النص المفهرس
صفحات 141-160
المعنى فاعلا يجوز أن يكون مفعولا أيضاً، كقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾(١). فإن قلت : ما المراد من قوله: "ديناً" قلت: المراد من الدين هاهنا التوحيد، وبذلك فسر صاحب "الكشاف" فى قوله تعالى:﴿وَ مَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً﴾(٢) يعنى: التوحيد(٣). وأما فى الحديث الذى رواه مسلم فى "صحيحه" عن عمر -﴿ - قال: "بينما نحن عند رسول الله -عليه السلام- ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب" إلى آخره، فقد أطلق رسول الله الدين على الإسلام والإيمان والإحسان بقوله: "إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"(٤) وإنما علمهم هذه الثلاثة. والحاصل فى هذا أن الدين تارة يطلق على الثلاثة التى سأل عنها جبريل - عليه السلام -، وتارة يطلق على الإسلام كما فى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكم وأتممتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اْلإِسْلاَمَ دِيناً﴾(٥)، وبهذا يمنع قول من يقول بين الآية والحديث معارضة، حيث أطلق الدين فى الحديث على ثلاثة أشياء، وفى الآية على شئ واحد، واختلاف الإطلاق إما بالاشتراك أو بالحقيقة أو بالمجاز أو بالتواطؤ، ففى الحديث أطلق على مجموع الثلاثة ، وهو أحد مدلوليه، وفى الآية / ٨٩ / أطلق على الإسلام وحده، وهو مسماه الآخر. فإن قلت: لم قال: "بالإسلام" ولم يقل "بالإيمان"؟ قلت: الإسلام والإيمان واحد فلا يرد السؤال، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِینَ. فما وجدنا فِيهَاَ غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(٦) والمراد بهما آل لوط - عليه السلام-، يوصفهم تارة بأنهم مؤمنون ، وتارة بأنهم مسلمون ، فدل على أن الإيمان والإسلام شئ واحد. وعند الشافعية (١) سورة القمر (١٢) . (٢) سورة آل عمران (٨٥). (٣) انظر تفسير الكشاف (٣٨١/١). (٤) مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... (١/٨: ٤). (٥) سورة المائدة (٣) . (٦) سورة الذاريات (٣٥، ٣٦). ( ١٤٠ ) الإيمان والإسلام شيئان متغايران، لأن ظاهر حديث عمر - ته - يدل على تغايرهما، لأن جبريل -عليه السلام- سأل عنهما سؤالين، وأجيب عنهما بجوابين، ولو كانا واحدا لكان السؤال والجواب عن أحدهما كافيا عن السؤال عن الآخر، ولقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ أَمَنَّا قُل لَّمْ تؤمنوا ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَ﴾(١). والجواب عن الأول أن جبريل -عليه السلام- سأل عن شرائع الإيمان وشرائطه لا عن حقيقته، لأن حقيقة الإيمان التصديق بالقلب ، فلو كان السؤال عن حقيقته لأجاب رسول الله بهذا، لأن الجواب ينبغى أن يكون مطابقا للسؤال، لأن قوله -عليه السلام -: "تقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت(٢) كلها شرائع الإيمان ، لا دخل لها قط فى حقيقة الإيمان ، ومن هذا ينشأ نزاع آخر وهو : - أى الأعمال - هل هى من الإيمان أم لا؟ وهو بحث مشهور بيننا وبين الشافعية والمعتزلة وغيرهم. فإن قلت: إذا كان سؤال جبريل -عليه السلام- / ٩٠ / عن شرائع الإيمان وشرائطه، فَلِمَ زاد -عليه السلام- فى الجواب؟ حيث لم يكتف فى جوابه ببيان الشرائع حتى قال: "أن تؤمن بالله وملائكته" إلى آخره، وفى الإسلام قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"؟ قلت: قد قلت لك أن السؤال عن الشرائع والشرائط، فلا شك أن الإتيان بالشهادتين باللسان ، والإيمان بالملائكة والكتب ونحوهما من شرائط الإيمان لا من حقيقته، لأن حقيقته التصديق بالقلب فقط، ولكن الإقرار باللسان شرط لإجراء الإحكام(٣)، فيكون الجواب مطابقا للسؤال فافهم. وعن الثانى أن المراد من قوله: ﴿أسلمنا﴾ استسلمنا ، والاستسلام غير الإسلام. (١) سورة الحجرات (١٤). (٢) مسلم (٨) . (٣) بل الإيمان هو "تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" وإلى هذا ذهب مالك، والشافعى، وأحمد، والأوزاعى، وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث، وأهل المدينة. وهذه المسألة هى أحد مسألتين خالف فيها الحنفيةُ أهل السنة والجماعة فى اعتقادهم، والثانية أن الإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وقد بسط القول فيها شارح "العقيدة الطحاوية" (ص/٣٥٧:٣٣٢) فانظره هناك. ( ١٤١ ) قوله: "وبمحمد" أى: رضيت بمحمد نبيا، ووقع فى رواية أبى داود وغيره: "ومحمد رسولا" ، وفى رواية الترمذى: "نبيا"(١) يستحب أن يجمع الإنسان بينهما فيقول: "نبيا رسولا" ولو اقتصر على أحدهما لكان عاملا بالحديث ،. والفرق بين النبى والرسول أن كل رسول نبى ولا عكس، فالرسول من بعث ومعه كتاب کموسى وعيسى ومحمد - عليهم السلام - . قوله: "كان حقا على الله أن يرضيه" الأصل فى الحق المطابقة والموافقة، وفى كلامهم يأتى على أوجه معدودة ، ويستعمل استعمال الواجب، واللازم، والجدير، أما حق الله فهو بمعنى الواجب واللازم، وإما حق العباد فهو على معنى الجدير، من حيث أن الإحسان إلى من لم يتخذ ربا سواه مطابق للحكمة ، وهو جدير بأن تكون أفعالها مطابقة للحكمة ، ويجوز أن يكون سماه حقا / ٩١ / لأنه فى مقابلة حق الله من جهة الثواب. قوله: "أن يرضيه" فى تأويل مصدر، أى: إرضاؤه، وهو اسم "كان"، وخبره الجار والمجرور، و "حقا" نصب على أنه مفعول مطلق، أى: أحقه حقا، ويجوز أن يكون "حقا" خبراً، و "أن يرضيه" اسما، والتقدير: كان إرضاؤه على الله حقا، أى: جديرا، وإنما قدرنا هكذا لأن الله تعالى لا يجب عليه شئ لعبده، بل ثوابه على الطاعة فضل منه، وعقابه على المعصية عدل منه، وعمل الطاعة دليل على حصول الثواب، وفعل المعصية دليل العقاب، فلا يكون الثواب على الطاعة واجبا على الله، ولا العقاب على المعصية، لما علمت أن الله لا يجب عليه شئ (٢)، وكل ميسر لما خلق له، فالمطيع مؤمن ميسر لما خلق له، وهو الطاعة، والعاصی میسر لما خلق له، وهو المعصية ، ولیس للعبد فی ذلك تأثیر . وقال معتزلة البصرة : الثواب على الطاعة حق على الله، واجب عليه. وقالت الخوارج -وهو قول المعتزلة أيضا - : يجب على الله عقاب الكافر، وصاحبِ الكبيرة، والحق ما قلناه ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة ، وقد عرف فى موضعه بدلائله وبراهينه . (١) انظر التخريج قبل السابق . (٢) فى الأصل: "أن الله لا يجب على الله شئ" كذا. ( ١٤٢ ) قوله: "قال الترمذى :هذا حديث حسن صحيح" أى: هذا الحديث [الذی] رواه ثوبان . قلت : "(١) وفى إسناده سعيد بن المرزبان بن سعيد البقال - بالباء- الكوفى مولى حذيفة بن اليمان ، وهو ضعيف باتفاق الحفاظ ، ولعله صح عنده من طريق آخر ، وقد رواه أبو داود والنسائى بأسانيد جيدة (٢) / ٩٢ / عن رجل خدم النبى -عليه السلام- بلفظه ، فثبت أصل الحديث ، وقد رواه الحاكم فى "المستدرك على الصحيحين" وقال: حديث صحيح الإسناد(٣). [ قال شيخ الإسلام: ]٢٥ - وعن أنس - رَبُّه -، أن رسول الله ◌ّ له قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْحُ أو يُمسى: اللهمَّ إِنى أصبحتُ أُشْهِدِكَ، وَأُشهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلاَئِكَتَكَ وَجَمِيعَ (٤) خَلْقِكَ، أَنك(٥) أنتَ الله لا إلهَ إلا أنتَ، وأَن محمداً(٦) عبدُكَ ورسولُكَ، أَعْتَقَ اللهُ رَّبَعَهُ مِنَ النارِ ، ومن قالها مرتين أَعْتَقَ (٧)اللَّهُ نصفَهُ من النار، ومن قالها ثلاثا أَعْتَقَ الله ثلاثة أرباعِهِ من النارِ، ومن قالها (٨) (١) انظر الأذكار (ص/٧٤) باب ما يقال عند الصباح والمساء . (٢) أبو داود (٥٠٧٢) والنسائى فى عمل اليوم والليلة (رقم/٤) وانظر التعليق على الحديث رقم (٢٤) . (٣) الحاكم (٥١٨/١) من حديث رجل، ورواه من حديث أبى سعيد الخدرى، وانظر التعليق على الحديث رقم (٢٤). وإلى هنا انتهى النقل من الأذكار . (٤) فى "د" : " ... وملائكتك وكتبك ورسلك وجميع خلقك"، ولم أرها عند من خرج هذا الحديث ، فلعلها مقحمة ، والله أعلم . (٥) فى "ج" : "بأنك" . (٦) فى "د" : "لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً ... " ، وهى عند البخارى فى الأدب المفرد (١٢٠١) باب ما يقول إذا أصبح . (٧) مكررة فى الأصل . (٨) فى "ج" : "فإنْ قالها ... " . ( ١٤٣ ) أَرْبَعاً أَعْتَقَهُ الله من النار " قال الترمذى: حديث حسن غريب(١). أقول: أنس بن مالك خادم رسول الله صَل هو: أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى النجارى الأنصارى ، وأمه أم سليم، واسمها الرميصاء. ويقال: الغميضاء بنت ملحان بن خالد بن زيدبن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار، خدم رسول الله عشر سنين، روى له عن رسول الله -عليه السلام- ألفا حديث ومائتا حديث وستةً وثمانون حديثا، اتفقا على مائة وثمانية وستين ، وانفرد البخارى بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين، روى عنه أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف ، وابناه موسى والنضر، وعبيد الله بن أبى بكر بن أنس، وثمامة بن (١) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب ما يقول إذا أصبح (٥٠٦٩) من طريق عبد الرحمن بن عبد المجيد ، عن هشام بن الغاز بن ربيعة ، عن مكحول ، عن أنس بلفظ الباب ، ولم يروه الترمذى بلفظ الباب ، وإنما رواه أبو داود فى كتاب الأدب (٥٠٧٨) والترمذى فى كتاب الدعوات ، باب (٧٩) رقم (٣٥٠١) من طريق بقية بن الوليد ، عن مسلم بن زياد قال : سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ◌َ لّ "من قال حين يصبح: اللهم إنى أصبحت أشهدك، وأشهد حملة عرشك ، وملائكتك وجميع خلقك ، أنك أنت الله، لا إله إلا أنت ، وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك ، إلا غفر له ما أصاب فى يومه ذلك من ذنب ، وإن قالها حين يمسى ، غفر له ما أصاب تلك الليلة" وقال الترمذى: هذا حديث غريب ولم ينقل الحافظ المزى فى التحفة (١٥٨٧) عن الترمذى شيئاً، إلا أن الحافظ المنذرى ذكره فى الترغيب والترهيب (٢٢٧/١) وقال: قال الترمذى: حديث حسن، وفى المطبوع من "الكلم الطيب" (ص/١١): "حديث حسن صحيح" فإما أن يكون وهم أو نسخة أخرى ، إلا أن الحديث لا يرتقى لدرجة الحسن، بَلْهَ صحيح، وانظر الضعيفة (١٠٤١) وضعيف الجامع (٥٧٣١)، إلا أنه قد صح من حديث سلمان الفارسى مرفوعاً "من قال اللهم إنى أشهدك، وأشهد ملائكتك، وحملة عرشك، وأشهد من فى السماوات ومن فى الأرض ، أنك أنت الله ، لا إله إلا أنت ، وحدك لا شريك لك ، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك ، من قالها مرة .... " رواه الحاكم (٥٢٣/١) وقال: صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبى ، وقال الشيخ الألبانى فى الصحيحة (٢٦٧): وهو كما قالا . فالحديث صحيح غير مقيد بالصباح والمساء، والله أعلم . ( ١٤٤ ) عبد الله وخلق كثير، مات بالبصرة على فرسخ ونصف ، وقبره هناك فى موضع يعرف بقصر أنس بن مالك / ٩٣ / سنة ثلاث وتسعين. وقيل : خمس وتسعين، وهو ابن مائة وسبع سنين، وله من الأولاد مائة وعشرين ولدا(١). قوله : "وأشهد حملة عرشك" حملة العرش أربعة اليوم، فإذا كان يوم القيامة يكونون ثمانية، قال الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾(٢) . وقال وهب بن منبه(٣) : أربعة من الملائكة تحمل العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة وجوه : وجه ثور ، ووجه أسد، ووجه نسر ، ووجه إنسان . وقال -عليه السلام - : "إنهم اليوم أربعة ، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين ، فيكونون ثمانية"(٤). وروى : ثمانية أملاك ، أرجلهم فى تخوم الأرض السابعة ، والعرش فوق رءوسهم، وهم مطرقون مسبحون". وروى : "ثمانية أملاك فى خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً" . (١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٨٤/١)، أسد الغابة (٢٥٨/١)، الإصابة (٢٧٧/١). (٢) سورة الحاقة (١٧). (٣) انظر تفسير الكشاف (٦٠٢/٤). (٤) نقله المصنف من تفسير الكشاف (٦٠٢/٤) وقال الحافظ الزيلعى فى تخريج أحاديثه (٨٤/٤-٨٥): رواه الطبرى (٥٨/٢٩): ثنا ابن حميد، ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق قال: بلغنا أن رسول الله ◌َّ قال: "هم اليوم أربعة ... " وهو معضل، وذكره الثعلبى من غير سند ، وفى حديث الصور الطويل من رواية إسماعيل بن رافع المدنى ، عن يزيد بن أبى زياد، عن محمد بن كعب القرظى، عن رجل، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صل: "توقفون يوم القيامة موقفا مقدار سبعين عاما لا يقضى بينكم ... " فذكره بطوله إلى أن قال : "ثم ينزل الجبار تعالى فى ظلل من الغمام ، والملائكة تحمل عرشه يومئذ ثمانية ، وهم اليوم أربعة ... " الحديث بطوله رواه البيهقى والطبرانى وأبو يعلى وغيرهم اهـ. قلت: وإسماعيل المدنى قال الحافظ فى "التقريب" : "ضعيف سيئ الحفظ" وفيه رجل لم يسم. ( ١٤٥) وعن شهر بن حوشب : "أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك" . وعن الحسن : "الله أعلم كم هم؟ أثمانية أم ثمانية آلاف"؟ وعن الضحاك "ثمانية صفوف ، لا يعلم عددهم إلا الله"(١). قوله: "وملائكتك" عطف على ما قبله، من عطف العام على الخاص، وذلك ليدل على تخصيص حملة العرش بالفضل ، كما عطف الروح على الملائكة عطف الخاص على العام فى قوله : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ﴾(٢) لتخصيص الروح من بينهم . قوله: "وجميع خلقك" عطف على قوله: "وملائكتك" من عطف العام على الخاص أيضا، لأن جميع الخلق تتناول الملائكة وغيرهم قصدا للتخصيص أيضا ، وليس المراد هنا من تخصيص الملائكة / ٩٤ / من بين سائر المخلوقات بالذكر، هو الدلالة على أن الملائكة أفضل من البشر كما هو مذهب المعتزلة ، بل المقصود من إفرادهم بالذكر أن هذا المقام مقام الإشهاد ، والملائكة أولى بذلك من غيرهم، إما لأنهم عرفوا أن الله لا إله إلا هو ، وأن محمدا عبده ورسوله قبل سائر المخلوقات، وإما لأن الأصل فى الشهود العدالة ، وهى أتم فيهم. قوله: "أعتق الله" والمراد من الإعتاق التخليص عن ذل النار وقربها. قوله: "ومن قالها" أى: من قال هذه الكلمة . قوله: "غريب" قد عرفت فى أول الكتاب معنى الصحيح والحسن، وأما الغريب فاعلم أن الغرابة من الصفات الراجعة إلى الإسناد، والغريب فى اصطلاح المحدثين أن يتفرد به واحد عن الشيخ ، سواء كان ثقة أو ضعيفا، حتى لو شاركه فيه اثنان عن ذلك الشيخ دون بقية أصحابه يكون ذلك عزيزا ، وإن رواه كله عنه يكون مشهورا . ويستفاد من هذا الحديث جواز تَجْزِئ الإعتاق كما هو مذهب الإمام أبى حنيفة - ضيفه - . (١) إلى هنا انتهى النقل من تفسير الكشاف . (٢) سورة القدر (٤). ( ١٤٦ ) [قال شيخ الإسلام: ] ٢٦ - وعن عبد الله بن غنام، أن رسول الله ﴿ قال: "مَن قَالَ حينَ يُصبُح: اللهم ما أصبحَ بى من نِعمةٍ أو بِأَحَدٍ من خَلْقِكَ، فمنكَ وحدَكَ لا شريك لكَ، لكَ الحمدُ وَلَكَ الشكْرُ، فقد أدَّى شُكْر يومِهِ، ومن قَالَ [مِثلَ](١) ذَلكَ حِينَ يُمْسِى، فقد أَدَّى شَكْرَ لَيْلَتِهِ" خرجه أبو داود(٢). أقول : عبد الله بن غنام البياضى(٣) - بفتح الغين المعجمة وتشديد النون -، عداده فى أهل الحجاز، روى عنه عبد الله بن عنبسة. روى له أبو داود، ما أخرج [له] إلا حديثا واحدا، وهو الذى رواه الشيخ من قوله: "من قال حين يصبح" إلى آخره (٤). قوله : "ما أصبح بى" أى: ما صار مصاحبا بى من نعمة. قوله : "أو بأحد" أى: أو / ٩٥/ صار مصاحبا بأحد من خلقك. قوله : "فمنك" أى : فمن عندك ومن فضلك. قوله: "وحدك" يجوز أن يكون تأكيدًا لقوله: "لامنك" يعنى: كل ما أصبح بى من نعمة فمنك وحدك، لا يشاركك فى إعطائها غيرك، ويجوز أن يكون ابتداءُ كلام، أى : أوحدك وحدك. (١) زيادة من سنن أبى داود والكلم الطيب . (٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (٥٠٧٣) بدون قوله: "أو بأحد من خلقك"، والنسائى (٧)، ومن طريقه ابنُ السنى (٣٩) كلاهما فى "عمل اليوم والليلة" وليس عند ابن السنى "ومن قال مثل ذلك حين يمسى ... "، أخرجوه من طريق سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عنبسة، عن عبد الله بن غنام به، وعبد الله بن عنبسة قال الذهبى: "لا يكاد يعرف". وأخرجه النسائى (٨٩٧٦/٦ تحفة)، والطبرانى، وابن حبان (٨٦١/٣) من طريق سليمان بن بلال ، عن ربيعة بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عنبسة، عن عبد الله بن غنام ، عن عبد الله بن عباس به . فجعلوه من مسند "عبد الله بن عباس" ، وفيه خلاف يسير ذكره الحافظان فى التحقّةُ (٨٩٧٦/٦) والنكت الظراف. وقال الشيخ الألبانى فى الكلم الطيب: "عبد الله بن عباس تصحيف" وضعفه فى الكلم الطيب وضعيف الجامع (٥٧٣٠). (٣) فى الأصل : "البياض" خطأ . (٤) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٦٤٨/٣) أسد الغابة (٣١١٧/٣) الإصابة (٤٨٨٥/٤). ( ١٤٧ ) قوله : "لا شريك لك" تأكيد لقوله: "وحدك". قوله : "لك الحمد، ولك الشكر" أى: لك الحمد بلسانى على ما أعطيت، ولك الشكر بجوارحى على ما أوليت ، وإنما جمع بين الحمد والشكر، لأن الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده، والشكر سبب للزيادة، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾(١). وشكر المنعِم واجب، قال الله: ﴿وَاشْكُرُوا لِى وَلاَ تَكْفُرُونٍ﴾(٢). [قال شيخ الإسلام:] ٢٧ - وقال عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما - :٩٠لم يَكنْ رسول الله(٣) - عليه السلام - يَدَعُ هؤلاءِ الدعواتِ حينَ يُمسى وحين يُصبحُ: اللهم إِنى أُسْأَلَكَ العاَفِيَةَ فِي دِينِى ودنياى،(٤) وأهْلِى ومَالِى، اللهم اسْتُرْ عَوْرَاتِى، وَأَمِنْ رَوْعَاتِى، اللهم احْفَظْنِى من بين يَدَىَّ ومن خَلْفِى، وعَن يَمِينِى وعن شِمَالِى، ومن فَوْقِى، وأعوذُ بِرِحَتِك(٥) أن أُغْتَالَ مِن تَحْتِى" قال وكيع: يعنى: الخسف . خرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد(٦). سورة إبراهيم (٧) . (٢) سورة البقرة (١٥٢). (٣) فى الكلم الطيب "النبى" . (٤) فى "ج" و"د": "اللهم إنى أسألك العافية فى الدنيا والآخرة، اللهم إنى أسألك العفو والعافية فى دينى ... " وكذلك عند أبى داود وابن ماجه والنسائى وأحمد، وعند ابن ماجه "العفو والعافية" فيهما . وفى "هـ" والمستدرك كما عندنا فى الأصل . (٥) كذا فى الأصل: "برحمتك" وفى الكلم الطيب "بعظمتك" وكذلك عند أبى داود والنسائى والحاكم ومسند الإمام أحمد (٢٥/٢) وعند ابن ماجه "وأعوذ بك" ، فإما أن يكون وهم أو نسخة ، والله أعلم . (٦) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (٥٠٧٤)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٦٦) وابن ماجه فى كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى (٣٨٧١)، وأحمد (٢٥/٢)، وابن السنى (٣٨)، والحاكم (٥١٧/١) وغيرهم من طرق عن ( ١٤٨ ) أقول : عبد الله هو: أبو عبد الرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى المكى، أسلم مكة قديما مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر معه، وقدمه فى ثقله، واستصغر عن أحد، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله، أمه أم أخته حفصة زوج النبى - عليه السلام - زينب بنت مظعون ، روى له عن رسول الله - عليه السلام - / ٩٦ / ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثا، اتفقا على مائة وسبعين حديثا، وانفرد البخارى بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين، روى عنه أولاده سالم وحمزة وعبد الله وبلال ، وابن ابنه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، وابن أخيه حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ونافع مولاه، وعبد الله بن دينار مولاه، وزيد بن أسلم، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد ، وطاوس بن كيسان اليمانى، ومجاهد بن جبر، وعبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة ، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار وخلق سواهم، مات مكة سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر . وقيل : ستة أشهر . وروى ابن وهب ، عن مالك قال : بلغ عبد الله بن عمر ستا وثمانين سنة ، وَفَى فى الإسلامِ ستين سنة(١). قوله : "لم يكن رسول الله يدع" أى: لم يكن يترك، من ودع إذا ترك. قوله: "حين يمسى" أى: حين يدخل فى المساء، "وحين يصبح" أى: حين يدخل فى الصباح. قوله : "العافية" من عافاه الله وأعفاه، والاسم عافية، وهى: دفاعُ اللهِ عن العبد الأسقامَ والبلايَا، أما سؤال العافية فى الدين وهى : دفاعُ اللهِ كلَّ ما يشين الدين - عبادة بن مسلم الفزارى، عن جبير بن أبى سليمان ، عن ابن عمر به ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى، وروى النسائى بعضه فى كتاب الاستعاذة ، باب الاستعاذة من الخسفْ (٢٨٢/٨) وفى "عمل اليوم والليلة" (٦٦٧٣/٥ تحفة)، وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح ابن ماجه" (٣٣٢/٢) وغيره . تنبيه : تصحف فى مسند أحمد "عمارة بن مسلم" إلى "عُبادة بن مسلم". (١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٦٣٠/٣) أسد الغابة (٣٠٨٠/٣)، الإصابة (٤٨٣٧/٤). ( ١٤٩ ) ويضره ، وأما فى الدنيا فهى : دفاعُ اللهِ كلَّ ما يضر دنياه، وأما فى الأهل فهى : دفاعٌ اللهِ كلَّ ما يلحق أهله من البلايا والأسقام وغير ذلك، وأما فى المال فهى : دفاعُ اللهِ كلَّ ما يضر ماله من الغرق والحرق والسرقة ، وغير ذلك من أنواع العوارض المؤذية . قوله : "عوراتى" جمع عورة، وهى: كل ما يستحى منه إذا ظهر، والعورة من الرجل ما بين سرته إلى ركبته، / ٩٧ / ومن الحرة جميع بدنها إلا الوجه واليدين ، وفى القدمين روايتان(١)، ومن الأمة مثل الرجل مع بطنها وظهرها، والمراد منها جاهنا كل عيب وخلل فى شىء فهو عورة .. قوله : "وَآمِن" من قولك: أمن يؤمن من الأمن . قوله : "روعاتى" جمع روعة، وهى: المرة الواحدة من الروع، الفزع والخوف. قوله : "اللهم احفظنى من بين يدى" إلى آخره، طلب من الله أن يحفظه من المهالك التى تعرض لابن آدم على وجه الغفلة من الجهات الست بقوله : "من بين يدى ومن خلفى، (١) هذه المسألة من المسائل التى اختلف فيها السلف - رحمهم الله - فمنهم من قال بأن الوجه والكفين عورة لا يجوز إظهارها مطلقا، كما هو مشهور فى المذهب الحنبلى وعن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ومنهم من قال بأنهما ليسا بعورة، كما هو المشهور فى المذهب الحنفى - وهو الذى ذكره المصنف هاهنا - وكذلك فى المذهب المالكى والشافعى . وبالرغم من هذا الخلاف إلا أنهم جميعهم متفقون على وجوب ستر وجه المرأة وكفيها عند خوف الفتنة ، ولا يشك عاقل أننا فى زمان يموج بالفتن ، وقد سرى الفساد بين الناس سريان النار فى الهشيم، مما يؤكد اتفاق الأئمة على وجوب ستر الوجه والكفين الآن ، بل نقول بأن هذا الاختلاف اختلاف نظرى، فقد قال الحافظ ابن حجر فى الفتح (٣٣٧/٩): "إن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات ، لئلا يراهن الرجال" اهـ. وثمة قول آخر لبعض أهل العلم ، وهو أن الذين قالوا بكشف الوجه والكفين إنما أرادوا كشفهما فى الصلاة ، وهى حالة خاصة لا يقاس عليها خارج الصلاة . وانظر تفصيلا لهذه المسألة "عودة الحجاب" للشيخ / محمد بن إسماعيل المقدم والله أعلم . (١٥٠ ) وعن يميني وعن شمالى، ومن فوقى" ولاسيما من الشيطان وهو المزعج لعباد الله بدعواه فى قوله: ﴿ثُمَّ لِأَتِيَنْهُمْ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ الآية(١). وأما من جهة فوق فإن منها ينزل(٢) البلاء والصواعق والعذاب. فإن قلت : لم قال بحرف "من" فى قوله: "من بين يدى ومن خلفى" وبحرف "عن" فى قوله: "وعن يميني وعن شمالى"؟ قلت: قال صاحب "الكشاف" فى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لأَنِيِّنَّهُم﴾، الآية: "(٣) المفعول فيه عُدِّىَ إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، فكما اختلفت حروف التعدية فى ذاك اختلفت فى هذا، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط ، فلما سمعناهم يقولون جلس عن يمينه وعلى يمينه ، وعن شماله وعلى شماله، قلنا : معنى "على يمينه" تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلى من المستعلى عليه ، ومعنى "عن يمينه" أنه جلس متحافيا عن صاحب اليمين ، منحرفا عنه، غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل فى المتجافى وغيره كما ذكرناه فى "تعال" ونحوه من المفعول به قولهم: رميت / ٩٨ / عن القوس وعلى القوس ومن القوس ، لأن السهم يبعد عنها ، ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمى ، ويبتدئ الرمى منها ، وكذلك قالوا : جلس بين يديه وخلفه بمعنى "فى"، لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه، لأن الفعل يقع فى بعض الجهتين، كما تقول : جئته من الليل تريد بعض الليل"(٤). وإنما أفرد الجهة السادسة بقوله: "وأعوذ برحمتك أن أغتال من تحتى" إشارة إلى أنه ما ثُمَّ مهلكة من المهالك أشد وأفظع من التى تعرض لابن آدم من جهة التحت ، وذلك مثل الخسف ، لأن الخسف يكون من التحت ، ولذلك فسر وكيع الاغتيال بالخسف . (١) سورة الأعراف (١٧) . (٢) فى الأصل "تنزل" . (٣) انظر تفسير الكشاف (٩٣/٢). (٤) إلى هنا انتهى النقل من تفسير الكشاف . ( ١٥١) فإن قلت : هل يقع الخسف فى هذه الأمة حتى استعاذ منه؟ قلت : نعم، لما روى الترمذى عن ابن عمر - رضيته - قال: سمعت رسول الله وَ لا يقول: "يكون فى أمتى خسف ومسخ، وذلك فى المكذبين بالقدر"(١) . وروى الترمذى أيضا عن أبى هريرة قال: قال رسول الله﴿: "إذا اتّخِذَ الفئُ دُولا، والأمانةُ مغنما ، والزكاة مغرما ، وتُعُلِّمَ لغير الدين، وأطاع الرجلُ امرأتَه، وعقَّ أُمَّه، وأدنى صديقه، وأقصى آبَاه، وظهرت الأصواتُ فى المساجدِ، وسادَ القبيلةَ. فاسقُهم ، وكان زعماءُ القومِ أراذلَهم، وأُكرمَ الرجلُ مخافةَ شرِّه، وظهرتِ القيناتُ والمعازفُ، وشرِبت الخمورُ، وَلَعَن آخرُ هذه الأمة أولَهَا، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراءَ، وزلزلةً ، ومسخا، وخسفا ، وقذفا ، وآيات تتابع كنظم قُطع(٢) سلكه فتابع"(٣). وفى حديث مسلم : "وثلاث خسوف : خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب"(٤) . (١) أخرجه الترمذى فى كتاب القدر، باب (١٦)، رقم (٢١٥٢، ٢١٥٣) ، وابن ماجه فى كتاب الفتن ، باب الخسف (٤٠٦١) من طريق أبى صخر ، عن نافع ، عن ابن عمر به ، وقال الترمذى: "حديث حسن صحيح"، وحسنه الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٣٩٣/٤-٣٩٤) وذكر له شواهد كثيرة فانظرها هناك . (٢) فى جامع الترمذى : "كنظام بالٍ قطع ... " . (٣) أخرجه الترمذى فى كتاب الفتن، باب ماجاء فى علامة المسخ والخسف (٢٢١١) من طريق رميح الجذامى ، عن أبى هريرة مرفوعا . ورميح هذا قال فيه الحافظ فى التقريب "مجهول" ، قاله الشيخ الألبانى فى الضعيفة (١٧٢٧). (٤) مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب فى الآيات التى تكون قبل الساعة (٤٠،٣٩/٢٩٠١) من حديث حذيفة بن أسيد الغفارى قال: "اطّلع النبى ﴿ علينا ونحن نتذاكر ، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات ، فذكر الدُّحَان ، والدجال، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى = ( ١٥٢ ) وأما / ٩٩ / قوله: "أغتال" بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة من الغول، يقال: غاله يغوله، واغتاله يغتاله، أى: ذهب به وأهلكه، والغائلة صفة لخصلة مهلكة، والاغتيال أن يؤتى الأمر من حيث لا يشعر، وأن يدهى بمكروه لم يرتقبه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾(١). وأما وكيع فهو : أبو سفيان وكيع بن الجرّاح بن مليح بن عدى بن فرس بن جمحة . وقيل: ابن فرس بن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيدة بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الرؤاسى الكوفى ، من قيس عيلان . قيل : أصله من قرية من قرى نيسابور. وقيل : من الصغد. وروى عنه أنه قال: ولدت بآية: قرية من قرى أصبهان، سمع إسماعيل بن أبى خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وابن جريج، والأوزاعی، والثوری، وشعبة، روی عنه عبد الله بن المبارك، وقتيبة ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين ، وعلى بن المدينى وخلق كثير ، قدم بغداد وحدث بها ، وهو من مشايخ الحديث الثقات المعمول بحديثهم، المرجوع إلى قولهم، كبير القدر. قال ابن معين: ما رأيت أفضل من وكيع، وكان يفتى بقول أبى حنيفة، وكان قد سمع شيئا كثيرًا. وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت رجلا قط مثل وكيع فى العلم والحفظ والإسناد والأبواب. وقال ابن عماد: ما كان فى الكوفة فى زمان وكيع أفقه، ولا أعلم بالحديث من وكيع، كان جهذا. ولد سنة تسعة وعشرين ومائة. وقيل: سنة ثمان وعشرين، ومات سنة سبع وتسعين ومائة يوم عاشوراء، ودفن بِفَيْد منصرفا من الحج روى له الجماعة (٢). / ١٠٠ / "الجَرَّاح" بفتح الجيم وتشديد الراء، وبالحاء المهملة. و "الرُؤاس" بضم الراء وفتح الهمزة وبالسين المهملة . ٠٠ - ابن مريم - عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف : .... ، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن ، تطرد الناس إلى محشرهم". (١) سورة الأنعام (٦٥) . (٢) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٤٦٢/٣٠، رقم / ٦٦٩٥). ( ١٥٣) [قال شيخ الإسلام:] ٢٨ - وعن طلق بن حبيب قال: جاء رجل إلى أبى الدرداء فقال : يا أبا الدرداء قد احترقَ بيتُك. فقال: ما احترق، لم يكنِ اللّهُ لِيفعلَ ذلك، لكلمات(١) سمعتُهن من رسول الله ﴿، من قالها أولَ نَهارِهِ لم تصبُهُ مُصيبةٌ حتى يُمسى، ومن قالها آخرَ النهارِ لم تصبْهُ [مُصيبةٌ](٢) حتى يصبحُ: "اللهم أنتَ ربى، لا إلهَ إلاَّ أنتَ، عَلَيكَ توكلتُ وأنتَ ربُّ العرشِ العظيمِ، ما شاءَ اللهُ كَانَ وما لم يشأ لم يكنْ، لا حَولَ ولا قُوةَ إلا باللهِ العَلىِّ العظيمِ، أَعلمُ أَنَّ اللهَ عَلى كلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ اللهَ قَدْ أحَاطَ بكلٌ شَىءٍ عِلْمًا ، اللهم إنى أعوذُ بِكَ من شَرٌ نَفْسِى، ومن شرٌ كُلِ دَابَّةٍ أنتَ أَخذٌ بناصِيَتَهَا، إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"(٣) . أقول : طلق بن حبيب العَنَزِىُّ - بفتح العين المهملة وبالنون والزاى - من بنى عَنَزَةً . ويقال: الغتوى البصرى من بنى غنى بن أَعْصُر البصرى، "الغنوى" بفتح الغين المعجمة وفتح النون وبالواو . و"أَعْصُر" بسكون العين وضم الصاد المهملة، كان من العباد الموصوفين بكثرة العبادة، يعد فى التابعين ، روى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، وجابر بن عبد الله، وجندب بن عبد الله، روى عنه عمرو بن دينار، وسعد بن (١) فى الكلم الطيب "بكلمات" . (٢) زيادة من مصدر التخريج ، و"الكلم الطيب" . (٣) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٥) من طريق الأغلب بن تميم، حدثنا الحجاج بن فُرافصة، عن طلق بن حبيب قال: جاء رجل إلى أبى الدرداء، فذكره. وفيه الأغلب بن تميم قال البخارى: "منكر الحديث". وقال ابن علان فى "الفتوحات الربانية" (١٢٠/٣): "قال العراقى فى تخريج الإحياء: رواه الطبرانى بسند ضعيف" . وأخرجه ابن السنى كذلك (٥٦) من طريق معان أبى عبد الله، حدثنا رجل، عن الحسن قال: كنا جلوسا مع رجل من أصحاب رسول الله وَلِّ فأتى فقيل له: "أدرك دارك" وذكره بنحوه، وفيه رجل لم يسم، وضعفهما الشيخ الألبانى فى الكلم الطيب (ص/٣٦) . ( ١٥٤) إبراهيم، وعبد الله الدَّاناج، وعمرو بن مرة، والمختار بن فُلْفَل، ومصعب بن شيبة ، قال أبو حاتم : صدوق فى الحديث ، روى له الجماعة إلا البخارى(١). وهذا الحديث الذى ذكره الشيخ عن طلق بن حبيب من كتاب ابن السنى ، وهو الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السنى . وقال الشيخ محيى الدين النورى : (٢) "قد صنف فى "عمل اليوم والليلة" جماعة من الأئمة / ١٠١ / كتبا نفيسة، رووا فيها ما ذكروه بأسانيدهم المتصلة ، وطرقوها من طرق كثيرة ، ومن أحسنها "عمل اليوم والليلة" للإمام أبى عبد الرحمن النسائى، وأحسن منه وأنفس ، وأكثر فوائد: كتاب "عمل اليوم والليلة" لصاحبه الإمام أبى بكر أحمد بن محمد بن إسحاق السنى". واعلم (٣) أن ابن السنى روى هذا الحديث من طريق آخر أيضا ، عن رجل من أصحاب النبى ◌َّ، لم يقل عن أبى الدرداء، وفيه أنه تكرر مجئ رجل إليه يقول: "أدرك دارك فقد احترقت. وهو يقول: ما احترقت، لأنى سمعت النبى و يقول: "من قال حين يصبح هذه الكلمات" وذكر هذه الكلمات "لم يصبه فى نفسه، ولا أهله، ولا ماله شيء يكرهه، وقد قلتها اليوم، ثم قال: انهضوا بنا ، فقام وقاموا معه، فانتهوا إلى داره، وقد احترق ما حولها ولم يصبها شىء"(٤). قوله : "عليك توكلت" التوكل تفويض الأمر إلى الله تعالى. وقيل: التوكل: الطمأنينة. وقال بشر الحافى: التوكل الرضا. وقال ذو النون : خلع الأرباب، وقطع الأسباب . وقال أيضا : التوكل إلقاء النفس فى العبودية، وإخراجها من الربوبية . وقال إبراهيم الخواص : التوكل : إسقاط الخوف والرجاء عما سوى الله تعالى. وقال ذو النون : (١) انظر ترجمته فى "تهذيب الكمال" (٢٩٨٨/١٣). (٢) انظر الأذكار (ص/١٤). (٣) انظر الأذكار للإمام النووى (ص/٧٩) باب ما يقال عند الصباح والمساء . (٤) عمل اليوم والليلة لابن السنى (٥٦) . ( ١٥٥) التوكل: انقطاع المطامع. وقيل: التوكل : أن لا يعصى الله من أجل رزقه. وقيل: أن لا يَطْلُبَ لنفسه ناصرا غير الله، ولا لرزقه جاريا غيره، ولا لعلمه شاهدا غيره. وقال الجنيد : التوكل : أن تُقبِلَ على الله بالكلية، وتُعْرِضَ عمن دونه ، وأقوال أخرى ذكرها المشايخ ، تركتها رَوْمًا للاختصار . / ١٠٢ / وتأخير الفعل يدل على الاختصاص كما فى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعبد وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(١). قوله : ﴿وأنت رب العرش العظيم﴾ أى: خالق العرش العظيم، أو مالكه، وإنما وصف العرش بالعظم لأنه ما فى المخلوقات شىء أعظم من العرش، ويجوز أن يكون العظيم صفة الرب، وقد وصف الله أشياء بالعظم فى القرآن، منها: العرش، قال الله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾(٢) ومنها القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾(٣) ومنها خُلُقُ النبىِرَّ، قال: ﴿وَإِنْكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٌ﴾(٤) ومنها: البهتان، قال: ﴿سُبْحَانَكَ هذا بُهِتَانٌ عَظِيمٌ﴾(٥) ومنها كيد النساء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾(٦)، ومنها عرش بلقيس، قال الله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾(٧)، ومنها وصف نفسه بقوله: ﴿الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾(٨). (١) سورة الفاتحة (٥) . (٢) سورة التوبة (١٢٩) . (٣) سورة الواقعة (٧٦) . (٤) سورة القلم (٤) . (٥) سورة النور (١٦). (٦) سورة يوسف (٢٨) . (٧) سورة النمل (٢٣) . (٨) سورة البقرة (٢٥٥) . ( ١٥٦) قوله : ﴿وأن الله قد أحاط بكل شىء علما﴾، يعنى: أحاط علمه بكل شىء، والإحاطة(١): إدراك الشىء بكماله، وهو الله تعالى، وقوله: "علما" نصب على التمييز، والتقدير ما قلنا، وفيه من المبالغة والتأكيد ما ليس فى ترك التمييز. قوله : "أعوذ بك من شر نفسى" إنما استعاذ من شر نفسه لأن النفس أمارة بالسوء، ميالة إلى اللذات والشهوات ، وقد فسرنا النفس المستعاذ من شرها . قوله : "ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها" الأخذ بالناصية تمثيل لكون كل شىء فى قبضته وملكه، وتحت قهره وسلطانه ، وإنما لم يقل: من شر كل شىء ، استغناء بوضوح البرهان على أن لا شىء فى الموجودات إلا وقد اشتملت ربوبيته عليه ، وهو تحت قدرته الأزلية ، موسوم بالذل والصغار . قوله : ﴿إِن ربى على صراط / ١٠٣ / مستقيم)، يريد: إنه على طريق الحق والعدل فى ملكه، لا يفوته ظالم ، ولا يضيع عنده معتصم به . (١) فى الأصل "والإحاط" . ( ١٥٧ ) ٣ - فصل فيما يقال عند المنام إقال شيخ الإسلام : ] أقول : لما فرغ عن بيان فضائل الأذكار المطلقة والمؤقتة، شرع فى بيان الأذكار التى يذكر كل واحد منها عند حالة من الأحوال، "والمنام" هو النوم مصدر ميمى، أى : هذا فصل فى بيان ما يقال من الأدعية عند النوم . [قال شيخ الإسلام:] ٢٩ - قال حذيفة - ظه -: "كان رسول الله ﴿ إِذَا أَرَادَ أَن يَنَامَ قَالَ: بِاسْمِكَ اللهِمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا، وإِذَا استيقظَ مِنِ مناهِهِ قال: الحمدُ للهِ الذى أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" متفق عليه(١). أقول : حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، ويقال: حِسْل بن جابر بن أَسِيد بن عمرو بن ربيعة بن جُرْوة بن الحارث بن مازن بن قُطَيعة بن عبس بن بَغِيضِ بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، حليف بنى عبد الأشهل، شهد مع رسول الله ﴿ هو وأبوه أحدا، وقتل أبوه يومئذ، رَوَیا له اثنى عشر حديثا، وانفرد البخارى بثمانية، وانفرد مسلم بسبعة عشر، روى عنه عمار بن ياسر ، وجندب بن عبدالله العلقى، وعبد الله بن يزيد الخطمى، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثى، وعبد الله بن عُكيم الجهنى ، وابنه أبو عبيدة بن حذيفة ، وأبو حذيفة سلمة بن صهيبة ، وربعى بن حراش، وطارق بن شهاب ، وهمام بن الحارث، وصلة بن زفر العبسى، وزربن حبيش / ١٠٤ / وعبد الله بن (١) البخارى : كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام (٦٣١٢) من حديث حذيفة، مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (٥٩/٢٧١١) من حديث البراء بن عازب، ولم أره عند مسلم من حديث حذيفة، وعد الحافظ ابن حجر فى الفتح (٢٢٨/١١) آخر كتاب الدعوات حديث حذيفة من مفردات البخارى عن مسلم، والله أعلم. ( ١٥٨) الصامت ، وأبو عبيدة المغيرة ، ومسلم بن نُذير ، وأبو وائل شقيق ابن سلمة ، وزيد بن وهب الجهنى، وعبد الرحمن بن أبى ليلى. ولاه عمر بن الخطاب - ظافته - المدائن، فنزل بها ، ومات بها سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بن عفان بأربعين ليلة، روى له الجماعة(١) . وقوله : "حِسْل" بكسر الحاء المهملة، وسكون السين المهملة، و"حُسيل" تصغيره، و"أسيد" بفتح الهمزة وكسر السين، و"قُطَيعة" بضم القاف وفتح الطاء المهملة، وبالعين المهملة، و"عبس" بالباء الموحدة والسين المهملة، و"بَغِيض" بفتح الباء الموحدة وكسر الغين المعجمة ، وبالضاد المعجمة، و"ريث" بالراء المهملة والياء تحتها نقطتان ، والثاء المثلثة ، و"جُرْوة" بضم الجيم، وسكون الراء . قوله : "باسمك اللهم أموت" يعنى : على ذكر اسمك أموت . قوله : "وأحيا" أى: باسمك اللهم أحيا، أى: بذكر اسمك أحيا، وقيل: التقدير: باسمك المميت أموت، وباسمك المحبى أحيا، وقيل: معناه: أنت تميتنى، وأنت تحيينى، والاسم هنا هو المسمى . قوله : "بعد ما أماتنا" المراد من هذه الإماتة النوم . قوله : "وإليه النشور" أى: الإحياء للبعث يوم القيامة، فنبه - عليه السلام - بإعادة اليقظة بعد النوم - الذى هو موت - على إثبات البعث بعد الموت . فإن قلت : ما الحكمة فى الدعاء عند إرادة النوم ، وعند الاستيقاظ ؟ قلت : أما عند النوم ليكون خاتمة أعماله بذكر الله تعالى، وأما عند الانتباه فليكون أول عمله بذكر الله / ١٠٥ / تعالى ، والكلم الطيب . (١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٥١٠/١)، أسد الغابة (١١١٣/١)، الإصابة (١٦٤٩/٢). ( ١٥٩ )