من النافلة المحضة .
قال الشيخ محيى الدين النواوى - رحمه الله - : "يقرأ فى الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾
وفى الثانية : ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ .
ويستحب افتاح الدعاء المذكور وختمه بالحمد لله، والصلاة والتسليم على رسول الله وَلِ"(٣).
(١) فى الأصل: "كما يذكر به السجود ... " كذا.
(٢) انظر الأذكار (ص/١١٠) باب دعاء الاستخارة .
(٣) انظر المصدر السابق .
( ٣٣٢)
قوله : "أستخيرك" أى: أطلب الخير أن تخير لى أصلح الأمرين، أى تختاره، لأنك عالم
به وأنا جاهل .
قوله : "وأستقدرك" أى: أطلب أن تُقْدِرَنى على أصلح الأمرين، إذ أطلب منك القدرة
على ما نويته، فإنك قادر على إقدارى عليه ، أو أن تقدرَ لى الخير بسبب قدرتك عليه ،
والباء للسببية فى الموضعين .
قوله : "تسميه باسمه" معترض بين اسم "إن" وخبره وهو قوله "خير" أى: تسمى أمرك
الذى قصدت مثلا تقول: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر خير لى، أو هذا النكاح،
أو هذا البيع، ونحو ذلك .
قوله : فى "دينى ... " يعنى إن كان فيه خير يرجع لدينى، ولمعاشى، وعاقبة أمرى، وإنما
ذكر عاقبة الأمر ، لأنه رُب شىء يهمه الرجل يكون فيه خير فى ذلك الحال، ولكن
/ ٢٤٣ / لا يكون خيرا فى آخر الأمر، بل ينقلب إلى عكسه، فزاد عليه الصلاة
والسلام فى الدعاء بقوله: "وعاقبة أمري".
قوله : "فاقدره" بضم الدال ، أى : اقضى(١) لى به وهيئه .
قوله : "فاصرفه عنى" أى: لا تقضى لى به، ولا ترزقنى إياه.
قوله: "واصرفنى عنه" أى: لا تيسر لى أن أفعله، وأقلعه من خاطرى، أى: لا أهمَّهُ بعد ذلك.
قوله : "حيث كان" أى: الخير، أى: اقضى (١) لى بالخير حيث كان الخير.
قوله : "لم رَضِّنى به" أى: اجعلنى راضيا بذلك، أى: بخيرك المقدور،
وروى للمترمذى وضعفه عن أبى بكر - ت - ، "أن النبى - عليه
(١) كذا.
( ٣٣٣)
السلام - كان إذا أراد الأمر قال: اللهم خر لى، واختر
لى"(١).
وروى ابن السنى فى كتابه عن أنس - رعنه - قال: قال رسول الله وُ لّ: "يا أنس، إذا
هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ، ثم انظر إلى الذى سبق إلى قلبك ، فإن
الخير فيه"(٢). قال الشيخ محيى الدين النواوى: "إسناده غريب، فيه من لا أعرفهم"(٣).
(١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٨٦)، رقم (٣٥١٦)، وأبو يعلى (٤٤)، وابن
السنى (٦٠٢)، والبغوى فى "شرح السنة" (١٥٥/٤) وغيرهم من طريق زنفل بن عبد الله، عن
ابن أبى مليكة ، عن عائشة ، عن أبى بكر به. وقال الترمذى : "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا
من حديث زنفل ، ولا يتابع عليه" اهـ. وزاد فى التحفة (٦٦٣٨/٥) وهو ضعيف عند أهل
الحديث اهـ. وقال أبو زرعة الرازى - كما فى العلل (٢٠٣/٢-٢٠٤) لابن أبى حاتم - : "هذا
حديث منكر، وزنفل ضعيف ليس بشىء" اهـ. وضعفه الحافظ فى الفتح (١٨٤/١١) والشيخ
الألبانى فى الضعيفة (١٥١٥).
(٢) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٦٠٣) من طريق عبيد الله الحميرى، ثنا إبراهيم بن
العلاء، عن النضر بن أنس بن مالك، ثنا أبى، عن أبيه، عن جده به. وعبيد الله الحميرى
مجهول لا يعرف، والنضر بن أنس وهو النضر بن حفص بن النضر بن أنس بن مالك قال عنه
الذهبى فى "الميزان" (٢٥٥/٤) "لا يعرف". وقال الإمام النووى فى "الأذكار" (ص/١١١):
"إسناده غريب، وفيه من لم أعرفهم". وقال الحافظ فى "الفتح" (١٨٧/١١): "سنده ضعيف
جدا" . وضعفه الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" (ص/٧١).
تنبيه : هذا الحديث الذى رواه ابن السنى من حديث أنس " يا أنس إذا هممت بأمر ... " قد ذكر فى
الأصل المطبوع من "الكلم الطيب" برقم (١١٥)، وذكر بعده فى "د": "وما ندم من استخار الخالق،
وشاور المخلوقين، فقد قال الله تعالى: ﴿وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ قال
قتادة: ما تشاور قوم يبتغون وجه الله إلا هدوا لأرشد أمرهم" اهـ. وهو مذكور كذلك فى "ج" عدا
قوله "وما ندم .... وشاور المخلوقين"، والظاهر أنه من زيادة النساخ، وأخذوه من "الوابل الصيب"
لابن القيم خاصة لما يذكر من أن "الوابل الصيب" شرح لـ "الكلم الطيب" والله أعلم.
(٣) انظر الأذكار (ص/١١١) باب دعاء الاستخارة .
( ٣٣٤ )
[قال شيخ الإسلام : ]
١٨ - فصل فى الكرب والحزن والهم
أقول : هذا الفصل فى بيان الدعاء فى حالة الكرب والحزن والهم، والفرق بين الكرب
والحزن ، أن الکرب حزن مع شدة، وبین الهم والحزن، قیل هما واحد ، وليس كذلك،
فإن الهم إنما يكون فى الأمر المتوقع، والحزن فيما قد وقع، والهم هو الحزن الذى يذيب
الإنسان، يقول: همنى الشىء، أى: أذابنى، وسنام مهموم، أى : مذاب ، ويقال:
أهمنى: إذا طرح فى قلبه الهم، والَثَلُ: همك ما أهمك، كما يقول : شغلك ما
شغلك .
[قال شيخ الإسلام:] ١١٤ - عن ابن عباس - ه -، "أَنَّ رسول الله وَ لَّ كَانَ يَقُولُ
عِندَ الكَرْبِ: / ٢٤٤ / لا إلهَ إلاَّ الله العَظِيمُ الَحَلِيمُ، لا إله إلا اللهُ رَبُّ العَرْشِ
العَظِيمِ، لا إله إلا الله، رَبُّ السمواتِ وربُّ الأرضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ"
متفق عليه(١) .
أقول : فى رواية لمسلم، "أن النبى - عليه السلام - إذا حزبه أمر "(٢) أى: نزل به أمر
مهم، أو أصابه غم .
قوله : "العظيم" وهو الذى جاوز قدره، وجل عن حدود العقول، حتى لا تتصور
الإحاطة بكنهه وحقيقته، والعظم فى صفات الأجسام كبر الطول والعرض والعمق ،
والله تعالى جل قدره عن ذلك .
قوله : "الحليم" وهو الذى لا يستخفه شىء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب
علیهم ، ولکنه جعل لکل شیء مقدارا ، فهو منته إليه.
٢٠
(١) البخارى: كتاب الدعوات ، باب الدعاء عند الكرب (٦٣٤٦)، مسلم: كتاب الذكر
والدعاء، باب دعاء الكرب (٨٣/٢٧٣٠).
(٢) مسلم (٨٣/٢٧٣٠ مكرر) .
(٣٣٥)
-
قوله : "رب العرش العظيم" يجوز أن يكون "العظيم" ها هنا صفة لـ "الرب" ويكون معناه
مثل ما ذكرنا ، ويجوز أن يكون صفة لـ "العرش"، ويكون المعنى المعنى الثانى، وهو كبر
الطول والعرض والعمق .
قوله : "رب العرش الكريم" "الكريم" يجوز فيه الوجهان مثل ما قلنا فى "العظيم"،
ولكن الحق أنه صفة الرب، ومعناه: هو الجواد المعطى، الذى لا ينفذ عطاؤه ، وهو
الكريم المطلق، والكريم: الجامع أنواع الخير والشرف والفضائل، وإذا كان "إلكريم"
صفة لـ "العرش" يكون معناه : الشريف والنفيس .
فإن قلت : لِمَ ذكر العرش مكررا؟ قلت : لأنه أعظم المخلوقات، وأعلى الموجودات،
تنبيها على عظمة شأنه، وعلى عظم خالقه، الذى استولاه(١) بقدرته الباهرة .
[قال شيخ الإسلام: ] ١١٥ - وعن أنس - ظه - [عن النبيِّ { ﴿] "أَنَّهُ كَانَ إذَا حَزَبَهُ
أَمْرٌ قال: يَا حَىُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ((٢) .
أقول: روى الترمذى عن أنس - - ، "أنه كان إذا حز به أمر" أى: نزل به أمر
مهم، / ٢٤٥ / أو غم، وفى رواية: "إذا كربه قال: يا حى يا قيوم"(٢) والقيوم هو
القائم الدائم على كل شىء .
(١) بل أهل السنة والجماعة على أن الله - عز وجل - مستوٍ على عرشه ، لا مستوليا عليه ، وأن هذا
المعنى من التأويلات المذمومة التى أنكرها أهل السنة قاطبة ، وانظر "العلو للعلى العظيم" للحافظ
الذهبى، أو "مختصره" للشيخ الألباني. تنبيه: كذا اسمه الصحيح "العلو للعلى العظيم" وليس كما
طبع "للعلى الغفار" نبه عليه الشيخ / على حسن عبد الحميد فى تحقيقه لـ "نزهة النظر" .
(٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٩٢)، رقم (٣٥٢٤)، وابن السنى فى "عمل اليوم
والليلة" (٣٣٢) من طريق أبى بدر شجاع بن الوليد، ثنا رحيل بن معاوية (فى الترمذى: الرجيل،
وعند ابن السنى: إسماعيل بن معاوية وكلاهما خطأ)، عن يزيد الرقاشى ، عن أنس به . ويزيد الرقاشى
ضعيف لسوء حفظه ، وله شواهد يحسن بها ذكرها الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية" (٥/٤-٦)،
وحسنه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٤٧٧٧) وغيره .
(٣٣٦ )
قوله : "أستغيث" أى: أطلب الغوث، وهو العون، وتأخير الفعل للاختصاص، أى:
نخصك بالاستغاثة .
[قال شيخ الإسلام:] ١١٦ - وعن أبى هريرة - ﴿ - أن النبيَّ ◌َّ كَانَ إذَا أَهَمَّهُ
الأَمْرُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فى الدُّعَاءِ قَالَ:
يَا حِىٌّ، يا قَيُّومُ" خرجهما الترمذى(١).
أقول : روى الترمذى أيضًا عن أبى هريرة، "أن النبى - عليه السلام - كان إذا همه
الأمر" أى: إذا نزل به أمر مهم، "رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم"
وفهم من ذلك أن رفع الرأس إلى السماء عند الدعاء جائز، ولا يتوهم من هذا تعيين
المكان ، بل هو إشارة إلى أن الله أعلى من كل شىء(٢).
قوله : "وإذا اجتهد فى الدعاء" يعنى: إذا ألح واشتد فى الدعاء قال: "يا حى، يا
قيوم"، وإنما كان يقول ذلك عند الاجتهاد، لأنه قيل: إن هذا هو اسم الله الأعظم،
الذى من دعا به لا يخيب دعاه ، ويستجاب له من ساعته .
قوله : "خرجهما" أى: خرج هذا الحديث الذى رواه أبو هريرة، والذى قبله ، الذى
رواه أنس الترمذى فى كتابه .
(١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات ، باب ما جاء ما يقول عند الكرب (٣٤٣٦) من طريق
إبراهيم بن الفضل ، عن سعيد المقبرى ، عن أبى هريرة به . وقال الحافظ كما فى "الفتوحات
الربانية" (٦/٤): "رجاله ثقات إلا إبراهيم بن الفضل مولى بنى مخزوم، فإنهم اتفقوا على ضعفه.
وقال البخارى: منكر الحديث . وقد قال: من قلت فيه منكر الحديث لا تحل الرواية عنه" اهـ.
وضعفه الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" ، وضعيف الجامع (٤٣٥٦).
(٢) بل وإشارة إلى أن الله فوق سماواته على عرشه، بائن من مخلوقاته. وانظر مجموع الفتاوى
(٢٥٦/٥ : ٢٦٦).
( ٣٣٧)
1
[قال شيخ الإسلام:] ١١٧ - وعن أبى بَكْرَةَ - ◌َه -، أن رسول الله ◌ُ لّ قال:
"دَعَوَاتُ المَكْرُوبِ: اللهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِى إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ
لِى شَأْنِى كُلَّهُ، لا إلهَ إلا أنتَ"(١).
أقول : روى أبو داود فى "سننه" عن أبى بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن
علاج بن أبى سلمة ، وهو عبد العزيز بن غِيرة - بكسر الغين المعجمة ، وبعدها ياء
باثنتين من تحتها، وراء مهملة - / ٢٤٦ / ابن عوف بن قيس بن منبه الثقفى.
وقيل: نفيع بن مسروح، كنى بأبى بكرة، لأنه تدلى إلى النبى و﴿ يوم الطائف ببكرة،
فكنى بذلك ، وأعتقه رسول الله ، روى له عن رسول الله - عليه السلام - مائة حديث
واثنان وثلاثون حديثا ، اتفقا منها على ثمانية ، وانفرد البخارى بخمسة ، وانفرد مسلم
بحديث ، روى عنه ابناه : عبد الرحمن ومسلم، وربعى بن حراش، والحسن البصرى ،
والأحنف بن قيس، وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين،
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (٥٠٩٠) واللفظ له، وأحمد
(٤٢/٥)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٦٥١)، وابن حبان (٩٧٠/٣) وغيرهم من طرق
عن عبد الملك بن عمرو أبى عامر العقدى، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٣٧) عن
زيد بن الحباب كلاهما عن عبد الجليل بن عطية عن جعفر بن ميمون قال : حدثنى عبد الرحمن بن
أبى بكرة ، أنه قال لأبيه: يا أبه ! إنى أسمعك تدعو كل غداة: "اللهم عافنى فى بدنى، اللهم
عافنى فى سمعى ، اللهم عافنى فى بصرى ، لا إله إلا أنت" تعيدها ثلاثا حين تصبح ، وثلاثا حين
تمسى، وتقول: "اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر،
لا إله إلا أنت" تعيدها ثلاثا حين تصبح، وثلاثا حين تمسى. قال: نعم يا بنى. إنى سمعت
النبى ◌ُ يدعو بهن، فأحب أن أستن بسنته، قال: وقال النبى ◌ّ: "دعوات المكروب ... "
وذكره. وصححه ابن حبان ، وحسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٨/٤)، وحسنه الشيخ
الألبانی فی "صحیح أبی داود" وغيره .
( ٣٣٨ )
مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمى، روى له
الجماعة(١) .
قوله : "رحمتك أرجو" تأخير الفعل للاختصاص، أى: نخصك برجاء الرحمة ، فغيرك
لا يرحم .
قوله : "فلا تكلني إلى نفسي" من وكل فلان فلانا إذا استكفاه أمره، ثقة بكفايته ، أو
عجزا عن القيام بأمر نفسه .
قوله : "طرفة عين" خارج مخرج المبالغة، يعنى: لا تكلنى إلى نفسى أصلا فى حالة من الأحوال.
قوله : "شأنی" أى : أمری وحالی.
[قال شيخ الإسلام:] ١١٨ - وعن أسماء بنت عُمَيسٍ قالت: قال لى رسول الله صل :
"أَلاَ أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِيهِنَّ(٢) عِنْدَ الكَرْبِ، أَوْ فِى الکَرْبِ؟ الله اللهُ رَبِى لا أُشْرِكُ
به شَيْئًا)(٣) وفى رواية: "أَنَّهَا تُقَالُ سَبْعَ مَرَّاتٍ"(٤) خرجهما أبو داود .
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٦٨٩/٤)، أسد الغابة (٥٢٨٢/٥)، الإصابة (٨٧٩٩/٦).
(٢) فى "ج": "تقولينهن".
(٣) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب فى الاستغفار (١٥٢٥)، وابن ماجه فى كتاب
الدعاء، باب الدعاء عند الكرب (٣٨٨٢)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٦٤٧، ٦٤٨،
٦٤٩)، وأحمد (٣٦٩/٦) وغيرهم من طريق عبد العزيز بن عمر، عن هلال مولى عمر بن
عبد العزيز، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ، عن أسماء به . وحسنه
الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٩/٤). وانظر طرق هذا الحديث فى "التاريخ الكبير" للبخارى
(٤٢٩/٤) فقد عدد طرقه . وقال الشيخ الألبانى فى تحقيقه للكلم الطيب : "حديث حسن، ...
وله شاهد من حديث عائشة عند ابن حبان فى "صحيحه" (٢٣٦٩)" اهـ.
(٤) رواه النسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٦٥٠) والطبرانى فى "الدعاء" (١٠٢٦) مرسلاً من حديث
عبد العزيز بن عمر، عن أبيه قال: "جمع رسول الله وَ﴿ّ بنى هاشم فقال: إذا أصاب أحدكم غم
أو هم فليقل سبع مرات : الله ربى لا أشرك به شيئًا" .
( ٣٣٩)