النص المفهرس
صفحات 181-200
أقول : "رب" منصوب بأنه منادى، وحرف النداء محذوف تقديره "يا رب السموات،
ويا رب العرش العظيم، ويا ربنا ورب كل شىء"، ويجوز الرفع على أن يكون المبتدأ
محذوفا، أى: "أنت رب السموات" إلى آخره.
قوله : "فالق الحب" صفة لقوله: "ربّ"، وكذلك "منزل" فيجوز فيه النصب والرفع
على الوجهين ، و "الفائق" من الفلْق، بسكون اللام، وهو الشق، ومعنى قوله: "فالق
الحب والنوى" الذى يشق حبة الطعام، ونوى التمر للإنبات، والفلق بالتحريكٍ(١) الصبح
نفسه، وقيل : ضَوْءه وإنارته . .
قوله : "منزل التوارة والإنجيل" وهما اسمان أعجميان، واشتقاق التوراة من "ورى
الزند"، وهو ما يظهر منه من النور والضياء، فسمى التوراة بذلك، لأنه قد ظهر بها
النور والضياء لبنى إسرائيل، ومن تابعهم / ١٢٢ / ووزنه "تفعلة"، والإنجيل من
"النجل" ، إنما سمى الإنجيل لأنه أظهر الدين بعد ما درس، وقد سمى القرآن إنجيلا أيضا ،
ووزنه "إفعيل" .
قوله : "والقرآن" اسم للمنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بلسان جبريل - عليه
السلام - أصله مصدر كـ "غفران" من "قرأ" إذا جمع، سمى القرآن بذلك، لأنه يجمع
الحروف والكلمات، ومنه القُرْءُ، وهو الحيض، لاجتماعه فى الرحم، والقرية لاجتماع
الناس فيها .
قوله : "أنت آخذ بناصيته" كناية عن تمكنه من المخلوقات، وأنهم تحت قدرته، وقهره،
وسلطنته ، وقد مر مرة .
قوله : "أنت الأول فليس قبلك شىء" والأول هو الذى لا شىء قبله ولا معه، فكأن
قوله { # "فليس قبلك شىء" تفسيرا للأول.
(١) فى الأصل: "بالتخريج" خطأ .
( ١٨٠ )
قوله : "وأنت الآخر فليس بعدك شىء" الآخر: الباقى بعد فناء الخلق، المتعالى فى أوليته
عن الابتداء، كما هو المتعالى فى آخريته عن الانتهاء، قال الشيخ محيى الدين النووى فى
"شرح مسلم"(١): "وأما تسميته تعالى بالآخر، فقال الإمام أبو بكر الباقلانى: معناه
الباقى بصفاته من العلم، والقدرة، وغيرهما التى كان عليها فى الأزل، ويكون كذلك
بعد موت الخلائق، وذهاب علومهم، وقدرتهم(٢)، وتفرق أجسامهم، قال: وتعلقت
المعتزلة بهذا الاسم، واحتجوا به لمذهبهم فى فناء الأجسام، وذهابها بالكلية ، قالوا :
ومعناه الباقى بعد فناء خلقه، ومذهب أهل الحق خلاف ذلك، وأن المراد أَخِرٌ بصفاته
بعد ذهاب صفاتهم ، ولهذا يقال : آخر من بقى من بنى فلان فلانٌ ، يراد حياته ، ولا
يراد فناء أجسام موتاهم وعدمها ، هذا كلام الباقلانى"(٣).
قوله: "وأنت / ١٢٣ / الظاهر فليس فوقك شىء" معنى الظهور: القهر، والغلبة،
وكمال القدرة، ومنه ظهر فلان على فلان، وكأن قوله - عليه السلام - : "فليس
فوقك شىء" تفسيرا لهذا، وقيل : الظاهر بآياته الباهرة الدالة على وحدانيته ، وربوبيته .
قوله : "وأنت الباطن فليس دونك شىء"، أى : المحتجب عن خلقه، وقيل: العالم
بالخفيات ، وقيل : الذى لا يستولى عليه توهم الكيفية .
قوله : "اقض عنا الدين" المراد بالدين هاهنا حقوق الله، وحقوق العباد كلها من جميع الأنواع.
قوله : "وأغننا من الفقر" يعنى من السؤال الذى يؤدى إلى الذل الناشئ من الفقر
والاحتياج .
(١) فى الأَصْلُ: "شرح المسلم" كذا .
(٢) كذا فى الأصل، وفى "شرح مسلم" (٣٦/١٧): "وذهاب علومهم وقدرهم وحواسهم" وهو
المناسب لما قبله وبعده من ذكر الألفاظ بصيغة الجمع، والله أعلم.
(٣) انظر "شرح صحيح مسلم" (٣٦/١٧ -٣٧) تحت شرح حديث الباب .
( ١٨١)
[قال شيخ الإسلام:] ٤١ - قال البراءبن عازب: قال لى رسول الله { ل: "إِذَا أَيْتَ
مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثم اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَيمنَ، وقل: اللهم أسلمتُ
نَفْسِى إليكَ، ووجهتُ وَجْهِى إليكَ، وَفَوضتُ أَمْرِى إليكَ، وأَجاتُ ظَهْرِى إِليكَ، رَغْبَةً
وَرَهْبَةً إليكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنكَ إلاَّ إليكَ، آمنتُ بِكِتَابكَ الذى أنزلتَ، ونِيكَ(١)
الذى أرسلتَ ، فإن متّ متَّ على الفِطْرةِ، واجْعَلْهُنَّ أَخِرَ مَا تَقُولُ" متفق عليه(٢).
أقول: أبو عمارة ، ويقال: أبو عمرو ، ويقال: أبو الطفيل البراء بن عازب بن الحارث بن
عدى بن [جشم بن](٣) مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن
الأوس الحارثى الأوسى المدنى ، وأمه حبيبة بنت أبى حبيبة بن الخباب بن أنس بن زيد من
بنى مالك النجار، روى له عن رسول الله و له ثلاثمائة وخمسة أحاديث ، اتفقا على اثنين
وعشرين حديثا، وانفرد البخارى بخمسة عشر / ١٢٤ / وانفرد مسلم بستة ، روى
عنه : عبد الله بن يزيد الأنصارى الخطمى ، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائى،
وعامر الشّعبى، وعبد الرحمن بن أبى ليلى ، ومعاوية بن سويد بن مقرن ، وأبو إسحاق
السبيعى ، وعدى بن ثابت ، وسعد بن عبيدة، وأبو المنهال سياربن سلامة الرياحى(٤)،
نزل الكوفة ، وبها مات زمن مصعب بن الزبير، روى له الجماعة(٥).
(١) فى الكلم الطيب "وبنبيك" .
(٢) البخارى: كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام (٦٣١٣)، وباب النوم على الشق الأيمن
(٦٣١٥) وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون﴾
(٧٤٨٨)، مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع
(٥٧/٢٧١٠)، ولفظ البخارى مر کب من روايتين .
(٣) زيادة من مصادر الترجمة .
(٤) فى الأصل : "الرباحى" خطأ .
(٥) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٧٤/١)، أسد الغابة (٣٨٩/١)، الإصابة (٦١٨/١).
( ١٨٢ )
قوله : "إذا أتيت مضجعك" ، أى : فراشك للنوم .
قوله : "فتوضأ وضوءك للصلاة"، أى : الوضوء الكامل بأركانه وشرائطه، وفى
هذا الحديث ثلاث سنن مستحبة ليست بواجبة ، إحداها : الوضوء عند إرادة النوم،
فإن كان متوضئا كفاه ذلك الوضوء، والحكمة فيه أن يكون على طهارة مخافة أن يموت
من ليلته، وأن يكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلاعب الشيطان به فى منامه،
و ترویعه إياه .
الثانية : النوم على الشق الأيمن ، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن ، ولأنه
أسرع إلى الانتباه .
الثالثة : ذِكْرُ اللهِ تعالى ليكون خاتمةُ عمِلِهِ .
قوله : "اللهم أسلمت نفسي إليك"، وفى رواية: "أسلمت وجهى إليك"(١)، أى:
استسلمت ، وجعلت نفسى منقادة لك ، وطائعة بحكمك، والوجه والنفس هنا بمعنى
الذات ، ويقال: سلم، وأسلم ، واستسلم بمعنى واحد .
قوله : "وألجأت ظهري إليك" يقال: ألجأت إلى الشىء، أى: اضطررت إليه،
ويستعمل فى مثل هذا الموضع بمعنى الإسناد، يقال: ألجأت أمرى إلى الله، أى :
أسندته ، وقال الشيخ محيى الدين: "أى: توكلت عليك، واعتمدتك فى أمرى كله،
كما يعتمد الإنسان / ١٢٥ / بظهره إلى ما يسنده إليه"(٢).
+
(١) البخارى : كتاب الوضوء ، باب فضل من بات على الوضوء (٢٤٧)، وكتاب الدعوات ، باب
إذا بات طاهرا (٦٣١١) ، مسلم: كتاب الذكر والدعاء ، باب ما يقول عند النوم وأخذ
المضجع (٥٦/٢٧١٠) .
(٢) انظر "شرح صحيح مسلم" (٣٣/١٧) تحت شرح حديث الباب.
( ١٨٣)
قوله : "رغبة ورهبة إليك" الرغبة: السعة فى الإرادة، والرهبة: مخافة مع تحرز
واضطراب، وهما منصوبان على التعليل، متعلقان بالإلجاء، ومعنى "إليك": صرفت
رغبتى فيما أريده إليك ، قال الشاعر :
وإلى الذى يعطى الرغائب فارغب(١)
قيل : إنه أعمل فى الحديث لفظ "الرغبة" وحدها، ولو أعمل كل واحد منهما لكان من
حقه أن يقول : "رغبة إليك، ورهبة منك" ، والعرب تفعل ذلك .
قلت : ولو زعم زاعم احتمال أن يكون "إليك" متعلق بمحذوف ، مثل قولك : متوجها
بهما إليك، لم يستبعد(٢)، وحاصل المعنى: طمعا فى ثوابك، وخوفا من عذابك.
قوله : "لا ملجأ" ، أى : لا إلجاء.
قوله : "ولا منجا" ، أى: ولا نجاء ، أى : لا خلاص.
قوله : "منك إلا إليك"، أى: لا إلجاء، ولا خلاص من عذابك، وأخذك إلا إليك،
يعنى: أنت المُلْجَأُ إليه، وأنت المنجى .
قوله : "آمنت بكتابك الذي أنزلت"، أى: صدقت بكتابك الذى أنزلته على نبيك.
قوله : "ونبيك الذي أرسلت"، وفى بعض طرق هذا الحديث ، عن البراء، أنه قال: "قلت:
وبرسولك الذى أرسلت، قال: وبنبيك" قيل: إنما رد(٣) عليه الصلاة والسلام قوله، لأن
البيان صار مكررا من غير إفادة زيادة فى المعنى ، وذلك مما يأباه البليغ، لأنه كان نبيا قبل أن
كان رسولا ، وقيل: إنما رد عليه لاحتمال أن ينازعه بعض رسل الله من الملائكة، قال الله
(١) عجز بيت للنمر بن تولب ، وصدره : "ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى ... " .
(٢) فى الأصل : "يستعبد" خطأ .
(٣) فى الأصل : "رده" خطأ .
( ١٨٤ )
تعالى: ﴿اللهُ يَصْطَفَى مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾(١) فأراد بذلك تخليص الكلام من
اللبس، والتصديق / ١٢٦ / بنبوته، وفيه نظر، لأنه إن كانت العلة فيه احتمال أن يراد به
جبريل، أو غيره من رسل الملائكة فإن مثل هذا الاحتمال غير منفى عن قوله: "ونبيك الذى
أرسلت" لاحتمال أن يراد به رسول آخر من أنبياء الله، والوجه الحسن فيه أن يقال: إن هذا
ذكر ودعاء، فينبغى الاقتصار على اللفظ الوارد بحروفه ولعله أوحى إليه - عليه السلام -
بهذه الكلمات، فيتعين أداؤها بحروفها من غير تغيير ، واحتج بعض العلماء بهذا الحديث لمنع
الرواية بالمعنى ، والجمهور على الجواز من العارف، وقد عرف فى موضعه .
قوله : "فإن مُت مُت على الفطرة" ، أى: على الإسلام، وفى رواية: "وإن أصبحت
أصبت خيرا" ، أى: جعل لك ثواب هذه السنن، واهتمامك بالخير، ومتابعتك أمر الله
تعالى ورسوله ، فإن قيل: إذا مات الإنسان على إسلامه، ولم يكن ذكر من هذه
الكلمات شيئا فقد مات على الفطرة لا محالة ، فما فائدة ذكر هذه الكلمات ؟ أجيب
بتنويع الفطرة ، ففطرة القائلين فطرة المقربين والصالحين ، وفطرة الآخرين فطرة عامة
المؤمنين، ورُدَّ بأنه يلزم أن يكون للقائلين فطرتان فطرة المؤمنين، وفطرة المقربين
والصالحين ، أجيب: بأنه لا يلزم ذلك، بل إن مات القائلون فهم على الفطرة التى
للصالحين والمقربين ، وإن مات غيرهم فلهم فطرة غيرهم، والله أعلم .
٠٠
(١) سورة الحج (٧٥).
( ١٨٥ )
٤ - فصل(١)
[قال شيخ الإسلام : ]
أقول: هذا الفصل فى بيان الأدعية التى يقولها المستيقظ من الليل .
[قال شيخ الإسلام: ] ٤٢ - عن عبادة بن الصامت / ١٢٧/ - ظه - عن النبى
﴿، قال: "من تعارَّ من الليل، فقال: لاَ إلهَ إلاَّ الله وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، [له](٢)
المُلْكُ، ولهُ الحَمْدُ، وهو عَلَى كلُّ شىءٍ قَديرٌ، الحمدُ للهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، والله
أَكْبَرُ(٣)، ولا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاّ باللهِ(٤)، ثم قال: اللهم اغْفِرْ لى، أَوْ دَعَا اسْتُجيبَ
لَهُ، فَإِن تَوَضَّأْ قُبِلَتْ صَلاَتُهُ"(٥) خرجه البخارى(٦) .
أقول : عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن [ثعلبة بن](٧) غنم بن سالم بن
عوف بن عمرو بن الخزرج الأنصارى الخزرجى ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة ، شهد
العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرا، وأحدا، والمشاهد كلها مع رسول الله { ₪، وروى
له عن رسول الله مائة وواحد وثمانون حديثا، اتفقا منها على ستة أحاديث ، وانفرد
(١) فى "ج" و "هـ" : "فصل فيما يقوله المستيقظ من نومه ليلا" .
(٢) زيادة من مصادر التخريج و"الكلم الطيب" .
(٣) فى "الكلم الطيب": "وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ، وانظر الشرح لزاما .
(٤) فى "د": "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم"، ووردت هذه الزيادة فى "ج" وقال الشيخ
الألبانى (ص/٤٢): "فى التهجد من صحيحه - أى البخارى- (٢٩١/١) وليس عنده "العلى العظيم"،
وهى عند ابن ماجه وابن السنى بسند صحيح، ولم ترد هذه الزيادة فى الأصل المخطوط" اهـ.
(٥) كذا فى "صحيح البخارى" ، وفى السنن والكلم الطيب "فإن توضأ وصلى قبلت صلاته" .
(٦) البخارى: كتاب التهجد، باب فضل من تعارَّ من الليل فصلى (١١٥٤)، أبو داود: كتاب
الأدب ، باب ما يقول الرجل إذا تعارَّ من الليل (٥٠٦٠)، الترمذى : كتاب الدعوات ، باب ما
جاء فى الدعاء إذا انتبه من الليل (٣٤١٤) ، ابن ماجه : كتاب الدعاء ، باب ما يدعو به إذا انتبه
من الليل (٣٨٧٨) .
(٧) زيادة من مصادر الترجمة .
( ١٨٦ )
البخارى بحديثين، ومسلم بآخرين، روى عنه: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله،
وفضالة بن عبيد، وشُرحبيل ابن حسنة ، وأبو أمامة الباهلى ، ورفاعة بن رافع،
ومحمود بن الربيع، وبنوه: الوليد، وعبيد الله، وداود بن عبادة، وأبو عبد الله
عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحى ، ويعلى بن شداد بن أوس، وأبو الأشعث الصنعانى ،
وكثير بن مرة، وحكيم بن جابر، وجنادة بن أبى أمية ، وأبو إدريس الخولانى،
وخطاب بن عبد الله الرقاشى، وغيرهم، قال الأوزاعى : أول من ولى قضاء فلسطين
عبادة بن الصامت ، مات بالشام سنة أربع وثلاثين ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ، وقال
حسن بن ربيعة: عن رجاء بن أبى سلمة "قبر عبادة ببيت المقدس"، / ١٢٨ / وقيل:
إنه مات بالرملة ، روى له الجماعة(١).
قوله : "من تعارّ" بتشديد الراء المهملة، ومعناه: استيقظ من نومه، وقيل: تمطى، وقيل: تعار،
يتعار، يستعمل فى انتباه معه صوت، يقال: تعار الرجل إذا هم من نومه مع صوت، ويحتمل أنه
أخذ من عرار الظليم، وهو صوته، يقال: عار الظليم يعار، وقيل: عر الظليم يعر عرارا، كما
قالوا: زمر النعام يزمر زمارا، وكأن استعمال هذا اللفظ فى هذا الموضع دون الهبوب، والانتباه،
والاستيقاظ، وما فى معناه لزيادة معنى، وهو أنه أراد أن يخبر بأن من هب من نومه ذكر الله
سبحانه مع الهبوب، فسأل الله خيرا، أعطاه إياه، فأوجز فى اللفظ، وأعرض فى المعنى، فأتى من
جوامع الكلم التى أوتيها بقوله: "تعارّ"، ليدل على المعنيين، وليس فى بعض نسخ البخارى "ولا
إله إلا الله، والله أكبر" ، ولم يذكره الحميدى أيضا فى "الجمع بين الصحيحين"، وثبت هذا اللفظ
فی رواية الترمذى، وغيره، وسقط فی رواية أبى داود.
قوله : "اغفرٍ لى، أودعا" شك من الوليد بن مسلم أحد الرواة، وهو شيخ شيوخ
البخارى ، وأبى داود، والترمذى، وغيرهم فى هذا الحديث .
قوله : "فإن توضأ قبلت صلاته" ، أى : إن توضأ وصلى قبلت صلاته .
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٣٨٠/٢)، أسد الغابة (٢٧٨٩/٣)، الإصابة (٤٥٠٠/٣).
( ١٨٧ )
[قال شيخ الإسلام:] ٤٣ - وعن أبى أمامة - ﴿ه - قال: سمعت النبى وَ ل، يقول:
"من أَوَى إلى فِرَاشِهِ طَاهِرًا، وَذَكَرَ اللهَ تَعَالى حَتَّى يُدْرِكَهُ النَّعَاسُ، لم يَنْقَلِبْ سَاعَةٌ مِنَ
الْلَيْلِ يَسْأَلُ الله فيها خَيْرًا(١) مِن خَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ"(٢). / ١٢٩ / خرجه
الترمذى ، وقال : حديث حسن غريب(٣) .
أقول : أبو أمامة صدى بن عجلان بن والبة بن رياح بن الحارث بن معن بن مالك بن
٠٫
أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، ويقال : ابن عجلان بن وهب أبى عمرو ،
ويقال : ابن وهب بن عَریب بن وهب بن ریاح الباهلی ، سکن حمص ، روی له عن
رسول ® مائنا حديث، وخمسون حديثا، روى له البخارى خمسة أحاديث، ومسلم
ثلاثة ، روى عنه : رجاء بن حَيْوة، وخالد بن معدان ، ومحمد بن زياد الألهانى ،
(١) فى "ج": "يسأل الله شيئا من ... ".
(٢) فى "الكلم الطيب": " ... إلا أعطاه الله إياه" .
(٣) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٩٣)، رقم (٣٥٢٦)، والنسائى فى "عمل اليوم
والليلة (٧١٣) من طريق ابن أبى حسين، عن شهر بن حوشب ، عن أبى أمامة به . وقال حسن
غريب . وقال الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" : "هو كما قال أو أعلى، فإن له شواهد عن
جماعة من الصحابة ، فراجعه فى "الترغيب" إن شئت" اهـ. أقول: ورواه أبو داود (٥٠٤٢)
والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٨٠٦) وابن ماجه (٣٨٨١) وأحمد (٢٤٤،٢٣٥/٥) وغيرهم
من طريق حماد وثابت ، عن عاصم، عن شهر بن حوشب ، عن أبى ظبية، عن معاذ بن جبل
مرفوعًا بلفظ: "ما من مسلم يبيت على ذكرٍ طاهرًا، فيتعار من الليل، فيسأل الله خيراً ... "،
ورواه النسائى فى "عمل اليوم والليلة" أيضا (٨٠٧) من طريق زيد بن أبى أنيسة ، عن عاصم،
و(٨٠٨) من طريق أبى الأحوص، عن الأعمش، و(٨٠٩) من طريق فطر بن خليفة، ثلاثتهم
عن شمر بن عطية ، عن شهر بن حوشب ، عن أبى ظبية الكلاعى ، عن عمرو بن عبسة مرفوعا
بنحوه . وقال الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية" (١٦٥/٣) بعد أن ذكر هذا الاختلاف: "هو
حديث حسن ، ولعل أباظبية حمله عن معاذ وعن عمرو بن عبسة ، فإنه تابعى كبير ، شهد خطبة
عمر بالجابية ، وسكن حمص، ولا يعرف اسمه، وانعقد الإجماع على توثيقه" اهـ.
( ١٨٨ )
وسليمان بن الحبيب المحاربى ، والوليد بن عبد الرحمن الجرشى، وحاتم بن حريث الطائى،
وأبو يحيى سليم بن عامر الكلاعى ، وشرحبيل بن مسلم الخولانى ، وشداد أبو عمار
وأبو سلام ممطور الحبشى، والقاسم أبو عبد الرحمن الدمشقى، وسالم بن أبى الجعد،
وأبو غالب حَزَوَّر، وأبو إدريس الخولانى، وغيرهم، مات بالشام سنة إحدى وثمانين،
وقيل : سنة ست وثمانين ، وقد قيل: إنه آخر من مات من الصحابة بالشام، روى له
الجماعة(١).
قوله : "من أوى إلى فراشه طاهرا"، أى: من دخل مضجعه على طهارة .
قوله : "وذكر الله" عام يتناول التسبيح، والتهليل، والتحميد، وقراءة القرآن، وحفظ
درس العلم، وغير ذلك من أشباه ذلك .
قوله : "النعاس" ، أى: النوم .
قوله : "سأل الله" جملة وقعت حالا من قوله: "لم ينقلب"، والمضارع إذا وقع حالا،
و کان مثبتا ، يجئ بغير الواو ، كقولك: "جاءنى زيد يركب" .
/ ١٣٠ / (قال شيخ الإسلام:] ٤٤ - وعن عائشة - رضى الله عنها - "أن
رسول الله ﴿ كَانَ إِذا اسْتَيْقَظَ مِنَ الليل قال: لا إلهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ(٢)، أستغفِرُكَ
لِذْنِى، وأسأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللهم زِدْنِى عِلْمًا، ولا تُزِغْ قَلْبِى بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِى، وَهَبْ
لِى من لَدُنْكَ رَحْمَةً ، إنكَ أنتَ الوهَّابُ" خرجه أبو داود(٣).
(١) انظر ترجمته فى "الاستيعاب (٢٨٨٢/٤)، أسد الغابة (٢٤٩٥/٣)، الإصابة (٤٠٦٣/٣).
(٢) فى الكلم الطيب "سبحانك اللهم" .
(٣) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب ما يقول الرجل إذا تعار من الليل (٥٠٦١)، والنسائى
(٨٦٥) وابن السنى (٧٥٢) كلاهما فى "عمل اليوم والليلة" وغيرهم من طريق عبد الله بن
الوليد ، عن سعيد بن المسيب عن عائشة به . وعبد الله بن الوليد قال الحافظ: لين الحديث،
وضعفه الحافظ فى "تهذيب التهذيب" (٧٠/٦) والشيخ الألبانى فى ضعيف أبى داود .
-
( ١٨٩ )
أقول: "سبحانك"، أى: أسبحك، وأقدسك من النقائص والعيوب، وأنزهك عما لا
يليق لذاتك .
قوله : "أستغفرك" ، أى : أطلب الغفران لذنبى .
قوله : "وأسألك رحمتك" ، أى : جنتك.
قوله : "اللهم زدنى علما" يتضمن التواضع لله، والشكر له عند ما علم من ترتيب
التعلم، أى : علمتنى يا رب لطيفة فى باب التعلم، وأدبا جميلا ما كان عندى ، فزدنى
علما إلى علم، فإن لك فى كل شىء حكمة وعلما، وقيل: ما أمر الله تعالى رسوله
بطلب الزيادة فى شىء إلا فى العلم .
قوله : "ولا تزغ قلبى" ، أى: لا تبلنى ببلايا يزيغ منها قلبى، "بعد إذ هديتنى" أرشدتنى
لدينك ، وقيل : معناه لا تمنعنى ألطفاك بعد إذ لطفت بى .
قوله : "وهب" أَمْرٌ من وهب يهب، أصله يوهب حذفت الواو لوقوعها بين الياء
والكسرة ، فبدلت كسرة الهاء فتحة لكونها من حروف الحلق، والأمر منه هب على زنة
"عل" .
قوله : "من لدنك" ، أى : من عندك.
- تنبيه : وقع فى المطبوع من "الكلم الطيب" بعد هذا الحديث حديثان، ولم يردا عندنا هنا ،
وهما حديث أبى هريرة مرفوعا: "إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذى رد على روحى
وعافانى فى جسدى" وحديث أنس: "أمرنا أن نستغفر بالليل سبعين استغفارة" ثم ذكرا مرة
أخرى فى الكلم الطيب" برقم (٥٦،٥٥) وعندنا برغم (٥٤،٥٣) وتقدم حديث أبى هريرة فقط
فى "الكلم الطيب" برقم (٣٤) وعندنا (عقب/٣٤)، وقال الشيخ الألبانى فى تحقيقه للكلم :
"ولم يرد هذا الحديث ولا الذى بعده - يعنى: هذين الحديثين - فى الأصل المخطوط" اهـ.
فالظاهر أنهما من زيادة النساخ ، والله أعلم .
( ١٩٠)
قوله : "رحمة"، أى: نعمة بالتوفيق، والمعونة.
قوله : "إنك أنت الوهَّاب" ، أى: كثير الوهبة، والعطية.
وعن عائشة - رضى الله عنها - قالت: "كان" تعنى رسول الله وَل " إذا تعار من الليل
قال: لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السموات والأرض وما / ١٣١/ بينهما
العزيز الغفار" رواه ابن السنى فى كتابه(١).
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى، فى كتاب النعوت (٧٦٨٨)، وفى "عمل اليوم والليلة" (٨٦٤)،
وابن السنى (٧٥٣) وابن حبان (٥٥٣٠/١٢)، والحاكم (٥٤٠/١) وغيرهم من طريق
يوسف بن عدى ، عن عثام بن على ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة به . وقال الحافظ
العراقى فى "أماليه" كما فى "فيض القدير" (١١٣/٥): "حديث صحيح". وصححه الشيخ
الألبانى فى "الصحيحة" (٢٠٦٦).
( ١٩١ )
[قال شيخ الإسلام:] ٥ - فصل فيما يقوله من يفزع ويقلق فى منامه .
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقوله من يخاف فى المنام بسبب ما يراه من الأشياء
المخوفة ، وفيما يقول من يأخذه القلق والاضطراب، ولا(١) يجئ له نوم ويحصل له
الانزعاج .
[قال شيخ الإسلام:] ٤٥ - عن بريدة - ته - قال: "شَكَى خالد بن الوليد إلى النبيِّ
﴿، فقال: يا رسول الله، مَا أَنَامُ الليْلَ مِنَ الأَرَقِ، فَقَالَ النبيُّ ◌َ﴿ثّ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى
فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللهم رَبَّ السمواتِ السبعِ وَمَا أظلَّتْ، وَرَبَّ الأَرَضِينَ السبعِ وَمَا
أَقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينَ وما أَضَلَّتْ، كُنْ لِى جَارًا مِن شَرٌ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا أن
يَفْرُطَ عَلَىَّ أَحَدٌ منهم، وأن يَبْغِىَ عَلَىَّ، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ، وَلاَ
إِلَهَ إلاَّ أَنْتَ" خرجه الترمذى(٢) .
أقول : بريدة أبو سهل، ويقال: أبو ساسان، ويقال: أبو عبد الله، ويقال:
أبو الحصيب ، والمشهور أبو عبد الله بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن
الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدى بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن
أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن
الأسد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن شجب بن يعرب بن
قحطان، روى له عن رسول الله وَ ل مائة حديث، وأربعة وستون حديثا، اتفقا منها
(١) فى الأصل: "ولو" خطأ .
(٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٩١) رقم (٣٥٢٣) قال: حدثنا محمد بن حاتم ،
حدثنا الحكم بن ظهير، حدثنا علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه به ، وقال : هذا
حديث ليس إسناده بالقوى ، والحكم بن ظهير قد ترك حديثه بعضُ أهل الحديث . ویروی هذا
الحديث عن النبى وَّ مرسلا من غير هذا الوجه اهـ. وقال الحافظ فى الحكم: "متروك واتهمه
ابن معين"، وضعفه الشيخ الألبانى فى الكلم الطيب ، وضعيف الجامع (٤٠٨).
( ١٩٢ )
على حديث واحد، وانفرد البخارى بحديثين، وانفرد مسلم بأحد عشر،
سكن / ١٣٢ / المدينة ، ثم انتقل إلى البصرة، ثم انتقل إلى مرو ، ومات بها سنة
اثنتين وستين، ودفن بالجصين ، بالجيم والصاد المهملة، وآخره نون، مقبرة بمرو ،
وهو آخر من مات من أصحاب النبى ﴿- بخراسان، روى(١) عنه ابناه: عبد الله،
وسليمان، وأبو المليح زيد بن أسامة، أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، روى له
الجماعة(٢) .
وأما خالد فهو أبو سليمان الخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو(٣) بن مخزوم بن
يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القرشى المخزومى سيف الله ، وأمه لبابة
الصغرى بنت الحارث بن حزن بن بحير بن الخُرَم بن رُوَيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن
صعصعة أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبى ®، أسلم قبل الفتح بعد الحديبية،
وشهد مؤتة ومن يومئذ سماه الرسول :28: سيف الله (٤)، وشهد خيبر، والفتح،
وحنينا، روى له عن رسول الله وُ ل ثمانية عشر حديثا، اتفقا على حديث، وللبخارى
حدیث موقوف وهو : "إن خالدا قال: لقد اندق فی یدی يوم مؤتة تسعة أسياف فما
ثبت فى يدى إلا صفيحة لى يمانية "(٥)، روى عنه قيس بن أبى حازم، وأبو وائل شعبة بن
(١) فى الأصل : "رواه" .
(٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢١٩/١)، أسد الغابة (٣٩٨/١)، الإصابة (٦٣٢/١).
(٣) فى الاستيعاب وأسد الغابة: "عمر" .
(٤) روى البخارى فى "صحيحه" (٣٧٥٧) من حديث أنس - رَؤُه - "أن النبى وَّ نعى زيدا
وجعفرا وابن رواحة قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر
فأصيب ، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذها سيف من سيوف الله،
حتی فتح الله عليهم" .
(٥) البخارى : كتاب المغازى ، باب غزوة مؤتة (٤٢٦٥، ٤٢٦٦).
( ١٩٣)
سلمة، مات بحمص ودفن على ميل منها، وقيل : بالمدينة سنة إحدى وعشرين فى خلافة
عمر بن الخطاب ، روى له أبو داود، والنسائى(١).
قوله : "من الأَرَق" بفتح الراء - السهر، ورجل أُرِق - بفتح الهمزة وكسر الراء -
إذا سهر لعلة، فإن كان السهر من عادته قيل: أُرق، بضم / ١٣٣ /
الهمزة .
قوله : "رب السموات" إما منصوب على النداء، أو مرفوع » والمبتدأ
محذوف .
قوله : "وما أظلت"، أى: السموات من الظل، وهو الفىء الخاص من الحاجز بينك
وبين الشمس، ولكن المراد هنا ما تكنفه السموات وتحيطه، ومنه قوله { 8: "إن فى
الجنة لشجرة يسير الراكب فى ظلها مائة عام"(٢).
قوله : "وما أقلت" من الإقلال، وهو الاستبداد، وما استبدت واستقلت به الأرض من
المخلوقات .
قوله : "وما أضلت" من الإضلال ضد الهداية .
قوله : "كن لى جارا" ، أى : خفيرا حافظا، وفى رواية : "كن لى سترا" .
قوله : "أن يفرط" من الفرط، "(٣) وهو مجاوزة الحد والفَرَطُ بفتح الراء الذى يتقدم، وفى
الحديث: "لا ترى الجاهل إلا مُفْرِطًا أو مُفَرِّطًا" الأول: بالتخفيف هو المسرف فى
العمل، والثانى: بالتشديد هو المقصر فيه" .
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٦٢١/٢)، أسد الغابة (١٣٩٩/٢)، الإصابة (٢٢٠٣/٢).
(٢) البخارى: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء فى صفة الجنة وأنها مخلوقة (٣٢٥٢)، مسلم : كتاب
صفة الجنة ، باب "إن فى الجنة شجرة ... " (٧،٦/٢٨٢٦).
(٣) انظر النهاية فى غريب الحديث (٤٣٥/٣).
( ١٩٤ )
قوله : "وأن يبغى على" من البغى، وهو مجاوزة الحد أيضاً، ومنه الحديث "فلا تبغوا
عليهن سبيلا"(١) .
قوله : "وجل ثناؤك" ، أى: عظم .
قوله : "خرجه الترمذى" يعنى خرجه فى "جامعه" ، ولكنه ضعفه .
[قال شيخ الإسلام:] ٤٦ - وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : "أن
رسول الله ﴿ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْفَزَعِ كَلِمَاتٍ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَامَّةِ من غَضَبِهِ،
(٢ وعِقَابِه٢ِ)، وشَرُ عِبَادِهِ، ومن هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينَ، وأن يَحْضُرُونِ"(٣) .
(١) قطعة من وصية النبى ◌ّ فى خطبة الحج، رواه الترمذى فى كتاب النكاح، باب ما جاء فى
حق المرأة على زوجها (١١٦٣)، وابن ماجه فى كتاب النكاح، باب حق المرأة على الزوج
(١٨٥١) كلاهما من طريق الحسين بن على الجعفى ، عن زائدة ، عن شبيب بن غرقدة، عن
سليمان بن عمرو بن الأحوص ، عن أبيه عمرو بن الأحوص، وصححه الشيخ الألبانی فی "آداب
الزفاف" (ص/٢٧٠).
(٢) ساقط من "ج" .
(٣) أخرجه أبو داود فى كتاب الطب، باب كيف الرقى (٣٨٩٣)، والترمذى فى كتاب
الدعوات ، باب (٩٤)، رقم (٣٥٢٨)، والإمام أحمد فى "مسنده" (١٨١/٢)، وابن السنى فى
"عمل اليوم والليلة" (٧٤٥) والحاكم (٥٤٨/١) من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن
شعيب به ، ومحمد بن إسحاق قال الحافظ: "صدوق يدلس" اهـ. وقد عنعنه. وقال الشيخ
الألبانى فى "الكلم الطيب" : "حسن لغيره، لأن له شاهدًا مرسلا عند ابن السنى (٢٣٨) من
حديث محمد بن المنكدر" اهـ. وانظر "الصحيحة" (٤٧٠/١-٤٧٢) لزاما .
تنبيه : لفظ الباب الذى ذكره شيخ الإسلام هو لفظ أبى داود ، وليس فيه ذكر النوم ، مما يجعله
غير مناسب للباب ، والذى يناسب الباب هو لفظ الترمذى ، فقد رواه بلفظ : "إذا فزع أحدكم
فى النوم فليقل : أعوذ بكلمات الله التامة ... ".
( ١٩٥)
أقول : عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم السهمى
القرشى المدنى ، وعده بعضهم من أهالى الطائف ، وقال ابن أبى حاتم : سكن مكة ،
وكان يخرج إلى ضيعة له، سمع / ١٣٤ / أباه ، وجل روايته عنه ، وسعيد بن المسيب،
وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن جبر(١)، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير ، وزينب
بنت أبى سلمة ، وعمته زينب بنت محمد بن عبدالله بن عمرو ، روى عنه : عطاء بن
أبى رباح، والزهرى ويحيى بن سعيد الأنصارى، وعمرو بن دينار (٤٢)، وأيوب
السختياني ، وداودبن أبى هند، وعبيد الله بن عمر العمرى، وقتادة، وثابت البنانى،
وأبو حازم المدنى ، وحسان بن عطية ، والحكم بن عتيبة ، ومحمد بن إسحاق بن يسار ،
وهشام بن عروة، ووهب بن منبه، وأبو إسحاق الشيبانى، وغيرهم، واحتج أكثر
العلماء بحديثه ، وإن تكلم فيه بعض الناس ، قال أحمد العجلى : هو ثقة ، وقال يحيى بن
سعيد: إذا روى عن الثقات فهو ثقة يحتج به، وقال الدارمى: هو ثقة، ولم يخرج
البخارى ومسلم من حديثه(٣) .
قوله : "كان يعلمهم"، أى: كان الرسول و﴿ يعلم الصحابة.
قوله : "كلمات" مفعول ثان لقوله: "يعلمهم".
قوله : "أعوذ بكلمات الله" بيان لقوله: "كلمات"، والمراد بكلمات الله أسماؤه الحسنى،
وكتبه المنزلة، وإنما وصفها بالتمام لكونها خالية عن النقص، والعوارض، أو معنى
التامة المحكمة، لأن أسماء الله محكمة لا يجرى فيها النسخ، والتغيير، والتبديل،
ونحو ذلك.
(١) فى الأصل : "جبير" خطأ .
(٢) فى الأصل : "عمرو بن صياد" .
(٢) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٦٤/٢٢، رقم/٤٣٨٥).
( ١٩٦ )
قوله : "من غضبه" المراد من الغضب إرادة الانتقام، لأن الغضب نفسه شدة غليان الدم
عند حصول أمر مكروه، وذلك محال على الله، فعلى هذا يجوز أن يكون قوله :
"وعقابه" تفسيرا لقوله: "من غضبه"(١).
قوله : "ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون" والهمزات جمع همزة، والهمز النخس،
ومنه / ١٣٥ / مهماز الرائض، والمعنى أن الشياطين يحثون الناس على المعاصى،
ويغرونهم عليها كما تهمز الراضة الدواب حثالها على المشى ، استعاذ من نخساتهم،
ومن أن يحضروه أصلا ، ويحوموا حوله .
قوله : "وأن يحضرون" أصله يحضرونى، سقطت الياء للتخفيف، أى: وأن يحضر
الشياطين عندى فى جميع الأحوال، وقيل: عند الذكر، وقيل: عند قراءة القرآن ،
وقيل : عند النزغ .
قال [شيخ الإسلام:]: "وكان عبدالله بن عمرو يعلمهن من عَقَل من بنيه، ومن لم
يَعْقِلْ كَتبَهُ ، فَأَعلقه عليه" خرجه أبو داود ، والترمذى، وقال: حديث حسن"(٢).
(١) بل مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل يغضب غضبا يليق بجلاله، وأن الغضب على
حقيقته ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾، فلا تأويل، ولا تشبيه، إجماع أهل السنة
والجماعة، وانظر مجموع الفتاوى (١٢٩/٣: ١٣٣).
(٢) قطعة من الحديث السابق، وقد ضعفها الشيخ الألبانى، فقال فى "الصحيحة" (٤٧٢/١):
"وهذه الزيادة منكرة عندى" اهـ. وقال فى تحقيقه للكلم الطيب: "لم يصح إسناده إلى ابن
٠٠
عمرو ، لأن فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد عنعنه ، فلا يجوز الاحتجاج به على جواز
تعليق التمائم من القرآن ، لعدم ثبوت ذلك عن ابن عمرو ، لاسيما وهو موقوف عليه، وقال
الشوكانى: "وقد ورد ما يدل على عدم جواز تعليق التمائم، فلا يقوم بقول عبد الله بن عمرو
حجة" ، والسلف من التابعين وغيرهم مختلفون فى ذلك، فأجازه بعضهم وكرهه آخرون ، وهذا
=
( ١٩٧ )
أقول : عبد الله بن عمرو بن شعيب المذكور .
قوله : "يعلمهن"، أى: يعلم هؤلاء الكلمات "من عقل"، أى: فهم، وميز من بنيه،
ومن لم يعقل كان كتبه كالحرز، فعلقه عليه .
قوله : "من عقل" مفعول ثان لقوله: "يعلمهن".
قوله : "من بنيه" بيان لقوله: "من عقل"، وفى رواية ابن السنى: "جاء رجلٌ إلى النبىّ
*، فشكى أنه يَفْزَعُ فى منامِهِ، فقال رسول الله ◌َ﴿: إذا أويتَ إلى فراشكَ فقل:
أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّةِ من غضبهِ، ومن شرُ عباده، ومن همزاتِ الشياطينَ، وأن
يحضرون، فقالها، فَذَهَب عنهُ"(١).
- الذى تختاره، لعدم ثبوت ذلك عن النبى ، ولأن القول بجوازه يعطل سنة الترقية
بالمعوذات وغيرها ، وقد روى أبو عبيدة فى "فضائل القرآن" (ق١/١١١) بسند صحيح عن
إبراهيم - وهو النخعى التابعى الجليل - قال : كانوا يكرهون - يعنى الصحابة - التمائم من
القرآن وغيره . قال المغيرة - وهو ابن مقسم الضبى الفقيه الثقة - : رسألت إبراهيم فقلت :
أعلق فى عضدى هذه الآية ﴿يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم﴾ من حمى كانت بی؟
فكره ذلك. ثم روى أبو عبيد عن الحسن البصرى أنه كان يكره أن يغسل القرآن ويسقاه
المريض، أو يعلّق القرآن ، وإسناده صحيح لولا أن فيه عثمان بن وكيع، قال أبو حاتم : لا
أعرفه" اهـ.
(١) ابن السنى (٧٤٤) وانظر تخريج الحديث (٤٦).
( ١٩٨ )
[قال شيخ الإسلام :]
٦ - فصل فیما یصنع من رأى رؤيا
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يصنع الرجل إذا رأى رؤيا محبوبة ، وإذا رأى رؤيا
مكروهة .
[قال شيخ الإسلام:] ٤٧ - قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: سمعت أبا قتادة(١)، يقولُ:
سمعت رسول الله وَ﴿، يقولُ: / ١٣٦/ "الرُّؤْيا منَ اللهِ، والحُلمُ منَ الشيطان، فإذَا
رأى أحدُكُمُ الشَّىْءٍ(٢) يَكْرَهُهُ فَلينفتْ عن(٣) يسارِهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ إِذَا استيقظَ ،
وَلْيَعَوَّذْ(٤) بِاللهِ من شرِّها، فإنها لن تَضرَّهُ - إن شاءَ الله -".
قال أبو سلمة : "كنتُ(٥) لأَرَى الرُّؤْيَا هِىَ أثقلُ عَلَىَّ منَ الجبل، فلما سمعتُ هذا(٦)
الحديثَ فما كنتُ أُبَالِيهَا(٧)(٨)» وفى رواية قال: "كنتُ(٩) أَرَى الرؤيا فَتُمْرِضُنِى حتى
سمعتُ رسول الله ﴿، يقولُ: الرؤيا الصالحةُ مِنَ اللهِ، فإذا رأى أحدُكُمْ مَا يحبُ فَلاَ
(١) فى الكلم الطيب "أبا قتادة بن رَبْعِىِّ" .
(٢) فى الكلم الطيب "شيئا" وكذا عند البخارى (٥٧٤٧) ومسلم (٢/٢٢٦١).
(٣) فى "د": "فليبصق على" وهى رواية للبخارى (٧٠٠٥) ومسلم (١/٢٢٦١).
(٤) فى "د": "فليتعوذ" .
(٥) فى "ج": "إن كنت" ، وفى "د" : "إنى كنت" .
(٦) فى "ج" : "بهذا" .
(٧) في "د" : "أبالى بها" .
(٨) البخارى : كتاب الطب ، باب النفث فى الرقية (٥٧٤٧) و (٣٢٩٢، ٧٠٠٥،٦٩٩٥،٦٩٨٤)،
مسلم: کتاب الرؤيا (٣،٢،١/٢٢٦١).
(٩) فى "ج" : "إن كنت أرى الرؤيا تَهمنى، حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا
فتمرضنى ... " . وفى "د" : "إن كنت لأرى الرؤيا تمرضنى ... " .
( ١٩٩ )